المسألة الثانية: الرد عليهم في قولهم بالكلام النفسي


أثبت الأشاعرة بإجمال صفة الكلام لله، وقالوا خلافاً للمعتزلة والجهمية وغيرهم من النفاة إن هذه الصفة ثابتة، قائمة بالله تعالى، ولكنهم فسروها بأنها معنى يقوم بذات الله، لازم له أزلاً وأبداً، وسموا هذا المعنى بالكلام النفسي وقالوا إن هذا المعنى القائم بالذات لا ينقسم إلى سرٍّ وعلانية، ولا يكون منه شيء في نفس الربِّ وشيء منه عند الملائكة، بل أسماع الملائكة أو غيرهم لكلامه إنما هو خلق إدراك لهم فقط (1).
فحصروا الكلام بما يقوم بالنفس، وأنه لازم للذات لا ينفك عنها، وأن الألفاظ والحروف ليست كلاماً. وقد احتجوا لأقوالهم بعدة حجج منها:
1- قوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ [المجادلة: 8].
2- وقوله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً [الأعراف: 205].
3- قوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الملك: 13]. فسمى الإسرار قولاً.
4- وقوله تعالى: آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا [عمران: 41].
- وقول عمر – رضي الله عنه – (زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها).
6- وقول الأخطل السابق:
إن الكلام لفي الفؤاد ... ..
هذه أهم حججهم على الكلام النفسي، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه الحجج، وبيَّن أنه لا دليل لهم فيها:
1- أما قوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: 8] فعنه جوابان:
أحدهما: أن المراد أنهم قالوه بألسنتهم سرًّا، وحينئذٍ فلا حجة لهم فيه. وهذا هو الذي ذكره المفسرون، حيث كانوا يقولون: سام عليك، فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم، أي يقول بعضهم لبعض: لو كان نبيًّا عذبنا بقولنا له ما نقول (2) .
والثاني: أنه قيده بالنفس، وهذا على أن المقصود أنهم قالوه بقلوبهم، وإذا قيد القول بالنفس كان دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل)) (3) ، وهذا رد عليهم مطلقاً لأنه قال "ما لم تتكلم" فدل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق.
2- وأما قوله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً [الأعراف: 205] فالمقصود الذكر باللسان لأنه قال "تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول"، ومن استقراء النصوص يتبين أن الذي يقيد بالنفس لفظ "الحديث"، مثل الحديث السابق: "وما حدثت به أنفسها"، أما لفظ "الكلام" فلم يعرف أنه أريد به ما في النفس فقط (4) .
3- أما قوله: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [الملك: 13] واحتجاجهم على أن القول المسر في القلب دون اللسان لقوله تعالى في آخر الآية: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، فـ "هذه حجة ضعيفة جدًّا؛ لأن قوله: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ يبيِّن أن القول يسر به تارة، ويجهر به أخرى، وهذا إنما هو فيما يكون في القول الذي هو بحروف مسموعة، وقوله بعد ذلك: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإنه إذا كان عليماً بذات الصدور فعلمه بالقول المسر والمجهور به أولى" (5) .
4- أما قوله تعالى: آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا [آل عمران: 41] فقد ذكر في مريم ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: 10] و"لم يستثن شيئاً، والقصة واحدة، وهذا يدل على أن الاستثناء منقطع، والمعنى: آيتك ألا تكلم الناس، لكن ترمز لهم رمزا" (6) .
5- أما قول عمر في قصة السقيفة "زورت في نفسي مقالة" فهي حجة عليهم، لأن التزوير: إصلاح الكلام وتهيئته، "فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أن يقوله ولم يقله، فعلم أنه لا يكون قولاً إلا إذا قيل باللسان، وقبل ذلك لم يكن قولاً، لكن كان مقدراً في النفس، يراد أن يقال، كما يقدر الإنسان في نفسه أنَّه يحج, وأنَّه يصلي، وأنَّه يسافر، إلى غير ذلك، فيكون لما يريده من القول والعمل صورة ذهنية مقدرة في النفس، ولكن لا يسمى قولاً وعملاً إلا إذا وجدت في الخارج... (7) " وهذا يدل عليه الحديث السابق: إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل.
6- أما البيت المنسوب للأخطل، ففيه ما فيه من ناحية صحة نسبته إليه، حتى ألفاظ البيت حرفت لتوافق مقصود من استشهد به من أهل الكلام، وقد تعجب شيخ الإسلام من هؤلاء الذين يحتجون بهذا البيت الذي قاله نصراني، ولم يثبت عنه – فقال: "ولو احتج في مسألة بحديث أخرجاه في الصحيحين عن النَّبي صلى الله عليه وسلم لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول، وهذا البيت لم يثبت نقله عن قائله بإسناد صحيح, لا واحد ولا أكثر من واحد، ولا تلقاه أهل العربية بالقبول، فكيف يثبت به أدنى شيء من اللغة، فضلاً عن مسمَّى الكلام" (8) ، وقد أطال شيخ الإسلام في المناقشة بما يشفي ويكفي (9) .
هذه أدلة الأشاعرة النقلية واللغوية على قولهم بالكلام النفسي، مع بيان بطلان استدلالهم فيها، وبيان أنها في الرد عليهم أقرب من أن تكون دليلاً لهم.
وشيخ الإسلام لم يقتصر على مثل هذه الردود، وإنما ناقش حقيقة مذهبهم في الكلام النفسي، وأن قولهم فيه باطل، وقد جاءت هذه المناقشة المهمة في التسعينية من خلال عدد من الأوجه (10) ، ويمكن تلخيص مناقشاته هذه بما يلي:
اعترض على دعوى الأشاعرة بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس فقيل لهم: أنتم قلتم: إن الكلام هو الخبر والأمر والنهي، وأن ذلك كله معنى يقوم بالنفس، فيقال لكم: إذا كان الكلام عندكم لا صيغة له, فما الفرق بين الخبر والعلم، وبين الأمر, والنهي, والإرادة؟ لأن الخبر – بدون صيغة وألفاظ – ليس غير العلم الذي يقوم بالنفس، وكذا الأمر والنهي – بغير صيغة ولفظ الأمر والنهي – وليس غير الإرادة التي تقوم بالنفس. وإذا صح هذا كان إثباتكم للكلام النفسي على أنه الخبر والأمر والنهي إنما يرجع إلى صفتي: العلم والإرادة، والنتيجة أن قولكم يؤدي إلى إنكار صفة الكلام، لأن ما أثبتموه من الكلام النفسي لم يكن غير العلم والإرادة.
أجاب الأشاعرة عن ذلك – كما يعبر عنهم الرازي – بما يلي:
أ- أجاب بعضهم بأن الخبر يؤول إلى العلم، بناء على أن بعض الناس قال في الكلام إن الأمر والنهي يؤول إلى الخبر، وإذا كان كذلك فلم لا يؤول الخبر أيضا إلى العلم. ولكن شيخ الإسلام ضعف هذا الجواب بناء على أن الإنسان يجد في نفسه فرقاً بين الطلب والخبر (11) .
ثم إنه أجاب عن ذلك بأن الرَّازي والأشاعرة إذا كانوا قد أجابوا عن مسألة الأمر والنهي بأن الله قد يأمر بما لا يريد – ومعهم في هذا حقٌّ بالنسبة للإرادة الكونية – إلا أنهم لم يمكنهم أن يقولوا: إن الله أخبر بما لا يعلمه، أو بما يعلم ضده، بل علمه من لوازم خبره، ولهذا أخبر الله تعالى عن رسوله بأن القرآن لما جاءه، جاءه العلم فقال تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران: 61] وقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [البقرة: 120]، وهذا مما احتج به الأئمة على تكفير من قال بخلق القرآن، لأن الله أخبر أن هذا الذي جاءه من العلم، وقول المعتزلة يستلزم أن يكون علم الله مخلوقاً (12) .
أما دعوى أن الإنسان قد يحكم أو يخبر بخلاف علمه – وهي حجة الرازي التي سبقت – فإن شيخ الإسلام ردَّ عليها من وجوه:
أحدها: أن الأشاعرة أنفسهم قد أقروا بفسادها؛ وذلك "أنهم يحتجون على وجوب الصدق لله بأن الكلام النفساني يمتنع فيه الكذب لوجوب العلم لله، وامتناع الجهل، وهذا الدليل قد ذكره جميع أئمتهم حتى الرازي ذكره – لكن قال: إنما يدل على صدق الكلام النفساني لا على صدق الحروف الدالة عليه – وإذا جاز أن يتصف الحي بحكم نفساني لا يعلمه ولا يعتقده ولا يظنه، بل يعلم خلافه، امتنع حينئذ أن يقال: الحكم النفساني مستلزم للعلم، أو أنه يمتنع أن يكون بخلاف العلم فيكون كذباً. وهذا الذي قالوه تناقض في عين الشيء، ليس تناقضاً من جهة اللزوم..." (13) ، ووجه التناقض واضح فإنهم لما أرادوا أن يقولوا أن الخبر قد يغاير العلم استدلوا بأن الإنسان قد يحكم ويخبر بخلاف علمه مما هو كذب، فيكون خبره مخالفاً لعلمه، ثم قالوا في الاستدلال على أن الله صادق أن الكلام النفساني يمتنع فيه الكذب لوجوب العلم لله وامتناع الجهل، وعليه فيمتنع أن يكون في خبر الله ما يخالف علمه، وهذا يناقض القول السابق بأن الإنسان قد يخبر بخلاف علمه. وإذا علم أن أصل المسألة إنما يتعلق بخبر الله وعلمه لا خبر الإنسان وعلمه بأن تناقضهم، ولم يفدهم شيئاً كون ذلك قد يقع للإنسان، لأنهم إنما احتجوا بذلك ليتوصلوا به إلى صحة مغايرة الخبر للعلم بالنسبة لله، وهم يقولون إن خبر الله لا يخالف علمه.
الثاني- تناقضهم أيضاً في مسألة الإيمان، فإنهم يقولون – كما يقول الجويني – "عن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى، فالمؤمن بالله من صدقه، ثم التصديق على التحيق كلام النفس، ولا يثبت كلام النفس إلا مع العلم، فإنا أوضحنا أن كلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد" (14) ، قال شيخ الإسلام مبيناً تناقضهم: "وهذا تصريح بأنه لا يكون (أي الإيمان والتصديق) مع عدم العلم، ولا يكون على خلاف المعتقد، وهذا يناقض ما أثبتوه به كلام النفس وادعوا أنه مغاير للعلم" (15) ، ويلاحظ هنا أن الجويني صرح بأن التصديق – على التحقيق – كلام النفس، ثم صرح بأنه لا يكون كلام النفس إلا مع العلم. وهذا مناقض تماماً لما ذكروه في الكلام النفسي.
ولبعض الأشاعرة تناقض آخر في مسألة الإيمان، حيث صرح أبو إسحاق بأن الإيمان هو التصديق، وأن ذلك لا يتحقق إلا بالمعرفة والإقرار، وإذا كان من المعلوم أن الإقرار إنما يكون باللسان، كان هذا مناقضاً لما ادعوه من أن الكلام مجرد ما يقوم بالنفس (16) .
الثالث: أن دعواهم – في مغايرة الخبر للعلم – بأن الإنسان قد يخبر بخلاف علمه مما هو كذب "يهدم عليهم إثبات العلم بصدق الكلام النفساني القائم بذات الله، وإذا فسد ذلك لم ينفعهم إثبات كلام له يجوز أن يكون صدقاً أو كذباً، بل لم ينفعهم إثبات كلام لم يعلموا وجوده إلا وهو كذب؛ فإنهم لم يثبتوا الخبر النفساني إلا بتقدير الخبر الكذب، فهم لم يعلموا وجود خبر نفساني إلا ما كان كذباً، فإن أثبتوا لله ذلك كان كفراً باطلاً خلاف مقصودهم وخلاف إجماع الخلائق، إذ أحد لا يثبت لله كلاماً لازماً لذاته هو كذب، وإن لم يثبتوا ذلك لم يكن لهم طريق إلى إثبات الخبر النفساني بحال، لأنا حينئذ لم نعلم وجود معنى نفسانياً صدقاً غير العلم ونحوه لا شاهداً ولا غائباً" (17) .
الرابع: أن الله تعالى قال: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: 33] "فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود، ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفياً عنهم التكذيب, وأثبت الجحود، ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفياً عنهم، فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب، ولو كان المكذب الجاحد علمه يقوم بقلبه خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم، فلما نفى عنهم تكذيب القلوب علم أن الجحود الذي هو ضرب الكذب، والتكذيب بالحق المعلوم – ليس هو كذباً في النفس ولا تكذيباً فيها، وذلك يوجب أن العالم بالشيء لا يكذب به, ولا يخبر في نفسه بخلاف علمه" (18) ، وقد اعترض على
هذا باعتراض أجاب عنه شيخ الإسلام (19) .
ولشيخ الإسلام مناقشات وأوجه أخرى في الرد (20) . وبهذه الأوجه يتبين أن ما ادعاه الأشاعرة من أن الخبر يغاير العلم غير صحيح بالنسبة لله، وإذا ثبت هذا تبين أن إثباتهم للكلام النفسي ليس شيئاً غير صفة العلم، فأين صفة الكلام التي أثبتوها مغايرة لصفة العلم؟.
ب- أما بالنسبة لقولهم في مغايرة الأمر والنهي للإرادة بأن الله قد يأمر بما لا يريد، فقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك بأجوبة منها:
الأول: أنه احتج بإرادة الكائنات، وهذا في الإرادة الشاملة لكل موجود, المنتفية عن كل معدوم, وهي الإرادة الكونية القدرية، وهذه ليست الإرادة التي هي مدلول الأمر والنهي، لأن هذه مستلزمة للمحبة والرضا. وقد جاءت النصوص بالتفريق بين الإرادتين، فالكونية مثل قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء [الأنعام: 125] والثانية مثل قوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: 6]، وغيرها كثير (21) .
الثاني: أن احتجاج الرازي بإرادة الكائنات – وهي الإرادة الكونية – وأن الله قد يأمر بما لا يريد – معارض بأن النهي مستلزم لكراهة المنهي عنه، كما أن الأمر مستلزم لمحبة الأمور به، والمكروه لا يكون مراداً – شرعاً -. والمنهي عنه إذا وقع – يعتوره أمران:
- أنه مراد إرادة كونية شاملة.
- وأنه غير مراد الإرادة الدينية، بل هو مكروه.
فالإرادة المنفية عن المكروه الواقع غير الإرادة اللازمة له، وكل منهي عنه وإن كان مراداً فهو مكروه والكراهة مستلزمة له، فإجابة الرازي بأن إرادة الكائنات فيها ما هو منهي مردودة بأن ما كان منها منهياً عنه فهو مكروه، فلزمت الكراهية النهي وإن كان مراداً كوناً, وهذا يضعف احتجاجه بأن الله قد ينهي عما يريد. وقد أجاب الرازي بقوله: لا نسلم أنها مكروهة، بل هي منهي عنها. ولكن هذا الجواب مخالف لإجماع المسلمين, بل لما علم بالضرورة من الدين، والله تعالى يقول: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: 38].
الثالث: أن الرازي لما طولب بالفرق بين الطلب والإرادة ذكر وجهين ضعيفين، ذكرهما شيخ الإسلام وناقشهما (22) .
ومع ذلك فإن شيخ الإسلام قد ذكر أن تفريق الأشاعرة بين الخبر والعلم ليس عندهم فيه أي دليل صحيح، بخلاف تفريقهم بين الأمر والنَّهي وبين الإرادة، بأن الله قد يأمر بما لا يريد، مع ما في هذا الدليل مما سبق بيانه.
وبما سبق من مناقشة أدلة الأشاعرة على الكلام النفسي، وما تلاه من اعتراض عليهم بأنه لا فرق بين الخبر والعلم، ولا بين الأمر والنهي والإرادة، ما داموا حصروا الكلام بأنه ما قام بالنفس فقط، فصفتا العلم والإرادة تقومان مقامه.
الرد عليهم في قولهم بقدم الكلام وأن الله لا يتكلم بمشيئته:
وهذا مبني – كما سبق – على نفيهم لقيام الصفات الاختيارية بالله، فقالوا بقدم الكلام, ومنعوا أن يكون الله يتكلم إذا شاء متى شاء، ومذهب أهل السنة والجماعة إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، وأن كلام الله لآدم أو لموسى أو للملائكة، كل في وقت تكليمه ومناداته، أي أنه تعالى لم يناد موسى قبل خلقه, ومجيئه عند الشجرة، وإن كانت صفة الكلام أزلية، وقد بنى أهل السنة مذهبهم على مقدمتين:
- على أن الأمور الاختيارية تقوم بالله.
- وعلى أن كلام الله لا نهاية له كما قال تعالى: قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: 109] وقوله: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان: 27] (23) .
وقد ذكر السلف – توضيحاً لمذهبهم، وتمييزاً له عن مذهب الكلابية والأشعرية ومن اتبعهم – أن الله يوصف بالسكوت، وأنه إذا شاء تكلم وإذا شاء سكت، وكان من أشهر ما وقع في ذلك قصة ابن خزيمة مع الكلابية – وكان ممن اعتنق مذهبهم بعض تلامذته – فجرت فصول ذكرها الحاكم في تاريخ نيسابور، ونقلها وعلق عليها شيخ الإسلام (24) ، وأشار أبو إسماعيل الأنصاري إلى هذه القصة في مناقب أحمد بن حنبل، ومما قاله فيها: "وجاءت طائفة فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثاً" (25) ، ثم قال بعد ذكره لموقف أبي بكر بن خزيمة من هؤلاء: "فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر، فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها كأنه منذر جيش، حتى دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر, ولقن في الكتاتيب، ونقش في المحاريب: إن الله متكلم، إن شاء الله تكلم, وإن شاء سكت، فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خيراً" (26) .
ويلاحظ التنصيص على ألفاظ واضحة البيان في مخالفة مذهب الكلابية والأشعرية، ومن ذلك قول ابن خزيمة – كما قصته مع الكلابية -: "الذي أقول به إن القرآن كلام الله, ووحيه, وتنزيله غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن أو شيئاً منه، ومن وحيه, وتنزيله مخلوق، أو يقول: إن الله لا يتكلم بعدما كان يتكلم به في الأزل... فهو عندي جهمي يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (27) .
وذكر عن ابن خزيمة أيضاً أنه قال: "زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله لا يكرر الكلام فهم لا يفهمون كتاب الله..." (28) .
ولهذا لما كان مذهب الأشاعرة بنفي ما يقوم بالله من الصفات الاختيارية بناء على نفي حلول الحوادث، ومن ثم منعوا أن يقال: إن الله يتكلم إذا شاء متى شاء كلاما قائما به، وإنه يتكلم شيئا بعد شيء – أجابهم شيخ الإسلام بقوله: "قلنا من أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطوائف...." (29) .
والنصوص الدالة على إثبات صفة الكلام لله – على وفق مذهب السلف – كثيرة جدًّا، بل إن فيها أن الله قد يوصف بالسكوت، ومن هذه الأدلة:
1- قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: 8] وقوله: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 30] وقوله: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات: 15-16] وقال: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: 11 -12]، قال شيخ الإسلام معلقاً على هذه النصوص: "وفي هذا دليل على أنه حينئذ نودي، ولم يناد قبل ذلك، ولما فيها من معنى الظرف" (30) .
2- ومن ذلك قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 65]، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص: 74] فإنه وقت النداء بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه" (31) .
3- "ومثل هذا قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] وقوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [البقرة: 34] وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال الرب بوقت معين، فإن الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته" (32) . وهذه النصوص واضحة الدلالة في الرد عليهم، لأنه إذا كانت دالة على أن الله تكلم بالكلام المذكور، في ذلك الوقت، فكيف يقال إنه كان أزلياً أبدياً، وهل يمكن أن يقال أنه لم يزل ولا يزال قائلاً يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ، اسْجُدُواْ لآدَمَ، اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا [هود: 48]؟ (33) .
4- أما الأحاديث في ذلك كثيرة، منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية: ((أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر..)) (34) ، وحديث ((إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كالسلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير...)) (35) ، وفي لفظ آخر أكثر صراحة: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا..)) (36) ، فكيف يفسرون مثل هذه النصوص من الكتاب والسنة بأن المقصود من كلام الله لهم خلق إدراك لهم يسمعون به الكلام القديم (37) ؟، ولا شك أن ذلك تأويل وتحريف للنصوص مثل تأويل بقية الصفات التي أولها النفاة ومن يوافقهم من هؤلاء.
5- أما الأحاديث التي فيها ذكر السكوت، فمنها حديث: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو...)) (38) وحديث: ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) (39) . قال شيخ الإسلام معلقاً على هذه الأحاديث: "فثبت بالسُّنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت. لكن السكوت يكون تارة عن التكلم، وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه، كما قال في الصحيحين عن أبي هريرة: ((يا رسول الله: أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب...)) (40) إلى آخر الحديث، فقد أخبره أنه ساكت، وسأله ماذا تقول؟ فأخبره أنه يقول في حال سكوته، أي سكوته عن الجهر والإعلان.
لكن هذان المعنيان المعروفان في السكوت، لا تصح على قول من يقول: إنه متكلم كما إنه عالم، لا يتكلم عند خطاب عباده بشيء، وإنما يخلق لهم إدراكاً ليسمعوا كلامه القديم، سواء قيل: هو معنى مجرد، أو معنى وحروف، كما هو قول ابن كلاب والأشعري، ومن قال بذلك من الفقهاء, وأهل الحديث, والصوفية من الحنبلية وغيرهم، فهؤلاء إما أن يمنعوا السكوت – وهو المشهور من قولهم – أو يطلقوا لفظه ويفسروه بعدم خلق إدراك للخلق يسمعون به الكلام القديم، والنصوص تبهرهم، مثل قوله: إذا تكلم الله بالوحي..." (41) والله تعالى فرق بين إيحائه وتكليمه كما في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء [الشورى: 51]، وغيرها، وكذا تكليم عباده يوم القيامة، وغير ذلك من النصوص، وكلها تدل على تجديد تكليم من جهته تعالى (42) .
وقد حاول بعض الحنابلة – كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني – أن يفسروا قول الإمام أحمد: "لم يزل الله متكلماً إذا شاء" بما يوافق مذهبهم الكلابي، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه المسألة وبين خطأ هؤلاء في تفسيرهم لكلام الإمام أحمد، مبيناً أن تفسير هؤلاء – وغيرهم – للسكوت بأنه عدم خلق إدراك لغيره – غير معقول (43) .
وجمهور الأشاعرة يمنعون من أن يوصف الله بالسكوت, ويجعلون ذلك من حججهم على قولهم بأن كلام الله قديم، فإن لهم في ذلك حجتين:
"الحجة الأولى: أنه لو لم يكن الكلام قديماً للزم أن يتصف في الأزل بضد من أضداده، إما السكوت وإما الخرس، ولو كان أحدهما قديماً لامتنع زواله, وامتنع ان يكون متكلماً فيما لا يزال، ولما ثبت أنه متكلم فيما لم يزل ثبت أنه لم يزل متكلماً، وأيضاً فالخرس آفة ينزه الله عنها.
والحجة الثانية: أنه لو كان مخلوقاً لكان قد خلق إما في نفسه، أو في غيره،، أو قائماً بنفسه، والأول ممتنع، لأنه يلزم أن يكون محلاً للحوادث, والثاني باطل، لأنه يلزم أن يكون كلاماً للمحل الذي خلق فيه، والثالث باطل لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها، فلما بطلت الأقسام الثلاثة تعين أنه قديم" (44) .
والحجة الثانية هي الحجة المشهورة التي بنوا عليها مذهبهم في كلام الله, وفي الصفات الاختيارية, وهي مسألة حلول الحوادث التي منعوها (45) .
وهاتان الحجتان هما من حجج الأشاعرة القديمة جاءت على يد الأشعري (46) . وتلقفها أتباعه من بعده.
وقد ناقش شيخ الإسلام هاتين الحجتين بتفصيل ووضوح، وبين ما فيهما من حق, وهو الدلالة على إثبات صفة الكلام لله وقدم نوعه، وما فيهما من باطل وهو الزعم بأنها تدل أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته (47) . ونقاش شيخ الإسلام لذلك طويل ومهم، ويمكن تلخيصه بما يلي:
أ- أما الحجة الأولى: للأشاعرة – وهي أن ضد الكلام الخرس والسكوت – وأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده... فيقال فيها ما يلي:
1- أن أصحابهم المتأخرين – كالرازي والآمدي – خالفوهم في هذا (48) .
2- أن القاعدة الكلية التي ذكروها، وهي "أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده – باطلة، لأن هذه لا يجوز أن تدعى إلا في حق الله خاصة، أما المخلوق فإنه إذا كان قابلاً للشيء كان وجود القبول فيه من غيره وهو الله تعالى، وإحداث الله لذلك القبول لا يجوز أن يكون مقارناً للقابل، بل يجوز أن يتوقف على شروط يحدثها الله، وعلى موانع يزيلها، فوجود القبول هنا ليس منه (أي من المخلوق) فلم تكن ذاته كافية فيه، وأما الرب تعالى فلا يفتقر شيء من صفاته وأفعاله على غيره، بل هو الأحد الصمد المستغني عما سواه..." (49) ، وقد شرح هذا بالنسبة لله فقال: "تقرير الحجة بأن يقال: لأن الرب تعالى إذا كان قابلاً للاتصاف بشيء لم يخل منه أو من ضده، أو يقال: بأنه إذا كان قابلاً للاتصاف بصفة كمال لزم وجودها له؛ لأن ما كان الرب قابلاً له لم يتوقف وجوده له على غيره، فإن غيره لا يجعله لا متصفاً ولا فاعلاً، بل ذاته وحدها هي الموجبة لما كان قابلاً له" (50) .
وإذا تقررت هذه الحجة فإنها تكون دالة على قدم صفة الكلام، وأنه تعالى لم يزل متكلماً، بل تكون دالة على قدم جميع صفاته، وأن ذاته مستلزمة لجميع صفات الكمال – مما لا نقص فيه بوجه من الوجوه – ومن ذلك صفة الكلام لأن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم (51) .
ويقرر شيخ الإسلام – هذه الحجة على وفق مذهب السلف فيقول: "يقال: إما أن يكون قادراً على الكلام, أو غير قادر، فإن لم يكن قادراً فهو الأخرس، وإن كان قادرا ولم يتكلم فهو الساكت" ثم بين أن الكلابية لا يمكنهم أن يحتجوا بهذه الحجة؛ لأن الكلام عندهم ليس بمقدور – ثم أكمل الحجة فقال: "لكن (هل) مدلولها قدم كلام معين بغير قدرته ومشيئته؟ أم مدلولها أنه لم يزل متكلماً بمشيئته وقدرته؟ والأول قول الكلابية، والثاني قول السلف, والأئمة, وأهل الحديث والسُّنة، فيقال: مدلولها الثاني لا الأول؛ لأن إثبات كلام يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. فيقال للمحتج بها: لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاماً يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته، فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئاً لا يعقل؟" (52) .
وبهذا تكون هذه الحجة دليلاً على إثبات صفة الكلام لله وقدم نوعه, وأن الله يتكلم إذا شاء متى شاء خلافاً للأشعرية.
3- أن دعوى أنه "لو لم يتصف بالكلام لاتصف بالخرس والسكوت إنما يعقل في الكلام بالحروف والأصوات، فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلماً, فإما أن يكون قادراً على الكلام ولم يتكلم، وهو الساكت، وإما أن لا يكون قادراً عليه، وهو الأخرس. وإما ما يدعونه من "الكلام النفساني" فذاك لا يعقل أن من خلا عنه كان ساكتاً أو أخرس، فلا يدل بتقدير ثبوته (على) أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتاً أو أخرس" (53) ، وإذا كان الكلام النفساني الذي ادعوه غير متصور، فالسكوت والخرس إنما يتصور إذا تصور الكلام، وهؤلاء – في الكلام – يشبهون النصارى في الكلمة (54) .
4- أن المعتزلة اعترضوا عليهم هنا ولم يستطيعوا أن يجيبوهم بجواب صحيح، وذلك أنهم قالوا للكلابية والأشعرية: القول في الكلام كالقول في الفعل، فإننا إذا كنا – نحن وأنتم – قد اتفقنا على أن الله تعالى لم يكن فاعلاً في الأزل، ثم صار فاعلاً، ولم نقل – لا نحن ولا أنتم – إنه كان في الأزل عاجزاً أو ساكتاً، فإذا كان لا يلزم من عدم فعله في الأزل أن يوصف بضده من العجز والسكوت، فكذلك يقال في صفة الكلام، إذا قيل: لم يكن متكلماً – على مذهب المعتزلة – لا يوصف بضد الكلام وهو السكوت أو الخرس.
ومناقشة الأشاعرة للمعتزلة هنا مناقشة ضعيفة ولهذا عدل بعض متأخري الأشعرية كالجويني إلى الحجة الثانية (55) .
أما السلف فلا يلزمهم اعتراض المعتزلة لأنهم يقولون الكلام كالفعل، وإن الله لم يزل خالقاً فاعلاً كما أنه لم يزل متكلماً (56) ، كما سبق بيانه في مسألة حوادث لا أول لها.
ب- وأما الحجة الثانية: للأشاعرة وهي إنه لو كان مخلوقاً لكان إما خلقه في نفسه أو في غيره أو لا في محل، والأول يلزم منه أن يكون محلاً للحوادث وهو باطل، والثاني يلزم منه أن يكون صفة لذلك المحل وهو باطل، والثالث ممتنع لأن الصفة لا تقوم بنفسها – فشيخ الإسلام بين أن هذه الحجة – أيضاً – صحيحة، ولكنها تدل على صحة مذهب السلف وفساد مذهب الكلابية, والأشعرية، والمعتزلة.
أما مذهب المعتزلة فواضح فساده من جهة أنه لو خلقه في محل لكان صفة لذلك المحل، وإن كان الأشاعرة متناقضين هنا، لأنهم لم يطردوها ولذلك تسلط عليهم المعتزلة بأنهم يصفونه بأنه خالق, ورازق, ومحيي, ومميت، وعادل محسن، من غير أن يقوم به شيء من هذه المعاني، بل يقوم بغيره، لأن الأشاعرة – كما سبق في مسألة حلول الحوادث – يقولون الخلق هو المخلوق، فكيف يقولون إن الله يوصف بأنه خالق, ورازق من غير أن تقوم بالله صفة، وإنما المقصود ما يخلقه الله من الخلق والرزق – ولا يقولون إن الله متكلم، من غير أن تقوم به صفة الكلام, والمقصود الكلام الذي خلقه في غيره؟ ولماذا لم يجعلوا هذا مثل هذا. وليس للأشاعرة جواب صحيح على هذا الاعتراض، وهو من التناقضات العديدة التي يزخر بها مذهب الأشاعرة.
أما أهل السنة والسلف فإن الفعل عندهم غير المفعول، ويقولون إن الفعل يقوم به كالكلام. ومن ثم جعلوا هذه القاعدة حجة على الفريقين: المعتزلة, والأشاعرة (57) .
أما الاحتمال الأول – وهو أنه لو خلقه في نفسه لكان محلاً للحوادث – فأهل السنة والجمهور يمنعون أن يسمى كل حادث مخلوقاً، بل كلام الله المحدث كما قال تعالى: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ [الأنبياء: 2]، لا يقال عنه إنه مخلوق، لأن الله يتكلم إذا شاء متى شاء بكلام بعد كلام، وكذا ما يقوم بذاته بقدرته ومشيئته، فهناك فرق بين هذه الصفات، وبين ما يكون بائناً عنه من المخلوقات، لأنها لابد لها من خلق، أما صفة الخلق أو الكلام أو غيرهما، القائم بذاته فإنه لا يفتقر إلى خلق، بل هو حصل بمجرد قدرته ومشيئته (58) .
ولذلك يرى شيخ الإسلام أن هذه الحجة لا داعي فيها لهذا الاحتمال – وهو أنه خلقه في نفسه – بل يقال: "لو خلقه لكان إما أن يخلقه في محل فيكون صفة له، أو يخلقه قائماً بنفسه, وكلاهما ممتنع، ولا يذكر فيها: إما خلقه في نفسه، لأن كونه مخلوقاً يقتضي أن له خلقاً، والخلق القائم به لو كان مخلوقاً لكان له خلق، فيلزم أن يكون كل خلق مخلوقاً، فيكون الخلق مخلوقاً بلا خلق وهو ممتنع" (59) .
وهذا على أصل السلف والجمهور الذين لا يسمون كل محدث مخلوقاً وأما من يجعل كل حادث مخلوقاً، فيمكن أن يرد هذا الاحتمال – الأول – فيقال: إذا أحدثه فإما أن يحدثه في نفسه أو خارجاً عن نفسه، أو لا في محل. والثاني والثالث ممتنعان بإطلاق. ويبقى الأول – وهو احتمال أن يحدثه في نفسه، والأشاعرة يمنعونه لبطلان حلول الحوادث عندهم، وأهل السنة يقولون به لأنهم يجوزون أن تقوم بالله الصفات الاختيارية، وإن سماها هؤلاء أو غيرهم حوادث – ومن ثم يرجع الكلام إلى ما سبق تفصيله في مسألة "حلول الحوادث" (60) .
ولو قالوا – كما سبق مثاله في حججهم على نفي حلول الحوادث، مع مناقشته – لو قالوا هنا: الفرد من أفراد الكلام هل هو نقص أو كمال؟ فإن كان نقصاً فهو ممتنع، وإن كان كمالاً فهو ناقص قبله – فيقال لهم: "هو كمال وقت وجوده، ونقص قبل وجوده، مثل مناداته لموسى كانت كمالاً لما جاء موسى، ولو ناداه قبل ذلك لكان نقصاً، والله منزه عنه..." (61) .
وقد اعترف الرازي – أحد أئمة الأشاعرة – بأن حلول الحوادث لازم لجميع الطوائف فقال: " هل يعقل أن يكون محلاً للحوادث؟ قالوا: إن قول لم يقل به أحد إلا الكرامية. وأنا أقول: إن هذا قول قال به أكثر أرباب أهل المذاهب، أما الأشعرية: فإنهم يدعون الفرار من هذا القول إلا أنه لازم عليهم من وجوه...." (62) . ولما جاء إلى صفة الكلام، بين أنه ليس هناك فرق معقول بين الطلب والإرادة – وهذا ردٌّ على مسألة الكلام النفسي – كما سبق – ثم بيَّن أن الذين زعموا أن هذا الكلام – النفسي – قديم – هو قول بعيد، وذكر أدلة كون هذا القول بعيداً – وهي أدلة إلزامية قوية – ثم ذكر أدلة من قال بقدمه وردَّ عليها (63) .
هذا هو الرازي الذي يعتبرونه أعظم أئمتهم ومحققيهم يقول بما يدل على بطلان مذهب الأشاعرة، وصحة مذهب أهل السنة، في مسألة من أهم المسائل وأعظمها، وبها تميز المذهب الأشعري عن غيره.
وإذا كان الرازي قد يتناقض في هذا الباب – فتارة يوافق الأشاعرة, وتارة يرد عليهم – فإن غير الرازي كأبي حامد الإسفراييني، وأبي محمد الجويني – والد إمام الحرمين – وغيرهما كانوا يخالفون الأشاعرة ويقولون إن مذهب الشافعي, والإمام أحمد, وسائر علماء الأمصار مخالف لما عليه هؤلاء الأشاعرة في كلام الله (64) .
الردُّ على الأشاعرة في قولهم: إن كلام الله معنى واحد:
وقولهم: هو الأمر بكل مأمور, والخبر عن كل مخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً، وقولهم إن الأمر والنهي صفات للكلام، لا أنواع له، ولذلك فلا فرق بين القرآن والتوراة، ولا بين آية وآية أخرى دلت على معنى مختلف.
وهذا من أعجب ما في مذهب الأشاعرة وأشده غرابة، حيث إنه مخالف لبدائه العقول، ولواقع الأمر أيضاً، ولا شك أن أعلام الأشاعرة – وفيهم الأئمة والقضاة والفقهاء – لم يكونوا ليقبلوا الإقرار بمثل هذا لولا أن هناك أصولاً عقلية سلموها تسلطت على رؤوسهم ورقابهم لم يستطيعوا منها فكاكاً ولا لها دفعاً. فأصبحوا يسلمون بمثل هذه الأقوال المخالفة للعقل, والنقل, والفطر، ويبحثون لها عن تعليلات, وتبريرات, وتخريجات لا تغني شيئاً.
ولذلك اعترف بعض أعلامهم بما في المذهب الأشعري من إشكالات، حتى قال العز بن عبدالسلام لما سئل في مسألة القرآن: "كيف يعقل شيء واحد هو أمر, ونهي, وخبر, واستخبار؟ فقال أبو محمد: ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري" (65) . وسترد أمثلة أخرى إن شاء الله تعالى.
ومناقشة قول الأشاعرة – في زعمهم أن كلام الله معنى واحد – واضحة جدًّا، ويمكن إجمال ردود شيخ الإسلام عليهم في ذلك بما يلي:
1- أن هذا القول انفردوا به عن سائر الفرق، كما ذكره الرازي (66) ، سواء قالوا – كما هو قول جمهورهم – إنه معنى واحد، أو قالوا إنه خمسة معان، كما هو قول بعضهم.
فالذين قالوا هو معنى واحد قالوا: ذلك المعنى هو معنى كل أمرٍ أمر الله به، سواء كان أمر لتكوين، أو أمر تشريع، وسواء أمراً ورد في القرآن, أو ورد في التوراة، وكذلك هو معنى كل نهي نهى الله عنه، وهو معنى كل خبر أخبر الله به.
والذين قالوا إنه خمسة معان يقولون الأمر الواحد هو الأمر بالصلاة والزكاة، والحج، والسبت – الذي لليهود – وهو الأمر بالناسخ والمنسوخ، وبالأقوال, وبالأفعال، وبالعربي, والعبراني، كل ذلك أمر واحد، ومثله النهي, ومثله الخبر، حيث يقولون: إن ما أخبر الله به في آية الكرسي, وسورة الإخلاص، وقصص الأنبياء, والكفار، وصفة الجنة, والنار، كل ذلك خبر واحد (67) .
يقول شيخ الإسلام معلقاً على هذا: "ومن المعلوم أن مجرد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده، كما اتفق على ذلك سائر العقلاء، فإن أظهر المعارف أن الأمر ليس هو الخبر، وأن الأمر بالسبت هو الأمر بالحج، وأن الخبر عن الله ليس هو الخبر عن الشيطان الرجيم" (68) ، ولا شك أيضاً أن معنى آية الكرسي ليس هو معنى آية الدين، كما أن معاني قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1] ليست هي معاني تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: 1] (69) .
وكذلك أيضاً فإن "المعاني التي أخبر الله بها في القرآن في قصة بدر, وأحد, والخندق، ونحو ذلك لم ينزلها الله على لسان موسى بن عمران، كما لم ينزل على محمد تحريم السبت، ولا الأمر بقتال عباد العجل فكيف يكون كلام الله معنى واحداً" (70) . ومن المعلوم أن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن، كما أن آية الكرسي ليست معنى آية الدين (71) . وهذا واضح جدًّا، ويلاحظ أن الأشاعرة يلتزمون هذه اللوازم الفاسدة, فيقولون: إن كلام الله معنى واحد، فلا يفرقون بين آية الدين, وآية الكرسي، ولا بين القرآن, والتوراة، بل كل ذلك معنى واحد لا يتبعض ولا يتجزأ، ولا يتكلم الله بشيء منه دون شيء إلا على معنى خلق إدراك للخلق فقط – كما سبق -.
بل إن شيخ الإسلام يرى أنه يلزم على قولهم أن تكون الحقائق الموجودة كالملائكة والجن، والجنَّة والنَّار – شيئاً واحداً، لأن معاني الكلام تتبع الحقائق الخارجة، وهذا لازم لا محيد لهم عنه (72) .
2- يقال للأشاعرة: موسى لما كلمه الله، أفهم كلامه كله أو بعضه؟ إن قلتم: كله، فقد صار موسى يعلم علم الله، وهذا من أعظم الباطل، وإن قلتم بعضه: فقد تبعض كلام الله, وأنتم تقولون: إنه لا يتبعض. وفي هذا إبطال لقولكم (73) . وأيضاً فإن الله فضل موسى بالتكليم على غيره ممن أوحى إليهم، كما فرق تعالى بين التكليم والوحي، وهذا يدل على أن الكلام ليس معنى واحداً، لأنه – حينئذ – لا يكون هناك فرق بين التكليم الذي خص به موسى، والوحي العام الذي يكون لغيره. وهذا بيِّنٌ (74) .
وكذلك قولهم إن القرآن عبارة عن كلام الله، فإن كان عبارة عن كلام الله كله فهو باطل، وإن كان عبارة عن بعضه فهو مبطل لقولكم (75) .
3- إلزامهم أن يقولوا في الصفات ما قالوه في الكلام، وبالعكس، وذلك أنه إذا جاز أن يجعلوا الحقائق المتنوعة – كآية الدين، وآية الكرسي، وقصة موسى، وقصة نوح، والأمر بالصلاة، والأمر بالسبت، والنهي عن الزنا وعن الربا، والقرآن, والتوراة، والإنجيل – شيئاً واحداً، فيلزمهم أن يجوزوا أن يكون العلم, والقدرة, والكلام, والسمع, والبصر, والحياة, والإرادة، صفة واحدة، أو أن يقولوا في الكلام ما يقولونه في الصفات من أن العلم غير القدرة, والإرادة غير الحياة، وإن كانت صفات قائمة بالله تعالى.
وقد أسهب شيخ الإسلام في شرح هذا الإلزام, وبيَّن أنه لا محيد للأشاعرة عنه، وأن أئمتهم اعترفوا به (76) .
وممن اعترف بذلك الآمدي، حيث قال بعد أن ذكر هذا الاعتراف – وهو الإلزام بالصفات – وذكر جواب أصحابه الأشاعرة عنه – قال معلقاً على جواب شيوخه: "وفيه نظر" (77) ، ثم قال: "والحقُّ أنَّ ما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام, وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات مشكل، وعسى أن يكون عند غيري حله، ولعسر جوابه فرَّ بعض أصحابنا إلى القول بأن كلام الله القائم بذاته خمس صفات مختلفة، وهي الأمر, والنهي, والخبر, والاستخبار, والنداء" (78) .
وقد علق شيخ الإسلام على كلام الآمدي بأن القول بأن الكلام خمس صفات, أو سبع, أو تسع, أو غير ذلك من العدد لا يزيل ما تقدم من الأمور الموجبة لتعدد الكلام (79) .
ولشيخ الإسلام مناقشات متنوعة لهذا الإلزام, وبيان تناقضهم من وجوه عديدة (80) . وقياسهم لوحدة الكلام بوحدة المتكلم مردود أيضاً من وجوه عديدة (81) .
4- وهناك إلزام آخر لهم، وهو أنه يقال لهم ما يقولون هم لمن قال إن القرآن حروف وأصوات قديمة أزلية، وإن الباء ليست قبل السين، وهكذا، وقد نقل شيخ الإسلام نصًّا مهما للباقلاني من كتابه – (النقض) – ردَّ فيه على هؤلاء (82) ، ثم قال: "هذا بعينه وارد عليك فيما أثبته من المعاني، وهو المعنى القائم بالذات، فإن الذي نعلمه بالضرورة في الحروف نعلم نظيره بالضرورة في المعاني، فالمتكلم منا إذا تكلم ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو بالضرورة ينطق بالاسم الأول لفظاً ومعنى، قبل الثاني، فيقال في هذه المعاني نظير ما قاله في الحروف..." (83) .
ولشيخ الإسلام في (درء التعارض) مناقشة أخرى مماثلة، فإن من قال باجتماع المعاني يلزمه ما يلزم من قال باجتماع الحروف وعدم تعاقبها (84) .
5- أن النصوص قد وردت بما يدل على تعدد الكلام, وبطلان قول من زعم أنَّه معنى واحد، ومنها:
أ- الآيات الواردة بأن الله كلمات، ومنها قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام: 115] وقوله: مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان: 27] وقوله: يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ [الأنفال: 7] وغيرها كثير جدًّا.
ب- كما وردت أحاديث كثيرة، فيها الاستعادة بكلمات الله التامات.
ج- ومنها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جزءاً من أجزاء القرآن)) (85) .
فكيف يقال – مع هذه النصوص – إن كلام الله لا يكون إلا معنى واحداً؟ (86)
6- أن الأدلة دلت على أن القرآن بعضه أفضل من بعض وهذا أصح القولين لأهل السنة. وهذا يدل على أن كلام الله ليس معنى واحد. ولشيخ الإسلام مناقشات مطولة في هذا الموضوع (87) .
7- ما في كلام هؤلاء من شبه بأقوال النصارى. وهذا يدل على بطلانه (88) .
8- أن أئمة الاشاعرة اعترفوا بفساد قول ابن كلاب والأشعري في كلام الله، ومن هؤلاء: أبو حامد الإسفراييني، وأبو محمد الجويني، وأبو الحسن الكرجي، والعز بن عبدالسلام وغيرهم (89) ، والإسفراييني كانت له مواقف مشهورة في الإنكار على الباقلاني, وأقواله في كلام الله (90) .
وقد حاول الرازي أن يستدل لمذهب الأشاعرة في كلام الله, وأنَّه بمعنى واحد بصفة العلم, وأنَّ علم الله لا نهاية له وهو واحد، ولكن شيخ الإسلام ردَّ عليه من كلامه، وبين بطلان كلامه وتناقضه (91) . (111)
جمهور الأشاعرة التزموا بأن كلام الله معنى واحد قديم، وذهب قليل منهم إلى أنه متعدد بتعدد الكلام (92) ، وهذا القول الأخير اختاره المكلاتي.
أما الذين قالوا: إنه معنى واحد فقد انقسموا إلى ثلاث فرق:-
الأولى قالت: إنه واحد وهو مع ذلك في الأزل أمرٌ, ونهيٌ, وخبرٌ، وهذا القول قاله إمام الحرمين, واختاره السعد (93) .
الثانية قالت: إنه واحد وهو في الحقيقة راجع على الخبر، واختاره الرازي (94) .
الثالثة قالت: إنه واحد ولا قسمة فيه في الأزل – وإنما يصير أمراً, ونهياً, وخبراً, وفيما لا يزال (95) .
أما قولهم: إن الكلام معنى واحد فقالوه فراراً من القول بالتعدد لأنه من صفات المحدثين لا الخالق.
وهذا الذي قالوه حكم مجرد عن الدليل والبرهان، فإن في القرآن ما يدل صراحة على إثبات كلمات لله تعالى كقوله: قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: 109]، فأثبت كلمات لله تعالى (96) ، إلا أنهم يجيبون عن ذلك بأن الكثرة راجعة إلى التعلقات لا إلى أصل الكلام، وهذا مصادرة للمطلوب, وإعراض عن ظاهر الكلام "إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة" (97) كما خاصموا المعتزلة.
وهذا وقت الشروع في الردِّ على أقوالهم: فقول من قال إنه معنى واحد وهو مع ذلك في الأزل أمر, ونهيٌّ, واستخبارٌ, قول متهافت, وفي غاية الضعف، إذ أنَّ الأقسام الماضية مختلفة في حدودها – فالأمر مثلاً: طلب الفعل, واقتضاؤه بالقول على وجه الاستعلاء (98) ، وأما النهي: فهو طلب الترك واقتضاؤه بالقول على وجه الاستعلاء (99) ، ومعلوم أن الخبر ليس فيه طلب, ولا اقتضاء ضرورة، فإذا كان الأمر كذلك استحال جعل تلك الأقسام شيئاً واحداً (100) .
وأما اختيار الرازي من أن الجميع راجع للخبر باعتبار أن الأمر في الأزل إخبار باستحقاق فاعله, الثواب وتاركه العقاب، والنهي، يكون بالعكس، فقول ساقط أيضاً إذ ما قاله هو لازم الأمر, ولازم النَّهي, وليس هو حقيقة الأمر, ولا حقيقة النَّهي (101) , فاستلزام الشيء للشيء ليس دليلاً على اتحادهما – وكذلك يقال له: إن الأصوليين ذكروا عن الخبر المجرد بقطع النظر عن قائله, كونه محتملاً للصدق والكذب (102) ، ولم يذكروا ذلك في بقية أقسام الكلام فدل على تغايرها وأن القول باتحادها قلب للحقائق، ثم كذلك ما ردَّه من الأمر, والنَّهي إلى الخبر غير شامل لأمر الندب, والنهي التنزيهي، فالأول ليس فيه إخبار عن العقاب على تركه، والثاني ليس فيه إخبار عن العقاب على فعله، ثم إنه لم يتخلص من التعدد إلا إذا قال إن الكلام خبر واحد وليس أخباراً كثيرة! (103) .
وأما القول الثالث، وهو أن الكلام ليست له أقسام في الأزل، وإنما يصير أمراً, ونهياً, واستخباراً فيما لا يزال، فقول ساقط كذلك، إذ الكلام جنس، والجنس موجود بالقوة، أي أن وجوده كلي في الأذهان فقط، ولا يتحقق في الخارج إلا بأنواعه، والأشاعرة ممن يقول إن الجنس موجود في الأذهان فقط، فلزم على هذا أحد أمرين؛ إما أن يقولوا إنه غير متصف بالكلام أزلاً إذا اختاروا أن الأقسام كلها – الأمر, والنهي, والخبر, والاستخبار – تكون فيما لا يزال، لأن الجنس غير موجود بهذا الاعتبار, وإنما الموجود حقيقة أنواعه، أو يقولوا إن الكلام له أنواع, وإنه ليس معنى واحداً، وهذا الأمر لازم لهم (104) .
ثم إن هؤلاء القائلين بأن كلام الله معنى واحد يلزمون بأشياء وهي:
الإلزام الأول: هل سمع موسى عليه السلام كلَّ كلام الباري, أم سمع بعضه؟ وإليك هذه المحاورة التي دارت بين الإمام السجزي وأحد الأشاعرة فإنها كافية لإثبات هذا الإلزام:
قال له الإمام: "... ما تقول في موسى عليه السلام حيث كلمه الله؟ أفهم كلام الله مطلقاً أم مقيداً؟ فتلكأ قليلاً، ثم قال: ما تريد بهذا؟ فقلت: دع إرادتي، وأجب بما عندك، فأبى, وقال ما تريد بهذا؟ فقلت: أريد أنك إن قلت إنه عليه السلام فهم كلام الله مطلقاً، اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل إلى الأبد, وقد فهمه موسى وهذا يؤول إلى الكفر، فإن الله تعالى يقول: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة: 255] ولو جاز ذلك لصار من فهم كلام الله عالماً بالغيب وبما في نفس الله تعالى، وقد نفى الله تعالى ذلك بما أخبر به عن عيسى عليه السلام أنه يقول: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [المائدة: 116]، وإذا لم ينجز إطلاقه, وألجئت إلى أن تقول أفهمه الله ما شاء من كلامه، دخلت في التبعيض الذي هربت منه، وكفرت من قال به، ويكون مخالفك أسعد منك، لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله عز وجل, ومن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت أبيت أن تقبل ذلك, وادعيت أن الواجب المصير إلى حكم العقل في هذا الباب، وقد ردك العقل إلى موافقة النص خاسئاً، فقال هذا يحتاج إلى تأمل وقطع الكلام" (105) . قلت: وإن قالوا: إن الله لم يسمعه كل كلامه, لأنه كان برفع الحجاب عن موسى عليه السلام، فيلزمهم أن يقولوا إن الله لم يكن متكلماً حقيقة – وهذا هو اللازم من قولهم لزوماً لا انفكاك لهم عنه.
الإلزام الثاني: إذا كان الكلام واحداً واختلافه بحسب التعبير عنه فإن عبر عنه بالعربية كان قرآناً, وبالعبرية كان توراة وهكذا... يلزم منه اتحادهما معنى – ويظهر ذلك بالترجمة، وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام, ويكذبه الواقع، ويلزم كذلك في الكتاب الواحد كالقرآن أن تكون آياته متحدة المعنى، فآية الدين هي آية تحريم الزنا والخمر – وهكذا – وهذا معلوم البطلان بالضرورة (106) .
الإلزام الثالث: هو من أخطر الإلزامات التي يمكن إيرادها عليهم:
إذا كنتم تقولون عن أنواع الكلام راجعة إلى معنى واحد، وإن تنوعه بحسب تنوع متعلقاته لا بتنوعه في ذاته، فهلا قلتم ذلك في بقية الصفات – القدرة, والإرادة, والعلم, والسمع, والبصر – إنها كلها راجعة إلى صفة واحدة، وإن تنوعها بحسب تنوع متعلقاتها, لا أنها متنوعة في ذاتها، فهي لما تتعلق بالموجود إيجاداً تسمى قدرة، وبالموجود تخصيصاً: إرادة، وبكل معدوم وموجود انكشافاً: علماً، وبالموجودات إدراكاً: سمعاً أو بصراً؟ فيرجع الجمع إلى صفة واحدة. فإن لم تلتزموا هذا فالتزموا كذلك تنوع الكلام.
ثم إنه يقال لكم: إذا كان يمكن إرجاع كل تلك الصفات إلى صفة واحدة، فلم لا يجوز إرجاع ذلك كله إلى الذات من غير احتياج إلى الصفات؟ فيلزم الوقوع صراحة في مذهب المعتزلة.
وعندما حكى الآمدي هذا الإشكال ذكر إجابات أصحابه فلم يرتضها وحاول أن يجيب ولكنه اعترف بعجزه، وأن ما أورد تشكيك وشبهات (107) .
ثم إن الشهرستاني كذلك أورد هذا الإشكال واعترف بعدم إمكانية الإجابة عليه عقلاً حتى قال عن هذا الإيراد: ".. ثم هل تشترك هذه الحقائق, والخصائص في صفة واحدة أم في ذات واحدة؟ فتلك الطامة الكبرى على المتكلمين، حتى فر القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه منها إلى السمع، وقد استعاذ بمعاذ, والتجأ إلى ملاذ, والله الموفق" (108) ثم لم يعقب بشيء. (109)
ولو فر حقيقة إلى السمع لوجد فيه أن الكلام صفة ذات وفعل لله تعالى، وذلك أن الكلام صفة ذاتية لله تعالى، وهو يتكلم متى شاء وبما شاء، فقد كلم رسلاً له من الملائكة والناس كلاماً سمعوه منه بصوته في هذه الدنيا، وصرح بالنداء في مواضع من كتابه كقوله: وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ [مريم: 52]، ولوجد كذلك نداء الله تعالى لأهل الجنة إذا دخلوها، ولوجد تكليم الله تعالى للناس في الآخرة عند الحساب، ولوجد أكثر مما ذكر (110) ، ولا ينكره من اعتمد الكتاب والسنة في اعتقاده.
والمتأخرون من الأشاعرة يذكرون في كتبهم عشرين صفة وهي: صفة نفسية، وسبع صفات معاني, ومثلها معنوية, وخمس سلبية، فأما المعاني فقد تقدمت، ويعبرون عن ذلك كله بالواجب في حق الله. وأما المستحيل في حقه فأضداد ما مضى من العشرين صفة. (112)
نقد احتجاجهم بالأخطل النصراني
واحتج بعضهم بقول الأخطل النصراني لعنه الله إذ يقول:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

فجوابنا على هذا الاحتجاج أن نقول: ملعون ملعون قائل هذا البيت, وملعون ملعون من جعل قول هذا النصراني حجة في دين الله عز وجل, وليس هذا من باب اللغة التي يحتج فيها بالعربي وإن كان كافراً, وإنما هي قضية عقلية, فالفعل والحس يكذبان هذا البيت, وقضية شرعية, فالله عز وجل أصدق من النصراني اللعين إذ يقول عز وجل: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: 167] فقد أخبر عز وجل بأن من الناس من يقول بلسانه ما ليس في فؤاده بخلاف قول الأخطل لعنه الله: إن الكلام لفي الفؤاد, واللسان دليل على الفؤاد.
فأما نحن فنصدق الله عز وجل, ونكذب الأخطل, ولعن الله من يجعل الأخطل حجة في دينه "الفصل 3/219".
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات: 2] فهذا نص جلي, وخطاب للمؤمنين بأن إيمانهم يبطل جملة, وأعمالهم تحبط برفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم دون جحد كان منهم أصلاً "الفصل 3/220".
ومن العجب قولهم: إن الصلاة, والصيام, والزكاة ليست إيماناً لكنها شرائع الإيمان "الفصل 3/221".
وهذه تسمية لم يأذن الله تعالى بها, ولا رسوله صلى الله عليه وسلم, ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم, بل الإسلام هو الإيمان وهو الشرائع، والشرائع هي الإيمان والإسلام. وبالله التوفيق. "الفصل 3/222".
http://www.dorar.net/enc/firq/234