السؤال

إذا قرأت حديثا ولم أطبقه أخشى أن أكون بذلك كأني رغبت عن السنة، مثلا بالنسبة لحديث : (علقوا السوط حتى يراه أهل البيت)، هل هذا المقصود به الأبناء والخدم، أم الزوجة أيضا ؟ وهل معنى ذلك أنه يجب علي أن أخبر زوجي أن يعلق عصا في بيتنا، حتى قبل أن أنجب تطبيقا لهذا الحديث ؟ وإن لم أفعل أخشى أن أكون بذلك كأني أعرضت، ولم أطبق الحديث، بالتأكيد عدم قولي لزوجي نابع لاتباع الهوى؛ لأن قولي له ذلك، كأني أقول له علق سوطا لتؤدبني به، فما الصواب الذي لا يتعارض مع التسليم لأحكام الشرع ؟ وهل كوني غير ناشز يجعل من الممكن له ألا يعلقه لأنه لا يحتاجه ؟ أنا أعلم أن هذا الأمر ربما ليس للوجوب، لكن أليس في تركه ولو كان سنة رغبة عن السنة واتباع الهوى ؟

نص الجواب



المحتوياتالحمد لله.
أولا:

هذا الحديث روي بعدة أسانيد:
فروي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (7 / 332): حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَكْفَانِيُّ ، ثنا إِسْحَاقُ ابْنُ بُهْلُولٍ، ثنا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الْبَيْتِ .
لكن المحفوظ من حديث إسحاق بن بهلول هو بلفظ : لَا تَرْفَعِ الْعَصَا عَنْ أَهْلِكَ، وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فبهذا اللفظ رواه ابنه أحمد ابن إسحاق كما عند الطبراني في "المعجم الأوسط" (2 / 244)، و"المعجم الصغير" (1 / 86).
وكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتابه "العيال" (1 / 492) عن إسحاق بن بهلول.
وبهذا اللفظ أيضا رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (7 / 332) من حديث محمد بن هارون بن حميد عن إسحاق ابن بهلول.
وقد نص أبو حاتم الرازي على ضعف هذا الحديث، فقال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:
" وسمعت أبي وذكر حديثا حدثنا به عن إسحاق بن بهلول الأنباري، عن سويد بن عمرو الكلبي عن الحسن بن صالح، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ترفع العصا عن أهلك، أخفهم في الله .
قال أبي: هذا حديث كذب " انتهى من"علل الحديث" (4 / 58).
وروي هذا الحديث من حديث عبد الله بن عباس وجابر رضي الله عنهما وأسانيدهما لا تخلو من ضعف.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص 137):
" حديث: عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ أَدَبٌ لَهُمْ .
قال في المقاصد: في سنده من هو ضعيف." انتهى.
وهناك من أهل العلم من حسّن الحديث، كصنيع الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في "سلسة الأحاديث الصحيحة" (3 / 431).
ثانيا:

والمقصود بأهل البيت كل سكان البيت ممن هم تحت ولاية صاحب البيت وهو مسؤول عنهم وعن تأديبهم؛ من زوجة وأولاد.
قال ابن فارس:
" الهمزة والهاء واللام أصلان متباعدان، أحدهما الأهل. قال الخليل: أهل الرجل زوجه. والتأهُّل التزوج. وأهل الرجل أخص الناس به. وأهل البيت: سكانه " انتهى من "معجم مقاييس اللغة" (1 / 150).
ثالثا:

وعلى القول بحسن الحديث، فإنه لا يعلم من أهل العلم من قال بوجوب تعليق السوط، فعلى هذا إذا ترك المسلم تعليقه؛ لاعتقاده أن الأمر فيه واسع وليس بواجب، مع اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسنّ إلا ما فيه مصلحة، فهو بهذا الإعتقاد ليس بواقع في إثم الرغبة عن السنة الوارد في حديث أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي رواه البخاري (5063)، ومسلم (1401).
فالسنة إذا لم تكن واجبة فالرغبة عنها ليس بمجرد تركها، وإنما بأن تترك لعدم ارادتها والزهد فيها واعتقاد قلة نفعها وانتفاء المصلحة فيها، كما هو حاصل من بعض الناس إذا ذُكِّر بسنة، تجده لا يلتفت إليها ويقول بأن هذه مجرد قشور وأمور سطحية.
قال ابن منظور:
" ورَغِبَ عَنِ الشيءِ: تَرَكَه مُتَعَمّداً، وزَهِدَ فِيهِ وَلَمْ يُرِدْهُ " انتهى من "لسان العرب" (1 / 423).
قال النووي رحمه الله تعالى:
" وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي )، فمعناه من رغب عنها إعراضا عنها غير معتقد على ما هي والله أعلم " انتهى من "شرح صحيح مسلم" (9 / 174).
ثم إنّ السنة في الحديث؛ المراد بها الطريقة والنهج.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني " انتهى من "فتح الباري" (9 / 106).
وعلى هذا المعنى، فنهج النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته في تعليق السوط فيه سعة وليس فيه إلزام، فعلى القول بثبوت الترغيب بتعليق السوط، ففي المقابل لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم علّقه، وهذا ما يشير إلى أن الأمر واسع، وأنه لا حرج على المسلم في ترك تعليق السوط، ولا يعتبر بمجرد الترك راغبا عن السنة.
وهذا هو نهج الصحابة رضوان الله عليهم مع الأمور المستحبة غير الواجبة فمنهم من يفعلها ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه بها.
عن طَلْحَةَ بْن عُبَيْدِ اللَّهِ، قال: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ .
فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟
قَالَ: لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَصِيَامُ رَمَضَانَ .
قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟
قَالَ: لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ .
قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ.
قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟
قَالَ: لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ .
قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ " رواه البخاري (46)، ومسلم (11).
قال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى:
" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أفلح إن صدق ) ففيه دليل والله أعلم على أن من أدى فرائض الله، وجبت له الجنة إذا اجتنب محارمه؛ لأن الفلاح معناه البقاء في نعيم الجنة التي أكلها دائم وظلها، وفاكهتها لا مقطوعة ولا ممنوعة؛ وعلى أداء فرائض الله واجتناب محارمه، وعد الله المؤمنين بالجنة والله لا يخلف الميعاد " انتهى من "التمهيد" (16 / 174).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
" طبقة أهل النجاة، وهى طبقة من يؤدى فرائض الله ويترك محارمه، مقتصراً عل ذلك لا يزيد عليه ولا ينقص منه. فلا يتعدى إلى ما حرم الله عليه، ولا يزيد على ما فرض عليه.
هذا من المفلحين بضمان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أخبره بشرائع الإسلام، فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ( أفلح إن صدق )، وأصحاب هذه الطبقة مضمون لهم على الله تكفير سيئاتهم، إذا أدوا فرائضه واجتنبوا كبائر ما نهاهم عنه.
قال تعالى: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تَنْهُونَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) " انتهى من "طريق الهجرتين" (2 / 825).
وإنما يكون الشخص راغبا عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته لو اعتقد أن التأديب بالضرب لا يفيد ولا مصلحة فيه مطلقا ويعيب ذلك، فإنه بهذا يكون معارضا لطريق الشرع الذي أمر بالتأديب بالضرب عند الحاجة إليه.
والله أعلم.


https://islamqa.info/ar/answers/2863...B3%D9%86%D8%A9