عن أم جعفر، أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: " يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء، إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها "، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت عليها ثوبا، فقالت فاطمة رضي الله عنها: " ما أحسن هذا وأجمله يعرف به الرجل من المرأة فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي رضي الله عنه ولا تدخلي علي أحدا "، فلما توفيت رضي الله عنها جاءت عائشة رضي الله عنها تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي فشكت أبا بكر، فقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيني وبين ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جعلت لها مثل هودج العروس , فجاء أبو بكر رضي الله عنه فوقف على الباب، وقال: يا أسماء ما حملك أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يدخلن على ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وجعلت لها مثل هودج العروس، فقالت: أمرتني أن لا تدخلي علي أحدا وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف وغسلها علي، وأسماء رضي الله عنهما.
أخرجه الدولابي في "الذرية الطاهرة" (214)، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (647)، والحاكم في "فضائل فاطمة" (86)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (2/ 43)، والبيهقي في "الكبرى" (4/ 34)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (4/ 1897)، والجوزقاني في "الأباطيل" (449)، من طريق محمد بن موسى الفطري عن عون بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أمه أم جعفر ... فذكرته.
قرن الحاكم وأبو نعيم والبيهقي رواية عون مع عمارة بن المهاجر، وهما مجهولان الحال، كلاهما عن أم جعفر، وهي مجهولة الحال أيضا.
وقد روي بنفس هذا السند أن عليا وأسماء بنت عميس غسلا فاطمة، دون هذه القصة.
وقد علق على هذا الأخير- خبر الغسل- البيهقي بقوله: هذا عجيب فإن أسماء كانت في ذلك الوقت عند أبي بكر وقد ثبت أنه لم يعلم بوفاة فاطمة بما في الصحيح أن عليا دفنها ليلا ولم يعلم أبا بكر فكيف يمكن أن تغسلها زوجته ولا يعلم، وورع أسماء يمنعها أن تفعل ذلك ولا تستأذن زوجها إلا أن يقال أنه يحتمل أن يكون علم واجب أن لا يرد عرض علي في كتمانه منه، لكن الأشبه أن يتحقق على أن أسماء ستعلمه وأنه علم أنه علم ولو نوى حضوره والأولى إن ثبت هذا أن يقال محتمل والله أعلم أن أبا بكر علم وأن عليا علم بعلمه بذلك وظن أنه سيحضر من غير استدعاء منه له وظن أبو بكر أنه سيدعوه وأنه لا يرى حضوره والله أعلم. اه. وانظر: "مختصر الخلافيات" (2/ 395)، "الجوهر النقي" (3/396/ ذيل السنن).
قلت: وكلام البيهقي إن احتمل التأويل في وصيتها بتعيين الغسل، فإنه غير محتمل له في القصة الأولى، ففيه أنه كان موجودا حال الموت في وجود بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بل وتوصيته بإنفاذ وصيتها، وانصرافه عقب ذلك، وهو ما يخالف ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم أن عليا دفن فاطمة ليلا ولم يؤذن أبو بكر بذلك. رضوان الله عليهم أجمعين.
وله طريق أخر، أخرجه ابن سعد في "طبقاته" (10/ 29) عن محمد بن عمر الواقدي، عن عمر بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن علي بن حسين، عن ابن عباس قال: فاطمة أول من جعل لها النعش عملته لها أسماء بنت عميس وكانت قد رأته يصنع بأرض الحبشة.
والواقدي متهم.
وقد روي نحوه عن الشعبي واختلف عنه:
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (1418)، من طريق أبي الربيع الأعرج جار التميمي, عن خلف بن راشد, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن ابنة رسول الله صلى الله عليهما وسلم توفيت, وكانوا يحملون الرجال والنساء على الأسرة سواء, فقلت: يا رسول الله, إني كنت بالحبشة وهم نصارى أهل الكتاب, وإنهم يجعلون للمرأة نعشاً فوقه أضلاع يكرهون أن يوصف شيء من خلقها, أفلا أجعل لابنتك نعشاً مثله؟ فقال: «اجعليه» فهي أول من جعل لها النعش في الإسلام لرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن داود إلا خلف، تفرد به: أبو الربيع الأعرج.
قلت خلف بن راشد مجهول قاله أبو حاتم، وأبو الربيع الأعرج كذا بالمطبوعة: جابر السمتي وقد نقله عنه ابن ناصر الدين كما في "جامع الآثار" وفيه جار التميمي والظاهر أنه أبو الربيع عمرو بن سليمان الأعرج الصوفي، فإن هذه طبقته، والله أعلم.
وأخرجه ابن سعد (10/ 267) عن عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: أول من أشار بالنعش نعش المرأة، يقول رفعه، أسماء بنت عميس حين جاءت من أرض الحبشة رأت النصارى يصنعونه ثم.
وإسناده صحيح إلى الشعبي، وهو مرسل.
وأخرجه ابن سعد أيضا (10/ 108) عن عارم بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع وغيره، أن الرجال والنساء كانوا يخرجون بهم سواء فلما ماتت زينب بنت جحش أمر عمر مناديا فنادى ألا لا يخرج على زينب إلا ذو رحم من أهلها، فقالت بنت عميس: يا أمير المؤمنين ألا أريك شيئا رأيت الحبشة تصنعه لنسائهم؟ فجعلت نعشا وغشته ثوبا، فلما نظر إليه، قال: ما أحسن هذا ما أستر هذا فأمر مناديا فنادى أن اخرجوا على أمكم.
وإسناده صحيح إلى نافع لكنه مرسل أيضا.
وهذان المرسلان أصح ما روي في هذا الخبر على ما وقفت عليه من طرق، وأن القصة قيلت في زينب بنت جحش في زمن عمر، وأن ما تقدم من طرق منكر سندا ومتنا كما تقدم.
رضوان الله على الصحب أجمعين