قول الطحاوى - الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان - هذا فيه نظر وقصور - وهو مذهب مرجئة الفقهاء
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: قول الطحاوى - الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان - هذا فيه نظر وقصور - وهو مذهب مرجئة الفقهاء

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي قول الطحاوى - الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان - هذا فيه نظر وقصور - وهو مذهب مرجئة الفقهاء

    قال الطحاوي رحمه الله تعالى:
    "والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان"،
    هذه الجملة من كلامه في تعريف الإيمان المقصود بها التعريف الشرعي للإيمان عند الطحاوي رحمه الله , والذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة، أئمة أهل الحديث والسنة ,
    أن الإيمان قول وعمل ,
    وبعض أهل العلم يعبّر بقوله: الإيمان قول وعمل ونية ,
    كما قالها الإمام أحمد في موضع , ويعني بالنية الإخلاص، يعني الإخلاص في القول والعمل،
    وهذا الأصل وهو أن الإيمان قول وعمل وُضِّحَ بقول أهل العلم: الإيمان اعتقاد بالقلب , يعني بالجنان , وقول باللسان , وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان.


    فشمل الإيمان إذن فيما دلت عليه الأدلة هذه الأمور الخمسة وهي:
    أنه اعتقاد وأنه قول وأنه عمل وأنه يزيد وأنه ينقص.
    وتعريف الطحاوي للإيمان بقوله: "هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان"
    هذا تعريف بالمقارنة مع ما سبق فيه قصور وهو موافقٌ لما عليه الإمام أبوحنيفة رحمه الله وأصحابه؛
    فإنهم لم يجعلوا العمل من مسمى الإيمان وجعلوا الإيمان تصديق القلب وإقرار اللسان،
    وجعلوا الأعمال زائدة عن مسمى الإيمان مع كونها لابد منها ولازمة للإيمان ,
    فقول الطحاوي هذا ليس مستقيماً مع معتقد أهل السنة والجماعة، أتباع أهل الحديث والأثر ,
    وفيه قصور؛ لأنه أخرج الإيمان.. أخرج العمل عن تعريف الإيمان ,
    وكون العمل من الإيمان له أدلة كثيرة من الكتاب والسنة،
    . ومنها في هذا المقام قول الله جل وعلا:
    وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ - ويعني بالإيمان الصلاة، فسمى الصلاة إيماناً والصلاة عمل ,
    وقال أيضاً جل وعلا:
    الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ
    وقال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
    دلت الآية على أن الإيمان له حقيقة هي الاعتقاد والإيمان بهذه الأركان الخمسة
    آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
    فإذا كان العمل ناشئاً عن هذه، فإنه لا يتصور الانفكاك ما بين العمل والإيمان ,
    ولهذا في آية البقرة:
    وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ - جعل العمل هو الإيمان؛ لأنه منه , ولأنه ينشأ عنه.

    فنفهم إذن أن قوله: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ
    الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ونحو ذلك، بما فيه عطف العمل على الإيمان
    كما قدمنا آنفاً أن هذا عطف الخاص بعد العام ,
    وعطف الجزء بعد الكل،
    وهذا كثير في القرآن وفي اللغة كما قدمته لك. ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام:
    ((آمركم بالإيمان)) لما قال لوفد عبدالقيس لما أتوه في المدينة
    قال: ((آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟)) ثم فسر بأركان الإيمان ثم قال: ((وأن تؤدّوا الخمس من المغنم))، وهذا أداء الخمس عمل، فجعله تفسيراً للإيمان.

    كذلك قوله عليه الصلاة والسلام:
    ((الإيمان بضع وسبعون شعبة , أعلاها قول: لا إله إلا الله , وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))
    فجعل الإيمان له قول مرتبط بالنطق، وله عمل الذي هو إماطة الأذى عن الطريق، يعني الذي هو نوع العمل، وجعل له عمل القلب وهو الحياء، ففي هذا الحديث مثل النبي عليه الصلاة والسلام شعب الإيمان بثلاثة أشياء، منها القول ومنها الاعتقاد أو عمل القلب، ومنها عمل الجوارح، ويأتي مزيد بيان لهذا الأصل في المسائل إن شاء الله تعالى.

    ثم زيادة الإيمان ونقصانه، دل على الزيادة قول الله جل وعلا: ] وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَان
    اً
    وكذلك قوله: ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم
    وكذلك قوله: زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ - ونحو ذلك مما فيه زيادة. وإذا كان فيه زيادة فإنه لابد أن يكون فيه النقص بمقابل ما ترك مِمَّ يسبب الزيادة في الإيمان , ولهذا قال بعض الصحابة لما ذكر زيادة الإيمان وذكر نقصانه، قال: إذا سبّحنا الله وحمدناه وذكرناه فذلك زيادته , وإذا غفلنا فذلك نقصانه , فزيادة الإيمان ونقصانه دل عليها قول الله جل وعلا والسنة وقول الصحابة رضوان الله عليهم.

    فمن هذا يتقرر أن قول الطحاوي:
    "
    الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان" هذا يوافق قول مرجئة الفقهاء وهم أبوحنيفة النعمان بن ثابت الإمام المعروف وأصحابه ,
    ممن أخرجوا العمل عن كونه جزءاً من الماهية , عن كونه ركناً في الإيمان.
    إذا تقرر هذا
    فإن في مسألة الإيمان مباحث كثيرة جداً؛ وذلك لكثرة الخلاف في هذه المسألة وطول الكلام عليها , وكثرة التصانيف التي صنفها السلف ومن بعدهم في هذه المسألة،
    لكن يمكن تقريب هذه المسألة لطالب العلم في مسائل:
    الأولى: الإيمان يجمع الاعتقاد بالقلب وهو الذي يسميه المرجئة مرجئة الفقهاء أو يسميه العامة التصديق.
    والثانية: قول اللسان.
    والثالثة: عمل الجوارح والأركان.
    والرابع: الزيادة
    والخامسة: النقصان.
    هذه خمسة أشياء فيها اختلف المنتسبون إلى القبلة على أقوال.
    القول الأول: هو أن الإيمان تصديق فقط. وهذا هو قول جمهور الأشاعرة وهو قول أيضاً أبي منصور الماتريدي والماتريدية العامة , وهذا مبني منهم على أن القول ينشأ عن التصديق، وعلى أن العلم ينشأ عن التصديق، فنظروا إلى أصله في اللغة بحسب ظنهم , وإلى ما يترتب عليه فجعلوه التصديق فقط , واستدلوا له بعدة أدلة مما فيه أن الإيمان تصديق كقوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وهذه أمور غيبية ,
    والإيمان بها يعني التصديق بها. وغير ذلك من الأدلة التي فيها حصر الإيمان بالغيبيات والإيمان بالغيبيات يفهم على أنه التصديق. وهؤلاء يسمون المرجئة، وهم المشهورون بهذا الاسم.

    ومن المرجئة طائفة غالية جداً، وهم الذين جعلوا الإيمان ليس التصديق بالقلب ولكن هو المعرفة بالقلب , وهو القول المنسوب إلى الجهمية وغلاة الصوفية كابن عربي ونحوه، ممن صنفوا في إيمان فرعون. الفئة الثانية أو الفرقة الثانية:
    قال: إن الإيمان قول باللسان فقط , هؤلاء يسمون الكرّاميّة بالتشديد، الكرّاميّة ينسبون إلى محمد بن كرّام، هذا يقول: الإيمان هو الإقرار باللسان , لم؟ قال: لأن الله جل وعلا جعل المنافقين مخاطبين باسم الإيمان، في آيات القرآن , فإذا نودي المؤمنون في القرآن فيدخل في الخطاب أهل النفاق والمنافقون , إنما أقرّوا بلسانهم، ولم يصدقوا بقلوبهم، فدخلوا في اسم الإيمان لهذا الأمر.

    المذاهب الثالث:
    هو مذهب الخوارج والمعتزلة.. بل قبله،
    المذهب الثالث هو مذهب مرجئة الفقهاء الذين قالوا:
    إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه: إقرار باللسان وتصديق بالجنان، ويجعلون أن الناس في التصديق كما سيأتي، وفي أعمال القلوب أنهم واحد، فأعمال القلوب التي أصلها التصديق عندهم شيء واحد، والعمل ليس من الإيمان عندهم يعني من حقيقة الإيمان....


    وأظن شبهتهم نص أبي حنيفة في هذه المسألة,
    وهو بناه على أن الذين خوطبوا بالإيمان هم المؤمنون والمنافقون, والمنافقون ليس لهم عمل، عملهم باطل,
    وإنما أقرّوا باللسان فقط

    ,
    والمؤمنون مصدقون مقرون، فجمع لهم ما بين –يعني: بين الطائفتين- ما بين الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، يعني: في الخطاب الظاهر، وأما الأعمال فالحساب عليها آخر,
    ومن أدلتهم الأصل اللغوي الذي هو حسب ما قالوا:
    إن الإيمان هو التصديق, والإقرار أخذ من زيادة في الشريعة؛ لأنه لابد من قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.


    الرابع: هو قول الخوارج والمعتزلة:
    هو أن الإيمان اعتقاد بالجنان, أو تصديق بالجنان, وإقرار باللسان, وعمل بالجوارح، وهذا العمل عندهم بكل مأمور به, والانتهاء عن كل منهي عنه, فما أمر به وجوباً فيدخل في مسمى الإيمان بمفرده, وما نهي عنه تحريماً فيدخل في مسمى الإيمان بمفرده, يعني: أن كل واجب يدخل في مسمى الإيمان على حدة، فيكون جزءاً وركناً في الإيمان، وكل محرم يدخل في الانتهاء عنه, يدخل في مسمى الإيمان بمفرده، وبناء على ذلك قالوا: فإذا ترك واجباً؛ فإنه يكفر, وإذا فعل محرماً من الكبائر؛ فإنه يكفر؛ لأن جزء الإيمان وركن الإيمان ذهب, فعندهم أن هذا العمل جزء واحد, إذا فقد بعضه فقد جميعه, وبينهم خلاف –يعني: بين الخوارج والمعتزلة- فيمن استحق النار في الآخرة ماذا يسمى في الدنيا؟! على القول المعروف عندهم: وهو أنه في الدنيا عند الخوارج يسمى كافرا, وعند المعتزل هو في منزلة بين المنزلتين, لا يقال: مؤمن, ولا يقال: كافر. مع اتفاقهم على أنه في النار مخلد فيها؛ لانتفاء الإيمان في حقه.


    الخامس: هو قول أهل الحديث والأثر،
    وقول صحابة رسول الله
    صلى الله عليه وسلم:
    وهو أن الإيمان اعتقاد
    ,
    ومن الاعتقاد التصديق، وقول باللسان
    ,
    وهو إعلان لا إله إلا الله محمد رسول الله،
    وعمل بالأركان، وأنه يزيد وينقص
    ,
    ويعنون بالعمل جنس العمل
    , يعني: أن يكون عنده جنس طاعة وعمل لله جل وعلا،
    فالعمل عندهم الذي هو ركن الإيمان ليس شيئًا واحدًا
    , إذا وجد بعضه وجد جميعه، إذا ذهب بعضه ذهب جميعه، أو إذا وجد بعضه وجد جميعه
    ,
    بل هذا العمل مركب من أشياء كثيرة
    , لابد من وجود جنس العمل،
    وهل هذا العمل الصلاة
    ؟! أو هو أي عمل من الأعمال الصالحة؟! امتثال الواجب طاعة, وترك المحرم طاعة,
    هذا ثم خلاف بين علماء الملة في المسألة المعروفة في تكفير تارك الصلاة تهاوناً أو كسلاً ,
    الفرق ما بين مذهب أهل السنة والجماعة وما بين مذهب الخوارج والمعتزلة
    أن أولئك جعلوا ترك أي عمل واجب أو فعل أي عمل محرم؛ فإنه ينتفي عنه اسم الإيمان،
    وأهل السنة قالوا:
    العمل ركن وجزء من الماهية، لكن هذا العمل أبعاض، ويتفاوت, وأجزاء إذا فات بعضه أو ذهب جزء منه؛ فإنه لا يذهب كله،
    فيكون المراد من الاشتراط جنس العمل، يعني: أن يوجد منه عمل صالح ظاهرًا بأركانه وجوارحه, يدل على أن تصديقه الباطن، وعمل القلب الباطن على أنه استسلم به ظاهرًا، وهذا متصل بمسألة الإيمان والإسلام، فإنه لا يتصور وجود إسلام ظاهر بلا إيمان، كما أنه لا يتصور وجود إيمان باطن بلا نوع استسلام لله –جل وعلا- بالانقياد له بنوع طاعةٍ ظاهرة.

    المسألة الثانية: الطحاوي هنا ترك العمل, يعني:
    ما ذكر العمل في مسمى الإيمان، وكما ذكرت لك, أن العمل عند أهل السنة والجماعة داخل في مسمى الإيمان, وفي ماهيته, وهو ركن من أركانه, والفرق بينهما
    يعني: بين قول مرجئة الفقهاء, وهو الذي قرره الطحاوي, وبين قول أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر-
    الفرق بينهما من العلماء من قال: إنه صوري لا حقيقة له –يعني: لا يترتب عليه خلاف في الاعتقاد-
    ومنهم من قال
    :
    لا هو معنوي وحقيقي،
    ولبيان ذلك؛ لأن الشارح ابن أبي العز –رحمه الله - على جلالة قدره وعلو كعبه ومتابعته للسنة ولأهل السنة والحديث، فإنه قرر أن الخلاف لفظي وصوري,
    وسبب ذلك أن جهة النظر إلى الخلاف منفكة,فمنهم من ينظر إلى الخلاف بأثره في التكفير،
    ومنهم من ينظر إلى الخلاف بأثره في الاعتقاد،
    فمن نظر إلى الخلاف بأثره في التكفير، قال: الخلاف صوري، الخلاف لفظي ؛
    لأن الحنفية الذين يقولون: هو الإقرار باللسان, والتصديق بالجنان، هم متفقون مع أهل الحديث والسنة؛ مع أحمد والشافعي على أن الكفر والردة عن الإيمان تكون بالقول, وبالاعتقاد، وبالعمل، وبالشك,
    فهم متفقون معهم على أن من قال قولاً يخالف ما به دخل في الإيمان؛ فإنه يكفر،
    ومن اعتقد اعتقادا يخالف ما به دخل في الإيمان ؛ فإنه يكفر،
    وإذا عمل عملاً ينافي ما به دخل في الإيمان؛ فإنه يكفر،
    وإذا شك أو ارتاب؛فإنه يكفر،
    بل الحنفية في باب حكم المرتد في كتبهم الفقهية أشد في التكفير من بقية أهل السنة, مثل: الحنابلة, والشافعية, ونحوه، فهم أشد منهم, حتى إنهم كفروا بمسائل لا يكفر بها بقية الأئمة, كقول القائل مثلاً:سورة صغيرة, فإنهم يكفرون بها, أو مسيجيد أو نحو ذلك أو إلقاء كتاب فيه آيات؛ فإنهم يكفرون إلى آخر ذلك. فمن نظر مثلما نظر الشارح ونظر جماعة من العلماء, من نظر في المسألة إلى جهة الأحكام, وهو حكم الخارج من الإيمان, قال: الجميع متفقون, سواء كان العمل داخلا في المسمى, أو خارجاً من المسمى؛ فإنه يكفر بأعمال, ويكفر بترك أعمال ,
    فإذن لا يترتب عليه على هذا النحو دخول في قول المرجئة, الذي يقولون: بلا عمل ينفع, ولا يخرج من الإيمان بأي عمل يعمله, ولا يدخلون مع الخوارج في أنهم يكفرون بأي عمل, أو بترك أي واجب, أو فعل أي محرم, فمن هذه الجهة إذا نظر إليها تُصُوِّر أن الخلاف ليس بحقيقي, بل هو لفظي وصوري.

    الجهة الثانية التي ينظر إليها:
    وهي أن العمل عمل الجوارح والأركان, هو مما أمر الله –جل وعلا- به في أن يعتقد وجوبه, أو يعتقد تحريمه من جهة الإجمال والتفصيل،
    يعني: أن الأعمال التي يعملها العبد لها جهتان؛
    جهة الإقرار بها, وجهة الامتثال لها،
    وإذا كان كذلك؛
    فإن العمل بالجوارح والأركان
    ,
    فإنه إذا عَمِل فإما أن نقول: إن العمل داخل في التصديق الأول، تصديق بالجنان,
    وإما أن نقول: إنه خارج عن التصديق بالجنان
    ،
    فإذا قلنا: إنه داخل في التصديق بالجنان, يعني: العمل بالجوارح باعتبار أنه إذا أقر به امتثل؛ فإنه يكون التصديق إذن ليس تصديقاً، وإنما يكون اعتقادًا شاملاً للتصديق وللعزم على الامتثال, وهذا ما خرج عن قول وتعريف الحنفية.
    والجهة الثانية: أن العمل يمتثل فعلاً،
    فإذا كان كذلك؛ كان التنصيص على دخول العمل في مسمى الإيمان هو مقتضى الإيمان بالآيات وبالأحاديث؛
    لأن حقيقة الإيمان فيما تؤمن به من القرآن، في الأوامر والنواهي في الإجمال والتفصيل,
    أنك تؤمن بأن تعمل, وتؤمن بأن تنتهي , وإلا فلو لم يدخل هذا في حقيقة الإيمان؛ لم يحصل فرق ما بين الذي دخل في الإيمان بيقين, والذي دخل في الإيمان بنفاق,
    يبين لك ذلك أن الجهة هذه وهي جهة انفكاك العمل عن الاعتقاد، انفكاك العمل عن التصديق،
    هذه حقيقة داخلة فيما فرق الله –جل وعلا- به فيما بين الإسلام والإيمان،
    ومعلوم أن الإيمان إذا قلنا: إنه إقرار وتصديق ؛
    فإنه لابد له من إسلام وهو امتثال الأوامر والاستسلام لله بالطاعات ,
    بهذا نقول:
    إن مسألة الخلاف هل هو لفظي أو هو حقيقي؟!
    راجعة إلى النظر في العمل،
    هل العمل داخل امتثالاً فيما أمر الله –جل وعلا- به أم لم يدخل امتثالاً فيما أمر الله –جل وعلا- به؟!والنبي صلى الله عليه وسلم بين أنه يأمر بالإيمان، ((آمركم بالإيمان بالله وحده)).
    والله –جل وعلا- أمر بالإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ
    فالإيمان مأمور به، وتفاصيل الإيمان بالاتفاق بين أهل السنة وبين مرجئة الفقهاء, يدخل شعب الإيمان, يدخل فيها الأعمال الصالحة,
    لكنها تدخل في المسمى من جهة كونها مأمورا بها، فمن امتثل الأمر على الإجمال والتفصيل فقد حقق الإيمان,وإذا لم يمتثل الأمر على الإجمال والتفصيل؛ فإنه بعموم الأوامر لا يدخل في الإيمان,
    وهذه يكون فيها النظر مشكلاً من جهة هل يتصور هل يتصور أن يوجد أحد يؤمن بالإيمان يؤمن بما أنزل الله –جل وعلا- ولا يفعل خيراً البتة؟ لا يفعل خيرًا قط؟!لا يمتثل واجبًا؟!ولا ينتهي عن محرم؟!مع اتساع الزمن وإمكانه في الحقيقة هذا لا يتصور أن يكون أحد يقول: أنا مؤمن, ويكون إيمانه صحيحاً, ولا يعمل صالحًا مع إمكانه لا يعمل أي جنس من الطاعات؛ خوفاً من الله –جل وعلا- ولا ينتهي عن أي معصية؛ خوفاً من الله جل وعلا، هذا لا يتصور,
    ولهذا حقيقة المسألة ترجع إلى الإيمان بالأمر، الإيمان بالأمر.. الأمر بالإيمان في القرآن وفي السنة كيف يؤمن به، كيف يحققه؟! يحقق الإيمان بعمل بجنس العمل الذي يمتثل به،
    فرجع إذن أن الامتثال داخل في حقيقة الإيمان بأمره,
    وإلا فإنه حينئذ لا يكون فرقاً بين من يعمل ومن لا يعمل.
    ل
    هذا نقول:إن الإيمان الحق بالنص بالدليل –يعني: بالكتاب والسنة, بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبكتابه- لابد له من امتثال،
    وهذا الامتثال لا يتصور أن يكون غير موجود من مؤمن، أن يكون مؤمن ممكن أن يعمل ولا يعمل البتة،
    وإذا كان كذلككان إذا جزءًا من الإيمان، أولاً لدخوله في تركيبه، والثاني أنه لا يتصور في الامتثال, يعني: للإيمان, والإيمان بالأمر أن يؤمن ولا يعمل البتة,
    إذن فتحصل من هذه الجهة: أن الخلاف ليس صورياً من كل جهة، بل ثم جهة فيه تكون لفظية، وثم جهة فيه تكون معنوية، وجهات المعنوية والخلاف المعنوي كثيرة متنوعة,
    لهذا قد ترى من كلام بعض الأئمة من يقول: إن الخلاف بين المرجئة وبين أهل السنة- مرجئة الفقهاء ليس كل المرجئة- أن الخلاف صوري؛
    لأنهم يقولون: العمل شرط زائد لا يدخل في المسمى،
    وأهل السنة يقولون:لا هو داخل في المسمى،
    فيقول: إذن الخلاف صوري،
    من قال:الخلاف صوري فلا يظن أنه يقول به في كل صور الخلاف،
    وإنما يقول به من جهة النظر إلى التكفير وإلى ترتب الأحكام على من لم يعمل،
    أما من جهة الأمر, من جهة الآيات, والأحاديث, والاعتقاد بها والإيقان بالامتثال,فهذا لابد أن يكون الخلاف حينئذ حقيقي.
    [شرح الطحاوية للشيخ صالح ال الشيخ] وللحديث بقية ان شاء الله

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي رد: قول الطحاوى - الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان - هذا فيه نظر وقصور - وهو مذهب مرجئة الفقهاء

    الزيادة والنقصان:
    زيادة الإيمان ونقصانه اختلف فيها العلماء على أقوال:

    القول الأول: وهو قول جمهور أهل العلم من أهل السنة ومن المرجئة ومن غيرهم، قول الجمهور من جميع الطوائف: إن الإيمان يزيد وينقص.
    القول الثاني: إن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا منسوب إلى بعض أئمة أهل السنة؛ لأن الدليل دل على زيادته, وهذا أمر لا يدخله القياس، فلا نقول بنقصانه لعدم ورود الدليل في ذلك.

    الثالث: من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وهو قول طائفة من المرجئة ومن غيرهم، لا ارتباط ما بين الإرجاء والخلاف في الثلاثة أركان الأولى, وما بين القول بزيادة الإيمان ونقصانه، تارةً تجد من ذهب إلى أحد الأقوال، يقول بزيادته ونقصانه, ومن ذهب إليه لا يقول بزيادته ونقصانه, يعني: مثلاً الأشاعرة الذين هم مرجئة, والماتريدية منهم من يقول بزيادته ونقصانه, ومنهم من لا يقول بذلك، لعدم ترتبها على حقيقة الإيمان, هذا أمر زائد أدخلوه في في البحث, فإذن لا أثر في الخلاف مسألة زيادته ونقصانه على كونه مرجئا، إذا قال أحد: الإيمان ما يزيد ولا ينقص, لا يدل على كونه.. على كونه مثلاً مرجئة, لكنه يدل على أنه ليس من أهل السنة, إذا قال: الإيمان نقول بزيادته ونقصانه, لا يدل على أنه من أهل السنة والجماعة,بل قد يكون مرجئاً, فلا ارتباط ما بين مسألة الزيادة والنقصان ومسائل التعريف السالفة للإيمان.

    المسألة الرابعة: عرف الإيمان بقوله:"إقرار باللسان, وتصديق بالجنان". وقلنا في التعريف: اعتقاد بالجنان, والفرق ما بين التصديق والاعتقاد أن التصديق شيء واحد –بمعنى أنه أمر واحد عبادة واحدة- وأما الاعتقاد فإنه يشمل أشياء كثيرة من أعمال القلوب, لهذا قالت طائفة من السلف في تعريف الإيمان: الإيمان قول وعمل، وهذا دقيق؛ لأنه يشمل قول القلب, وقول اللسان, وقول القلب هو تصديقه وإخلاصه لله جلا وعلا, وقول اللسان هو إعلانه الشهادة, وعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح, وعمل القلب من محبة الله جلا وعلا, والتوكل عليه، والخوف منه –جل جلاله- ورجاؤه, والإنابة إليه، وخشية الرب جل جلاله, ونحو ذلك من أعمال القلوب.

    فإذن ما يتصل بالقلب من أمور الإيمان ليست شيئاً واحدًا, ليس هو التصديق فقط، بل ثم أشياء كثيرة في القلب والتصديق, هو أحدها, ولهذا فإن التفاضل الزيادة والنقصان، زيادة ونقصان باعتبار العمل الظاهر، وزيادة ونقصان باعتبار عمل القلب الباطن, فالناس يتفاوتون في الإيمان, من جهة زيادته ونقصانه في أعمالهم الظاهرة, وهي أمور الإسلام من الصلاة, والزكاة, والصيام, والحج, والاستسلام لله جلا وعلافي الأوامر والانقياد ونحو ذلك, والانتهاء عن المحرمات، وكذلك أعمال القلوب، وأعمال القلوب نوعان:
    أعمال واجبة الفعل, وأعمال محرمة العمل, أو واجبة الترك, أما واجبة الفعل مثل محبة الله -جلا وعلا- والإنابة إليه, والتوكل عليه, وخشيته, والخوف منه, والطمأنينة له ونحو ذلك من أعمال القلوب، وما يجب تركه ما يجب تركه من أعمال القلوب المحرمات، محرمات أعمال القلوب التي هي الكبر والبطر وتزكية النفس وسوء الظن بالله -جلا وعلا- ونحو ذلك، هذه كلها يجب تركها, فإذن أعمال القلوب مشتملة على تصديق, ومشتملة على أمور واجب أن يعملها القلب، وأمور واجب أن ينتهي عنها القلب، وهذه كلها في الحقيقة متصلة، فالتصديق متأثر زيادةً ونقصاناً بأعمال القلوب، فأعمال القلوب تؤثر على تصديقه, فأعمال القلوب الواجبة إذا زادت محبته لله جلا وعلا؛ زاد تصديقه, إذا زادت إنابته إلى الله وزاد خشوعه وخضوعه بين يدي الله؛ زاد توكله على الله –سبحانه وتعالى- زاد تصديقه, وزاد يقينه، وكذلك إذا انتهى عن المحرمات خضع لله جلا وعلا, لم يكن متكبراً ذليلاً لله جلا وعلا, غير مترفع على الخلق، محباً لسلامته سلامة قلبه, مبتعداً عما يفسد القلب، هذه كلها مؤثرة في تصديقه, فإذن رجع الأمر في زيادة الإيمان وفي نقصانه إلى زيادة الإيمان في أركانه الثلاثة، ونقصان الإيمان في أركانه الثلاثة فإذن زيادة الإيمان نقول: يزيد بطاعة الرحمن, يعني: يزيد التصديق والاعتقاد بطاعة الرحمن, يزيد الإقرار باللسان بطاعة الرحمن، يزيد العمل بالأركان أيضًا بطاعة الرحمن، فزيادة الإيمان راجعة للثلاثة جميعاً؛ لأن الزيادة تارة تكون بالعمل الظاهر؛ زيادة صلاة, زيادة صدقة, زيادة بر, زيادة جهاد في سبيل الله، طلب علم ونحو ذلك، فيرجع هذا إلى التصديق, وإلى الإقرار بزيادة. [فيكون تصديقه و][3]اعتقاده أكثر وأعظم وأمتن وأثبت. وكذلك إقرار... وهذا الإنسان يحسه من نفسه, فإنه إذا زاد إيمانه؛ زاد لهجه بذكر ربه –جلا وعلا- تهليلاً, وتسبيحًا, وتحميدًا, وتكبيرًا, وتمجيدًا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي رد: قول الطحاوى - الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان - هذا فيه نظر وقصور - وهو مذهب مرجئة الفقهاء

    قال المصنف رحمه الله: [والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد أهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى] . ......

    قول أبي حنيفة في الإيمان
    في مقدمة هذه الرسالة التي كتبها الإمام الطحاوي رحمه الله ذكر أنه يقرر معتقد أبي حنيفة وصاحبيه، ومعلوم أن أخص ما اختص به أبو حنيفة من هذه المسائل هي مسألة الإيمان، فإن الذي عليه الجماهير من أهل العلم والمقالات أن أبا حنيفة يقول بأن الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، ومعنى هذا أن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان، وهذا القول ليس عليه أئمة السنة والحديث، وليس مأثوراً عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل المأثور عن الصحابة، وعليه عامة أئمة السلف أن الإيمان قول وعمل، والنزاع في مسألة مسمى الإيمان هو أول نزاع حصل في هذه الأمة في مسائل أصول الدين، وأول من خالف في ذلك الخوارج، ثم تبعهم من تبعهم من المعتزلة في الجملة، وحدث ما يقابل بدعة الخوارج وهي بدعة المرجئة.

    مذهب السلف في الإيمان
    قول السلف الذي حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة أن الإيمان قول وعمل، وألفاظ السلف في هذا المقام مختلفة، ولكن اختلافها من باب اختلاف الألفاظ، فالذي عبر به الجماهير من أئمة السنة والحديث هو أن الإيمان قول وعمل، وعبر طائفة منهم بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وعبر طائفة منهم البخاري في صحيحه بأن الإيمان: (قول وفعل)، وعبر بعضهم بأن الإيمان: (قول وعمل ونية واتباع للسنة)، إلى أمثال ذلك من الجمل المأثورة عن بعض أعيان السلف. وهذه الجمل ليس بينها اختلاف عند التحقيق، بل هي جمل متفقة من حيث المعنى، وإن كان المأثور عن جماهير من السلف هو أجود التعبيرات، وهو قولهم: الإيمان قول وعمل، ومرادهم بالقول هنا: قول القلب وقول اللسان، ومرادهم بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح، فأما قول اللسان فبين، وأما عمل الجوارح فبين، وهي الشرائع الظاهرة كالصلاة والصوم والحج وأمثال ذلك، وأما قول القلب -وهو أصل الإيمان عند السلف ومبناه- فمرادهم به: تصديق القلب. وأما عمل القلب فهو: حركته بهذا التصديق في أعماله المناسبة له، كالمحبة والرضا والخوف والاستعانة إلى غير ذلك من أعمال القلوب، وعليه فأصول الإيمان على هذا الاعتبار تكون أربعة: تصديق القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح. وأما ذكره الشافعي وأمثاله -وهو الشائع في كلام أكثر المتأخرين من أهل السنة- من أنه قول وعمل واعتقاد، فإنهم يريدون بالقول: قول اللسان، ويريدون بالعمل: الأعمال الظاهرة والباطنة، ويريدون بالاعتقاد: التصديق. فالقصد أن هذه الجمل المأثورة عن السلف لا خلاف بينها في نفس الأمر. وعلى هذا المعنى أجمع السلف رحمهم الله، وأجمعوا على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وزيادته ونقصانه متعلقة بأصوله الأربعة، فليست مختصة بالعمل وحده، بل يزيد وينقص من جهة الأعمال الظاهرة، ومن جهة الأقوال إذا ما فسر قول اللسان بغير الشهادتين، ويزيد وينقص في أعمال القلوب، بل حتى التصديقات متفاضلة.

    زيادة الإيمان ونقصانه
    ليس بين أهل السنة نزاع في كون الزيادة والنقصان متعلقة بالأركان الثلاثة الأولى، وإنما تكلم بعض أهل السنة والجماعة ممن أحسنوا تقرير هذا الأصل في التصديق، ومن ذلك ما ذكره ابن حزم ، فإن كلامه في أصول الدين ليس على وجه واحد، فإنه لما قرر مسائل الصفات قال فيها قولاً مباعداً للقول المأثور عن أئمة السلف، وقوله في هذا من جنس قول طائفة من المعتزلة، وإن كان يذكر جمل الأئمة رحمهم الله، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله في شرح الأصفهانية يقول: (إن القول الذي قرره ابن حزم مقارب لقول طائفة من الفلاسفة)، فتقرير ابن حزم في مسائل الصفات ليس حسناً، ولكن كلامه في مسائل الإيمان جيد في الجملة، إلا أن من أغلاطه أنه قرر أن التصديق لا يتفاضل، وقد ثبت عن الإمام أحمد وغيره من أعيان المتقدمين من السلف أنهم ذكروا أن التصديق يتفاضل، وهذا معلوم بالشرع والعقل، فإن التصديق لا يختص بمسائل التصديقات الكلية، بل سائر أحكام الشريعة وإن كانت تكليفاً من جهة، لكنها من جهة أخرى تكون تصديقاً. ......

    الخوارج والمعتزلة لا يرون زيادة الإيمان ونقصانه
    قرر الخوارج والمعتزلة أن الإيمان قول وعمل، ولكنهم لم يروا زيادته ونقصانه، وهذا هو محصل الفرق بين مذهب السلف ومذهب الخوارج والمعتزلة، فقالت الخوارج: إن مرتكب الكبيرة يكون كافراً، وقالت المعتزلة: إنه يكون فاسقاً قد عدم الإيمان، وبنى الخوارج والمعتزلة قولهم في مسمى الإيمان على قولهم في أهل الكبائر، وهذا الترتيب خطأ في الاستدلال فإن مسألة حكم أهل الكبائر فرع عن مسمى الإيمان وليس العكس.

    أقوال المرجئة في الإيمان والرد عليهم
    وأما من قابلهم وهم سائر طوائف المرجئة، فإنهم أجمعوا على أن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان، وهذه الجملة هي جامع أقوال المرجئة. ثم بعد ذلك اختلفت المرجئة على أقوال، وقد ذكر الأشعري في (المقالات): (أن مقالات المرجئة في مسمى الإيمان اثنتا عشرة مقالة)، وقد أجمعوا على أن أشد هذه المقالات غلطاً وبعداً عن السنة والجماعة هي مقالة الجهم بن صفوان ؛ فإنه قال: الإيمان هو المعرفة، ويقاربه في الجملة قول أبي الحسين الصالحي ، وأخف مقالات المرجئة هو قول حماد بن أبي سليمان . ولا يوجد أصل من أصول الدين قد خالف فيه بعض المعروفين بالإمامة والسنة والجماعة من المتقدمين إلا هذا الأصل، وإلا فإن كلام السلف في الصفات والقدر وأمثاله كلام متصل محكم، وإنما نازع في هذا الأصل حماد بن أبي سليمان ، وهو إمام من أعيان أئمة الكوفة، ومن تلاميذ إبراهيم النخعي ، وقد أجمع أهل العلم على أنه من المعروفين بالسنة والجماعة، ولكنه غلط حين أخرج العمل عن مسمى الإيمان، فهذه البدعة أول من ابتدعها من أهل السنة والجماعة هو حماد بن أبي سليمان ، ومن جهته دخلت على أبي حنيفة وجماهير أصحابه. وسبب غلطهم في مسمى الإيمان لم يكن موجبه خارجاً عما يصح الاستدلال به الكتاب والسنة، ومعنى ذلك أن هذا القول لم يكن دخل على حماد من أصل خارج عن الاستدلال بالشرع، بل كان يستدل على مقالته هذه بنوع من الاستدلال الشرعي وإن كان استدلاله غلطاً، وذلك مثل استدلاله بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} [الكهف:107] ، فجعل ذكر العمل مع الإيمان دليلاً على أن العمل ليس داخلاً في مسماه، ولا شك أن هذا إشكال بين يُدفع به عن حماد وأمثاله أنهم كانوا ينتحلون هذا القول على أصول بدعية. ويتحقق التفريق إذا نظرت في أقوال القدرية أو معطلة الصفات، فإنهم لم يكونوا يبنون تعطيلهم على شيء من الاستدلال بالأصول الشرعية، وإنما مبنى أقوالهم على نوع من الشبهات التي دخلت عليهم من المقالات الفلسفية أو نحوها، وإن كان يستدل بعضهم بما هو من القرآن فهذا ليس هو مبنى أو موجب المقالة في مسائل الصفات والقدر وأمثالها. ولم يكن حماد بن أبي سليمان رحمه الله من المعروفين بشيء من أصول البدع كعلم الكلام ونحوه، ولكنه قال هذه المقالة التي أجمع الأئمة على أنه خالف فيها الإجماع عن غلط في الاستدلال، ويراد بالإجماع هنا الإجماع المتقدم، أي: أن السلف قبل حماد وهم طبقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم، لم يكن أحد منهم يقول: إن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان، وعلى هذا قيل: إن قول حماد بن أبي سليمان و أبي حنيفة وأمثالهما مخالف للكتاب والسنة والإجماع، وليس من شرط كونه مخالفاً للإجماع أن لا يُضاف حماد وأمثاله ممن قال بذلك من أصحاب السنة إلى السنة والجماعة، بل الإجماع يتحقق من وجه متقدم. ولهذا نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تارة يقول: وقد أجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل، وتارة يقول: والقول الذي عليه الجماهير من السلف أن الإيمان قول وعمل، وكلا الاستعمالين صحيح، فإنه إن قال: إن السلف أجمعوا فإنه يعني الإجماع المتقدم على حماد ، ومخالفة حماد هنا لا تعتبر؛ لكونه خالف الإجماع المتقدم، وإذا قال: إنه قول جماهير السلف، فإنه يعني بذلك أن حماداً وأمثاله لا يخرجون عن السنة خروجاً مطلقاً، بل هم يعدون في أصحاب السنة والجماعة، وإن كان قولهم بدعة بالإجماع فضلاً عن كونه غلطاً. ......

    الجواب على مرجئة الفقهاء في مسألة الإيمان
    وأما دلائل قول السلف: إن الإيمان قول وعمل، فهي متواترة في الكتاب والسنة، فقد ذكر الآجري في الشريعة أن العمل ذكر في بضع وخمسين موضعاً وهو محصل أو داخل في مسمى الإيمان، وهذا استدل به الآجري في الشريعة على أن العمل داخل في مسمى الإيمان وإن كان قد ينازع في بعضه، ولكن الدلائل متواترة في كون العمل داخلاً في مسمى الإيمان. ويرد اسم الإيمان في الكتاب والسنة مطلقاً تارة ومقيداً تارة، ويرد به في مقام أصله وفي مقام آخر يراد به تمامه، فهو في مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة:277] ، يراد به الأصل على الصحيح من التفسيرين اللذين أجاب بهما أهل السنة والجماعة عن استدلال المرجئة كما سيأتي، وهذه الآية وأمثالها هي أقوى ما استدل به المرجئة ولا سيما الفقهاء منهم، على أن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان، وعنها جوابان: الجواب الأول: أن هذا من باب عطف الخاص على العام، وهذه الطريقة وإن كانت صحيحة في الجملة إلا أنها ليست هي الطريقة الأجود. الجواب الثاني: وهو الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله: أن الإيمان هنا هو الأصل، وإذا ذكر الأصل فإن العمل يكون لازماً له، ولزومه له في مقام لا يستلزم عدم دخوله في ماهيته في مقام آخر، فإن ما كان لازماً يكون تابعاً، ولا يمكن في العقل أن ينفك اللازم عن الملزوم، قال شيخ الإسلام : (وإذا كان العمل لازماً في مقام لأصل الإيمان أو لمسمى الإيمان لم يلزم أن يكون في سائر الموارد كذلك، ولم يمنع ذلك أن يكون داخلاً في ما هيته في نفس الأمر، لأنه قد جاء إدخاله في ماهيته صريحاً في مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} [الأنفال:2-3]، فجعل من أصل الإيمان إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى غير ذلك من الأعمال الظاهرة، ومثله قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143] فإن عامة السلف فسروها بصلاتهم إلى بيت المقدس، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كما ثبت عنه في صحيح مسلم ، وإن كان أصله متفقاً عليه: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) . فالآثار النبوية والكلمات القرآنية متضافرة على تسمية العمل إيماناً، وليس في الأدلة الشرعية ما يشكل إلا من هذا الوجه الذي ذكره بعض فقهاء المرجئة وغيرهم، وهو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة:277] .

    مناقشة متكلمة المرجئة في تفسيرهم الإيمان بالتصديق
    وأما الاستدلال الذي احتج به جمهور متكلمة المرجئة، فهو استدلال من جهة اللغة، فإنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، وعلى هذا قالوا: الإيمان الشرعي هو التصديق، ثم رتبوا على ذلك أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وبنوا ذلك على مقدمتين:
    المقدمة الأولى: أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق.
    المقدمة الثانية: أنه إن كان في اللغة يراد به التصديق لزم أن يكون في الشرع كذلك ولا يتعداه إلى غيره. وكلا المقدمتين مما ينازعون فيه، فإن الإيمان وإن استعمل في كلام العرب مرادفاً للتصديق في بعض السياقات، إلا أنه يقع في بعض السياقات بخلاف ذلك، وبينه وبين التصديق فرق من جهة اللفظ والمعنى ذكره جماعة من أهل السنة. والجواب عن المقدمة الثانية من وجهين: الوجه الأول: أنه إذا سلم أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق فإنه لا يلزم أن يكون في سائر موارده في الشريعة كذلك، ومعلوم أن المرجئة يسمون العمل إسلاماً، مع أن هذا مما لا توجبه اللغة، فما كان مسوغاً أو موجباً عندهم لتسمية العمل إسلاماً من جهة اللغة فيمكن طرده على مسمى الإيمان، فإذا قالوا: إن الصلاة لا تسمى في اللغة إيماناً، بل الصلاة في اللغة هي الدعاء، والإيمان هو التصديق، قيل لهم: وهل الصلاة والزكاة والحج والأعمال الظاهرة تسمى في اللغة إسلاماً؟ فالجواب: لا. فيقال: فما الذي سوغ أن تسمى إسلاماً مع أن الإسلام اسم شرعي بالإجماع، كاسم الإيمان من جهة كونه اسماً شرعياً؟ فتبين أن هذا مما لا توجبه اللغة بذاتها، بل لا بد فيه من اعتبار تسمية الشارع، فلما كان الأمر كذلك تعلق اسم الإيمان بسائر الأعمال على هذا الوجه. الوجه الثاني: أن يقال: إن ما استعمله متكلمة المرجئة -لِمَا دخل في أصولهم الكلامية- من تجريد الماهيات إلى صور يفرضها الذهن لا حقيقة لها في الخارج، ومعنى هذا الكلام: أنهم إذا قالوا: الصلاة عمل، والعمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان، إذ الإيمان هو التصديق. فإنا نقول: ليس في الأعمال الشرعية الظاهرة كلها عمل ينفك عن التصديق، أما العمل الظاهر من حيث هو عمل ظاهر مجرد عن التصديق فإنه لا يسمى إيماناً بالإجماع، وهذا مما لا ينازع فيه أحد، والعمل الذي قصد السلف أنه إيمان هو العمل الشرعي، وهو العمل الذي أوجبه الشارع أو ندب إليه، كالصلاة والصيام والطواف بالبيت، إلى غير ذلك، وإلا فالأعمال العادية كلعب بني آدم وحركتهم لا تسمى إيماناً. فالصلاة لا يمكن أن تكون شرعية وهي مجردة عن التصديق بالباطن، وهو التصديق بأن هذه الصلاة أوجبها الله، وأن الله أوجبها أربع ركعات مثلاً كصلاة الظهر، وأنه شرعها في هذا الوقت، وأنه يقال فيها كذا وأركانها كذا، ويتعبد بها إلى القبلة، وأن من شرطها الإخلاص والإيمان؛ فإن هذه وإن كانت أعمالاً ظاهرة كالركوع والسجود والقيام والقراءة إلى غير ذلك إلا أنها متعلقة بالتصديق، ولهذا لو أن أحداً صلى صلاة الظهر خمساً فإن عمله يسمى بدعة وضلالاً، ومن صلى صلاة وقال: إن الصلاة ما شرعها الله وإنما هي من أقوال الفقهاء، فهذا يكون كافراً، ولا تكون صلاته شرعية. فتحقق من هذا أن سائر الأعمال الظاهرة الشرعية ليست هي مجرد أعمال ظاهرة منفكة عن التصديق. وقد تفطن بعض أئمة المرجئة من المتكلمين لهذا، فقالوا: العمل من حيث هو ليس إيماناً. فيقال: العمل من حيث هو عمل إذا لم يكن له وجود في الخارج لا يمكن أن يسمى إيماناً عند أحدٍ من المسلمين، فهم يقولون: الصلاة من حيث هي صلاة -أي: كحقيقة مجردة وعمل ظاهر- ليست إيماناً. فيقال: الحقيقة المجردة عن التصديق لا يلتفت إليها، وليس هناك أحد من المسلمين يصلي هذه الصلاة. ولهذا لو أن الإنسان أثناء لعبه أو رياضته مثلاً أتى بحركة تشاكل حركة الركوع لم يُسمّ راكعاً في الشرع وعمله هذا لا يسمى إيماناً، لكن لو أدى ذلك داخل ركن من أركان الصلاة فإنه يكون ركوعاً شرعياً ويسمى إيماناً، فتحقق من هذا أن الأصول الشرعية والعقلية واللغوية إذا سلمنا أنها تدل على أن الإيمان مرادف للتصديق، فإن كل ما تضمن التصديق وتحقق به فإنه يسمى إيماناً. ولهذا فإن الصلاة وإن كانت عملاً ظاهراً من جهة، إلا أن فيها تصديقات وفيها أعمال قلوب. ويقال: إذا لم تكن الصلاة إيماناً امتنع أن تكون إسلاماً، وامتنع أن يكون الإيمان تصديقاً، وعليه فإن قولهم: إن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان لأن الإيمان هو التصديق، يعتبر مناقضاً للعقل فضلاً عن مخالفته للشرع، فإنه مبني على مقدمة مفروضة يفرضها الذهن، وهي: أن العمل الظاهر الذي سماه السلف إيماناً يمكن تجريده عن التصديق، وليس الأمر كذلك. فإن قالوا: إن التصديق الذي في الصلاة يسمى إيماناً، والحركة الظاهرة لا تسمى إيماناً؟ قيل: هذا فرض يفرضه الذهن ولا وجود له في الخارج، فإنه إذا تجرد هذا العمل عن التصديق لم يسمِّ صلاة ولا ركوعاً ولا سجوداً، ولا يوجد في الخارج إلا حركة يقصد بها التعبد أو حركة لا يقصد بها التعبد، أما وجود حركة في الخارج يقال إن تصديقها إيمان، وأما هي من حيث هي فليست إيماناً، فهذا، فإن من حنى ظهره إما أن يكون راكعاً لله سبحانه وتعالى في صلاة من الصلوات، وإما أن يكون فعل ذلك لغرض وموجب احتاجه من أجله. ومعلوم أن الأول يسمى عمله إيماناً، والثاني لا يسمى إيماناً..

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي رد: قول الطحاوى - الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان - هذا فيه نظر وقصور - وهو مذهب مرجئة الفقهاء


    الدليل على أن العمل من الإيمان
    ومن أخص ما يستدل به السلف على كون العمل داخلاً في مسمى الإيمان، بل إن قلت: إنه أشرف حديث استدل به السلف على هذه المسألة من السنة، فإن الأمر كذلك؛ حديث ابن عباس رضي الله عنهما في حديث وفد عبد القيس فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمساً من المغنم..) إلى آخر الحديث، وقد رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مفرداً، واتفق عليه الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. فهذا الحديث المعروف عند أهل العلم بحديث وقد عبد القيس صريح في أن العمل داخل في مسمى الإيمان، بل صريح في أن العمل أصل في الإيمان كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً في الإسلام، كما في حديث ابن عمر المتفق عليه: (بني الإسلام على خمس) وذكر المباني الأربعة بعد الشهادتين، وكذلك لما ذكر الإسلام في حديث جبريل المتفق عليه، وهنا لما ذكر الإيمان ذكر الشهادتين وذكر بعد ذلك العمل، ففسر الإيمان في حديث عبد القيس بما فسر به الإسلام في حديث ابن عمر وأمثاله. وأما فك هذا عن هذا في حال واحد، فهذا من فرضيات الذهن التي لا وجود لها في الخارج.

    موافقة قول السلف للشرع والعقل واللغة
    قول السلف رحمهم الله إن الإيمان قول وعمل, هو الذي توجبه اللغة, حتى ولو فسر الإيمان بالتصديق, فإن اللغة توجب ذلك من هذا الوجه، فلا يتحقق التصديق الشرعي إلا بالعلم. وكذلك يوجبه العقل، فإن ما صح تسميته إسلاماً من الأعمال صح تسميته إيماناً. وقد غلط بعض المرجئة فظنوا أن السلف إنما سموا الأعمال إسلاماً لكون المنافق يأتي بها بخلاف الإيمان, ولا شك أن المنافق يسمى مسلماً ولا يسمى مؤمناً, ولكن ليس هذا هو الموجب للتسمية بالإسلام ومنع الإيمان, وإنما ذلك من جهة أن الإيمان أصله في القلب وأنه أخص بالأعمال الباطنة، وأن الإسلام أخص بالأعمال الظاهرة. فهذا هو محصل ما ذهب إليه أئمة السلف رحمهم الله, وتبين من هذا أن قولهم موافق للشرع وللعقل وللغة.

    أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان عند أكثر المرجئة
    ومقالات المرجئة المتقدمة والتي تبين أن أشدها بلاء هو قول جهم بن صفوان : أن الإيمان هو التصديق أو المعرفة، تشكل عليهم مسألة أعمال القلوب, وجماهير المرجئة يجعلون ما هو من أعمال القلوب داخلاً في مسمى الإيمان, ولهذا لما فسر الأشعري مقالة جهم بن صفوان ومقالة أبي الحسين الصالحي في مقصودهم بالمعرفة فسر ذلك بما هو من أعمال القلوب مع المعرفة القلبية. وإذا كان داخلاً في مسمى الإيمان؛ لزم من هذا أن يكون العمل الظاهر داخلاً في مسمى الإيمان, فإن ما كان موجباً لدخول الأعمال الباطنة عندهم في مسمى الإيمان، يكون موجباً لدخول الأعمال الظاهرة, فإن عمل القلب ليس هو التصديق, وإذا قالوا: الإيمان هو التصديق, وجعلوا ما هو من أعمال القلوب داخلاً في مسمى الإيمان، لزم من ذلك أن يجعلوا ما هو من أعمال الجوارح داخلاً في مسمى الإيمان, بل لزم من ذلك أن تكون أعمال الجوارح كلها داخلة في مسمى الإيمان.

    حقيقة الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء في الإيمان
    ومن مسائل هذا الباب وأصوله: أن القول الذي قاله حماد بن أبي سليمان و أبو حنيفة رحمهما الله جعل كثيراً من أهل العلم يتكلمون في نوعية الخلاف بينه وبين القول الذي عليه عامة السلف, فالشارح ابن أبي العز رحمه الله يقول: إن الخلاف صوري بين أبي حنيفة رحمه الله وجماهير السلف، وهذا باعتبار أن أبا حنيفة و حماد بن أبي سليمان يقولان: إن مرتكب الكبيرة ليس مخلداً في النار, ويجعلانه تحت المشيئة, ويقران بعذاب من يعذب من أهل الكبائر. ونقول: نعم. قال بعض الحنفية: إنه خلاف صوري, وقال بعضهم: إنه خلاف لفظي, أي: لا ثمرة له, ولهذا يذكر الأصوليون في كتبهم بعض مسائل النظر الخلافية فيقولون: والخلاف لفظي, أي: ليس له ثمرة. وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: (بأن الخلاف جمهوره لفظي), وقال مرة: (إن أكثر الخلاف بين حماد والجمهور خلاف لفظي), ومراده بأن أكثره لفظي أي: أن حماداً يقر بوجوب الواجبات وأصول الشرائع, ويعطيها أحكامها في الدنيا من جهة الحدود، وكذلك في الآخرة على ما قرره أئمة السلف أجمعين, وإنما لا يسمِّي هذه الأعمال الظاهرة إيماناً, ومن هنا كان أكثر الخلاف لفظياً، وبهذا يتبين للناظر في هذه المسألة ماذا يقصد بالقول إن الخلاف فيها لفظي. وأما من جهة الفرق فهو من وجوه: الأول: وهومن أخصها: أن عدم تسمية العمل الظاهر إيماناً مخالف للكتاب والسنة, فإن الله سماها إيماناً, ومنع تسميتها إيماناً مخالفة للكتاب والسنة من حيث التسمية, وعليه فثمرة الخلاف هي أن هذا القول مخالف للكتاب والسنة، ولا يلزم بالضرورة أن تكون الثمرة مسألة عملية من هذا الوجه. الوجه الثاني: أن حماداً وأمثاله يقولون: إن الإيمان واحد, فلا يجعلون العمل مما يحصل به الزيادة والنقصان, وهذا هو المقطوع به في قول حماد بن أبي سليمان و أبي حنيفة رحمهما الله. وبعض أهل العلم يعبرون فيقولون: إن حماداً وأبا حنيفة لا يقولون بأن الإيمان يتفاضل, وهذا مما يكرره شيخ الإسلام رحمه الله. وهناك مسألة دون الأولى في التحقق في كونها مذهباً لـحماد بن أبي سليمان ، وهي: هل حماد يقول: إن الإيمان واحد مطلقاً، لا يزيد ولا ينقص كما هو قول المرجئة؟ يجزم شيخ الإسلام رحمه الله بذلك ويقول: (ومن الفرق بين قول حماد وقول الجمهور: أن حماداً وأمثاله لا يجعلون الإيمان متفاضلاً, ويجعلون أهل الإيمان في إيمانهم على حال واحدة). وهذا ينبني على صحة النقل عنه, وإلا فإن هذا من لازم قول حماد ؛ لكن من المعلوم أن لوازم المذاهب ليس بالضرورة أن تكون مذاهباً تضاف إلى أعيان القائلين بأصل المذهب, ولهذا يُتردد في هذا الإطلاق, فهو وإن كان يُجزم بكونه لا يجعل العمل موجباً لزيادة الإيمان, لكن هذه مسألة دون الإطلاق. الوجه الثالث: أنه على طريقة حماد و أبي حنيفة لا يكفر العبد بتركه للأعمال الظاهرة, سواء كان تركه لجنس الأعمال الظاهرة, أو كان تركه لبعض أعيانها. هذا مع أن الإجماع منعقد على أن من هجر جنس العمل الظاهر فإن هجره له كفر, وهذا مذهب مستقر عند متقدمي أئمة السلف المخالفين لـحماد بن أبي سليمان ، وقد ذكر هذا الفرق من متأخري المحققين الإمام ابن تيمية رحمه الله. وبعض من تكلَّم في هذه المسألة يذكر عن شيخ الإسلام ما هو مخالف لذلك, وليس الأمر كذلك، بل لا شك أنه يرى أن من قامت عنده القدرة والإرادة الموجبة لحصول المقدور والمراد, ومع هذا كله هجر جنس العمل فما ركع لله ركعة، ولا سجد له سجدة، ولا صام له يوماً، ولا أتى البيت الحرام، ولا أدى زكاة, فإن هذا لا يكون إلا كافراً. وقد قال إسحاق بن إبراهيم -وهو من أعيان المتقدمين- كما رواه الخلال وغيره بسند صحيح: (غلت المرجئة حتى كان من قولهم: أن من ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره, إذ هو مقر -أي: لا يكفر لأنه مقر عندهم- فهؤلاء الذين لا شك عندي أنهم مرجئة)، وكلمة إسحاق هذه هي أحسن كلمة أثرت عن المتقدمين في هذه المسألة التي تكلَّم فيها كثير من المتقدمين والمتأخرين. وبنحو هذه الكلمة جاء عن سفيان بن عيينة , وقد حكى الآجري و أبو عبد الله ابن بطة الإجماع على هذه المسألة.

    مسائل في الإيمان ومنهج السلف
    طرق معرفة إجماع السلف على تكفير تارك جنس العمل
    وإجماع السلف على هذه المسألة يعرف من عدة طرق: الطريق الأول: أن العمل عندهم أصل في الإيمان, ولما كان أصلاً فإن عدمه كفر. الطريق الثاني: أن هجر جنس العمل لا يكون إلا مع نوع من الكفر الباطن, وهذا ليس معناه أنه لا يُكفَّر بالأعمال الظاهرة ولكن لدلالتها على كفر باطن؛ لأنه بإجماع المسلمين وبصريح العقل أنه لا يمكن أن نقول: إن هذا كافر في نفس الأمر بعمل ظاهر، ويكون في نفس الأمر مؤمناً في الباطن, بل من ثبت كفره في نفس الأمر -أي: في الحكم الشرعي- ووافى ربه بالكفر الظاهر فلا بد أن يكون في الباطن كافراً, وما يبقى معه من العلم والمعرفة الباطنة، فهي من جنس العلم والمعرفة التي تقع لكثير من الكفار في بعض مسائل الربوبية، أو كحالهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين, إلى غير ذلك. الطريق الثالث: أنه جاء عن الجماهير من أهل الحديث أنهم يكفرون تارك الصلاة، فدلّ ذلك من باب أولى على أنهم يذهبون إلى كفر تارك جنس العمل. وهذا الوجه وإن لم يلزم به تحقق الإجماع, إلا أنه يُعلم به معنىً مهماً في هذه المسألة وهو: أن من قال إن ترك جنس العمل ليس كفراً بإجماع السلف, فإن قوله غلط ولا بد؛ لأنه قد جاء عن كثير من أعيان المتقدمين -ولا سيما من أهل الحديث- التكفير بترك الصلاة, فكيف يقال مع هذا: إن إجماع السلف منعقد على أن ترك العمل مطلقاً ليس كفراً, مع أنهم كفروا تارك الصلاة؟ وإنما يتحقق هذا المعنى ولا يتحقق الإجماع به؛ لأنه مبني على مسألة تكفير تارك الصلاة: هل هي من معاقد الإجماع أم لا؟ والتحقيق أن بين جنس العمل وبين آحاده فرقاً, فأما جنس العمل وأركانه الأربعة: (الصلاة والزكاة والصيام والحج)، فمن عدم جنس العمل بأصوله الأربعة التي هي أصول الفرائض؛ فهذا لا يكون إلا كافراً.

    حكم تارك الصلاة
    وأما من ترك ما دون الفرائض الأربع من الواجبات الظاهرة فإن هذا ليس بكافر, وإنما تنازع السلف رحمهم الله في الأركان الأربعة, ولم يحك الإجماع منضبطاً أو غير منضبط إلا في مسألة الصلاة وحدها, فإن إسحاق بن إبراهيم كما ذكر ذلك عنه محمد بن نصر المروزي بإسناد متصل إليه، وذكره عن أيوب السختياني ؛ كان يحكيان الإجماع على أن ترك الصلاة كفر, وكان إسحاق يقول: (مضت سنة رسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده إلى زماننا هذا أن من أدركته فريضة فما أداها إلى أن خرج وقتها فإنه يكون كافراً)، ويقول أيوب السختياني : (ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه)، ومن هنا قال طائفة من أصحاب الإمام أحمد وبعض أهل العلم: إن ترك الصلاة كفر بالإجماع, وزعموا أنه لم يخالف في ذلك إلا بعض المتأخرين. والصحيح أن الكفر بترك الصلاة ليس من معاقد الإجماع البين, فإن الإجماع إذا استعمل في مسائل أصول الدين أريد به الإجماع التام الذي تكون مخالفته بدعة وضلالة, كقولك: إن السلف أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل, وأجمعوا على إثبات الصفات, وأجمعوا على أن الله خلق أفعال العباد، إلى غير ذلك. فمن قال: إن ترك الصلاة كفر بالإجماع اللازم القطعي فإن الأمر ليس كذلك؛ لأنه جاء عن طائفة من المتقدمين كـمكحول و الزهري و مالك و الشافعي أنهم ما كانوا يرون ترك الصلاة كفراً، وأما قول عبد الله بن شقيق : (كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من العمل تركه كفر إلا الصلاة)، فهذا صحيح عن عبد الله بن شقيق , ولكن لا شك أن الزهري و مالكاً رحمهما الله أعلم بالسنن والآثار من عبد الله بن شقيق , وإن كان متقدماً عليهما, فهذا اجتهاد وتحصيل حصله عبد الله بن شقيق ، وهذا الإجماع الذي يذكره عبد الله بن شقيق ويذكره غيره, إذا سمِّي إجماعاً سكوتياً كان ممكناً, ومعلوم أن الصحيح من مذاهب الأصوليين أن الإجماع السكوتي حجة, ولكنه ليس حجة قطعية. فالقول الراجح هو أن ترك الصلاة كفر، ودليل هذا القول ظاهر الكتاب وظاهر السنة, وإن كانت دلالة السنة أخص من دلالة الكتاب, ومن أخص دلائل السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) . وأيضاً من دلائل كون ترك الصلاة كفراً أنه ظاهر مذهب الصحابة, فلم يصح عن صحابي من الصحابة أنه صرَّح بأن ترك الصلاة ليس كفراً, ولكن تحقق أن جماعة من الصحابة صرَّحوا بكون ترك الصلاة كفراً, وذكر ابن شقيق أنه لم يخالف فيه أحد، فيكون هذا استدلالاً حسناً, ويسمى إجماعاً سكوتياً لا قطعياً؛ لأن الإجماع القطعي يكون حجة لازمة، ومن اجتهد بخلافه فقد قال بدعة, وإذا اجتهد مجتهد بخلافه سمي اجتهاده غلطاً وبدعة, ولا يجوز لأحدٍ من بعده أن يقلده فيه, وعلى هذا يلزم أن قول من يقول إن ترك الصلاة ليس كفراً؛ أن يكون قوله بدعة, وأنه قول مخالف لصريح الكتاب والسنة, ويلزم أن يكون هذا القول لا تجوز متابعته ولا اعتباره كسائر البدع. ولم يكن قدر هذه المسألة عند جماهير السلف كذلك, وإن كان إسحاق قد نقل الإجماع لكنه شاذ في تحصيل الإجماع, ولا سيما أنه قال: من زمان رسول الله إلى زماننا هذا، مع أنه يعلم أن مالكاً و الزهري و مكحولاً قد خالفوا, ولا يصح قصر المخالفة على المتأخرين، ثم لو كانت المسألة من معاقد الإجماع لشاع ذلك في كلام أئمة السنة، كالإمام أحمد وغيره، فإنه لم ينطق بالإجماع أبداً، بل الرواية عنه مختلفة في تكفير تارك الصلاة. وقد غلط بعض المالكية والشافعية على الشافعي و مالك رحمهما الله في هذه المسألة في بعض مواردها, لكنهم لم يغلطوا في أصلها, فإن الأصل في مذهب الشافعي وأصح قوليه: أن ترك الصلاة ليس كفراً, وإذا قيل هذا فإن الجماهير من أهل الحديث على أنه كفر، وهو الراجح من جهة الاختيار, وعليه ظاهر الكتاب والسنة, وظاهر مذهب الصحابة.

    الخلاف في تكفير تارك الزكاة
    أما مسألة الزكاة فلم يذكر أحد من السلف أن فيها إجماعاً, ودعوى الإجماع فيها غلط، وقد دخل على بعض المتأخرين من أهل العلم من أصحاب أحمد وغيره, فقالوا: إن فيها إجماعاً, ومأخذهم في هذا الإجماع قتال أبي بكر رضي الله تعالى عنه لمانعي الزكاة, وما ذكره أبو عبيد وأمثاله من المتقدمين: أن الصحابة أجمعوا على قتال هؤلاء وأنهم كانوا يرونهم مرتدين، وهذا خلط في المسألة، فإن ترك الزكاة المجرد عن الجحد لها أو القتال عليها لم يجمع السلف على كونه كفراً, وذلك كترك آحاد الناس أن يؤدي زكاة ماله. وثمة فرق بين من ترك الزكاة، وبين من تركها وقاتل على تركها، ولهذا كان أئمة المدينة النبوية كالإمام مالك و الزهري وأمثالهم, وأئمة العراق كـالثوري والإمام أحمد وأمثالهم, وأئمة الشام كـالأوزاعي وأمثاله, يذهبون إلى أن ترك الزكاة ليس كفراً, ولكنهم قرروا أن المقاتلين على منعها كفار. وقد حكى أبو عبيد وجماعة الإجماع على ذلك, وهذا الإجماع ليس في المأثور عن السلف ما يشكل عليه, وهو التفريق بين ترك الزكاة وبين تركها مع المقاتلة, فمن تركها مع المقاتلة فهو كافر. فإن قيل: هل كفر بالترك، أم كفر بالمقاتلة؟ فإن قلت: إنه كفر بالمقاتلة، لزم تكفير كل من قاتل من البغاة, وإن قلت: كفر بالترك, قيل: فالمقاتلة ليست شرطاً. فيقال: هذا فرض يفرضه الذهن, وهو إنما كفر بهما, أي: باجتماعهما, وإلا فإن المقاتلة وحدها لا تستلزم الكفر, والترك وحده كترك آحاد المسلمين الذين لم يقاتلوا لا يستلزم الكفر، نعم. هذا ذهب طائفة من السلف إلى كونه كفراً, وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد , وذهب جماهير السلف إلى أنه ليس كفراً، ويقول الإمام أحمد رحمه الله في الرواية الأخرى: (ليس شيء من العمل تركه كفر إلا الصلاة), والمقصود من هذا: أنه لم يقل أحد من أهل العلم: إن ترك الزكاة تركاً مجرداً عن المقاتلة كفر بالإجماع, ولكن لا يُنتقد من جعله كفراً, فإن القول بكونه كفراً قاله طائفة من السلف وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله.

    الخلاف في تكفير تارك الصوم والحج
    وأما الصوم والحج فقد ذهب طائفة من السلف إلى أن ترك الصوم كفر, وذهب طائفة من السلف إلى أن ترك الحج كفر, والجماهير من السلف والخلف على أن ترك الصوم وحده أو ترك الحج وحده ليس كفراً. ولا شك أن مسألة الإيمان قد حصل فيها خفض ورفع عند كثير من المتأخرين، فصار بعضهم وإن سموا العمل إيماناً لكنهم لا يجعلونه أصلاً في الإيمان, فلا يكفرون تارك جنس العمل، فمن ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج مجتمعة لا يجعلونه كافراً, وفوق ذلك يقع من بعضهم أنهم يجعلون هذا مذهباً لسائر السلف. ولا شك أن هذا من الغلط, إذ كيف يقال إن هذا مذهب لسائر السلف مع شهرة النزاع بين السلف في هذه المباني الأربعة كل على حدة؟! وهذا النزاع المأثور إنما هو في ترك الواحد منها, وأما من جمع تركها فلم ينقل عن أحد من السلف أنه لم ير كفره, ولو أن أصحاب هذا القول قالوا: إن هذا هو أحد القولين لأهل السنة أو لأئمة السلف لكان هذا مما يمكن أن يقع فيه بعض التأويل، لكن أن يقال: إن تركها مجتمعة ليس كفراً عند السلف، مع أنه قد صرَّح طوائف من السلف بأن ترك الواحد منها يكون كفراً, كقول جماهيرهم: إن ترك الصلاة كفر, وقول طائفة منهم: ترك الزكاة كفر، إلى غير ذلك؛ فهذا قول لا شك أن فيه شيئاً من الزيادة. وقابل هذا القول قول من يقول: ترك الصلاة كفر بالإجماع, وقول من يقول: ترك الزكاة كفر بالإجماع, أو من يقول: ترك الصوم أو الحج كفر بالإجماع.

    طرق تحصيل مذهب السلف
    وهنا مسألة مهمة وهي: كيف يمكن تحصيل مذهب السلف؟ والجواب: أن الطريقة المعتبرة عند المحققين من أرباب السنة والجماعة هي أن مذهب السلف يُعرف بأحد وجهين, واستعمل بعض المتأخرين من متكلمة الصفاتية المعظمين للسنة والجماعة وبعض الفقهاء طريقاً ثالثاً هو الذي يستعمله المعاصرون. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن قيل: بمَ يُعرف مذهب السلف، ليعلم أن مذهب السلف الذي يضاف إليهم يكون لازم الاتباع, وإذا قيل في مسألة: إنها مذهب للسلف, فإن معنى هذا أنها من معاقد إجماعهم, وأن هذا من الدين اللازم الذي لا تجوز مخالفته أو الاجتهاد بخلافه, ويكون سائر ما خالفه بدعة. ثم قال: ومذهبهم على هذا الوجه يُعرف بأحد طريقين: الطريق الأول: إما بالنقل المتواتر عن أعيانهم, ولا يُعلم عن أحد من الأعيان ما يخالف هذا النقل. بمعنى: أن يستفيض عن أعيان السلف التعبير بجملة, كقولهم مثلاً: الإيمان قول وعمل, وكقولهم: أفعال العباد مخلوقة, وكقولهم: القرآن ليس مخلوقاً, فهذه جمل مستفيضة عن السلف, ولم ينقل عن السلف في ذلك خلاف. الطريق الثاني: بذكر علماء الإسلام الكبار -أي: المعتبرين والمحققين- عن شيء من هذه المسائل أنه مذهب للسلف، ولا شك أن هذا الوجه إنما ينتظم إذا لم يُعرف عن أحد من السلف مخالفة لما ذكره بعض الكبار, وإلا صار هذا من التحصيل المظنون, كقول إسحاق : (أجمع الناس من زمان رسول الله إلى زماننا هذا)، ومعلوم أن إسحاق من الأكابر, لكن لم نقل: إن نقله للإجماع قطعي؛ لكون المخالفة قد ظهرت ممن هم أجل كـالزهري وأمثاله). فهذان الطريقان بهما يُعرف مذهب السلف. ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله: (واستعمل كثير من المنتسبين إلى السنة والجماعة من أصحاب الكلام, وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة طريقاً ثالثاً لتحصيل مذهب السلف, وهو أنهم يعتبرون دلائل الكتاب والسنة, فإذا انتظم عندهم مقام الاستدلال على قول ولزم, جعلوا ما انتظم عليه مقام الاستدلال ولزم مذهباً للسلف, لكون السلف لا يخرجون عما لزم من دلائل الكتاب والسنة، وهذا مما يمكن أن نعبِّر عنه بأنه تحصيل مذهب السلف بالفهم). وكتلخيص لهذه المسألة نقول: إما أن يكون مذهب السلف محصلاً بالنقل, وإما أن يكون محصلاً بالفهم. أما تحصيله بالنقل فمن وجهين: الوجه الأول: إما النقل المتواتر المستفيض عن أعيانهم, بأن يصرحوا بعبارات تدل على مذهبهم، كما جاء عنهم في مسألة القرآن أو الرؤية أو غيرها، ولا ينقل مع ذلك خلاف عن أحد من أعيانهم. الوجه الثاني: بتنصيص العلماء المحققين الكبار أن على هذه المسألة إجماع للسلف, أو أنها مذهب للسلف. أما تحصيل مذهب السلف بالفهم: فذلك بأن يجتهد في نصوص الكتاب والسنة، فيرى أن النصوص تحصل مذهباً واحداً لا ثاني له, فيرى أن هذا المذهب الذي تحصل باجتهاده هو وحده الممكن في المسألة ولا يمكن غيره فيجعله مذهباً للسلف؛ لأن الأدلة من الكتاب والسنة لا تدل إلا على هذا القول, والسلف لا يخرجون عن الكتاب والسنة. والتحصيل على هذا الوجه لا شك أنه غلط, ومعلوم أن القول إذا قيل: إنه مذهب للسلف، فمعناه: أن خلافه يكون بدعة.

    خطأ نسبة المذهب المعين للسلف بمجرد الفهم
    من فروع الوجه الثالث وهو تحصيل مذهب السلف بطريقة الفهم -وهي طريقة غير مناسبة كما ذكر شيخ الإسلام - أن بعض الناظرين في بعض مسائل فقه الشريعة إذا رجح عندهم قول بما استعملوه من الأدلة النبوية المفصلة قالوا: إن من هدي السلف ذلك، فجعلوا تلك المسألة من المسائل التي يحصل بها تمييز للسلفي من غيره، كمسألة وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع, فيجتهد بعض أهل العلم من السلفيين فيجعلون السنة في وضعها, طرداً لحديث سهل بن سعد , ويجتهد آخر فيرى أن السنة في عدم وضعها. فلا شك أن كلا الاجتهادين صحيح, ومعنى كونه صحيحاً مع أن الحق في نفس الأمر لا بد أن يكون واحداً، أن كلا القولين من الأقوال الفقهية الممكنة المعروفة عند الفقهاء, لكن الإشكال أن تُجعل السنة اللازمة السلفية هي أحد الوجهين, فمعناه: أن من ترك وضعهما يكون عند طائفة مخالف لهدي السلف, ومن وضعهما يكون عند الطائفة الأخرى مخالف لهدي السلف. ولا شك أن هذا منهج غلط؛ لأنه يلزم على ذلك أن كل من اجتهد في مسألة فقهية, فرجح قولاً هو الظاهر عنده من دلائل الكتاب والسنة؛ أن يجعله هو مذهب السلف, ولا تجد إماماً واحداً من أئمة السلف في مسائل النزاع التي كانوا يتنازعون فيها يطرد هذه الطريقة، أي: يجعل ما خالف قوله يكون بدعة؛ لأنك إن قلت: إن هذا القول هو قول السلف أو هو المذهب السلفي لزم أن يكون خلافه بدعة. فلن تجد أن أحمد كان يعد من خالفه من الفقهاء على بدعة, ولا الشافعي ولا مالكاً ولا أبا حنيفة ولا غيرهم، وإنما تستعمل عبارة: (مذهب السلف) و(الذي عليه أئمتنا) و(الإجماع) إلى غير ذلك في مسائل الأصول, وأما مسائل الفقه المفصلة التي تنازع فيها المتقدمون من السلف, فلا يصح لواحد إذا اختار قولاً من أقوالهم أن يجعله مذهباً للسلف, وهو يعلم أن بعض أئمة السلف يخالفونه في هذا، وإنما يقول: هو أحد قولي السلف, بل لكون مسائل الفقه المختلف فيها بعيدة عن هذه الإضافة السلفية، ترى أن أكثر تعبيرهم يقع باسم الفقه, فيقولون: اختلف الفقهاء, والذي عليه الفقهاء, وأحد قولي الفقهاء, إلى غير ذلك.[شرح الطحاوية للشيخ صالح ال الشيخ]

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2019
    المشاركات
    27

    افتراضي رد: قول الطحاوى - الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان - هذا فيه نظر وقصور - وهو مذهب مرجئة الفقهاء

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاك الله خيرا اخي الفاضل /محمد عبدالطيف
    اظن والعلم لله وحده سبحانه وتعالى
    ان الاختلاف بهذه المسألة ناتج عن خطأ فهم المقصود بالإيمان:
    ان الذين يقولوا ان الايمان (
    بدون افعال) يقصدون .. الايمان كأصل من اصول الدين(الاسلام-الايمان-الاحسان)
    اما الذين يقولوا ان الايمان (
    فيه افعال) يقصدون .. الايمان كمرتبة من مراتب الاسلام (الاسلام-الايمان- الاحسان)
    مثال توضيحي كلمة الكويت ..البعض يناقش والقصد
    دولة الكويت والاخر يناقشه والقصد مدينة الكويت العاصمة

    حديث (فإنه جبريل أتاكم يُعلمكم دينَكم)..
    المقصود اصول الدين الاسلامي
    ومنها الايمان الذي هواعتقاد بالقلب وقول باللسان فقط بدون عمل الجوارح لا يزيد ولا ينقص ولكن ان ذهب بعضه ذهب كله(لانه اقرار نويته ونطقته لاعتناق الدين الاسلامي)
    قال صلى الله عليه وسلم (...أخبرني عن الإيمان، قال: أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقتَ.....)

    الايمان كمرتبة وسطية من مراتب الاسلام هو اعتقادا بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح يزيد وينقص بما كسبت من حسنات او سيئات وهنا يحصل التفاضل
    قال صلى الله عليه وسلم (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا اِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)
    فالإيمان هنا
    اعتقاد بالقلب لا يعد ولا يحصى من الكثرة
    وقول باللسان لا يعد ولا يحصى من الكثرة
    وعمل بالجوارح لا يعد ولا يحصى من الكثرة

    والله اعلم

    والسلام عليكم

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي رد: قول الطحاوى - الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان - هذا فيه نظر وقصور - وهو مذهب مرجئة الفقهاء

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اللسان النجدي مشاهدة المشاركة
    ان الذين يقولوا ان الايمان (بدون افعال يقصدون الايمان كأصل من اصول الدين

    اما الذين يقولوا ان الايمان (فيه افعال يقصدون الايمان كمرتبة من مراتب الاسلام


    ومنها الايمان الذي هواعتقاد بالقلب وقول باللسان فقط بدون عمل الجوارح
    لا يزيد ولا ينقص ولكن ان ذهب بعضه ذهب كله (لانه اقرار نويته ونطقته لاعتناق الدين الاسلامي)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اللسان النجدي مشاهدة المشاركة
    ان الذين يقولوا ان الايمان (بدون افعال يقصدون الايمان كأصل من اصول الدين .......ومنها الايمان الذي هواعتقاد بالقلب وقول باللسان فقط بدون عمل الجوارح لا يزيد ولا ينقص ولكن ان ذهب بعضه ذهب كله(لانه اقرار نويته ونطقته لاعتناق الدين الاسلامي
    وعليكم السلام ورحمة الله بارك الله فيك
    أصل الايمان باعتبار ما فى القلب أيضا قول وعمل
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَأَصْلُ الْإِيمَانِ : قَوْلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ وَ عَمَلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ الْمَحَبَّةُ عَلَى سَبِيلِ الْخُضُوعِ.

    وقال أيضا: إذَا عُرِفَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ فَاسْمُ " الْإِيمَانِ " تَارَةً يُطْلَقُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ مِنْ التَّصْدِيقِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتَكُونُ الْأَقْوَالُ الظَّاهِرَةُ وَالْأَعْمَالُ لَوَازِمُهُ وَمُوجِبَاتُهُ وَدَلَائِلُهُ، وَتَارَةً عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ جُعِلَا لِمُوجَبِ الْإِيمَانِ وَمُقْتَضَاهُ دَاخِلًا فِي مُسَمَّاهُ
    أصل الإيمان: وهو الحد الأدنى من الإيمان ولا يوجد الإيمان بدونه وبه ينجو صاحبه من الكفران، ويدخل في زمرة الإيمان، وبه خلاصه من الخلود في النار إن مات عليه. ويطلق عليه أيضا الإيمان المجمل ومطلق الإيمان.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك).
    ويسمى بمطلق الإيمان لأن صاحبه داخل في مسمى الإيمان لأنه قد ثبت له أصل الإيمان فيعد من أهله ولكن لا يعطى له اسم الإيمان مطلقا لأن الإيمان إذا أطلق يراد به جميع الشرائع الواجبة والمستحبة
    واسم المؤمن إذا أطلق فيراد به من أتى بالإيمان الواجب ولكنه يعطى له مطلق الاسم، لصحة نسبة صاحبه إليه، ولو لم يأت بكماله الواجب؛
    فهو مؤمن ناقص الإيمان بسبب تقصيره وتفريطه في الواجبات وركوبه المحارم، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بتفريطه وارتكابه الكبائر...
    ومرتبة أصل الإيمان يقابلها الكفر فلا يقبل النقصان
    فإن المخل بها لا تثبت له قدم الإسلام
    فكل من لم يأت بأصل الإيمان فهو كافر،
    ولما كان أصل الإيمان يقابل الكفر والكفر يضاده فإن كل ذنب مكفر من قول أو فعل أو اعتقاد يهدم أصل الإيمان ويشمل أصل الإيمان على أقوال ... والاحتراز عن كل ما تخل به من المكفرات أو ما يسمى بنواقض الإيمان.
    ومن أتى بأصل الإيمان فإنه يثبت له في الدنيا جميع الأحكام الشرعية المترتبة على الإيمان
    وإن مات عليه فإنه ناج من الخلود في النار، ودخل الجنة لا محالة، عاجلا آم آجلا وإن ارتكب المعاصي وقصر وفرط فهو في مشيئة الله إن شاء عفى عنه؛ فدخل الجنة ابتداء لشرف ما قام بقلبه من توحيد وإخلاص وأدركته شفاعة الشافعين، وإن شاء عذبه ثم دخل الجنة بعد ذلك، فلا شك أن مآله إلى الجنة والحمد لله. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من لقي الله لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة)) .
    وكل من نفى عنه الشارع اسم الإيمان من أهل المعاصي ... فإنهم من أهل هذه المرتبة فإن نفي الشارع يدل على تقصيره في الإيمان الواجب، فإن الشارع كما ذكرنا لا ينفي اسم الإيمان إلا لترك واجب أو فعل محرم ينافي الإيمان الواجب، ولا يخرج المرء من هذه المرتبة إلا بالكفر والخروج عن الملة والعياذ بالله.
    قال الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي رحمه الله: (الكفر ضد أصل الإيمان، لأن للإيمان أصلاً وفروعاً فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر) .
    والحاصل: أن للإيمان أصل، لا يتم ولا يصح الإسلام والإيمان إلا به إجماعا .
    وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن معلقا على كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله: (الشيخ رحمه الله يوضح ذلك أن أصل الإسلام وقاعدته شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل لابد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين..
    ومدلوله: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة سواه، كائنا من كان، هذه هي الحكمة التي خلقت لها الجن والإنس وأرسلت لها الرسل، وأنزلت بها الكتب، وهي تتضمن كمال الذل والحب وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه لا من الأولين ولا من الآخرين)


    اما الذين يقولوا ان الايمان (فيه افعال يقصدون الايمان كمرتبة من مراتب الاسلام
    الإسلام ينقسم من حيث الاستسلام إلى ثلاثة أقسام:
    إسلام الوجه، وإسلام العمل، وإسلام القلب.
    وإسلام الوجه يُعنى به ألا يتوجه إلى غير الله جل وعلا في عبادته، فيستسلم لربه , ويقبل عليه بوجهه وحده دونما سواه، وهذا جاء في نحو قوله : بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ , وقوله جل وعلا: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّه وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً .
    القسم الثاني: إسلام العمل لله جل وعلا , وهو أن يكون العمل مستَسْلمًا فيه لله , مُتَخلصاً فيه من الهوى، فيسلم العمل، يعني يستسلم في العمل , فلا يسلط داعي الهوى على الأعمال الصالحة.

    والثالث: إسلام القلب , وهو أصل هذه الأنواع كلها، وهو أنه يخلص في قوله وفي عمله , ويستسلم لربه جل وعلا في كل أحوال قلبه.

    وينقسم الإسلام أيضاً باعتبار آخر إلى شرائع
    الإيمان والكفر، ضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان،
    ولكل منهما أصل وشُعب.
    فأصل الإيمان: التوحيد،
    وشُعبه: الطاعات،
    وأصل الكفر: الشرك،
    وشُعبه: المعاصي.
    فالضد من أصل الإيمان وشُعبه، يستحيل أن يجتمع مع ضده من أصل الكفر وشُعبه.
    فالعبد إذا قامت به شُعبة من شُعب الكفر دون أصله، لا يكون كافرًا،
    وكذلك إذا قامت به شُعبة من شُعب الإيمان دون أصله، لا يصير مؤمنًا.
    فحكم الكفر لا ينحل عن صاحبه، حتى يحقق أصل الإيمان لا شُعبه،
    وكذلك حكم الإيمان لا يفارق صاحبه، حتى يقوم به أصل الكفر لا شُعبه،
    وبعبارة أخرى: إن الإيمان لا يثبت لكافر، حتى ينخلع من أصل الكفر، لا شُعبه،
    كما أن الكفر لا يثبت على مؤمن، حتى يذهب عنه أصل الإيمان لا شُعبه.
    والحاصل: أن للإيمان أصل، لا يتم ولا يصح الإسلام والإيمان إلاَّ به إجماعًا.
    فأصل الإسلام والإيمان: القيام بمعنى (لا إله إلاَّ الله) إقرارًا وعلمًا وعملاً، ومدلول ذلك يتمثل في: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بكل ما يُعبد من دونه، مع الإقرار والقبول لكافة أحكام الله تعالى.
    وللإسلام والإيمان، علاقة وطيدة تربط بينهما، وعلى ضوء قواعدها، نستطيع الوقوف على أسماء وأحكام الكفر والإيمان.
    فالإسلام قد يفسر بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة، إلاَّ أنه لا يصح قبول أي واحد منهما بمعزل عن الآخر.
    فالإسلام بدون إيمان نفاق أكبر،
    والإيمان بدون إسلام دعوى لا حقيقة لها
    فإذا قام دليل صحيح منضبط على فساد الظاهر أو الباطن، قطعنا بفساد الإسلام والإيمان،
    هذا مع قولنا: إن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة
    إن بين الإسلام والإيمان تلازماً فلا يمكن أن يوجد أحدهما بدون الآخر،
    فلا يصح الإسلام ولا يوجد بدون أصل الإيمان
    ، فإذا انتفى أصل الإيمان بطل الإسلام،
    كذلك لا يصح ولا يوجد إيمان بدون إسلام (أي عمل الجوارح، وعمل القلب)
    فلو انتفى العمل لدل ذلك على بطلان الإيمان وفساده.
    الإسلام هو الأعمال الظاهرة، ولا يصح إلا بقدر مصحِّحٍ له من الإيمان، وهو الإيمان الواجب بالأركان الستة؛ فالإيمان الواجب يعني أقل قدر من الإيمان به يصبح المرء مسلمًا، هذا مشمول في قوله (أن تَشْهَدَ أَن لا إلَهَ إلاَّ الله)؛ لأن الشهادة معناها الاعتقاد والنطق والإخبار والإعلام، تشمل ثلاثة الأمور هذه، فالاعتقاد يرجع إليه أركان الإيمان الستة.
    فنخلص من هذا إلى أنّ الإسلام -وإن قال أهل العلم فيه: إن المراد به هنا الأعمال الظاهرة- فإنه لا يصح الإسلام إلا بقدر من الإيمان مصحح له، وهذا القدر من الإيمان دلنا على اشتراطه لفظ (أن تَشْهَدَ) لأن لفظ الشهادة في اللغة والشرع متعلق بالباطن والظاهر.
    والاعتقاد في الشهادتين بـ(أنْ لا إلَهَ إلاَّ الله)، هذا هو الإيمان بالله، وبـ(أَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله) يرجع إليه الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، والإيمان باليوم الآخر، والقدر خيره وشره. الإيمان فسّره النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل بالاعتقادات الباطنة، وهذا الفرق بين المقامين لأجل وردوهما في حديث واحد
    إذًا لا يُتصور أن يوجد إسلام بلا إيمان، ولا أن يوجد إيمان بلا إسلام، فكل مسلم لا بد أن يكون معه من الإيمان قدرٌ هو الذي ذكرنا صحَّح به إسلامه، فلو لم يكن عنده ذلك القدر ما سُمي مسلماً أصلاً، فلا يُتصور مسلم بلا إيمان، فكل مسلم عنده قدر من الإيمان، وهذا القدْر هو القدْر المجزئ الذي ذكرت لك. وكل مؤمن عنده قدْر من الإسلام مصحِّح لإيمانه، فإنه لا يُقبل من أحد إيمان بلا إسلام، كما أنه لا يقبل من أحد إسلام بلا إيمان.
    فإذا قلنا: هذا مسلم، فمعناه أنّه وُجد إسلامه الظاهر مع أصل الإيمان الباطن، وهو القدْر المجزئ.
    ومزيد بيان على هذا الرابط
    -https://majles.alukah.net/t187892/-
    ومنها الايمان الذي هواعتقاد بالقلب وقول باللسان فقط بدون عمل الجوارح لا يزيد ولا ينقص
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
    فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
    مجموع الفتاوى.

    وهذا التصديق الذي هو قول القلب يزيد وينقص،
    ومما يدل على ذلك:
    * تفاوت الناس في معرفة تفاصيل ما يصدقون به، ولا شك أن التصديق المجمل ليس كالتصديق المفصل.
    * تفاوت الناس في استقرار ذلك التصديق في نفوسهم ومدى استحضارهم له.
    * تفاوتهم في نفس التصديق قوة وضعفاً.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
    ثم نفس التصديق أيضاً متفاضل من جهات: منها: أن التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون مجملاً وقد يكون مفصلاً، والمفصل من المجمل، فليس تصديق من عرف القرآن ومعانيه والحديث ومعانيه وصدق بذلك مفصلاً كمن صدق أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر ما جاء به لا يعرفه أو لا يفهمه.
    ومنها: أن التصديق المستقر المذكور أتم من العلم الذي يطلب حصوله مع الغفلة عنه.
    ومنها: أن التصديق نفسه يتفاضل كنهه، فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان وأميط عنه كل أذى وحسبان حتى بلغ أعلى الدرجات، درجات الإيقان، كتصديق زعزعته الشبهات وصدفته الشهوات ولعب به التقليد، ويضعف لشبه المعاند العنيد. وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد. ولهذا كان المشايخ -أهل المعرفة والتحقيق السالكون إلى الله أقصد طريق- متفقين على الزيادة والنقصان في الإيمان والتصديق كما هو مذهب أهل السنة والحديث في القديم والحديث.

    مجموع الفتاوى.
    ولكن ان ذهب بعضه ذهب كله(لانه اقرار نويته ونطقته لاعتناق الدين الاسلامي
    أصل الإيمان يقابله الكفر فلا يقبل النقصان
    فإن المخل بها لا تثبت له قدم الإسلام
    فكل من لم يأت بأصل الإيمان فهو كافر،
    ولما كان أصل الإيمان يقابل الكفر والكفر يضاده
    فإن كل ذنب مكفر من قول أو فعل أو اعتقاد يهدم أصل الإيمان ..أو ما يسمى بنواقض الإيمان.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان في تعريفه :
    (وهو مركب من أصل لا يتم بدونه).
    ومن واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه العقوبة،
    ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة) أهـ.


    فأصل الإيمان: هو ما لا يوجد الإيمان بدونه، ولا نجاة من الكفر إلا به، وهو الذي يسمى (مطلق الإيمان) وهو يشتمل على شعب لا يصح الإيمان إلا بها:

    - فعلى القلب: معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إجمالاً، والتصديق به. والانقياد له مع الإتيان بأعمال القلب التي لا يصح الإيمان إلا بها كالمحبة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والرضا والتسليم به ونحو ذلك من أعمال القلوب.

    - وعلى اللسان: الإقرار بالشهادتين.

    - وعلى الجوارح: العمل بالتوحيد وترك الشرك وأداء الصلاة التي يكفر تاركها، وكذلك سائر المباني عند بعض العلماء تبعاً للخلاف في كفر تاركها.

    * وضابط ما يدخل في أصل الإيمان: أن كل قول أو عمل يكفر تاركه، ففعله من أصل الإيمان، وكل قول أو عمل يكفر فاعله فتركه من أصل الإيمان.

    - ومن أتى بأصل الإيمان دخل الجنة، إما ابتداء وإما مآلاً، إذ هو من الموحدين، والجنة أعدت للموحدين وهي مصيرهم، وإن قصّروا في الإيمان الواجب.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم): (ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمناً حتى يقوم به أصل الإيمان) أهـ.


    والإيمان الواجب: وهو ما زاد عن أصل الإيمان من فعل الواجبات وترك المحرمات.

    - وضابط ما يدخل في الإيمان الواجب:
    أن كل عمل ورد في تركه وعيد ولم يكفر تاركه ففعله من الإيمان الواجب، كأداء الأمانة وبر الوالدين والجهاد الواجب وصلة الرحم ونحو ذلك.
    وكل عمل ورد في فعله وعيد ولم يكفر فاعله فتركه من الإيمان الواجب، كالزنا والربا والسرقة وشرب الخمر والكذب.


    - ومن قصّر في الإيمان الواجب، فترك واجباً أو فعل محرماً، فإن كان عنده أصل الإيمان، فهو من أصحاب الكبائر، أو عصاة الموحدين، أو من يسمى (بالفاسق الملي) أي أنه مع فسقه لم يخرج من الملّة، فمن مات على هذا فهو من أهل الوعيد، ولكنه في المشيئة –عند أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة- إن شاء الله غفر له وأدخله الجنة ابتداء بلا عذاب، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم يكون مصيره إلى الجنة، مصير الموحدين، بما معه من أصل الإيمان.
    كما في حديث أبي هريرة عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود).


    - ومن أتى بالإيمان الواجب مع أصل الإيمان، ولم يقصر فيه، ولم يزد عليه فهذا هو المؤمن المستحق للوعد السالم من الوعيد، أي أنه يستحق دخول الجنة ابتداء بلا سابقة عذاب، وفي أمثال هؤلاء قيل حديث (أفلح إن صدق) لما قال أحدهم للنبي صلى الله عليه وسلم: (والذي أكرمك بالحق لا أطوّع شيئاً، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا) رواه البخاري.

    • أما الإيمان المستحب: فهو ما زاد عن الإيمان الواجب، من فعل المندوبات والمستحبات وترك المكروهات والمشتبهات، فمن أتى بهذا مع أصل الإيمان والإيمان الواجب فهو من السابقين المحسنين الذين يستحقون دخول الجنة ابتداء في درجة السابقين بالخيرات بإذن الله، وفوات هذه الرتبة، يفوّت علو الدرجة ولا عقاب عليها ولا عذاب.

    ومن هذا التفصيل يتلخص لدينا هذه القاعدة: (أن كل طاعة إيمان وليس كل معصية كفر أكبر).
    فكما أن الطاعات تتفاوت مراتبها، فمنها ما يدخل في أصل الإيمان وتعتبر جزءا و شرطا لصحة الإيمان، ومنها ما يدخل في الإيمان الواجب، ومنها ما يدخل في الإيمان المستحب.
    كما في حديث: ( الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه.
    فكذلك المعاصي منها ما يُخل بأصل الإيمان، وتسمى كفراً أو ناقضاً.
    ومنها ما يُخل بالإيمان الواجب كفرا دون كفر.


    فلابد من معرفة كل درجة وما يتعلق بها، والتفريق بين ما يكفّر به وبين ما لا يكفّريه لابد من معرغة الكفر الاكبر والاصغر والفرق بينهما. قال تعالى: (ولكن الله حبّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان) فتأمل تفريق الله تعالى بين الكفر وبين الفسوق والعصيان، فلا تسلم قدم التسليم للعبد حتى يفرّق بين ما فرّق الله بينه، ويجمع ويؤلف بين ما ألّف الله بينه.
    فيفرق بين ما ينقض أصل الإيمان وهي المكفرات. وبين ما ينقص الإيمان الواجب أو المستحب، ولا ينقض أصله.


    وبعض العلماء يطلقون مصطلح الإيمان الواجب أو واجبات الإيمان، ويجمعون فيه بين ما كان من أصل الإيمان ورتبة الإيمان الواجب، إذ ذلك كله من الواجبات، لكن الأول من شرط الإيمان الذي ينقض الإيمان بنقص شيء منه، والثاني من واجباته فقط وليست من شروطه، وينقص بنقصها ولا ينتقض، والمسألة اصطلاحية لا مشاحة فيها مادام المراد متسقاً مع أصول أهل السنة.

    فقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية لأقسام الإيمان مثلاً بالشجرة فقال:
    ( فإن الشجرة –مثلاً- اسم لمجموع الجذع والورق والأغصان،
    وهي بعد ذهاب الورق شجرة، وبعد ذهاب الأغصان شجرة،
    لكن غير كاملة وناقصة،
    فيفعل مثل ذلك في مسمى الإيمان والدين.


    وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)

    فنفى عنه الإيمان الواجب الذي يستحق به الجنة، ولا يستلزم ذلك نفي أصل الإيمان وسائر أجزائه وشعبه).

    إلى قوله: (ومن هذا الباب: قوله صلى الله عليه وسلم: (من غشّنا فليس منا) ليس المراد به أنه كافر، كما تأولته الخوارج، ولا أنه ليس من خيارنا، كما تأولته المرجئة.
    ولكن المضمر يطابق المظهر، والمظهر هم المؤمنون المستحقون للثواب، السالمون من العذاب. والغاش ليس منا لأنه متعرض لسخط الله وعذابه) أهـ مختصراً.

    : أن الإيمان الذي يضاده الكفر هو فقط ما كان من (أصل الإيمان)
    أما (الإيمان الواجب) فهو الذي يضاده الكفر الاصغر،
    و(الإيمان المستحب) هو الذي يضاده الترك غير المكفر ولا المفسق.
    فليحذر من الخلط بين نصوص هذه المراتب الثلاث
    فإن في ذلك مزلّة الأقدام…

    فإنه لا يخرج من دائرة الإيمان والإسلام إلا من أتى بذنب مكفر يخل بأصل الإيمان،
    أن العلماء قد يطلقون لفظ (نفي كمال الإيمان) ويريدون بذلك نفي كماله الواجب.
    فحذار من حمله على نفي حقيقته أي (أصله)
    فتكفر بإطلاقاتهم تلك من لم يكفره الشرع. أو حمله على كماله المستحب، فتخطئ المراد؛ لأن الشارع لا يتوعّد على ترك شيء من شعب الإيمان المستحب، بل لا يرد الوعيد، إلا في ترك واجب من واجبات الإيمان؛ إما من رتبة أصل الإيمان أو رتبة الإيمان الواجب.


    قال شيخ الإسلام (12/256): (معنى قولهم: "نفي كمال الإيمان لا حقيقته) أي: الكمال الواجب، ليس هو الكمال المستحب) أهـ.
    وقال (7/14): (ثم إن نفي "الإيمان" عند عدمها [أي: شعب الإيمان] دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة
    فإن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمرٍ –أَمَر الله به ورسوله، إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله: "لا صلاة إلا بأم القرآن، وقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" ونحو ذلك، فأما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب…". إلى قوله: (فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل.

    فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه، ويتعرض للعقوبة، فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب، فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله، ولا يجوز أن يقع. فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينقص من واجبه شيئاً لم يجز أن يقال: ما فعله لا حقيقة ولا مجازاً) أهـ.

    وقال أيضاً (7/30): (وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، لم يكن معه ما أوجبه الله عليه من الإيمان، فحيث نفى الله الإيمان عن شخص، فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان، ويكون من المعرضين للوعيد، ليس من المستحقين للوعد المطلق
    ومزيد بيان على هذا الرابط
    -https://majles.alukah.net/t183065/-

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,184

    افتراضي رد: قول الطحاوى - الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان - هذا فيه نظر وقصور - وهو مذهب مرجئة الفقهاء

    بارك الله فيكم،، وهل الأشاعرة والماتردية يتدارسون كتاب العقيدة الطحاوية ؟؟ هذا ما قرأته في أحد المواقع!
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •