كنت قد نشرت هذه المقامة سابقاً في المجلس العلمي (مجلس الأدب الإسلامي) بعنوان: (مقامة إيقاد الشعلة لتوحيد العملة) ثم رأيت أن أحسنها بشكل كبير فأصدرت هذه النسخة الجديدة و سميتها: (مقامة إيقاد الشعلة لتوحيد العملة - الحلة البهية)، أرجو من الإخوة الكرام عدم تداول المقامة القديمة لما فيها من قصور و عيوب و أخطاء، و يا حبذا لو أن إدارة المجلس العلمي تحذفها، و لكم جزيل الشكر.


مقامة إيقاد الشعلة لتوحيد العملة - الحلة البهية


تمهيد:


فن المقامات فن أدبي رفيع ابتكره بديع الزمان الهمذاني رحمه الله [1]، و قد تبعه في هذا الفن الجميل القاسم الحريري رحمه الله من المتقدمين [2] و جلال الدين السيوطي رحمه الله من المتوسطين [3] و ناصيف اليازجي من المتأخرين [4] و غيرهم.


تعريف المقامة: قصة قصيرة مسجوعة، تشتمل على عظة أو مُلحة، كان الأدباء يظهرون فيها براعتَهم [5].


أتمنى أن يأتي اليوم الذي تتوحد فيه الأمة الإسلامية في جميع المجالات و على كافة الأصعدة (سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً و ثقافياً و عسكرياً و هلم جراً).


و في مقامتي هذه أضع لبنة أدبية متواضعة في بناء توحيد الأمة الإسلامية اقتصادياً، حيث إن من أبرز تجليات توحيد الأمة الإسلامية اقتصادياً هو توحيد العملة المتداولة بين الدول الإسلامية.


و أقترح في هذه المقامة أن تتحد الأمة الإسلامية على عملة الدينار و الدرهم فهما عملتا القرآن الكريم و السنة الشريفة و فيهما بلاغ و كفاية لأولي الألباب.


في العصر الذهبي للإسلام كان الدينار الذهبي العملة المعدنية المسكوكة بالذهب و الدرهم الفضي العملة المعدنية المسكوكة بالفضة، لكن الحضارة الحديثة استغنت عن العملة المعدنية المسكوكة بالذهب و الفضة بسبب استبدال العملة المعدنية بالعملة الورقية.


إن العملة الورقية الحديثة أثبتت جدواها و فاعليتها فهي أسهل أو أيسر في الإصدار و الطباعة و التوزيع و الصرف و التداول و الجمع و العد و النقل و التكديس، فهي أخف وزناً و أصغر حجماً أو جرماً من العملات المعدنية، كما أن آلات الصراف الآلي التي يسرت حياة الناس كثيراً بفضل الله تعتمد على العملة الورقية.


فيما مضى كانت العملات ترتبط قيمتها بالذهب، ثم تم الاستغناء عن هذا الربط و صارت العملات مرتبطة بالدولار الأمريكي، ربما من مصلحة الأمة الإسلامية أن تفك ارتباط عملتها بالدولار الأمريكي و تعيد ربط عملتها بالذهب لتعلن بهذا استقلالها عن الغرب و عدم تبعيتها له، و إذا كان من مصلحة الأمة الإسلامية عدم ربط عملتها بالذهب فيحسن أن يكون هدفها أن يصبح دينارها هو العملة الرئيسية في العالم الذي ترتبط به العملات بدل الدولار الأمريكي، و لكن يبقى هذا الأمر لأولي الأمر و أهل الحل و العقد.


إذا أرادت الأمة الإسلامية أن تتحد على الدينار و الدرهم فيمكن أن تصدر ديناراً ورقياً واحداً و درهماً ورقياً واحداً، و تكون مثلاً قيمة الدينار الورقي 1000 درهم ورقي، و في هذه الحالة يمكن أن تستخدم الدنانير لدفع التكاليف الكبيرة مثل شراء بيت أو أو قطعة أرض أو سيارة، أما الدراهم فتستخدم لدفع التكاليف الصغيرة مثل شراء أغراض التسوق كالطعام و الشراب و مستلزمات البيت و الأسرة.


تنويه: أنا سوري الجنسية لكن انتمائي الأول إلى القرآن الكريم و السنة الشريفة.


مقامة إيقاد الشعلة لتوحيد العملة - الحلة البهية


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الملك المليك مالك الملك ذي الملكوت، ملك الملوك ذي الكبرياء و العظمة و الجبروت، رب العزة عليه توكلت فإنه الحي الذي لا يموت، العالم العليم العلام من أحاط بكل شيء علماً فما يعزب عنه شيء و ما اللهَ شيءٌ يفوت، القادر القدير المقتدر القاهر فوق عباده من له أشرف النعوت، الرحمن الرحيم ذي الرحموت، أفلح من جمع بين حبه و رجاء رحمته و الرهبوت، رب العرش من لمجده الكمال و الثبوت، ذي الجلال و الإكرام من أسبغ علينا نعمه من الطعام و الشراب و اللباس و البيوت، سبحانه و تعالى أمرنا بالاستعداد للرحيل و التزود لليوم الموقوت.


و الصلاة و السلام على محمد رسول الله سيد الأنام، السراج المنير ماحي الظلم و الظلام، من أوتي جوامع الكلام، و على آله و صحبه أشرف الأقوام، أولي العلم و الأفهام، و السيوف و الأقلام، و من تبعهم من أولي الأحلام، ما تعاقبت الليالي و الأيام.


اللهم يا من يُعبد لكماله، و يُحَب لجماله، و يُخشى لجلاله، و يُدعى لنواله، صل على محمد و آله، و صحبه و من نسج على منواله.


أما بعد:


فقد حدث عبد الواحد بن عبد القهار قال:


دخلت الكرة الأرضية، في القرن الخامس عشر لهجرة محمد رسول الله و خاتم النبيين سيد البرية، عليه أزكى صلاة و سلام و له أسمى تحية (عام 1442 هـ).
و كان ذلك في القرن الحادي و العشرين لميلاد المسيح عيسى بن مريم، عبد الله و نبيه و رسوله عليه الصلاة و السلام ما أضاء الجَيْلَم، و تموج العَيْلَم (عام 2020 م).


و معي حِمْل خفيف، من دينار ظريف، و درهم لطيف، ورثتهما من عصر النبوة الشريف، حيث ربيع الإسلام بلا خريف.


و كنت قد عزمت على زيارة ثلاث مدن في قلب العالم الإسلامي عملاً بقول الله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و إليه النشور) [سورة الملك: آية 15].
المدينة الأولى مدينة الرياض تاج نجد، و أرض الحضارة الحديثة و العلم و الأدب و العلياء و المجد.
و المدينة الثانية مدينة دمشق وطن خلفاء بني أمية، الذين نشروا الإسلام شرقاً و غرباً حتى حارت منهم البرية.
و المدينة الثالثة مدينة القاهرة أرض الحضارة، و التاريخ العريق ذي النضارة.


فانطلقت بطائرة إلى المملكة العربية السعودية قاصداً عاصمتها مدينة الرياض، حيث الحضارة الحديثة المتألقة و السمو و جود أهلها الفياض، و قد لبست ثوب المجد الفضفاض، و ارتاضت لها المكارم و المعالي أيما ارتياض، و فيها يمد الأمن ظلاله على النفوس و الأموال و الأعراض.


و كنت قد سمعت عن أكلة لذيذة مشهورة فيها تسمى الكبسة، بها تحلو الجلسة، و تؤكل بالأصابع الخمسة، و رجوت أن أغمس يدي في صحفتها غمسة، و أن يحظى لساني منها بلمسة.


فدخلت مطعماً، بالأمل مفعماً، و بعد أن سلمت على المضيف، و رأيت أنه حصيف، سألته عن ثمن وجبة الكبسة، فقال: كذا و كذا ريالاً.
فقلت: ريال! و ما الريال؟
فنظر إلي متعجباً و قال: أتجهله و هو عملة الجمال، و خِلعة النوال، و بغية العيال، و مُنْية الرجال، و حلية ربات الحجال؟
فقلت: نِعْمَ الريال عملة، فهل ذكر في القرآن الكريم و السنة الشريفة في جملة؟
فقال: لا أدري، فليس ذاك العلم في صدري.
فقلت: ليس معي إلا دينار و درهم، فهل يقبلان مني حتى آكل الكبسة فأغنم؟
فقال: ألا تعلم أن أهل السعودية يتعاملون بالريال السعودي؟ فلماذا لم تصرف دينارك و درهمك إلى الريال السعودي فذلك أمر بدهي؟
فقلت: ظننت أن أمة الإسلام لا تتعامل إلا بالدينار و الدرهم، لأن ذلك أكرم.
فقال: كان ذلك في العصر الذهبي للإسلام، أما الآن فقد تشرذم الأقوام، و لكل منهم إمام.
ثم قال: يا أخا الإسلام، إن شئت ضيفناك وجبة الكبسة مجاناً و بالغنا في الإكرام، فإنك تبدو غريباً من الكرام.
فقلت: جزاكم الله خيراً، و لا أراكم ضيراً، أنتم أهل الجود، و النوال منكم معهود، و لكني لا آكل الطعام إلا بحقه، و لا أحب أن أتطفل على مسترزق في رزقه.
فاستأذنته في الانصراف، و شكرته على ما كان من حفاوة و إتحاف.
فانصرفت ساغباً، و ما زلت في أكل الكبسة راغباً.
و قلت في نفسي: ما على القوم لوم، و إني نويت الصوم.


ثم انطلقت بطائرة إلى الجمهورية العربية السورية قاصداً عاصمتها مدينة دمشق، حيث فنون الحضارة و عبق التاريخ و أولو الألباب و العلم و الحِذْق، طوبى لمن أحب أرضها بعشق، أو حظي من ياسمنيها بنشق، أو أصيب من غيثها برشق.


و كنت قد سمعت عن أكلة شهية مشهورة فيها تسمى المقلوبة، فهي الطُعمة المحبوبة، على جبين الأطايب مكتوبة، العقول لديها مسلوبة، و الأبطال عندها مغلوبة.


فدخلت مطعماً، بالشوق مفعماً، و بعد أن سلمت على المضيف، و رأيت أنه شريف، سألته عن ثمن وجبة المقلوبة فقال: كذا و كذا ليرة.
فقلت: ليرة! و ما الليرة؟
فنظر إلي مدهوشاً و قال: أتجهلها و هي أحلى من تمرة، و أشهى من خمرة، و أدفا من جمرة، تتقلب كثيراً في حيرة، و إليها يتسابق الناس في غيرة؟
فقلت: نِعْمَتِ الليرة عملة، فهل ذكرت في القرآن الكريم و السنة الشريفة فاكتست من عظيم الشرف حلة؟
فقال: لا أعلم، فالسكوت أسلم.
فقلت: ليس معي إلا دينار و درهم، فهل يقبلان مني حتى آكل المقلوبة فأنعم؟
فقال: ألا تعلم أن أهل سوريا يتعاملون بالليرة السورية؟ فلماذا لم تصرف دينارك و درهمك إلى الليرة السورية فتلك حاجة ضرورية؟
فقلت: ظننت أن أمة الإسلام لا تتعامل إلا بالدينار و الدرهم، لأن ذلك أحكم.
فقال: لقد ضعفت أمة الإسلام في ظل هيمنة قوى الاستكبار و الظلم و الكفر، زادهم الله خُسْراً بعد خُسْر، و نحن ننتظر طلوع الفجر.
ثم قال: يا أخا خير المِلل، إن شئت ضيفناك وجبة المقلوبة مجاناً و ألبسناك من الإكرام الحلل، فإنك تبدو غريباً إلى أرضنا حديثاً قد وصل.
فقلت: جزاكم الله خيراً، و لا أراكم ضيراً، أنتم أهل الندى، و قد أفلح من في ضيافتكم غدا، و لكني لا آكل الطعام إلا بحقه، و لا أحب أن أتطفل على مسترزق في رزقه.
فاستأذنته في الانصراف، و شكرته على ما أتاح من إكرام الأضياف.
فانصرفت و ما زال بطني خميصاً، و ظللت على أكل المقلوبة حريصاً.
و قلت في نفسي: ما على القوم لوم، و إني نويت الصوم.


ثم انطلقت بطائرة إلى جمهورية مصر العربية قاصداً عاصمتها مدينة القاهرة، فهم أهل الحضارة الباهرة، و عندهم الفنون و العلوم و النجوم الزاهرة، و روعة الهندسة تتجلى في المعالم الظاهرة، و قد اجتمعت لديهم العقول و الأيادي الماهرة.


و كنت قد سمعت عن أكلة مستطابة مشهورة فيها تسمى الكُشَرِي، من ألذ ما توصل إليه الذوق البشري، متعددة المكونات و الألوان فلها جذب بصري، تكاد تكون عند البسطاء أشهى من مُلك قيصري.


فدخلت مطعماً، بالتفاؤل مفعماً، و بعد أن سلمت على المضيف، و رأيت أنه ظريف، سألته عن ثمن وجبة الكشري فقال: كذا و كذا جنيهاً.
فقلت: جنيه! و ما الجنيه؟
فقال: أتجهله و قد أضحى أشهر من سيبويه، و يتنافس الرجال و النساء عليه، و تنضى المطايا لأجله و إليه؟ و الحسن مجتمع لديه، و العز مبسوط بين يديه.
فقلت: نِعْمَ الجنيه عملة، فهل ذكر في القرآن الكريم و السنة الشريفة حتى يصلح لتوحيد جميع أهل الملة؟
فقال: لا علم لدي، و لا حرج بذلك علي.
فقلت: ليس معي إلا دينار و درهم، فهل يقبلان مني حتى في الكشري أبْسَم؟
فقال: ألا تعلم أن أهل مصر يتعاملون بالجنيه المصري؟ فلماذا لم تصرف دينارك و درهمك إلى الجنيه المصري فذلك أمر حتمي؟
فقلت: ظننت أن أمة الإسلام لا تتعامل إلا بالدينار و الدرهم، لأن ذلك أسلم.
فقال: لقد قطعت أمة الإسلام أمماً، و صار تشرذمها سقماً، و توحيدها حلماً.
ثم قال: يا أخا الحنيفية السمحاء، إن شئت ضيفناك وجبة الكشري مجاناً فإنا نكرم الشرفاء، و لا سيما إذا كانوا غرباء.
فقلت: جزاكم الله خيراً، و لا أراكم ضيراً، أنتم أهل الكرم، و تعرف ذلك الأمم، و لكني لا آكل الطعام إلا بحقه، و لا أحب أن أتطفل على مسترزق في رزقه.
فاستأذنته في الانصراف، و شكرته على ما كان من ألطاف.
فانصرفت طاوياً، و ما زلت لأكل الكشري هاوياً.
و قلت في نفسي: ما على القوم لوم، و إني نويت الصوم.


و بعد رحلتي بين تلك المدن الثلاث تأملت في اختلاف الأقوام في عملتهم، معرضين عن التوحيد الذي هو جوهر ملتهم، مع أن ربهم و إلههم و مليكهم واحد، و قرآنهم واحد، و نبيهم واحد، و دينهم واحد، و لغتهم واحدة، و لكن أعجب كل حزب بما لديه من عملة، و كساها من زخرف قوله أبهى حلة.
مع أن عملاتهم محدثة ليس لها أصل في القرآن الكريم و لا في السنة الشريفة، فتذكرت قول الله عز و جل في القرآن الكريم: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون) [سورة المؤمنين: آية 53].


فقلت في نفسي: عجباً لكم أيها العرب و المسلمون، في أودية التشرذم تهيمون، و عن أمر الله رب العالمين تعرضون.
ألم يأمركم رب العزة في القرآن الكريم بتوحيد الكلمة و الصف، و أن تجتنبوا التفرق فإنه سير إلى جاهلية الخلف، إذ قال الله جل جلاله و عم نواله: (إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون) [سورة الأنبياء: آية 92].
(و أطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و اصبروا إن الله مع الصابرين) [سورة الأنفال: آية 46].
(إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم و اتقوا الله لعلكم ترحمون) [سورة الحجرات: آية 10].
(منيبين إليه و اتقوه و أقيموا الصلاة و لا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) [سورة الروم: آية 31-32]
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون * و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون * و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات و أولئك لهم عذاب عظيم) [سورة آل عمران: آية 102-105].


ألم يأمركم رسول الله بتوحيد الكلمة و الجمع، و أن تجتنبوا الخلاف و الصدع؟ إذ قال:
(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، و شبك بين أصابعه) [رواه البخاري]
(مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى) [رواه البخاري و مسلم].
(المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم و يسعى بذمتهم أدناهم) [رواه الطبراني].
(لا تباغضوا و لا تحاسدوا و لا تدابروا و كونوا عباد الله إخواناً) [رواه البخاري و مسلم].
(المسلِمُ أخو المسلِمِ لا يخونُهُ و لا يَكذِبُهُ و لا يخذلُهُ، كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ عرضُهُ و مالُهُ و دمُهُ، التَّقوى هَهنا، بحسبِ امرئٍ منَ الشَّرِّ أن يحتقرَ أخاهُ المسلمَ) [رواه الترمذي].


يا أمة الإسلام اتحدي على دينار واحد و درهم واحد.
كلما اقتربت أمة الإسلام من القرآن الكريم و السنة الشريفة زاد تآلفها و تماسكها و توحيدها، و كلما ابتعدت عن القرآن الكريم و السنة الشريفة زاد تنافرها و تشرذمها و تبديدها.
توحد الغرب على اليورو و الدولار، و لم تتوحد أمة الإسلام على الدرهم و الدينار.
(إن هذا لشيء عجاب)، و نشكو ذلك إلى العزيز الوهاب.


ثم اتصلت بشبكة الإنترنت بجوالي، الجهاز العجيب متعدد المهام الذي (ما سمعنا بمثله في الخوالي)، و دخلت موقع غوغل، الذي ما ترك شأناً و لا علماً و لا فناً إلا و فيه يوغل، و بحثت عن الدول التي تعتمد الدينار و الدرهم عملة لها في العصر الحديث، الذي تتسارع أحداثه بشكل حثيث.
فوجدت سبع دول عربية إسلامية تتدوال الدينار لكنه ليس ديناراً واحداً فلكل دولة دينارها الخاص بها:
المملكة الأردنية الهاشمية، مملكة البحرين، الجمهورية التونسية، الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، جمهورية العراق، دولة الكويت، دولة ليبيا.


و وجدت دولتين عربيتين مسلمتين تتداولان الدرهم لكنه ليس درهماً واحداً فلكل دولة درهمها الخاص بها:
دولة الإمارات العربية المتحدة و المملكة المغربية.


فأعجبت بهذه الدول و تعجبت من استمساكها بالأصالة العربية الإسلامية، و انتمائها إلى العروبة و الإسلام و افتخارها بذلك أمام الدول العالمية.


و من العجيب أن دولتين ذواتي أغلبية نصرانية تتداولان الدينار و هما جمهورية صربيا و جمهورية مقدونيا، و يبدو أن هنالك أحداثاً تاريخية أدت لتبني هاتين الدولتين عملة عربية إسلامية.


و بعد رحلتي القصيرة، العجيبة المثيرة، اتجهت إلى أرض فيها شجرة زيتون التي أقسم الله بها في كتابه العزيز، و أثنى عليها فنالت شرفاً أنفس من الإبريز، إذ قال الله تبارك و تعالى:
(و التين و الزيتون * و طور سينين * و هذا البلد الأمين) [سورة التين: آية 1-3].
(و شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن و صبغ للآكلين) [سورة المؤمنين: آية 20].
(الله نور السماوات و الأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الأمثال للناس و الله بكل شيء عليم) [سورة النور: آية 35].


و بعد أن جلست مسنداً ظهري إليها، طالباً الراحة لديها، نظرت إلى ديناري و قلت له: أشرق بشمسك، و عرف بنفسك، و اكشف عن دفين أسرارك، و رصين أخبارك.


فنظر إلي نظر الحكيم، و اغرورقت عيناه بالدمع لأمر عظيم، فخطب نثراً و أردفه بشعر يدل على جلالة قدره و علو أمره، إذ قال:


الحمد لله العظيم، القائل في القرآن الكريم: (و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله و تعالى عما يشركون) [سورة القصص: آية 68].


الحمد لله الرحيم الرحمن، الكريم المنان، المليك الديان، منزل أحسن الحديث و أشرف التبيان، مالك الملك و ملك الملوك الذي فضلني على جميع الأقران، إذ اختارني رب العالمين فذكرني باسمي الصريح في القرآن، بصيغة المفرد مرة واحدة في سورة آل عمران، فجرى بذلك ذكري على كل لسان، في كل زمان و مكان، و ذلك غاية الشرف و نهاية المجد عند أهل العلم و الأدب و الإيمان، و من شك في هذا فليسأل أبي بن كعب فعنده البرهان، إذ قال الله رب الأكوان:


(و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك و منهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون * بلى من أوفى بعهده و اتقى فإن الله يحب المتقين) [سورة آل عمران: آية 75-76].


و قد ذكرني محمد رسول الله و هو خاتم الأنبياء، و سيد الأولياء، و إمام الأتقياء، في حديث شريف يتناقله الأنقياء:


(أَفْضَلُ دِينارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينارٌ يُنْفِقُهُ علَى عِيالِهِ، و دِينارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ علَى دابَّتِهِ في سَبيلِ اللهِ، و دِينارٌ يُنْفِقُهُ علَى أصْحابِهِ في سَبيلِ اللَّهِ) [رواه مسلم].


عجباً لقومي أيها الأخيار *** عني رغبتم إنني الدينار
إن الإله بآية قد خصني *** و بسنة المختار لي تذكار
فلتحفظوا عهد الوداد فإنني *** ملك النقود فليس بعدُ فَخَار


ثم نظرت إلى درهمي و قلت له: أنر ببدرك، و عرف بأمرك، و اكشف عن بديع مكنونك، و رفيع مضمونك.


فنظر إلى نظر الفهيم، و اغرورقت عيناه بالدمع لخطب جسيم، فخطب نثراً و أردفه بشعر يدل على شرف أصله، و حلاوة وصله، إذ قال:


الحمد لله الكريم، القائل في القرآن العظيم: (و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله و تعالى عما يشركون) [سورة القصص: آية 68].


الحمد لله المبدئ المعيد، (عليه النشأة الأخرى) في يوم الوعيد، مالك الملك و ملك الملوك الذي اختارني فذكرني في القرآن المجيد، فآتاني بفضله شرفاً سرمداً لا يبيد، فشاع بذلك ذكري على ألسنة العبيد، في كل مكان قريب أو بعيد، على مر الدهر المديد، إذ ذكرني رب العزة باسمي الصريح بصيغة الجمع مرة واحدة في (تنزيل من حكيم حميد)، و ذلك قمة التشريف و ذروة التفضيل عند أهل الذكر و النهى و الرأي الرشيد، و من شك في ذلك فليسأل أبي بن كعب فعنده الدليل الأكيد، إذ قال الله الشهيد، في سورة يوسف الصديق الكريم السعيد:


(و شروه بثمن بخس دراهم معدودة و كانوا فيه من الزاهدين) [سورة يوسف: آية 20].


و قد ذكرني محمد نبي الله و هو إمام الحنفاء، و أسوة الشرفاء، و سيد الكرماء، في حديث شريف يتناقله العلماء:


(سبقَ دِرهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ، قالوا: وَ كَيفَ؟ قالَ: كانَ لرجلٍ درهمانِ تصدَّقَ بأحدِهِما و انطلقَ رجلٌ إلى عُرضِ مالِهِ، فأخذَ منهُ مائةَ ألفِ درهمٍ فتصدَّقَ بِها) [رواه النسائي و أحمد].


عجباً لرَبْعي هل نسيتم مَنْسِمي *** لا تزهدوا في حسن ذاك الدرهم
كُرِّمْتُ في الوحيين ذكري ثابت *** عودوا إلي أنا أصيل المَيْسَم
فأنا مع الدينار غُنْيَة مسلم *** توحيد نقد المؤمنين كبلسم


فقلت لديناري و درهمي بعد أن فرغا من نثرهما و شعرهما: لا فض فوكما، و بارك الله فيكما، و أزيدكما من الشعر بيتاً، مستعيناً بمن ينشر مَيْتاً:


لقد قرن بينكما النبي الكريم في حديث لفظه جميل، و معناه جليل، إذ قال:


(تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ، وَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَ عَبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، و إنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَ انْتَكَسَ، و إذَا شِيكَ فلا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بعِنَانِ فَرَسِهِ في سَبيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إنْ كانَ في الحِرَاسَةِ، كانَ في الحِرَاسَةِ، و إنْ كانَ في السَّاقَةِ كانَ في السَّاقَةِ، إنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ له، وإنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ) [رواه البخاري].


ثم قلت معزياً إياهما و مواسياً:


لا تعجبا من أمة الإسلام *** فلعلها تسمو مع الإقدام
و لعلها تغدو نسيجاً واحداً *** مستمسكاً بأصالة و وئام
فجر اتحاد المسلمين محتم *** ببزوغه ينجاب كل ظلام


فقالا لي بلسان واحد: بارك الله فيك يا عبد الواحد، و حباك بنعيم الجنان الخالد.
فقلت: و نفعني الله بكما، فلست أصبر على فراقكما.


ثم انصرفت بصحبة ديناري و درهمي عائدين إلى عصر النبوة الطاهر، حيث نبينا محمد إمام الأوائل و الأواخر، و آله و صحبه الأكابر، علني أن أفطر من صومي هنالك عند تلك النجوم الزواهر، و البحور الزواخر.


أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أولئك آبائي فإني بنورهم *** أسير و ما لي غير ذاك مطامع
أولئك آبائي شموس سَنِيّة *** بحور علوم للكمال جوامع


و صلى الله و سلم على نبينا محمد، ذي الشرف و المجد و السؤدد، كلما ذكره مِذْوَد، و على آله و صحبه خير من أسس و مهد، و من تبعهم بإحسان و لأركان الدين وطّد.


و الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، عالم الإعلان و الإسرار، ما تعاقب الليل و النهار.


إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء و إليه ترجعون.
قل الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين.


الفوائد:


الفائدة الأولى:


ما معنى قول الدينار في خطبته: (و من شك في هذا فليسأل أبي بن كعب فعنده البرهان)؟ و كذلك قول الدرهم في خطبته: (و من شك في ذلك فليسأل أبي بن كعب فعنده الدليل الأكيد)؟


هاتان إشارتان لطيفتان إلى الحديث الشريف: (قال أُبَيٌّ: قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أُمِرْتُ أنْ أُقرِئَكَ القُرآنَ، قُلْتُ: أوَذُكِرْتُ هناك؟ قال: نَعَمْ، قال: فبَكى أُبَيٌّ، قال: فلا أَدْري شَوقًا، أو خَوفًا؟) [رواه النسائي و الطبراني و أبو نعيم].
و في رواية أخرى: (عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لأُبَيِّ بنِ كَعبٍ: أَمَرني ربِّي أنْ أقرَأَ عليكَ القُرآنَ، قال أُبَيٌّ: أوَسمَّاني لكَ؟ قال: نَعمْ، فبَكى أُبَيٌّ) [رواه البخاري و مسلم و أحمد].


استنبطت من هذا الحديث أن الدينار و الدرهم لو كانا يعقلان و علما أن الله عز و جل قد ذكرهما في القرآن العظيم لفرحا بذلك فرحاً شديداً.


الفائدة الثانية:


هل كذب الدينار عندما قال في خطبته: (فجرى بذلك ذكري على كل لسان، في كل زمان و مكان)؟
و هل كذب الدرهم عندما قال في خطبته: (فشاع بذلك ذكري على ألسنة العبيد، في كل مكان قريب أو بعيد، على مر الدهر المديد)؟


لا، لم يكذبا، صحيح أن ذكر الدينار و الدرهم لم يجر على كل لسان في كل زمان و مكان، لكن هذا الأسلوب أسلوب مبالغة و هو يعرف بأسلوب: (العام الذي يراد به الخصوص)، فكل من قرأ سورة آل عمران فقد ذكر الدينار، و كل من قرأ سورة يوسف فقد ذكر الدرهم، فتأمل كم مرة ذكرا على ألسنة الناس في شتى بقاع الأرض منذ تنزيل هاتين السورتين الكريمتين.


لمزيد من المعلومات عن أسلوب: (العام الذي يراد به الخصوص) يرجى قراءة موضوع: (علم نفيس: علم العام و الخاص) و هذا الرابط:
( https://majles.alukah.net/t184669/ )


الفائدة الثالثة:


عبارة: (ما سمعنا بمثله في الخوالي) هي شطر بيت الحارث بن عباد [6]:


يا بني تغلب قتلتم قتيلاً *** ما سمعنا بمثله في الخوالي


معاني الكلمات الغريبة [5]:


مسجوعة: فيها كَلاَمٍ مَنْثُورٍ مُقَفّىً، لَهُ فَوَاصِلُ.
مُلحة: نُكْتَةُ، كلمة ظريفة تُرَوِّح عن النَّفس.
بلاغ: كِفاية أو ما يُتوصّل به إلى الغاية.
الملكوت: العزُّ و السلطان و العظمة، مِلْكُ الله خاصة.
الجبروت: القهر.
يعزب: يبعد و يغيب.
النعوت: الصفات.
الرحموت: شفقة و رحمة عظيمة.
الرهبوت: خوف شديد و رهبة.
أسبغ: أفاض، أتم، أكمل.
الموقوت: المحدد المعين.
الجَيْلَم: القمر.
تموج: تَمَوَّجَ البَحْرُ : تَوَالَتْ أمْوَاجُهُ، مَاجَتْ، اِضْطَرَبَتْ، هَاجَتْ.
العَيْلَم: البحر.
النضارة: حُسْن و إشْراق و بَهْجَة و رونق.
الفضفاض: الواسع.
ارتاضت: انقادت و ذلت.
ارتياض: الانقياد و الانسياق بسهولة.
صحفتها: الصحفة: إناء من آنية الطعام.
مفعماً: ممتلئاً.
حصيف: جيد الرأي، حكيم، متعقل.
خِلعة: خيار المال.
بغية: القصد، الأمنية، المطلب.
مُنْية: أمنية، رغبة مرجوة.
ربات الحجال: النساء.
بدهي: ما يتمّ تلقائيّاً دون إعمالٍ للفكر.
ضيراً: ضرراً.
معهود: معروف، معتاد.
تطفل: صَارَ طُفَيْلِيّاً، أَيْ مَنْ يُضَيِّفُ نَفْسَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ بِلاَ دَعْوَةٍ.
مسترزق: طالب الرزق.
حفاوة: إِظْهَار الفَرَحِ وَالإِكْرَامِ.
إتحاف: إسعاد، إمتاع.
ساغباً: جائعاً.
عبق: عطر، أريج، أو انتشار رائحة الطيب.
الحِذْق: المهارة و الإتقان.
نشق: شم.
رشق: رمي.
الطُعمة: كل ما يطعم، الرزق.
الندى: الجود و السخاء و الخير.
خميصاً: خميص البطن أي خالي البطن ضامره.
الزاهرة: المشرقة.
سيبويه: إمام النحاة رحمه الله.
تنضى: تتعب.
المطايا: جمع مطية، ما يركب و يمتطى كالبعير.
أبْسَم: بسم في الطعام أي ذاقه.
ألطاف: جمع لطف أي رقة و رفق.
طاوياً: جائعاً.
هاوياً: من يميل به ذوقه إلى فن جميل أو غيره.
التشرذم: التفرق بشكل فوضوي.
تهيمون: تتحيرون و تضطربون.
تبديدها: تفريقها و تشتيتها.
يوغل: بالغ أبعد ما يمكن.
حثيث: سريع، مسرع.
اغرورقت: امتلأت بالدمع.
أردفه: أتبعه.
عني رغبتم: رغب عن الشيء أي تركه و زهد فيه.
فَخَار: التباهي بالنفس و إظهار المكارم و الجاه.
المديد: الطويل.
ربعي: الربْع: أهل بيت الرجل و قومه.
منسمي: طريقي و مذهبي.
الوحيين: القرآن الكريم و السنة الشريفة.
الميسم: الحسن و الجمال.
غُنْيَة: اكتفاء و يسار.
لا فض فوك: لاَ نُثِرَتْ أَسْنَانُكَ وَ لاَ فُرِّقَتْ.
ينجاب: ينقشع و يزول.
حباك: أعطاك.
زواهر: جمع زاهر: حسن، جميل، مشرق، صاف.
زواخر: جمع زاخر: غامر، واسع.
سَنِيّة: مضيئة لامعة.
السؤدد: عِظَم، مجد، سيادة، شرف، قدرٌ رفيع، كرم المنصب.
مِذْوَد: لسان.
وطّد: ثبت و قوى و دعم.


المصادر:


[1] مقامات بديع الزمان الهمذاني - تقديم و شرح الإمام محمد عبده.
[2] مقامات الحريري.
[3] مقامات السيوطي.
[4] مجمع البحرين - ناصيف اليازجي.
[5] قاموس المعاني.
[6] موقع الديوان: www.aldiwan.net