قلوب الأزواج في صندوق التندر والفكاهة!!


هيام الجاسم

الناس من حولنا يؤنبون ويوبخون فلانا وعلّانا لأنهم التفتوا إلى ما يشعرون، الناس من حولنا ينتقدون من أعطى قدرا لمشاعره تجاه الآخرين، وكأننا دوما مطالبون بذبح مشاعرنا وإقصاء عواطفنا وإلغاء أحاسيسنا، إذا اختار صديق صديقه؛ لأنه معجب به والإعجاب محله القلب، لاموه وعاتبوه، إذا باح زوج بحبه لزوجته، عيّروه وتمندلوا به!! ناهيك عن التفكه به لو أبدى لأهله «حمولتها» حبه لها وعدم استغنائه عنها!، إذا طلبت الزوجة الطلاق من زوجها لأنها لا تحبه قهقهوا عليها أيما قهقهة! إذا لم يستطع المصاب المكلوم أن يتجاوز أحزان قلبه ألصقوا به تهمة الضعف في الحول والقوة!
عزيزي القارئ، بصراحة نحن نعيش في مجتمع لا يقيم وزنا للمشاعر والأحاسيس، ولا يعير اهتماما لسيادة الشعور واستحكامه في القلوب، صحيح أننا من الحكمة أن نزن الأمور بعقولنا، وصحيح أن أكثر القرارات انحرافا هو الذي يقع تحت حدة انفعال، هذا كله عين الصحة والصواب، ولسنا عن هذا نكتب، وإنما الذي يتعب الفئة الصامتة في مجتمعنا من الرومانسيين في عواطفهم أنهم باتوا يخجلون من التعبير الصادق عن أحاسيسهم تجاه الغير، لماذا؟!؛ لأن من يعبر عن مكنونات حبه أو تعاطفه أو إعجابه أو حتى أحزانه يرون فيه منطق الإنسان الضعيف المهلهل الذي ينافس النساء في نون نسوتهن - ونحن نكتب عن الرجال -؛ لأننا صرنا نحيا حياة الجمود في تعاملاتنا مع بعضنا البعض ونغفل أو نتغافل عن اعتبارات المشاعر في مساراتها في القلوب؛ لذا تجد الرجل يستحيي من إظهار حبه لزوجته، يخجل من إبداء تعاطفه مع عياله، يخجل من التعبير عن إعجابه بشخص ما، حينما يبكي يتلفت يمنة ويسرة لا يريد أن يراه أحد! الناس من حولنا يعتبرون المديح والثناء وإبداء الإعجاب مَناقص في حق الرجولة؛ لذا دوما يتسامر الرجال في دواوينهم ويتندرون على الرجل العاطفي الشاعري الرومانسي، لسان حالهم ومقالهم معه: «مسكين، ما هو ريال»!! في الوقت ذاته تجد هذا الرجل يصدّق ويتفاعل مع تندّراتهم؛ فيذهب «تالي» الليل لزوجته ممتلئا ومشحونا جلافة و«نشفانا» وجفافا! يبدو أنه يجفف نفسه بأكثر «فوط» العالم كفاءة في التنشيف ليطبق كذبة حاكوها وارتضى هو تصديقها، والزوجة المنتظرة لعواطفه تفاجأ بقسوته بعد أن كان يوم أمس ليّنا هامسا لها بالحب والشاعرية!! في أحسن أحوال الأزواج يعتمد الزوج أسلوب المد والجزر مع زوجته وكأنه يتراقص على مشاعرها ويلعب لعبا بعواطفها، تارة يصفها بأعلى صفات النسوية والأنوثة على الإطلاق، وتارة أخرى يتجاهلها ويصد عنها، وتارة ثالثة يسقط عليها - بضم الياء - «سيل العرم» من عبارات القباحة في كل شيء، وفي لحظات الأنس بينهما يلاطفها معتذرا إليها قائلا لها وكأنه متفضلا عليها: «عاد موكل مرة نمدحج! عشان ما تغترين بنفسج! شدعوة! خلاص لا تزعلين حقج علي!».
عزيزي القارئ, هكذا ببساطة تافهة يتراقصون على جراح الآخرين! كل ذلك لأن ثقافة الذكورية تعتبر الرجولة الجبلّية في قمتها حينما ينتقص من قدر من لا يستغني عنها مطلقا، إنها زوجته، حبيبته، أم عياله، وهؤلاء هم أولاده حشو فؤاده! إذا كان هو من افتقد مشاعر الحب تجاه زوجته فلا أقل من أن يخاف الله فيها؛ فليرحم مشاعرها من أن يؤذيها، فكما ندين ندان، فلو قرر يوما ما أن يتزوج بأخرى فإن الزوجة الثانية ستقتات على جراحاته وستلعب بمشاعره وستتراقص فرحا أن فازت بقوامة ضعف زوجها وهاهي المسيطرة عليها، والجزاء كله لا بعضه هو من جنس أعمالنا، والله يجبر خواطرنا في دنيانا بل وأخرانا أيما جبر يعجز أن يقف أمامه الظالمون!!
عزيزي القارئ، ونحن مجتمعون كمجتمع يلزمنا أن نقف وقفة متناهية في القوة؛ لنصد ذلك التندر على شعوريات الآخرين، بالفم «المليان» نصرخ وبالقلم الصارخ ننحت، نريد من الكل والجميع أن يعطوا بعضهم بعضا فرصا كبرى للتنفيس والتعبير الصادق فيما بينهم ومع غيرهم، شخوص الناس مكونة من عقول وقلوب وجوارح، ولا تتحرك العقول نحو الصحة ما لم تدفعها وتصاحبها حماسة الشعور، وما تعود جوارحنا تنحى نحو عين الصواب ما لم تلتق الأحاسيس مع المنطق والفكر؛ لذا فحقا وحقيقا نحن دون عواطفنا ستتكسر علاقاتنا ببعضنا؛ لـ«نشفان» أعواد الاخضرار فيها، لا موسميا، بل دهرا وزمانا!!.