حكم إنكار المنكرات بالقلب
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 10 من 10
1اعجابات
  • 1 Post By محمد طه شعبان

الموضوع: حكم إنكار المنكرات بالقلب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي حكم إنكار المنكرات بالقلب

    السؤال
    ♦ الملخص:
    سائلة تسأل عن المسلم الذي يأتي المنكرات ويشهدها، ولا يبالي بإتيانها أو مشهدها، لكنه إذا فكَّر فيها يشعُر ببُغضها في قلبه، فتسأل: هل هذا يدخل في حُكم ذَهاب أصل إنكار المنكرات من القلب؟
    ♦ التفاصيل:
    قرأت ما يلي: (إذا لم يُبغض المسلم شيئًا مما حرَّمه الله من المنكرات من الكفر والفسوق والعصيان، فإنه يكون كافرًا في هذه الحال، وإن ذَهاب أصلِ إنكار المنكرات بالقلب كفرٌ)، فهل مَن يفعل المعاصي بلا مبالاة - وأقصد كل المعاصي التي يقترفها ليس بعضها فقط - ولا يقوم ببغض أيٍّ منها، ويتجاهلها، لكنه إذا فكَّر في الأمر يقول في نفسه: إنه يُبغضها شرعًا، ولا يحب أن يعصيَ الله، لكنه لا يفكر مثل هذا التفكير إلا في القليل النادر - هل هو كافر؟ وسؤال آخر: متى يحدث ذَهاب أصل إنكار المنكرات؟ هل هو بقطع نية إنكار المنكرات؛ كأن يقول الشخص: لن أنكر أيَّ منكرٍ ألبتة؛ سواء قام به أو شهِده؟ ماذا إذا كان الشخص يفعل منكرات كثيرة، ويشهد منكرات كثيرة، ولا يفكر في بغضها، ويفعلها بلا مبالاة، ولا ينكر ما يشهده من منكرات بقلبه، لكن - مثلًا - مرة فقط في اليوم يفكر في معصية واحدة قام بها من قبل، ويُبغضها ويبغض عصيانه لله، معصية واحدة فقط، ويفكر في هذا مرة واحدة فقط، ونفس الأمر فيما يشهد من معاصٍ، يفكر في معصية واحدة فقط، وينكرها بقلبه، ويفكر في هذا مرة في اليوم فقط، ويكرر الأمر كل يوم، لكنه في سائر اليوم يكون غيرَ مبالٍ، ولا يبغض شيئًا من منكراته ومنكرات غيره عمدًا، هل هذا الوقت يعتبر ذَهابًا لأصل إنكار المنكرات ويسبِّب كفره؟ ونفس الأمر بالنسبة الكفر: هل مَن لا يستحسنه ولا يعتقده، لكن لا يفكر في بغضه وهو يشهده، ولكنه إذا فكَّر في الأمر، يقول: إنه يبغضه - فهل يعتبر الشخص كافرًا؟ وهل فيما ذكرتُ كفرٌ؟ الجواب بـ"ليس كافرًا" يكفي، أفتونا مأجورين.
    الجواب:
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:
    ففي البداية أختنا الكريمة، لا بد من أن تصرِفي عن نفسكِ الوساوس في هذه المسائل وفي غيرها، ما دمتِ موحدة بالله تعالى، مؤمنةً بما جاء في الكتاب والسنة، فأنتِ مسلمة إن شاء الله.
    وأما ما ذكرتِهِ من كلام، فلا يُخرج الإنسان عن دائرة الإسلام، وإنما الذي يُخرجه عن دائرة الإسلام هو أن يحل ما حرَّمه الله؛ فيقول مثلًا: الزنا حلال، أو شرب الخمر حلال، ونحو ذلك.
    إذًا الضابط هنا: أن يُحِلَّ الإنسان ما حرَّمه الله، وهذا هو المقصود بانتفاء أصلِ إنكار المنكرات، فالذي يحل ما حرم الله هو الذي انتفى عنده إنكار أصل المنكرات، وأما مجرد التهاون بالمعصية، فلا يُخرج الإنسان من الإسلام.
    والحمد لله أولًا وآخرًا.


    رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/149353/#ixzz76cBJRbhU
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو محمد المأربي
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    462

    افتراضي رد: حكم إنكار المنكرات بالقلب

    بيّن علماء الحنفية أنه يجب على المؤمن عند ارتكاب المعصية أن يكون خائفا من الله، أو راجيا بعفوه، غير مستخف بالشرع، وغير مستحلّ بالمعصية.
    المستحلّ بالمعصية كافر بالإجماع، لكن الاستحلال يتحقق بماذا؟
    حصر الاستحلال بالاعتقاد فيه نظر.
    والاستخفاف بالمعصية كفر عند فقهاء الحنفية ويظهر الاستخفاف عندهم بعدم الخوف من الله وانتفاء الرجاء بعفوه، ولهذا حكم كثير من المشايخ بكفر المغنّية، ومن يجعل المعصية حرفةً.
    ينظر: الدرر النضيد من مجموعة الحفيد (ص168).

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,503

    افتراضي رد: حكم إنكار المنكرات بالقلب

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو محمد المأربي مشاهدة المشاركة
    والاستخفاف بالمعصية كفر عند فقهاء الحنفية ويظهر الاستخفاف عندهم بعدم الخوف من الله وانتفاء الرجاء بعفوه، ولهذا حكم كثير من المشايخ بكفر المغنّية، ومن يجعل المعصية حرفةً.
    ينظر: الدرر النضيد من مجموعة الحفيد (ص168).
    إطلاق القول بأن الاستخفاف بالمعصية كفر: قول باطل، وإنما يكون ذلك عند الاستخفاف بمن حرمها ـ وهو الله تعالى ـ والاستهتار بحقه وعظمته، وعدم المبالاة بأمره وشرعه، وهذه أمور قلبية يحتاج إثباتها إلى بيان وظهور، كأن يصرح العاصي بأنه لا يهمه ولا يشغله أحرام هذا الذي يفعله أم حلال، ولا يعنيه أرضي الله عنه أم سخط عليه، وأنه لا فرق عنده بين الحالين، ولا يلقي بالا للأمرين، فهو لا يرفع بدين الله رأسا، فهذا من المعرضين، والإعراض من أنواع الكفر
    قال ابن القيم رحمه الله :
    " المستحل للشئ: هو الذى يفعله معتقداً حله " انتهى من "إغاثة اللهفان" (1/ 346)

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه ، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه : فهذا ليس بكافر .
    فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه ، أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم ، وأبى أن يذعن لله وينقاد : فهو إما جاحد ، أو معاند .
    ولهذا قالوا: من عصى مستكبرا كإبليس كفر بالاتفاق .
    ومن عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج .
    فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقا بأن الله ربه ، فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.
    وبيان هذا : أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق ، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ، وكذلك لو استحلها بغير فعل .
    والاستحلال : اعتقاد أنها حلال له ، وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله أحلها ، وتارة باعتقاد أن الله لم يحرمها ، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها . وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ، أو لخلل في الإيمان بالرسالة ، ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة .
    وتارة يعلم أن الله حرمها ، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرِّم فهذا أشد كفرا ممن قبله .
    وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه .
    ثم إن هذا الامتناع والإباء : إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر ، وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته .
    وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به ، تمردا ، أو اتباعا لغرض النفس ؛ وحقيقته : كفر هذا، لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون ، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه ، لعدم موافقته لمراده ومشتهاه ، ويقول: أنا لا أقر بذلك ، ولا ألتزمه ، وأبغض هذا الحق ، وأنفر عنه ، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع ، بل عقوبته أشد " .
    انتهى من "الصارم المسلول" (3/971)
    . فيستفاد من هذا أن :
    محبة المعصية نوعان :
    النوع الأول : ما كان من باب غلبة الهوى والشهوة على النفس ، فيفعل المعصية ويأتيها وهو يحبها ، لكنه يعتقد أنها حرام ، ويرجو أن يتوب منها : فهذا فاسق وليس بكافر ، ومحبته للمعصية دليل على ضعف إيمانه ، إلا أنها لا تناقض الإيمان بالكلية .

    النوع الثاني : ما كان بسبب بغض الشرع وعدم الرضا به ، أو التكبر على الانقياد له : فهذا كفر ، وهو مناقض للإيمان .
    قال تعالى : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء/ 65 .
    وقال تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) محمد/ 8، 9 .

    قال الشيخ ابن عثيمين :
    الاستحلال: هو أن يعتقد حِلَّ ما حرمه الله .
    وأما الاستحلال الفعلي فينظر: إن كان هذا الاستحلال مما يكفِّر فهو كافر مرتد، فمثلاً لو أن الإنسان تعامل بالربا، ولا يعتقد أنه حلال لكنه يصر عليه ، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يستحله ، ولكن لو قال : إن الربا حلال ، ويعني بذلك الربا الذي حرمه الله فإنه يكفر ؛ لأنه مكذب لله ورسوله .
    الاستحلال إذاً: استحلال فعلي واستحلال عقدي بقلبه.
    فالاستحلال الفعلي: ينظر فيه للفعل نفسه ، هل يكفر أم لا ؟ ومعلوم أن أكل الربا لا يكفر به الإنسان ، لكنه من كبائر الذنوب ، أما لو سجد لصنم فهذا يكفر لماذا ؟ لأن الفعل يكفر؛ هذا هو الضابط

    سئل الشيخ صالح الفوزان :
    هل يكفر المستخِف بهذه المعاصي ، بحيث لم يصرح باستحلالها ، إنما استخف بها ، و يقع فيها مع علمه بحرمتها؟
    فكان جوابه: إذا كان يعتقد حرمتها فإنه لا يكفر ؛ و أما استخفافه بها ، فهذا دليل على ضعف إيمانه ، و لا يدل على كفره ما دام أنه يعتقد أنها حرام.

    سئل الشيخ صالح آل الشيخ :
    س/ الاستخفاف بهذا الفعل هذا دليل على الاستحلال فإذن يكفر صاحبه؟
    ج/ يعني الاستخفاف بالمعصية، الاستخفاف ما يدل على الاستحلال؛ يعني لو جاء واحد حط له خمر وبغايا –نسأل الله العافية- وجمع الناس تعالوا، وحط ليه حرس وقال الذي قرّب اضربوه، خلونا وفي حالنا، وفعل، هل فعله هذا كفر؟ ما في حد من أهل العلم يقول كفر؛ وإلا صار يكفر من لم تغلبه شهوته؛ لأن العاصي منهم عاصي يطلب المعصية ولو لم تغلبه شهوته، ومنهم من تغلبه شهوته، إذا قلنا أنه ما يكفر إلا من تغلبه شهوته صرنا حاصرين الذي يعصي وهو مقيم على الإيمان فيمن غلبته شهوته هذا باطل عظيم. واحد جاء وصك عليه بيته وفعل وحرسه وجاء والذي يشكي يضربه ويعاديه، هذا شأن أهل المعاصي، وبعض أهل المعصية مثل ما قسم شيخ الإسلام أهل العاصي:* منهم من تغلبه شهوته. * ومنهم من هو مدمن عليها هذا استمرأها صارت عنده خفيفة –نسأل الله العافية- مثل شرب الماء. ومنهم من تغلبه شهوته بمجرد ما يعمل العامل يعني بمجرد ما يعمل العمل وينتهي منه يراجع نفسه ويعظم عليه جدا هذا الذي غلبته شهوته. وفيه ناس استمرؤوها وفعلوها ويطلبونها ويخططون لها، هؤلاء جميع الطافئتين من العصاة؛ لكن عصيان من غلبته أخف بكثير من عصيان من كان مستمرئا في ذلك. هذه تأصيلات لابد أنها تصير واضحة، باقي شيء؟

    س/ .... بغير الله أيضا استخفاف؟
    ج/ أنت اضبطها أنه لا يكفر إلا كن اعتقد إباحة المحرم؛ يعني المحرمات من المعاصي، من اعتقد إباحتها بخلاف الأمور العملية التي يشرك بها، لا، لكن المعصية من اعتقد إباحة المعصية هذا يكفر أما من فعها ولو مستخف بها لكن يعتقد في داخله أنها حرام، هذا له حكم أمثاله من أهل المعاصي.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,503

    افتراضي رد: حكم إنكار المنكرات بالقلب

    وفى هذا الموضوع بينا قواعد وفوائد وضوابط مهمة جدا
    الموضوع-
    هل يكفر الإنسان لفرحه بالمعصية؟

    الرابط-https://majles.alukah.net/t184767/
    ***************

    وكذلك تم النقاش فى موضوع
    ما هو مفهوم الاستحلال الكفري عند السلف؟

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,503

    افتراضي رد: حكم إنكار المنكرات بالقلب

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    وفى هذا الموضوع بينا قواعد وفوائد وضوابط مهمة جدا
    نعم
    الفائدة الاولى -
    تعليق الكفر ليس بفعل المعصية، وإنما هو باستحلالها والرضا بها، واعتقاد بطلان الحكم بتحريمها، بخلاف ما لو استحسنها الطبع، للميل لها واشتهائها، مع الجزم بحرمتها وقبحها ونكارتها، كما هو حال المسلم عند فعل المعصية، وهذا التفصيل لا بد منه، وعليه جرى كلام أهل العلم، قال ابن الملقن في المعين على تفهم الأربعين: معنى أضعف الإيمان ـ أقل ثمراته، إذ فيه الكراهة فقط، وقد جاء في رواية: وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ـ أي: لم يبق وراء هذه المرتبة مرتبة أخرى، لأنه إذا لم يكرهه بقلبه فقد رضي بالمعصية، وليس ذلك شأن أهل الإيمان، بل هو كفرٌ إن اعتقدَ جوازَهُ، وإن رَضِيَ به لغلبة الهوى والشهوة مع اعتقاد تحريمه، فهو فاسق. اهـ. وبهذا يتضح أن الحب الطبعي والبغض الشرعي يجتمعان في المعصية عند الشخص الواحد، فإن كان فاسقا غلبه الحب الطبعي للمعصية فيؤثره على بغضه الشرعي لها، بسبب ضعف إيمانه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. رواه الشيخان.المصدر الاسلام سؤال وجواب


    الفائدة الثانية

    إذا رضي المسلم بحكم الله ، وأذعن له ، ولم يرفضه ، ولم يعترض عليه ، فهذا هو الواجب ، ولا يضره لو كانت نفسه تكره الفعل طبعا ، ككراهة النفس للقتال مع قبولها وإذعانها لحكم الله . قال الله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة/216 .
    ومثل ذلك : كراهة المرأة لوجود مزاحمة لها ، فإن هذا أمر طبعي ، لأنها ستنازعها زوجها ، لكن فرق بين كراهة فرض الله للقتال ، وكراهة النفس للقتال ، وبين كراهة تشريع الله للتعدد ، وكراهة النفس لوجود الضرة . فما فرضه الله وشرعه يحب دينا وقربة ، ولو كان الفعل المفروض مكروها للنفس شاقا عليها . على أنه كلما كمل إيمان العبد أصبحت هذه المكروهات محبوبة له طبعا ، كما هي محبوبة له شرعا .
    والمذكور في نواقض الإسلام إنما هو كراهة ما أنزل الله ، وكراهة تشريعه .
    قال ابن القيم رحمه الله : "وليس من شرط الرضى ألا يحس بالألم والمكاره بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه ولهذا أشكل على بعض الناس الرضى بالمكروه وطعنوا فيه وقالوا : هذا ممتنع على الطبيعة وإنما هو الصبر وإلا فكيف يجتمع الرضى والكراهية وهما ضدان .
    والصواب : أنه لا تناقض بينهما وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضى كرضى المريض بشرب الدواء الكريه ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها" انتهى من "مدارج السالكين" (2/175) .
    وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في توضيح هذا الأمر : "قوله تعالى: (وهو كره لكم) : (كره) مصدر بمعنى اسم المفعول ، يعني: وهو مكروه لكم ؛ والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيراً، مثل: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ) [الطلاق: 6] يعني: محمول ؛ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، أي مردود .
    وجملة ( وهو كره لكم ) في محل نصب على الحال؛ والضمير ( هو ) يعود على القتال؛ وليس يعود على الكتابة؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرضه الله عليهم؛ وإنما يكرهون القتال بمقتضى الطبيعة البشرية؛ وفرق بين أن يقال: إننا نكره ما فرض الله من القتال؛ وبين أن يقال: إننا نكره القتال؛ فكراهة القتال أمر طبيعي؛ فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحداً من الناس فيقتله؛ فيصبح مقتولاً؛ لكن إذا كان هذا القتال مفروضاً علينا صار محبوباً إلينا من وجهٍ، ومكروهاً لنا من وجهٍ آخر؛ فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوباً إلينا؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يصرون أن يقاتلوا؛ وباعتبار أن النفس تنفر منه يكون مكروهاً إلينا ".

    ثم قال في فوائد الآية : " ومنها: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره ما كتب عليه؛ لا كراهته من حيث أمَر الشارع به؛ ولكن كراهته من حيث الطبيعة؛ أما من حيث أمر الشارع به فالواجب الرضا، وانشراح الصدر به " انتهى من "تفسير القرآن لابن عثيمين".

    وقال رحمه الله في موضع آخر : " وقوله: (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) يجب أن تعلم أن الضمير في قوله: (وَهُوَ) يعود على القتال وليس يعود على الكتابة، لأن الصحابة رضي الله عنهم لايمكن أن يكرهوا فريضة الله ، لكن يكرهون القتل ويقاتلون فيقتلون.
    وفرق بين أن يكره الإنسان حكم الله، أو أن يكره المحكوم به " انتهى من "مؤلفات الشيخ ابن عثيمين" (2/ 438).المصدر الاسلام سؤال وجواب


    وفى فتوى مماثلة
    إذا كان المسلم راضيا بأحكام الله ومذعنا لها ، لا اعتراض عنده على قبولها ، ولكن ضعْف إيمانه يدعوه إلى ارتكاب بعض المعاصي ، ودعوة الناس إليها : فمثل هذا لا يكفر ؛ ويكون عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه وأطاعه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ) رواه مسلم (2674) .
    وقال تعالى : ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) سورة النحل / 25 .
    مثال ذلك : مدمن الخمر ، فلا يصح القول بأن مدمن الخمر ، والمحب لها ، الذي يدعو بعض أصحابه ليشربها معه ، أو يجلبها ، أو يبيعها لهم لا يصح القول بأن هذا يحب أن يُعصى الله في الأرض ، ثم نخرجه من دائرة الإسلام إلى الكفر .
    ثانيا :
    إذا كان الرجل يحب أن يُعصى الله في الأرض ، ويُسَر بانخفاض دين الإسلام وأهله ، أو كان يرد حكم الله ، أو يعترض على تحريم ما حرم الله ، أو يحب الكفر ، أو يفرح بظهور الكفر وأهله : فهذا هو الكافر ؛ ولا يكون ذلك إلا من عدو للدين ، ومبغض لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
    وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام: " الخامس : من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولو عمل به ، فقد كفر ؛ لقوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) " انتهى .
    وانعقد الإجماع على كفر من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما نقله صاحب " كشاف القناع " (6/168) ، وغيره .
    ثالثا :
    بناء على ما سبق يتبين الفرق بين محبة المعصية - من جهة ميل النفس الأمارة بالسوء ، وتزيين الشيطان - وبين محبة أن يُعصى الله في الأرض ، وكراهة ما شرع لعباده .
    ويشبه هذا : من يكره بعض التكاليف الشرعية لما فيها من مشقة عليه ، فهذا لا يكفر ، بخلاف من كرهها لأنها أمر الله وشرعه .
    وإليك بعض النقول التي تزيد من إيضاح المسألة :
    قال البغوي رحمه الله : " وقوله تعالى: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) قال بعض أهل المعاني : هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه ، لما فيه من مؤنة المال ، ومشقة النفس ، وخطر الروح ؛ لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى " انتهى من " تفسير البغوي " (1/204) .
    قال الشيخ ابن عثيمين في فوائد قوله تعالى ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) :
    " ومنها: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره ما كتب عليه ؛ لا كراهته من حيث أمر الشارع به ؛ ولكن كراهته من حيث الطبيعة ؛ أما من حيث أمر الشارع به فالواجب الرضا ، وانشراح الصدر به " انتهى من " تفسير القرآن لابن عثيمين " .
    وقال رحمه الله في موضع آخر : " وقوله: (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) : يجب أن تعلم أن الضمير في قوله: (وَهُوَ) يعود على القتال ، وليس يعود على الكتابة، لأن الصحابة رضي الله عنهم لايمكن أن يكرهوا فريضة الله ، لكن يكرهون القتل ، ويقاتلون ، فيقتلون .
    وفرق بين أن يكره الإنسان حكم الله ، أو أن يكره المحكوم به " .
    انتهى من "مؤلفات الشيخ ابن عثيمين" (2/ 438) .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية " من النفاق ما هو أكبر ، ويكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار ؛ كنفاق عبد الله بن أبي وغيره ؛ بأن يظهر تكذيب الرسول ، أو جحود بعض ما جاء به ، أو بغضه ، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه ، أو المسرة بانخفاض دينه ، أو المساءة بظهور دينه ، ونحو ذلك : مما لا يكون صاحبه إلا عدوا لله ورسوله .
    وهذا القدر كان موجودا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما زال بعده ؛ بل هو بعده أكثر منه على عهده ؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى ، فإذا كانت مع قوتها ، وكان النفاق معها موجودا ، فوجوده فيما دون ذلك أولى .
    وكما أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض المنافقين ، ولا يعلم بعضهم ، كما بينه قوله : (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) ؛ كذلك خلفاؤه بعده وورثته : قد يعلمون بعض المنافقين ولا يعلمون بعضهم .
    وفي المنتسبين إلى الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون ، في الخاصة والعامة ، ويسمون " الزنادقة " انتهى من " مجموع الفتاوى " (28/434). المصدر الاسلام سؤال وجواب

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,503

    افتراضي رد: حكم إنكار المنكرات بالقلب

    الفائدة الثالثة
    استحسان المعصية إنما يكون كفرا إذا كان في معنى استحلالها والرضا بها، واعتقاد بطلان الحكم بتحريمها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. رواه مسلم. وقال أيضا صلوات الله وسلامه عليه: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. رواه مسلم.

    قال القاضي البيضاوي في شرح مصابيح السنة: قوله: ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ـ معناه: أن أدنى مراتب الإيمان أن لا يستحسن المعاصي ويكرهه بقلبه... فإذا زال ذلك حتى استصوب المعاصي, وجوز التدليس على الخلق والتلبيس في الحق, خرج من دائرة الإيمان خروج من استحل محارم الله، واعتقد بطلان أحكامه. اهـ.
    ونقل ذلك القاري في المرقاة، والخادمي في بريقة محمودية، وارتضياه، وقال المظهري في شرح المصابيح: يعني: من لم ينكرهم بقلبه بعد العجز عن جهادهم بيده ولسانه، فلم يكن حبة خردل من الإيمان، لأن المؤمن ينكر الكفر والعصيان، فمن لم ينكرهما فقد رضي بهما، والرضى بالكفر كفر. اهـ.
    وقال الطيبي في شرح المشكاة: من لم ينكر بالقلب رضي بالمنكر، والرضى بالمنكر كفر. اهـ.
    وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في المطلب الحميد في بيان مقاصد التوحيد: الكراهة هي أضعف الإيمان، وأما الرضا بالمنكر والمتابعة عليه، فهو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح. اهـ.
    وعلى ذلك؛ فتعليق الكفر ليس بفعل المعصية، وإنما هو باستحلالها والرضا بها، واعتقاد بطلان الحكم بتحريمها، بخلاف ما لو استحسنها الطبع، للميل لها واشتهائها، مع الجزم بحرمتها وقبحها ونكارتها، كما هو حال المسلم عند فعل المعصية، وهذا التفصيل لا بد منه، وعليه جرى كلام أهل العلم، قال ابن الملقن في المعين على تفهم الأربعين: معنى أضعف الإيمان ـ أقل ثمراته، إذ فيه الكراهة فقط، وقد جاء في رواية: وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ـ أي: لم يبق وراء هذه المرتبة مرتبة أخرى، لأنه إذا لم يكرهه بقلبه فقد رضي بالمعصية، وليس ذلك شأن أهل الإيمان، بل هو كفرٌ إن اعتقدَ جوازَهُ، وإن رَضِيَ به لغلبة الهوى والشهوة مع اعتقاد تحريمه، فهو فاسق. اهـ.

    وبهذا يتضح أن الحب الطبعي والبغض الشرعي يجتمعان في المعصية عند الشخص الواحد، فإن كان فاسقا غلبه الحب الطبعي للمعصية فيؤثره على بغضه الشرعي لها، بسبب ضعف إيمانه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. رواه الشيخان.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,503

    افتراضي رد: حكم إنكار المنكرات بالقلب

    الفائدة الرابعة
    التفريق بين حصول الإقرار والرضا وبين عدمه.
    أن المؤمن حين يعصي الله تعالى لا يطمئن للمعصية كما يطمئن لها الكافر، ولا يكون مثله في ارتياح القلب وقبوله وانشراحه، ومع ذلك فإننا نعلم أنه يستلذ بها ويشتهيها وإلا لما فعلها، وهذا هو معنى الاستمتاع بها، فنحكم بعدم كفره من ناحية، وبضعف إيمانه من ناحية أخرى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن. متفق عليه. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظلة فإذا انقلع رجع إليه الإيمان. رواه أبو داود وصححه الألباني.
    فهل معنى ذلك أن من مات حال الزنا يكون كافرا مرتدا ؟!! والجواب: لا ، ولكنه ضعيف الإيمان، وإنما منع من تكفيره ما في قلبه من الإيمان، والذي من جملته أنه لا يستحل المعاصي ولا يرضاها، وإن كان يشتهيها ويفعلها.
    وعلى هذا فلا بد من التفريق بين الرضا الذي حقيقته طمأنينة القلب وانشراحه وقبوله، والذي يستلزم عدم إنكار القلب للمنكر، وبين مجرد حضور الفعل ومشاهدته والاستمتاع بذلك من غير رضا ولا إقرار. وهذا من حيث الكفر لا من حيث الإثم،

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,503

    افتراضي رد: حكم إنكار المنكرات بالقلب

    الفائدة الخامسة

    يقول ابن تيمية رحمه الله:
    (إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد، فهو إما جاحد أو معاند. ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبراً كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج. فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقاً بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.
    وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل. والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون بخلل في الإيمان بالربوبية، والخلل في الإيمان بالرسالة، وجحداً محضاً غير مبني على مقدمة.
    وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفراً من قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الأمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه. فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد، وفي مثله قيل: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه) وهو إبليس ومن سلك سبيله.
    وبهذا يظهر الفرق بين العاصي، فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويجب أن يفعله، لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة، فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد، وذلك قول وعمل، لكن لم يكمل العمل
    [الصارم المسلول]
    ويجب التنبيه لامر مهم فى كلام شيخ الاسلام-أن اعتقاد حل المحرم ينافي التصديق الذي هو قول القلب-- وأما الامتناع عن الالتزام فينافي القبول والانقياد الذي هو عمل القلب-- وهذا ضابط مهم جدا
    وبتوضيح ذلك حتى يظهر المقصود من هذا الكلام -
    الاستحلال فى كلام شيخ الاسلام بن تيمية-
    يطلق الاستحلال ويعني به:
    تارة اعتقاد حل المحرم وتارة يعني به عدم التزام التحريم ، وإن كان يعتقد التحريم حيث قال - رحمه الله - في "الصارم المسلول" ص522 ( وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق ، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ، وكذلك لو استحلها من غير فعل ، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها ، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها ، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة ، ويكون جحداً محضاً غير مبني على مقدمة ، وتارة يعلم أن الله حرمها ، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ، ويعاند المُحَّرِّم ، فهذا أشد كفراً ممن قبله ،[مهم جدا] وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذَّبه. ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته ، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس ، وحقيقته كفر ؛ ... إلى أن قال - رحمه الله - فهذا ( أي الامتناع عن التزام التحريم ) نوع غير النوع الأول ( أي : اعتقاد حل المحرم ) وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع ؛ بل عقوبته أشد ) انتهى كلامه رحمه الله.
    فقوله - رحمه الله - ( وتارة يعلم أن الله حرمها ، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرم الله ، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ، ويعاند المحرم ، فهذا أشد كفراً ممن قبله .. الخ كلامه - رحمه الله - يدل دلالة قاطعة على أن هذا - اعني الامتناع عن التزام التحريم - من معاني الاستحلال عند شيخ الإسلام----فظهر من كلام شيخ الاسلام ان الاستحلال يراد به معنيين
    1- أن اعتقاد حل المحرم ينافي التصديق الذي هو قول القلب2- وأما الامتناع عن الالتزام فينافي القبول والانقياد الذي هو عمل القلب
    -
    الإستحلال هو اعتقاد حل الحرام وهو كالجحود للواجب تماما -
    ولكن الاستحلال يرد على المحرم والجحود يرد على الواجب

    وهما نوع تكذيب ورد للنصوص الشرعية فمن يستحل الخمر مثلا يعني يعتقد حلها وهي حرام في الشريعة فيكفر بذلك لاستحلاله الحرام وتكذيبه بالشرع المنزل فيها
    وكذا الجحود فمن يجحد الصلاة وينكرها فهو كافر لتكذيبه النصوص الشرعية التي جائت بفرضها وهكذا في كل محرم وواجب والاستحلال على هذا هو اعتقاد مكفر
    ومن يشترط الاستحلال في جميع المكفرات فهو مخطئ لا شك في ذلك ..
    لان الكفر عند أهل السنة والجماعة يكون بالاعتقاد والقول والعمل أيضا ...ويكون بأي منهما منفصلا
    فمن يكفر بالعمل مثلا كمن يشرك بالله سبحانه وتعالى في عبادته ، هو كافر ولا يشترط له الاستحلال
    ومن يكفر بالقول مثلا كمن يسب الله سبحانه وتعالى فهو كافر ولا يشترط له الاستحلال
    وهكذا ، فكما أن الايمان قول وعمل واعتقاد -كما عند أهل السنة والجماعة فالكفر يكون بالقول أو العمل أو الاعتقاد

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,503

    افتراضي رد: حكم إنكار المنكرات بالقلب

    الفائدة السادسة

    ينبغي أن يعلم أن العاصي كما أنه تغلب شهوته فيحب معصية من المعاصي، فإنه أيضا قد يكره هذه المعصية باعتقاده أن الدين حرمها، وهو يحب دينه ويكره ما خالفه، ولو فرض من أحد العصاة عدم كراهته للمعصية التي يرتكبها ولو بهذا الاعتبار، فإنه لا يكون كافرا منافقا إذا كان يحب دينه حبا مجملا، بل يكون ناقص الإيمان،
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فالمؤمن لابد أن يحب الحسنات، ولابد أن يبغض السيئات، ولابد أن يسره فعل الحسنة، ويسوؤه فعل السيئة، ومتى قدر أن في بعض الأمور ليس كذلك كان ناقص الإيمان، والمؤمن قد تصدر منه السيئة، فيتوب منها أو يأتي بحسنات تمحوها، أو يبتلى ببلاء يكفرها عنه، ولكن لابد أن يكون كارها لها، فإن الله أخبر أنه حبب إلى المؤمنين الإيمان، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فمن لم يكره الثلاثة لم يكن منهم، ولكن محمد بن نصر يقول: الفاسق يكرهها تدينان فيقال: إن أريد بذلك أنه يعتقد أن دينه حرمها، وهو يحب دينه وهذه من جملته، فهو يكرهها، وإن كان يحب دينه مجملا وليس في قلبه كراهة لها، كان قد عدم من الإيمان بقدر ذلك، كما في الحديث الصحيح: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ـ وفي الحديث الآخر الذي في الصحيح أيضا صحيح مسلم: فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل ـ فعلم أن القلب إذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه الله، لم يكن فيه من الإيمان الذي يستحق به الثواب، وقوله: من الإيمان ـ أي: من هذا الإيمان وهو الإيمان المطلق، أي: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان ولا قدر حبة خردل ـ والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان، ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء، ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء، بل لفظ الحديث إنما يدل على المعنى الأول. انتهى.
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو محمد المأربي مشاهدة المشاركة
    ولهذا حكم كثير من المشايخ بكفر المغنّية، ومن يجعل المعصية حرفةً.
    وكذلك من يجعل بيوت الازياء قِبْلَة وهكذا - ولكن ما الضابط
    قال الشيخ صالح ال الشيخ
    ( يستحلون المعازف ... ) . الاستحلال هنا هو الاستحلال العملى ولتبسيط الامر هو قريب من معنى الاصرار على المعصية -
    -فإن الذين ( يستحلون المعازف ) لم يُخْرِجْهُمْ من كونهم من هذه الأمة لقوله «ليكونن من أمتي» فجعلهم بعض هذه الأمة.
    وهذا يُلْمِعُ إليه كلام ابن تيمية وكذلك للحافظ ابن حجر ولجماعة.
    وهو ظاهِرْ في أنَّ المدمن للذنوب يكونُ فِعْلُهُ فِعْلَ المُسْتَحِلْ؛ لكن ليس اعتقاده اعتقاد المُسْتَحِلْ.
    فقال «يستحلُّون» يعني يستحلون عَمَلَاً لا اعتقاداً لأجل ملازمتهم لها وإدمانهم لهذه الذنوب

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,503

    افتراضي رد: حكم إنكار المنكرات بالقلب

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو محمد المأربي مشاهدة المشاركة
    حكم كثير من المشايخ بكفر المغنّية،
    طبعا تقصد بالمغنَّية والراقصة هؤلاء اللذين يظهرون على الشاشات من اهل المجون والفجور وهؤلاء لا يكون النظر فيهم بالنسبة للغناء او الرقص او غيره من انواع الفجور نحن ننظر الى التزامهم بأصل دين الاسلام أو الاعراض عنه هل عندهم اصل الايمان والخلل فى كماله الواجب أم الخلل فى أصل الايمان وأساسه هل هم من أهل التوحيد والايمان هل هم ملتزمون بالتحليل والتحريم وملتزمون بشرائع الاسلام ام هذا الاصل منخرم
    بالنسبة لهؤلاء لا ننظر الى توابع الشرك من المحرمات والفجور ولكن ننظر الى المكفرات الواقعة ننظر الى الشرك الاكبر-ثم بعد ذلك ننظر الى توابع الشرك من فعل المحرمات والفجور
    وأضرب مثال
    هؤلاء الذين يحتفلون بالموالد الشركية كمولد البدوى وغيره ينظر البعض الى توابع الشرك كفعل الفواحش والمنكرات ولا ينظر الى الشرك الاكبر من دعاء غير الله وغيره من العبادات التى تصرف لغير الله- فالذى يجب على الناظر فى هذه الامور ان ينظر اولا الى الاصل المكفر وهو الشرك الاكبر ثم هذا الشرك له توابع مثل فعل الفواحش والمنكرات
    فهكذا الامر بالنسبة لهؤلاء الراقصات والمغنيات الماجنات - ننظر اولا هل عندهم أصل دين الاسلام ام هم معرضون ناقضون لهذا الاصل العظيم
    وطبعا سيكون الجواب من البعض نحن نستصحب لهم أصل الاسلام بمجرد الانتساب
    وجوابى أنَّ هذا هو الفارق بيننا
    لا نقول فى هؤلاء الاصل الاسلام والكفر طارئ
    بل هم كفار أصليون فهؤلاء لا يدينون بدين الاسلام أصلا بل مجرد انتساب ينقضه حقيقة الحال- فحقيقة حالهم مصاحبة لهم ورثوها عن آبائهم لذلك لم نحكم عليهم بحكم المرتدين وهذا ليس تكفيرا بالعموم ولكن الكلام على طوائف مخصوصة ممتنعة عن الالتزام بالتوحيد-
    والكلام عن فعل المحرمات فرع وانما الاشكال فى الالتزام بأصل دين الاسلام
    فثبت العرش ثم انقش

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •