بسم الله، الحمد لله، و الصلاة و السلام على رسول الله، و آله و صحبه و من والاه، أما بعد:


من علوم الإسلام علم العام و الخاص، و أذكر أني تعلمت عن هذا العلم أول مرة عند قراءتي كتاب: (دراسات في علوم القرآن الكريم) لفهد الرومي حفظه الله و جزاه خيراً.


ما هو علم العام و الخاص؟
العبارات العامة في اللغة العربية على قسمين: عام يراد به العموم و عام يراد به الخصوص.


مثال 1:
قال الله تعالى: (قل أعوذ برب الناس) [سورة الناس: آية 1].
و قال الله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل) [سورة آل عمران: آية 173].


كلمة (الناس) في الآية الأولى هي من قبيل العام الذي يراد به العموم أي أنها تشمل جميع الناس على الإطلاق دون استثناء.
أما كلمة (الناس) في الآية الثانية فهي من قبيل العام الذي يراد به الخصوص فهي لا تشمل جميع الناس و إنما طائفة من الناس مخصوصة.


مثال 2:
في سورة النمل ثلاث آيات عجيبة.
قال الله تعالى: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها و له كل شيء) [سورة النمل: آية 91].
و قال الله تعالى حاكياً عن سليمان عليه السلام: (و أوتينا من كل شيء) [سورة النمل: آية 16].
و قال الله تعالى في كلام الهدهد عن بلقيس: (و أوتيت من كل شيء) [سورة النمل: آية 23].


هل عبارة (كل شيء) في الآيات الثلاثة متساوية في المعنى؟ لا.


(كل شيء) في الآية الأولى من قبيل العام الذي يراد به العموم لأن ملك الله عز و جل يشمل كل شيء بلا استثناء.
أما (كل شيء) في الآيتين الباقيتين فهي من قبيل العام الذي يراد به الخصوص لأن ملك سليمان عليه السلام و بلقيس ليس مساوياً لملك الله عز و جل بل هو جزء من ملك الله عز و جل آتاهما الله إياه.




مثال 3:
في المثالين السابقين كان بديهياً التمييز بين العام الذي يراد به العموم و العام الذي يراد به الخصوص لكن بعض الآيات في القرآن الكريم يشتبه فيها مراد الله عز و جل بين العام الذي يراد به العموم و العام الذي يراد به الخصوص فينتج عن هذا الاشتباه اختلاف في العقيدة أو الفقه.


قال الله تعالى: (و جعلنا من الماء كل شيء حي) [سورة الأنبياء: آية 30].
هل عبارة (كل شيء) من قبيل العام الذي يراد به العموم أم العام الذي يراد به الخصوص و ما الذي سيترتب على كل من القسمين من اعتقاد؟


إذا كان مراد الله عز و جل بعبارة: (كل شيء) العام الذي يراد به العموم فهذا سيترتب عليه عقيدتان عجيبتان.
العقيدة الأولى: أن الملائكة عليهم السلام و إن كان أصل خلقهم من نور كما ورد في السنة الشريفة فإن نسبة من ماء دخلت في خلقهم و اختلطت مع النور.
العقيدة الثانية: أن الجن و إن كان أصل خلقهم من النار كما ورد في القرآن الكريم فإن نسبة من ماء دخلت في خلقهم و اختلطت مع النار.


قد يعترض معترض فيقول: و هل يعقل أن يخلق الله الجن من ضدين (الماء و النار)؟
للعلماء مقولة جميلة هي: (من كثر علمه قل إنكاره).
هذا المعترض يجهل سراً عظيماً من أسرار قدرة الله عز و جل و هو سر جمع الضدين، فالله عز و جل بعلمه التام و قدرته التامة قد جمع الضدين في كثير من المخلوقات في عالم الغيب و عالم الشهادة، و مثال ذلك جمعه الماء (المطر) و النار (البرق) في السحاب كما قال الشاعر وليد الأعظمي رحمه الله:


جمع النقيضين من أسرار قدرته *** هذا السحاب به ماء به نار


فإذا كان الله جمع الضدين الماء و النار في عالم الشهادة في السحاب فما الذي يمنع من أن يجمعهما في خلق الجن في عالم الغيب؟


أما إذا كانت عبارة (كل شيء) هي من قبيل العام الذي يراد به الخصوص و يكون تخصيص خلق كل شيء من ماء بمخلوقات الأرض فقط كما دلت على ذلك الآية الأخرى: (و الله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه و منهم من يمشي على رجلين و منهم من يمشي على أربع) [سورة النور: آية 45]، فيستثنى الملائكة عليهم السلام من عموم الآية و يكون خلقهم من نور خالص، و يستثنى كذلك الجن من عموم الآية و يكون خلقهم من نار خالصة.


أنا أعتقد أن مراد الله من (كل شيء) في هذه الآية هو العام الذي يراد به العموم، و جميل بالمسلم إذا اشتبه عليه مراد الله في أمر من الأمور أن يقول القول الذهبي للشافعي رحمه الله: (آمنت بالله و بما جاء عن الله على مراد الله و آمنت برسول الله و بما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله).


تنويه: من كان منكم لا يعلم عن سر جمع الضدين فيمكنه الإشارة إلى هذين الموضوعين للفائدة:


سر جمع الضدين: ( https://majles.alukah.net/t164563/ )
قصيدة: سر جمع الضدين في الوحيين و الكونين: ( https://majles.alukah.net/t171649/ )




و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.