ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    نظرة مفصلة تحليلية للأحداث وما جرى فيها من تبعات

    من هو ابن العلقمي وكيف ظهر صيته؟:
    هو محمد بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن العلقمي البغدادي الرافضي، وزير المستعصم.
    كانت دولته أربع عشرة سنة، فأفشى فيها الرفض، فعارضه السنة، فأُكبت فتنمر[1].
    اشتغل بالحلة على عميد الرؤساء أيوب، وعاد إلى بغداد وأقام عند خاله عضد الدين أبي نصر المبارك بن الضحاك، وكان استاد الدار، ولما قبض على مؤيد القمي وكان استاد الدار؛ فوضت الاستاددارية إلى شمس الدين ابن الناقد، ثم عزل وفوضت الاستاددارية إلى ابن العلقمي.
    فلما توفي المستنصر بالله وولي الخلافة أمير المؤمنين المستعصم، وتوفي الوزير نصر الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد، وزّر ابن العلقمي، وكان قد سمع الحديث واشتغل على أبي البقاء العكبري.
    وحكي أنه لما كان يكاتب التتار تحيّل مرة إلى أن أخذ رجلا وحلق رأسه حلقا بليغا، وكتب ما أراد عليه بوخز الإبر كما يفعل بالوشم، ونفض عليه الكحل وتركه عنده إلى أن طلع شعره وغطى ما كتب، فجهزه؛ وقال: إذا وصلت مرهم بحلق رأسك ودعهم يقرؤون ما فيه. وكان في آخر الكلام: قطّعوا الورقة. فضربت رقبته. وهذا غاية في المكر والخزي. والله اعلم[2].

    وصفه الذهبي رحمه الله بما يستحق فاحسن الوصف، قال رحمه الله: الوزير الكبير الخنزير المدبر المبير مؤيد الدين ابن العلقمي البغدادي الشيعي الرافضي وزير الخليفة الإمام المستعصم بالله. ولي وزارة العراق أربعة عشر سنة، فأظهر الرفض قليلا.
    ذكره بهاء الدين ابن الفخر عيسى الموقع يوما؛ فقال: كان وزيرا كافيا، قادرا على النظم، خبيرا بتدبير الملك، ولم يزل ناصحا لمخدومه حتى وقع بينه وبين حاشية الخليفة وخواصه منازعة فيما يتعلق بالأموال والاستبداد بالأمر دونه، وقويت المنافسة بينه وبين الدويدار الكبير، وضعف جانبه حتى قال عن نفسه:
    وزير رضي من باسه وانتقامه بطي رقاع حشوها النظم والنثر
    كما تسجع الورقاء وهي جماعة وليس لها نهي يطاع ولا أمر
    فلما فعل ما فعل كان كثيرا ما يقول: وجرى القضاء بضد ما أملته.
    قال الذهبي: وكان في قلبه غل على الإسلام وأهله، فاخذ يكاتب التتار ويتخذ عندهم يدا ليتمكن من أغراضه الملعونة. وهو الذي جرَّأ هولاكو وقوى عزمه على المجيء، وقرر معه لنفسه أمورا انعكست عليه، وندم حيث لا ينفع الندم.
    وولي الوزارة للتتار على بغداد مشاركا لغيره، ثم مرض ولم تطل مدته، ومات غما وغبنا، فواغبناه كونه مات موتا حتف أنفه، وما ذاك إلا ليدخر له النكال في الآخرة[3].

    قال العيني رحمه الله: خدم في أيام المستنصر استادار الخلافة مدة طويلة، ثم استوزره المستعصم بالله، ولم يكن وزير صدق، فإنه كان من الفضلاء الأدباء إلا أنه كان رافضيا خبيثا، رديء الطوية على الإسلام وأهله، وقد حصل له من التعظيم والوجاهة في أيام المستعصم ما لم يحصل لكثير من قبله من الوزراء، ثم مالأ على الإسلام وأهله التتار أصحاب هولاكو، حتى جاءوا فجاسوا خلال الديار، وكان أمرا مفعولا، ثم حصل له من الإهنة في أيامهم والقلة والذلة وزوال ستر الله ما لا يحد ولا يوصف[4].

    [1] انظر سير أعلام النبلاء 23/361.

    [2] انظر الوافي بالوفيات 1/186، فوات الوفيات 2/258.

    [3] انظر تاريخ الإسلام وفيات سنة 656هـ ص290، الوافي بالوفيات 1/184، فوات الوفيات 2/256.

    [4] انظر عقود الجمان 1/202.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    بداية الأمر وتوالي الأحداث ودواعيها:
    في سنة 655هـ حصل نزاع شديد وفتنة مهولة ومحاربة بين السنة والروافض، السنة ممثلة بأهل باب البصرة، والروافض ممثلة بأهل الكرخ، وكان فيه جماعة من الأشراف، وكانت الفتن لا تزال بينهم وبين أهل باب البصرة، على جاري عادتهم.
    فشكى أهل باب البصرة وهم سنية، إلى ركن الدين الدوادار، والأمير أبي بكر ابن الخليفة، فتقدما إلى الجند بنهب الكرخ، فهجموا ونهبوا وقتلوا وارتكبوا العظائم، وهتكوا النساء وركبوا منهن الفواحش.
    وبحكم التعصب للمذهب الرافضي، عظم ذلك على الوزير ابن العلقمي، فشكى أهل الكرخ ذلك إلى الوزير، فأمرهم بالكف والتغاضي واضمر هذا الأمر في نفسه. وحصل عنده بسبب ذلك الضغن على الخليفة، مما دعاه وحمله على مكاتبة التتر وأطمعهم في ملك بغداد.
    وظن المخذول أن الأمر تم، وانه يقيم خليفة علويا، فأرسل أخاه ومملوكه إلى هولاكو، وسهل عليه أخذ بغداد وملك العراق، وطلب أن يكون نائبا لهم عليها، فوعدوه بالأماني[1].

    ويخبر ابن تغري بردي، أن من أسباب الخيانة؛ أنه ظهر من الخليفة تغير عليه، ففطن ابن العلقمي إلى ذلك[2].
    يقول الديار بكري: وكان قصد الوزير بمجيء هولاكو أشياء؛ منها:
    أنه كان رافضيا خبيثا و أراد أن ينقل الخلافة من بني العباس إلى العلويين فلم يتم له ذلك من عظم شوكة بني العباس وعساكرهم، فأفكر أن هولاكو إذا قدم يقتل المستعصم واتباعه ثم يعود إلى حال سبيله، وقد زالت شوكة بني العباس، وقد بقي هو على ما كان عليه من العظمة والعساكر وتدبير المملكة، فيقوم عند ذلك بدعوة العلويين الرافضة من غير ممانع لضعف العساكر ولقوته، ثم يضع السيف في أهل السنة. فهذا كان قصده لعنه الله[3].
    ويخبر العلامة ابن خلدون عن أحداث جديدة في وصول ابن العلقمي إلى هولاكو، فيقول: إن هولاكو
    لما قصد قلعة الموت، وبها صاحبها علاء الدين، فبلغه في طريقه وصية من ابن العلقمي وزير المستعصم ببغداد، في كتاب ابن الصلايا صاحب اربل يستحثه للمسير إلى بغداد، ويسهل عليه أمرها.
    حيث دس ابن العلقمي إلى ابن الصلايا بإربل، وكان صديقا له بان يستحث التتر لملك بغداد[4].

    وكان الذي حمله على مكاتبة العدو عداوة الدويدار الصغير وأبى بكر ابن الخليفة وما اعتمده من نهب الكرخ، وأذية الروافض، وفيهم أقارب الوزير وأصدقاؤه وجماعة علويين.
    فكتب إلى نائب اربل تاج الدين محمد بن صلايا العلوي الشيعي الرسالة التي يقول فيها: كتب بها الخادم من النيل إلى سامي مجدك الأثيل، ويقول فيها: إنه قد نهب الكرخ المكرم، وقد ديس البساط النبوي المعظم، وقد نهبت العترة العلوية، واستؤسرت العصابة الهاشمية، وقد حسن التمثل بقول الشاعر من غزية:
    أمور يضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها اللبيب

    فلهم أسوة حسنة بالحسين حيث نهب حريمه وأريق دمه ولم يعثر فمه:
    أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
    وقد عزموا لا أتم الله عزمهم، ولا أنفذ أمرهم، على نهب الحلة والنيل[5]، بل سولت لهم أنفسهم أمرا، فصبر جميل. وإن الخادم قد أسلف الإنذار وعجل لهم الإعذار.
    أرى تحت الرماد وميض نار ويوشك أن يكون لها ضرام
    وان لم يطفها عقلاء قوم يكون وقودها جثث وهام
    فقلت من التعجب ليت شعري أأيقاظ أمية أم نيام
    فان يك قومنا أضحوا نياما فقل هبوا لقد حان الحمام
    فكان جوابي بعد خطابي: لابد من الشنيعة، ومن قتل جميع الشيعة، و من إحراق كتاب "الوسيلة" و "الذريعة"، فكن لما نقول سميعا، وإلا جرعناك الحمام تجريعا، فكلامك كلام، وجوابك سلام، ولتتركن في بغداد أحمل من المشط عند الأصلع، والخاتم عند الأقطع، ولتنبذن نبذ الفلاسفة بحظورات الشرائع، وتلقى لقاء أهل القرى أسرار الطبائع، فلأفعلن بلبي كما قال المتنبي:
    قوم إذا أحدوا الأقلام من غضب ثم استمدوا بها ماء المنيات
    نالوا بها من أعاديهم وان بعدوا ما لا ينال بحد المشرفيات
    ولآتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولأخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون.
    ووديعة من سر آل محمد أودعتها إذا كنت من أمنائها
    فإذا رأيت الكوكبين تقاربا في الجدى عند صباحها ومساءها
    فهناك يؤخذ ثار آل محمد لطلابها بالترك من أعدائها
    فكن لهذا الأمر بالمرصاد، وترقب أول النحل وآخر صاد[6] والخير يكون إن شاء الله[7].

    وكان استطماع ابن العلقمي لهولاكو بقتل أهل بغداد أنه توافق في نفس هذه السنة، أعني سنة 655هـ من شهر شوال، رحل هولاكو عن حدود همذان نحو مدينة بغداد، وكان في أيام محاصرته قلاع الملاحدة قد سير رسولا إلى الخليفة المستعصم يطلب منه نجدة، فأراد أن يسير ولم يقدر ولم يمكنه، فتقاعدوا بسبب هذا الخيال عن إرسال الرجال. ولما فتح هولاكو تلك القلاع أرسل رسولا آخر إلى الخليفة وعاتبه على إهماله تيسير النجدة[8].
    الوزراء والأمراء؛ وقالوا: إن هولاكو رجل صاحب احتيال وخديعة وليس محتاجا إلى نجدتنا وإنما غرضه إخلاء بغداد عن الرجال فيملكها بسهولة.

    [1] انظر ذيل مرآة الزمان 1/86، المختصر في أخبار البشر 3/233، العبر في خبر من عبر 3/277، سير أعلام النبلاء 23/362، تاريخ ابن الوردي 2/189، مآثر الإنافة 2/90، عقد الجمان 1/170، تاريخ ابن سباط 1/374، تاريخ الخميس 2/376، شذرات الذهب 7/468، طبقات الشافعية الكبرى 8/263.

    [2] انظر المنهل الصافي 7/127.

    [3] انظر تاريخ الخميس 2/377.

    [4] انظر تاريخ ابن خلدون 10/1149.

    [5] النيل هنا: بليدة في سواد الكوفة. معجم البلدان 4/861.

    [6] في تاريخ ابن الوردي: وتأول أول النجم واحرص.

    [7] انظر تاريخ الإسلام وفيات سنة 656هـ ص291، تاريخ ابن الوردي 2/190، طبقات الشافعية الكبرى 8/263.

    [8] انظر تاريخ مختصر الدول ص269.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    تحين الفرصة وظهور مستور الخسة وحال الخلافة قبل البغتة:
    بناءً على ما ذكرنا استغل وزير الدولة ابن العلقمي غضب هولاكو وحنقه على الخليفة المستعصم، وأنه قاصد للعراق، فكشر عن أنيابه، وأفاح من نتنه، فحاك مكيدة دبرها وحكاية سطرها، كان مآلها هلاك الخليفة وأرباب دولته، وقتل معظم أهل بغداد ونهبوا، وما دهي الإسلام بداهية أعظم من هذه الداهية ولا أفظع[1].
    لما أحس الخليفة المستعصم بغضب هولاكو شاور الوزير فيما يجب أن يفعلوه؛ فقال: لا وجه غير إرضاء هذا الملك الجبار ببذل الأموال والهدايا والتحف له ولخواصه.
    وعندما اخذوا في تجهيز ما يسيرونه من الجواهر والمرصعات والثياب والذهب والفضة والمماليك والجواري والخيل والبغال والجمال، قال الدويدار الصغير وأصحابه: إن الوزير إنما يدبر شان نفسه مع التتار، وهو يروم تسليمنا إليهم، فلا نمكنه من ذلك.
    فبطل الخليفة بهذا السبب تنفيذ الهدايا الكثيرة، واقتصر على شيء نزر لا قدر له.
    فغضب هولاكو؛ وقال: لا بد من مجيئه هو بنفسه أو يسير أحد ثلاثة نفر؛ إما الوزير وإما الدويدار وإما سليمان شاه.
    فتقدم الخليفة إليهم بالمضي، فلم يركنوا إلى قوله. فلما تحقق الخليفة حركة التتر نحوه سير غيرهم مثل: ابن الجوزي وابن محيي الدين، فلم يجديا عنه.
    وكان إرسالهم إليهم ليعدوهم بأموال يبذلها الخليفة لهم.
    ثم سير الخليفة نحو مائة رجل إلى الدر بند الذي يسلكه التتر إلى العراق ليكونوا فيه، ويطالعوه بالأخبار، فتوجهوا ولم يأت منهم خبر، لأن الأكراد اللذين كانوا عند الدربند دلوا التتر عليهم على ما قيل، فقتلوهم كلهم[2].

    [1] انظر ذيل مرآة الزمان 1/85.

    [2] انظر تاريخ مختصر الدول ص269، ذيل مرآة الزمان 1/87.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    الحرب والقتال وما دار من أحداث وسجال:
    كاتب التتار بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل في أن يسير إليهم ما يطلبونه من آلات الحرب، فسير إليهم ذلك، ولما تحقق قصدهم علم أنهم إن ملكوا العراق لا يبقون عليه. فكاتب الخليفة سرا في التحذير منهم، وأنه يعتد لحربهم ويستنهضه في الباطن، وما وسعه إلا مداراة هولاكو في الظاهر.
    فكان الوزير ابن العلقمي لا يوصل رسله إلى الخليفة، ومن وصل إلى الخليفة منهم بغير علم الزير، اطلع الخليفة وزيره على أمره.
    وكان الشريف تاج الدين بن صلايا نائب الخليفة بإربل؛ فسير إلى الخليفة من يحذره من التتر، وهو غافل لا يجدي فيه التحذير ولا يوقظه التنبيه، لما يريده الله تعالى[1].

    توجه التتر إلى العراق وأمر هولاكو "بايجونوين" و "سونجاق نوين" ليتوجها في مقدمته على طريق اربل، وتوجه هو على طريق حلوان.
    جاء "بايجونوين" في جحفل عظيم وفيه خلق من الكرخ، ومن عسكر "بركة خان" ابن عم هولاكو، ومدد من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، مع ولده الملك الصالح، من جهة البر الغربي عن دجلة.
    وكان عسكر بغداد يبلغ مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم بتحسين من ابن العلقمي وأمثاله، ليحمل إلى التتر متحصل إقطاعياتهم، وصار عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس.
    وكان أساس هذا الفعل أن ابن العلقمي كتب كتابا إلى هولاكو ملك التتار في الدشت: إنك تحضر إلى بغداد وأنا أسلمها لك. وكان قد داخل قلب اللعين الكفر. فكتب إليه هولاكو يقول: إن عساكر بغداد كثيرة فإن كنت صادقا فيما قلته وداخلا في طاعتنا، ففرق عساكر بغداد، فإذا فعلت ذلك حضرنا.
    فلما وقف العلقمي على كتاب هولاكو دخل إلى المستعصم وقال له: إن جندك كثيرة وعليك كلفة كبيرة، والعدو قد رجع من بلاد العجم، والصواب الذي أرى أن تعطي دستورا لخمسة عشر ألف
    فارس من عسكرك، وتوفر معلومهم.
    فأجابه المستعصم إلى ذلك، فخرج الوزير من وقته وعرض العسكر ونقى منهم خمسة عشر ألفا نقاوة العسكر، ومحا اسم من ذكر من الديوان، ثم نفاهم من بغداد ومنعهم من الإقامة بها وبأعمالها، فتفرقوا في البلاد، ثم عمل بعد شهر مثل ما عمل في فعلته الأولى، ومحا اسم عشرين ألفا من الديوان، وأعطى دستورا لعشرين ألف فارس، ثم بعث إلى هولاكو يعلمه بما فعل. فعند ذلك تحقق هولاكو صدق مقالته وقصد بغداد[2].

    وفي إطار الاستعداد للقتال خرج ركن الدين الدويدار من بغداد ونزل بجانب بعقوبا، ولما بلغه أن "بانجونوين" عبر دجلة ونزل بالجانب الغربي ظن أن هولاكو قد نزل هناك، فرحل عن بعقوبا ونزل بحيال "بايجونوين".
    في أثناء ذلك لقي يزبك المغول أميرا عربيا من أمراء الخليفة يقال له "آيبك الحلبي" فحملوه إلى هولاكو فأمنه إن تكلم بالصحيح، وطيب قلبه فصار يسير أمام العسكر ويهديهم.
    وكتب كتابا إلى بعض أصحابه يقول لهم: ارحموا أرواحكم واطلبوا الأمان لأن لا طاقة لكم بهذه الجيوش الكثيفة.
    فأجابوه بكتاب يقولون فيه: من يكون هولاكو وما قدرته ببيت عباس! من الله ملكهم، ولا يفلح من يعاندهم، ولو أراد هولاكو الصلح لما داس أرض الخليفة ولما أفسد فيها، والآن إن كان يختار المصالحة فليعد إلى همذان ونحن نتوسل بالدويدار ليخضع لأمير المؤمنين متخشعا في هذا الأمر لعله يعفو عن هفوة هولاكو.
    فلما عرض "آيبك" الكتاب على هولاكو ضحك واستدل به على غباوتهم.

    وعود على بدء، سمع الدويدار أن التتار قد توجهوا نحو الأنبار، فسار إليهم، وكان قد خرج معظم العسكر من بغداد للقائهم. فلقي عسكر "سونجاقنوين" وكسرهم وهزمهم، فولوا الأدبار وتبعهم الدويدار سحابة ذلك النهار، وقتلوا منهم كثيرا وجما غفيرا، وحجز بينهم الليل، فكفت المسلمون اللذين معتقدون أنهم قد استظهروا، ولأعدائهم قهروا.
    وفي أثناء انهزام التتر التقاهم "بايجونوين" فردهم وهجموا مصبحين جميعا على عسكر ركن الدين الدويدار، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانجلت الحرب عن كسرة الدويدار فقتل أكثر عسكره. لأن أكثرهم قد تسلل في الليل إلى المدينة موقنا بالنصرة. ونجا هو في نفر قليل من أصحابه ودخل بغداد. وقصد بعضهم جهة الشام، قيل كانوا نحو ألف فارس. فلما تمت هذه الكسرة؛ ولى المنهزمون ليرجعوا إلى بندار، فحال بينهم وبينها بثق انبثق في تلك الليلة وساحت منه مياه دجلة على البر الذي كان القتال فيه، فشملت الطرق والمسالك وأدركت العسكر، فوقع بعضهم في الماء الذي خرج من تلك الفتوق فارتطمت خيلهم وأخذتهم السيوف فهلكوا.

    يصف الديار بكري في تاريخه هذه الحادثة وصفا بليغا شافيا فقال رحمه الله: صار المستعصم يستدعي العساكر ويتجهز لحرب هولاكو، وقد اجتمع أهل بغداد وتحالفوا على قتال هولاكو، وخرجوا إلى ظاهر بغداد ومشى عليهم هولاكو بعساكره، فقاتلوا قتالا شديدا، وصبر كل من الطائفتين صبرا عظيما وكثرت الجراحات والقتلى في الفريقين، إلى أن نصر الله تعالى عساكر بغداد وانكسر هولاكو أقبح كسرة، وساق المسلمون خلفهم وأسروا منهم جماعة، وعادوا بالأسرى ورؤوس القتلى إلى ظاهر بغداد، ونزلوا بخيمهم مطمئنين بهروب العدو.
    فأرسل الوزير ابن العلقمي في تلك الليلة جماعة من أصحابه فقطعوا شط الدجلة، فخرج ماؤها على عساكر بغداد وهم نائمون فغرقت مواشيهم وخيامهم وأموالهم وصار السعيد منهم من لقي فرسا يركبها، وكان الوزير قد أرسل إلى هولاكو يعرفه بما فعل ويأمره بالرجوع إلى بغداد، فرجعت عساكر هولاكو إلى ظاهر بغداد فلم يجدوا هناك من يردهم، فلما أصبحوا استولوا على بغداد وبذلوا فيها السيف ووقع منهم أمور يطول شرحها[3].

    وفي منتصف شهر المحرم من سنة 656هـ[4] نزل هولاكو بنفسه على باب بغداد من جهة البر الشرقي عن دجلة، وهو البر الذي فيه مدينة بغداد ودور الخلافة. ونزل "بايجونوين" القرية، مقابل دور الخلافة وبينه وبينها دجلة.
    وفي يوم وليلة بنى المغول بالجانب الشرقي مسيبا_ أي سورا عاليا_ وبنى "بوقاتيمور" و "سونجاق نوين" و "بايجونوين" بالجانب الغربي كذلك، وحفروا خندقا عميقا داخل السيبا، ونصبوا المنجنيق بإزاء سور بغداد من جميع الجوانب ورتبوا العرادات وآلات النفط.
    أشار ابن العلقمي الوزير على الخليفة بمصانعة ملك التتر، ومصالحته، وسأله أن يخرج إليه في تقرير
    ذلك، فخرج وتوثق منه لنفسه وأهله، ثم رجع إلى الخليفة وقال له: إن السلطان يا مولانا أمير المؤمنين قد رغب أن يزوج ابنته من ابنك الأمير أبي بكر، ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى سلطان الروم في سلطنة الروم، ولا يؤثر إلا أن تكون الطاعة له، كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية، وينصرف بعساكره عنك، فمولانا أمير المؤمنين يفعل هذا، فإن فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد، والرأي أن تخرج إليه.
    وحسّن له الخروج إليه فخرج في جمع من أكابر أصحابه، وطوائف من الأعيان، إلى باب الطاغية هولاكو، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فأنزل الخليفة في خيمة، ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا عقد النكاح فيما أظهره، فخرجوا من بغداد فقتلوا وضربت أعناقهم، وكذلك صار الوزير يخرج إلى التتر طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم، ثم طلب حاشية الخليفة، فضرب أعناق الجميع، ثم طلب أولاده فضرب أعناقهم، فقتلهم التتر عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو، فسأله عن أشياء كثيرة.
    وقيل: إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت.
    فلذلك يقول الذهبي رحمه الله: رأيت في تاريخ ابن الكازروني؛ أن الخليفة بقي أربعة أيام عند التتار، ثم دخل بغداد ومعه أمراء من المُغل والنصير الطوسي، فأخرج إليهم من الأموال والجواهر والزركش والثياب والذخائر جملة عظيمة[5].
    ومن ثم مد الجسر وعدّى "بايجونوين" ومن معه وبذلوا السيف في بغداد. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

    كان بدأ القتال ثاني وعشرين من المحرم[6]، فلما عاين الخليفة العجز في نفسه والخذلان من أصحابه أرسل صاحب ديوانه وابن درنوش إلى خدمة هولاكو، ومعهم تحف نزره؛ قالوا: إن سيرنا الكثير يقول: قد هلعوا وجزعوا ثيرا.
    فقال هولاكو: لم ما جاء الدويدار وسليمان شاه؟ فسير الخليفة الوزير العلقمي وقال: أنت طلبت أحد الثلاثة وها أنا قد سيرت إليك الوزير وهو أكبرهم.
    فأجاب هولاكو: إنني لما كنت مقيما بنواحي همذان طلبت أحد الثلاثة، والآن لم أقنع بواحد.

    وجد المغول بالقتال بإزاء برج العجمي و "بوقاتيمور" من الجانب الغربي حيث المبقلة و "سونجاق نوين" و "بايجونوين" من جانب البيمارستان العضدي. وأمر هولاكو البتيكتجية ليكتبوا على السهام بالعربية: أن الأروكانية، والعلويين، والداذنشمدية، وبالجملة كل من ليس يقاتل فهو آمن على نفسه وحريمه وأمواله. وكانوا يرمونها إلى المدينة.
    واشتد القتال على بغداد من جميع الجوانب إلى اليوم السادس والعشرين من محرم، ثم ملك المغول الأسوار وكان الابتداء من برج العجمي. واحتفظ المغول الشط ليلا ونهارا مستيقظين لئلا ينحدر فيه أحد.
    وأمر هولاكو أن يخرج إليه الدويدار وسليمان شاه، وأما الخليفة إن اختار الخروج فليخرج وإلا فليلزم مكانه. فخرج ركن الدين الدويدار وسليمان شاه ومعهما جماعة من الأكابر، ثم عاد الدويدار من الطريق بحجة أنه يمنع المقاتلين الكامنين بالدروب والأزقة لئلا يقتلوا أحدا من المغول، فرجع وخرج من الغد وقتل. وعامة أهل بغداد أرسلوا شرف الدين المراغي وشهاب الدين الزنكاني ليأخذ لهم الأمان[7].

    [1] انظر ذيل مرآة الزمان 1/87، العبر في خبر من عبر 3/277.

    [2] انظر تاريخ الخميس 2/376، المنهل الصافي 7/128.

    [3] انظر تاريخ الخميس 2/377.

    [4] في البداية والنهاية الثاني عشر من محرم.

    [5] انظر تاريخ الإسلام وفيات سنة 656هـ ص262.

    [6] ورد في المختصر في أخبار البشر و تاريخ ابن الوردي وعقد الجمان: انه قصدها وملكها في العشرين من المحرم.

    [7] انظر تاريخ مختصر الدول ص270، ذيل مرآة الزمان 1/88، المختصر في أخبار البشر 3/233، سير أعلام النبلاء 23/181، دول الإسلام 2/172، العبر 3/277، تاريخ ابن الوردي 2/190، مآثر الإنافة 2/91، عقود الجمان 1/169، تاريخ ابن سباط 1/374، تاريخ الخميس 2/376، شذرات الذهب 7/468، طبقات الشافعية الكبرى 8/269.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    بداية النهاية وسقوط الخلافة:
    لما رأى الخليفة أن لابد من الخروج أراد أو لم يرد؛ استأذن هولاكو بأن يحضر بين يديه، فأذن له وخرج رابع صفر، ومعه أولاده وأهله.
    فتقدم هولاكو أن ينزلوه بباب كلواذا. وشرع العساكر في نهب بغداد ودخل بنفسه إلى بغداد ليشاهد دار الخليفة، وتقدم بإحضار الخليفة فأحضروه، ومثل بين يديه وقدم جواهر نفيسة ولآلئ ودرر معبأة في أطباق، ففرق هولاكو جميعها على الأفراد.
    وعند المساء خرج إلى منزله وأمر الخليفة أن يفرز جميع النساء التي باشرهن هو وبنوه ويعزلهن عن غيرهن، ففعل فكن سبعمائة امرأة، فأخرجهن ومعهن ثلاثمائة خادم خصي.
    وبقي النهب يعمل إلى سبعة أيام[1]، وقتل كل من ظهر ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة، وقتل كل من في دار الخلافة من الأشراف، ولم يسلم منها إلا من هرب أو كان صغيرا، فإنه أُخذ أسيرا[2]، وتمزقوا في الأقطار.
    وخرب التتر الجوامع والمساجد والمشاهد. وسفكوا الدماء حتى جرت في الطرقات وصارت في الأزقة كأكباد الإبل. وجرت سيول الدماء. وبقيت البلدة كأمس ذاهب. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
    ثم رفع السيف وأبطلوا السبي. ونودي بالأمان، فظهر من كان اختفى. وقتل سائر اللذين خرجوا إلى هولاكو من القضاة والأكابر والمدرسين.

    يصف ابن كثير رحمه الله تلك الطامة فيقول: لما قتلوا هؤلاء السادات مالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وقنى الوسخ، ويكمنون فيها ولا يظهرون، وكان جمع من الناس يجتمعون في الحانات ويغلقون عليهم الأبواب فيفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي المكان، فيقتلونهم على الأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم والى دار الوزير محمد بن العلقمي الرافضي عليه من الله ما يستحق.
    وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها، كأنها خراب ليس فيها أحد إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع ولإلة وقلة.
    وكان الرجل يستدعى من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه، فيذهب به إلى مقبرة الخلال تجاه المنظرة، فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه.
    ولما انقضى أمد المدة المقدرة وانقضت الأربعون يوما، بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم و أنتنت البلد من جيفهم، وتغير الهواء فحصل بسببه الفناء والوباء الشديد، حتى سرى وتعدى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون.
    ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من كان تحت الأرض بالمطامير والقنى والمغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من القبور، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سلف من القتلى[3].

    يقال: إن هولاكو أمر بعد القتلى فبلغوا على أكثر ما قيل: ألف ألف وثمانمائة ألف وكسر، وعلى أقل ما قيل: ثمانمائة ألف نفس.
    واستولوا من قصور الخلافة وذخائرها على ما لا يحصره العدد والضبط، وحفرت الدور، وأخذت الدفائن والأموال التي لا تعد ولا تحصى، وكانوا يدخلون الدار فيجدون الخبيئة فيها، وصاحب الدار يحلف أن له السنين العديدة فيها ما علم أن بها خبيئة. وألقيت كتب العلم التي كانت في خزائنهم بدجلة، معاملة بزعمهم لما فعله المسلمون بكتب الفرس عند فتح المدائن.

    وفي رابع عشر صفر[4] رحل هولاكو من بغداد، وفي أول مرحلة قتل الخليفة المستعصم وابنه الأوسط، مع ستة نفر من الخصيان بالليل، وقتل ابنه الكبير ومعه جماعة من الخواص على باب كلواذا[5]. ولم يتحقق كيفية قتل الخليفة، فقيل: أنه خنق، وقيل: وضع في عدل ورفس إلى أن مات هو وولده، وهو الأشهر والأكثر ورودا، تجافيا عن سفك دمه بزعمهم.
    وقيل: غرق في دجلة، وقيل: رموه تحت أرجل الدواب، وقيل: ضرب بالمرازب وبمداق الجص، وقيل: لف في بساط فغطّس. والله اعلم بحقيقة الحال، ولا حول ولا قوة إلا بالله[6].
    قال السبكي: قيل: أنه أمر به ليلا، وسأله عن أشياء، ثم أمر به ليقتل، فقيل لهولاكو: إن أهريق دمه تظلم الدنيا، ويكون سبب خراب ديارك، فإنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخليفة الله في أرضه، فقام الشيطان المبير الحكيم نصير الدين الطوسي؛ وقال: يقتل ولا يراق دمه.
    وكان النصير من أشد الناس على المسلمين، فقيل: إن الخليفة غم في بساط، وقيل: رفسوه حتى مات. ولما جاءوا ليقتلوه صاح صيحة عظيمة. وقتلوا أمراءه عن آخرهم[7].

    وفوض هولاكو عمارة بغداد إلى صاحب الديوان والوزير وابن درنوش[8]. ثم طلب النصارى أن يقع الجهر بشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وأن يفعل معهم المسلمون ذلك في شهر رمضان، فألزم المسلمون بالفطر في رمضان، وأكل الخنزير، وشرب الخمر.
    ودخل هولاكو إلى دار الخلافة راكبا لعنه الله، واستمر على فرسه إلى أن جاء إلى سدة الخليفة، وهي التي تتضاءل عندها الأسود، ويتناوله سعد السعود، كالمستهزئ بها، وانتهك الحرم من بيت الخليفة وغيره، وأعطى دار الخليفة لشخص من النصارى، وأريقت الخمور في المساجد والجوامع، ومنع المسلمون من الإعلان بالأذان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم[9].

    [1] أكثر الروايات في كتب التاريخ: انه استمر أربعين يوما، وفي بعضها: نيفا وثلاثين يوما.

    [2] قال الذهبي: وله ذرية إلى اليوم بأذربيجان. ( سير أعلام النبلاء 23/184 ).

    [3] انظر البداية والنهاية 13/201.

    [4] في الذيل على مرآة الزمان: في الأربعاء عاشر صفر، وفي السلوك: سادس صفر.

    [5] ذكر القرماني في تاريخه رواية عجيبة لم أجدها في غيره، وهي: أن الخليفة أمر أن يجوع إلى أن بلغ منه الجوع مبلغا عظيما فسال أن يطعم شيئا، فأرسل هولاكو له طبقا فيه ذهب وطبقا فيه فضة وطبقا فيه جوهر، وقيل له: كل هذا، فقال: هذا ما يؤكل. فقال هولاكو: إذا كنت تعلم انه ما يؤكل لم ادخرته؟ كنت صانعتنا ببعضه، أو استخدمت به جيشا لقيتنا به. ثم أمر به فاخذ البردة التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم والقضيب فوضعهما في طبق نحاس فاحرقهما وذرى رمادهما في دجلة. ( أخبار الدول و آثار الأول 2/197 ).

    [6] ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في تاريخ الإسلام وفيات سنة 656هـ ص260، شهادة عيان لما جرى للخليفة مع هولاكو يحكيها جمال الدين سليمان بن عبد الله بن رطلين، حيث كان أبوه ممن قبض عليهم وممن ذهب مع الخليفة إلى هولاكو بقصد النكاح ونجى من الموت. فلتنظرها هناك.

    [7] انظر طبقات الشافعية الكبرى 8/271.

    [8] انظر تاريخ مختصر الدول ص271، ذيل مرآة الزمان 1/88، تاريخ ابن خلدون 10/1150، المختصر في أخبار البشر 3/233، سير الأعلام 23/181و362، دول الإسلام 2/173، العبر 3/278، مآثر الإنافة 2/92، السلوك لمعرفة دول الملوك 5/410، عقود الجمان 1/174، تاريخ ابن سباط 1/375، تاريخ الخميس 2/377، شذرات الذهب 7/469، طبقات الشافعية الكبرى 8/270.

    [9] انظر طبقات الشافعية الكبرى 8/271.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    ابن العلقمي وسوء الخاتمة:
    لم يتم للوزير ابن العلقمي ما أراد وخطط، ومات بعد مدة يسيرة، ولقّاه الله تعالى ما فعله بالمسلمين، ورأى قبل موته في نفسه العبر والهوان والذل ما لا يعبر عنه[1].
    كان عليه من الله ما يستحق قد قرر مع هولاكو أمورا فانعكست عليه، وعض يده ندما، وبقي يركب كديشا وحده بعد أن كانت ركبته تضاهي موكب السلطان، فنادته عجوز من طاق: يابن العلقمي، هكذا كنت تركب في أيام أمير المؤمنين المستعصم؟! فوقعت كلمتها في قلبه وانقطع في داره.
    وقد سمع بأذنيه ورأى بعينيه من التتار والمسلمين ما لا يحد ولا يوصف. يحكى أنه طلب منه يوما شعيرا فركب الفرس بنفسه ومضى ليحصله لهم، فهذا يشتمه وهذا يأخذه بيده وهذا يصفعه، بعد أن كانت السلاطين تأتي فتقبل عتبة داره، والعساكر تمشي في خدمته حيث سار من ليله ونهاره[2].
    وأضاف إليه هولاكو وزيرا آخر، فمات غبنا وغما لا رحمه الله، وفي الآخرة أشد خزيا وأشد تنكيلا[3].

    وعمل ابن العلقمي على ترك الجمعات وأن لا يخطب في الجوامع، وأن يبنى مدرسة على مذهب الرافضة، فما بلغ أمله، وفتحت الجوامع وأقيمت الجمعات[4].
    قال ابن كثير رحمه الله: وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد، و أمر الوزير ابن العلقمي بأن تعطل المساجد والجوامع والمدارس والربط ببغداد ويستمر بمحال الروافض، وأن يبنى للرافضة مدرسة هائلة ينشرون فيها علمهم، فلم يقدره الله عز وجل على ذلك، بل أزال نعمته عنه، وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، واتبعه ولده فاجتمعا والله أعلم في الدرك الأسفل من النار[5].

    فانظر إلى أي حد وصل الحقد في قلب هذا الخائن والتعصب لمذهبه الباطل، فقد حفر للامة قليبا فأوقع فيه قريبا وذاق الهوان.
    عاش ابن العلقمي بعد الكائنة ثلاثة أشهر وهلك وله من العمر ستا وستين سنة. ودفن في قبور الروافض.
    قال الحافظ الذهبي: حدثني أبي فخر الدين قال: كان قد مشى حال الخليفة بأن يكون للتتار نصف دخل البلاد؛ وما بقي شيء أن يتم ذلك؛ فقال الوزير ابن العلقمي: ما هذا مصلحة، والمصلحة قتله، وإلا ما يتم ملك العراق[6].
    يقول العيني رحمه الله في هذا الشأن: وقد أشار أولئك الملاعين الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة. وقال الوزير: ولو وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين، ثم يعود الأمر على ما كان عليه قبل ذلك[7].
    قال الصفدي رحمه الله: عومل بأنواع الهوان من أراذل التتار والمرتدة، حكي أنه كان في الديوان جالسا فدخل بعض التتار ممن لا له وجاهة، راكبا فرسه فساق إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير، وخاطبه بما أراد، وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثياب الوزير وهو صابر لهذا الهوان، يُظهر قوة النفس وأنه بلغ مراده.
    وقال له بعض أهل بغداد: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه وحميت الشيعة حمية لهم، وقد قتل من الأشراف الفاطميين خلق لا يحصون، وارتكب من الفواحش مع نسائهم وافتضت بناتهم الأبكار، مما لا يعلمه إلا الله تعالى. فقال: بعد أن قتل الدويدار ومن كان على مثل رأيه لا مبالاة بذلك[8].
    قال العلامة ابن خلدون: واستبقي ابن العلقمي على الوزارة ولرتبة ساقطة عندهم، فلم يكن قصارى أمره إلا الكلام في الدخل والخراج، متصرفا من تحت رجل آخر، أقرب إلى هولاكو منه، فبقي على ذلك مدة ثم اضطرب وقتله هولاكو[9]. فالعياذ بالله من سوء الخاتمة وبئيس العاقبة.

    روى العيني رحمه الله عن بيبرس في تاريخه: وأما الوزير فهو مؤيد الدين محمد بن العلقمي؛ فإن هولاكو استدعاه بين يديه وعنّفه على سوء سيرته وممالأته على ولي نعمته، و أمر بقتله جزاءً لسوء فعله، فتوسل وبذل الالتزام بالأموال يحملها، وإتاوة من العراق يحصلها، فلم يذعن لقبوله ولا أجاب إلى سؤاله، بل قتل بين يديه صبرا، وتحسى من يد المنون صبرا، و أوقعه الله في البئر التي احتفر، وخانه فيما قدّره صرف القدر[10].

    أراد ابن العلقمي نصرة الشيعة فنصر عليهم، وحاول الدفع عنهم فدفع إليهم، وسعى ولكن في فسادهم، وعاضد ولكن على سبي حريمهم وأولادهم، وجاء بجيوش سلبت عنه النعمة، ونكبت
    الإمام والأمة، وسفكت دماء الشيعة والسنة، وخلدت عليه العار واللعنة.
    وأتى الخائن الخبيث بمغل طبق الأرض بغيهم تطبيقا
    هكذا ينصر الجهول أخاه ومن البر ما يكون عقوقا[11]
    (تم المسطور، وجاء آخر المقصود، فسبحان الله المحمود)
    وكتبه قديماً على مزيد نقص وتقصير.. العبد الفقير .. أبو عصام السكران التميمي

    [1] انظر ذيل مرآة الزمان 1/89، طبقات الشافعية الكبرى 8/273.

    [2] انظر طبقات الشافعية الكبرى 8/273.

    [3] انظر دول الإسلام 3/175، عقود الجمان 1/202.

    [4] انظر سير أعلام النبلاء 23/362.

    [5] انظر البداية والنهاية 13/202، عقود الجمان 1/175.

    [6] انظر سير أعلام النبلاء 23/362، تاريخ الإسلام وفيات سنة 656هـ ص.

    [7] انظر عقود الجمان 1/173.

    [8] انظر الوافي بالوفيات 1/184، فوات الوفيات 2/257.

    [9] انظر تاريخ ابن خلدون 10/1150، مآثر الإنافة 2/92.

    [10] انظر عقود الجمان 1/203، تاريخ الخميس 2/377.

    [11] انظر تاريخ ابن الوردي 2/190.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    14

    افتراضي رد: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    هذا هو حالهم منذ أن زرع جدهم عبد الله بن سبا هذه النبتة الخبيثة

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    418

    افتراضي رد: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    انهم شر على الاسلام واهله وهم يدعون انهم من اهله وهم اخطر من اليهود والكفره على اهل السنه والجماعه

    اللهم جنبنا السوء

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    عضوالاتحادالعام للادباءوالكتاب العرب
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    بارك الله فيك وفي كل اصحاب الردود الذين كان لهم الدور الكبير في ايضاح الحقائق العلمية والتاريخية

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    283

    افتراضي رد: ابن العلقمي ودوره في سقوط الخلافة العباسية في بغداد.

    بارك الله لك شيخنا الحبيب،؛
    قال أبو سليمان الداراني: ربما تقع في قلبي النكتة من نكتة القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين، الكتاب والسنة.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •