مادة العلل (2) تابع مناقشة ابن حجر لتعريف العلة، وهل كشف العلة كهانة أم له قواعد وأصول؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3
1اعجابات
  • 1 Post By عبد الحميد الأزهري

الموضوع: مادة العلل (2) تابع مناقشة ابن حجر لتعريف العلة، وهل كشف العلة كهانة أم له قواعد وأصول؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,620

    Lightbulb مادة العلل (2) تابع مناقشة ابن حجر لتعريف العلة، وهل كشف العلة كهانة أم له قواعد وأصول؟

    بسم الله الرحمن الرحيم
    علل الحديثد.أحمد معبد.
    المحاضرة الثانية
    3 ربيع أول 1437 ه - 14 /12 /2015م

    مادة العلل (2) تابع مناقشة ابن حجر لتعريف العلة، وهل كشف العلة كهانة أم له قواعد وأصول؟
    عناصر المحاضرة:
    1-تابع مناقشة تعريف ابن حجر للعلة.
    2-أول من قسم العلل إلى ظاهرة وخفية.
    3-أين تكون العلة؟ هل في أحاديث الثقات فقط؟ أم في حديث الثقات والضعفاء؟
    4-هل العلة نوع من الإلهام؟ وهل يمكن لصاحبها أن تنقدح في ذهنه، ولا يستطيع أن يتحدث عنها؟
    5- ما هي القواعد التي يعرف بها كشف العلة؟

    تمهيد:
    اتفقنا في الدرس الماضي على أننا سنقرأ القسم النظري من العلل، من كتاب النكت على ابن الصلاح للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، فلابد أن يكون معنا بأي طبعة. وقال الدكتور أنه سيعلق على شرح الحافظ أثناء شرحه.
    وانتهينا في المرة السابقة من التعريف اللغوي للعلة، وقد ذكر الدكتور فيها أن المعنى اللغوي الذي يناسب المعنى الاصطلاحي هو العلة بمعنى: "المرض"، وسنعرف الآن من كلام العلماء أنهم يجعلون الصحيح مقابلاً للسقيم. ويقصدون بالسقيم: "المعلول". فهذا المعنى هو أنسب معنًا من المعاني اللغوية التي تُطلق عليها العلة لغةً، وهو أن الحديث المـعلّ: هو الذي فيه علةٌ تقتضي ضعفه. وبذلك تكون المناسبة اللغوية: هي أن العلة بمعني المرض، والسِّقَم.
    أما الإطلاقات اللغوية الأخرى، فيمكننا القول بأن بينها وبين المعنى الاصطلاحي علاقة، لكن ما اخترناه هو أوضح إطلاقٍ فيها.
    وكما قلنا فإن أكثر ما جرى على لسان العلماء أنهم يقابلون بين الصحيح والسقيم، فعندما نقول إن اللفظ اللغوي المناسب هو العلة بمعنى المرض والسقم، فهذا مناسب جدا.
    والتفاصيل المكتوبة في هذا الأمر لن نحتاجها كثيرا في المدلول العملي.
    -أيضا ذكر بعض العلماء أن القياس الصرفي في لفظ العلة "مُعَلّ"، وليس "معلول". وذكر غيرهم أن لفظة "معلول" هذه تجوز بناءً على أنها وردت على لسان اللغويين، وكذلك المحدّثين. وقد استعملها الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه تبعاً لاستعمال أهل الاصطلاح، وأهل اللغة لها.
    -والكلام النظري الذي نذكره الآن، يكون السؤال النظري فيه مثلاً كالتالي: أذكر كلام العلماء في لفظة "معلول"، وما وِجهةُ كُلٍّ ؟.
    واعلم أن الذين انتقدوا كلمة معلول، كانت وجهتهم أنها ليست مشهورةً عند اللغويين.
    ولكن ينبغي أن نعلم أيضا أنها مستعملةٌ عندهم. فقد ذكر الإمام القسطلاني _شارح هدي الساري _ في كتابِ له في المصطلح، ذكر خمسة من علماء اللغة قد استعملوا كلمة معلول.
    وقد ذكر الإمام ابن حجر " الزّجّاج" فقط، ورأيه أنه مادام قد استعمل هذه اللفظة عالمٌ من علماء اللغة، فإن كلام الإمام النووي في "التقريب" أن "معلول" لحن: ليس كلاما وجيهاً، وأن النووي قال ذلك باعتبار المشهور.
    -فيكفينا في التعريف اللغوي إذاً هذه المعلومات. والراجح أن "معلول" مستعملة عند علماء اللغة، وإن لم تكن مشهورة عندهم.
    وممن ذكروها من اللغويين: الزَّبيدي صاحب "تاج العروس شرح القاموس"، وهو متأخرٌ عن القسطلاني، وهو من العلماء الذين جمعوا بين الدراية بعلم الحديث، وبين الدراية بعلم اللغة، ولذلك عندما تقرأ في شرحه للإحياء (10 مجلدات)، تجد أنه يذكر روايات ومصادر، ليست عند غيره. ودائما عندما نحتاج معنى كلمة في اللغة، نفضل استخراجها من كتابه هذا، لأن فيه نَفَس علم الحديث "روحه – مذاقه" بجانب اللغة.

    التعريف الاصطلاحي:
    إن تعريف الإمام ابن الصلاح هو الذي سننطلق منه في تعريف العلة اصطلاحا، وسنجد أن ابن الصلاح رحمه الله قد قسم المعلول إلى قسمين:
    أ-قسمٌ يضع له تعريفاً اصطلاحياً. وهو الذي سيعلق عليه الحافظ ابن حجر.
    ب-وقسمٌ يُعرّفه بالمثال.

    *ذكر الدكتور تلخيصا مبدئيا لما سيفصله في المحاضرة بعد ذلك: فقال:
    والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، مع أن له علمٌ كبيرٌ، ودراية بما يكون بالمثال أو بغير المثال، إلا أنه أراد من خلال كتابه النكت أن يجعل التعريف الاصطلاحي هو التعريف الأوحد عند ابن الصلاح. وردّ على ابن الصلاح القسم الثاني، وهو تعريف العلة بما يشمل العلة الظاهرة.
    -ولما تكلم ابن الصلاح على العلة في مقدمة علوم الحديث، عرّف المعلول بأنه: "هو الذي اطُّلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منه".
    وقد ذكر ابن الصلاح بعد تعريفه هذا قوله:" ثم اعلم: أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح. وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.".
    -والتعريفات عند ابن الصلاح نوعان:
    1-نوع يصوغه صياغة اصطلاحية مثل التعريف الذي ذكره منذ قليل.
    2-ونوع يذكره ويوضحه بالمثال، فيقول مثلاً: المقلوب: هو كحديث كذا. " وقد عرّف عدداً من المصطلحات أيضا غير المقلوب بذكر المثال.
    *قال الدكتور /وإذا نظرت في كتب العلل تجد أنهم أيضا مثل ابن الصلاح، فقد قسموا العلة إلى ظاهرة وخفية.
    ◄ وليس عندي تعليلٌ الآن لكون الحافظ ابن حجر ردّ على من قال إن العلة الاصطلاحية تطلق على الظاهر والخفيّ معاً.
    يقول: والذي أراه بناءً على قراءتي في كتب ابن حجر أن هذا كان رأي ابن حجر في هذا الموضع -في كتابه النكت-، ثم غير رأيه بعد ذلك في مواضع أخرى من كتبه. وذلك لأن الأمثلة التي ذكرها ابن حجر في كتبه الأخرى، والاستعمالات الموجودة عنده، تفيد أنه يرى أن العلة تنقسم إلى ظاهرة، وخفية.

    أول من قسم العلل إلى ظاهرة وخفية
    وكنت أعتقد إلى وقتٍ قريب أن ابن الصلاح هو أول من قسم ذلك التقسيم، ثم لما راجعتُ كتبا قرأت فيها قبل ذلك، وجدت أنني كتبت أن الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" قد قسّم العلة إلى ظاهرة، وخفية، وإن كان لم يضع لها تعريفاً، وإنما وضع لها توضيحاً بالمثال. وسنفهم إن شاء الله تعالى كلام الحافظ ابن حجر على ضوء ذلك.

    أين تكون العلة؟ هل في أحاديث الثقات فقط؟ أم في حديث الثقات والضعفاء؟
    ـ هناك عدد من الكُتاب المعاصرين في العلل على هذا القول، وهو أن الراجح أن العلة الاصطلاحية تطلق على ما كانت علته خفية، وهو مذكورٌ في أحاديث الثقات فقط.
    ـ وتطلق أيضا على ما كانت علته ظاهرة، وهو مذكورُ في روايات الضعفاء.
    ـ أما ما يذكره الحافظ رحمه الله تعليقاً على هذا، [وهو جعل العلة في أحاديث الثقات فقط] فهو نفسه لم يلتزم به في مشواره مع العلة تطبيقاً في كتبه التي تكلم فيها على الأحاديث المعلولة.
    -وقد ذكر ابن حجر في النكت هنا أن العلة لا تكون إلا في أحاديث الثقات. فماذا إذاً نسمي التي في أحاديث الضعفاء ؟؟.
    فعلى كلام ابن حجر أنه لا يلزم من كون أن هذه علة أن يكون الحديث الذي أمامنا معلولا، فلا تلازم بين وجود العلة في الحديث، وبين تسميته معلولا.
    -ومن العلماء من تابع الحافظ ابن حجر على هذا الكلام، منهم تلميذه الإمام السخاوي رحمه الله في "فتح المغيث"، وكذلك الإمام البقاعي في كتابه " النكت الوفية على شرح ألفية العراقي". والكتابان مطبوعان. وقد اضطرتهم متابعتهم تلك، أن يذكروا تعليلا وتوجيهاُ لرأيه، وهو أن العلة التي يُطلق عليها أنها ظاهرة، فيها أيضا نوع من الخفاء.
    ـــ يعلق الدكتور: ولا شك أن هذا يعتبر تكلفا، وهو خلاف الأصل الذي يراه غيرهم من العلماء.
    ◄ وسنناقش الآن هذه المسألة، وهل التعريف الذي ذكره ابن الصلاح وعلق عليه ابن حجر، هل هو الوحيد الذي ذكره ابن الصلاح؟ أم أن ابن الصلاح ذكر نوعا آخر ذكر فيه أنه يمكن أن يُعل الحديث بأسباب أخرى؟؟
    -إن الموجود في مقدمة علوم الحديث أن ابن الصلاح ذكر النوعان، وعلق عليهما، وسنرى

    كيف أن تعليق ابن الصلاح على النوع الثاني منهما مخالفٌ لتعريفه الأول، وهذا طبيعي؟
    ذلك لأنه تكلم في الأول على تعريف العلة الخفية، فمن المفترض أنه عندما يتحدث عن الظاهرة سيكون هناك اختلاف في الموضعين، لكنه على كل حالٍ لم يقل إن هذا النوع الثاني "العلة الظاهرة" لا يدخل كنوع من أنواع العلة.
    -وممن أصّل لهذا الموضوع وأفاد فيه من بعد الخطيب البغدادي: الإمام: الـمُـلّا علي القاري، في كتابه "شرح شرح النخبة". تكلم على هذا بما سنذكره في موضعه إن شاء الله عز وجل.

    قال ابن حجر في "النكت على مقدمة ابن الصلاح".
    قوله: "فَالْحَدِيثُ الْمُعَلَّلُ هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي اطُّلِعَ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ السَّلَامَةُ مِنْهَا" قوله: (تقدح في صحته) فسيخرج من ذلك: الحديث الحسن، بينما تقدح العلة في الحسن أيضا كما تقدح في الصحيح سواءً؛ ولذلك لما شرح الإمام السخاوي هذه العبارة حذف الصحة، ووضع القبول كي يُدخل في تعريفه الحديث الحسن؛ أي: اكتفى بكون الحديث مقبولا لتقدح العلة فيه، فالمقبول يشمل الصحيح والحسن، لذاته أو لغيره.

    قوله: "وهذا تحريرٌ لكلام الحاكم في علوم الحديث." يريد بذلك أن ابن الصلاح فهم هذا التعريف من كلام الحاكم في مبحث المعلول في كتابه علوم الحديث.
    وساق كلام الحاكم.

    قوله: (قلت: وهذا تحرير لكلام الحاكم في "علوم الحديث" فإنه قال: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فتخفى عليهم علته، والحجة فيه عندنا العلم والفهم والمعرفة".
    هذا كلام الحاكم، وتعريف ابن الصلاح هو تحرير له. -وقد فهم بعض الباحثين المعاصرين ان "إنما" التي في كلام الحاكم تقتضي الحصر، وعلى فهمهم، تصبح أحاديث الضعفاء لا يدخلها علة، ومادام ليس للجرح فيها مدخل، فالمقصود بها فقط أحاديث الثقات.
    ولكن ليس الأمر كذلك. والجواب عن ذلك كما يلي: إننا لا نستطيع أن نأخذ بأول الكلام ونترك آخره، لأننا لو أكملنا كلام الحاكم سنجده قد قال: "وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات". ولم يقل إنها غير موجودة في أحاديث غيرهم، ومقتضى ذلك أنها توجد في أحاديث الضعفاء، حتى ولو بنسبة قليلة، وهذا يخالف الحصر الذي فهمه المعاصرون من "إنما".
    قال ابن دقيق العيد: ("إنما" تفيد الحصر إذا لم تقترن بما يدل على خلافه، فإذا اقترنت بما يدل على خلافه، فإن العبرة بالقرينة)
    إذا نفهم من ذلك كله، أن "إنما" ليست على ظاهرها، وأنه يكثر أن يكون الحديث مُعللا بما ليس للجرح فيه مدخل، ومن القليل أن يكون معلا بما للجرح فيه مدخل.
    وأن مستندنا في ذلك:
    أ-هذه القرينة، وهي أن "إنما" اقترنت بكلام لا يدل على الحصر، والعبرة بها.
    ب-ويمكننا أن نستدل كذلك بما ذكره الحاكم في الأجناس العشرة [للعلل]، تحديدا في النوع العاشر منها، أنه مثّل بمثالٍ فيه راوٍ مجروح جرحا ظاهرا.
    ج-بالإضافة إلى أن كتب العلل مليئة بقول الأئمة: "هذا خطأ"، "هذا وهم"؛ وكل ما فيها أنه جرح مقيد، وهم يعتدّون بالجرح المقيد كما يعتدّون بالجرح المطلق.
    ولهذا، لا يمكننا أن نفهم كلام الحاكم بناءً على قراءتنا لأوله فقط، وإنما يُفهم بهذه القرينة، وبالاعتبارات المذكورة؛ ومعلوم أن أحاديث الثقات غالبا ليس للجرح فيها مدخل، لكن منها قسم قليل للجرح فيه مدخل.
    *والعلة تكثر بما في أحاديث الثقات من الوهم ؟؟ نعم، لكنها قليلة بالنسبة لما تحدثنا عنه هنا من كثرة إعلال الحديث إعلالا ظاهرا في أحاديث الضعفاء؛ فالقلة في هذه العبارة قلة نسبية، وليست قلة حقيقية مطلقة؛ وبما أنها تكثر في أحاديث الثقات، فالكثرة هنا أيضا نسبية، وليست حقيقية، لأن الثقة إذا كثر منه الوهم والغلط لا يكون ثقة (قليل الضبط).
    *لكن الشاهد من كلامي أن الكمية الموجودة في العلل في حد ذاتها كثيرة، لكن لا نستطيع القول بأن علل الحديث لثقة واحد كثيرة. فإذا قلناها، فماذا بقي له من الضبط والثقة ؟؟ أولسنا نشترط في الثقة ألا يكون له أخطاء في حفظه؟ أقصد أن يكون تام في ضبطه؟ فإذا كثر الوهم عند الثقة، لن يكون تام الضبط.
    *إذاً الكثرة الموجودة في كلام الإمام الحاكم هي من حيث مجموعها في أحاديث الثقات كلهم، لا من حيث كثرتها في أحاديث ثقة واحد، لأنه سيتحول إلى ضعيف، شئنا أم أبينا.
    - ومما سبق، فإن استدلال الحافظ ابن حجر رحمه الله بأن كلام الحاكم هذا يساوي كلام ابن الصلاح الأول، ليس مُسلّما له، وذلك لأمرين أو لاعتبارين، نكرر ذكرهما:
    1 -أن الحاكم لم يجعله محصورا في الثقات، وإنما قال يكثر في أحاديث الثقات.
    2 -أن الحاكم أيضا أورد في أجناس العلل العشرة التي ذكرها في بقية هذا المبحث، ما هو معلول بعلة ظاهرة، وفيه جرح.
    وكما علمنا أن الحصر معارَض بالأمثلة التطبيقية، ومعارض بكلام الحاكم نفسه في السياق، أنه يكثر في أحاديث الثقات.

    قوله: (فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول معلولا أو ضعيف وإنما يسمى معلولا إذ آل أمره إلى شيء من ذلك، مع كونه ظاهر السلامة من ذلك؛ وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود):

    قوله: (فعلى هذا): أي على ما ذكره الحاكم، وتفسير الحافظ ابن حجر له، وبناءً أيضاً على رأيه أن هذا هو تعريف ابن الصلاح للمعلول كله، وليس تعريفاً لنصفه فقط.

    قوله: (لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولًا): لماذا؟ لأن الانقطاع علة ظاهرة.

    قوله: (ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مضعّف معلولاً): فعندما تأتي بأمثلة من عند الحاكم، تجده يقول: (هذا حديث معلول، لأن فلاناً مجهول)؛ فهذا صنيع الحاكم نفسه، وهو صاحب المقولة التي بنينا عليها هذا الهرم بأكمله؛ وهذا ما يجعلنا لا نُسلّم للحافظ ابن حجر فيما ذكره من أن كلام الحاكم هو تحرير لكلام ابن الصلاح.
    وقد ردّ على ذلك أيضا: الإمام علي القاري، في "شرح شرح النخبة"، مبيناً أن الأوصاف التي تُذكر في أي تعريف قد تكون للإخراج، وقد تكون للوصف دون الإخراج. فقال: "هذه صفات وصفية، وليست للإخراج، لأنه إذا اُعِلّ الحديث بالعلة الخفية، فإعلاله بالظاهرة من وجهٍ أَولَى"
    فالصفة الوصفية حسب كلام المناطقة لا تُخرِج المحترز، فلو قلنا "فلان طويل"، فإن هذا لا يُخرج القصير من الكلام، لأننا نتحدث عن وصف إنسان، ولم نتحدث عن الآخر في شئ. وهذا إنسان وهذا إنسان.
    -ومراد الملا علي القاري: لماذا لا نجعل الأوصاف التي في التعريف صفات ثابتة وصفية فقط ليست للإخراج، فيدخل الجرح الظاهر في العلة من باب أولى؟ وإذا أعللنا الحديث بسبب خفي، أفلا نُعله بسبب ظاهر؟!
    هذا كلام منطقي جدا، ومعقول، ومناسب لصياغة التعريفات، وأن قيود التعريفات حسب كلام المناطقة، قد تكون للإخراج، وقد تكون للوصف؛ ولكني لم أجد من ذكر هذا الكلام إلا الشيخ علي القاري، وهو يحقق المطلوب، ويتناسب مع من وافقوا ابن الصلاح على أن العلة الاصطلاحية منها ما هو خفي، ومنها ما هو ظاهر؛ بهذا الكلام نناقش الإمام ابن حجر رحمه الله، وبه نجيب عما قاله.

    قوله: (وإنما يسمى معلولا، إذا آل أمره إلى شيء من ذلك): يقصد ابن حجر أنا لن نسميه معلولا، إلا إذا بحثناه، ووجدناه كذلك بالفعل، سواء وجدناه منقطعا، أو وجدنا راويه مجهولا أو مضعّفا. وإذا آل أمر الحديث إلى شيء من هذا، فهو لا يدخل في تعريف ابن الصلاح من الأصل([1]).

    قوله: (وفي هذا ردٌّ على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود): بل المعلول يشمل كل مردود كما تقدم؛ وأننا إذا أجزنا الإعلال بالخفي، فيلزمنا الإعلال بالظاهر من باب أولى.

    قوله: (وإذا تقرر هذا فالسبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلة كما نقله المصنف عن الخطيب أن يجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته):
    الدكتور: " هذه قرأناها من قبل، وهي طريقة كشف العلة."

    قال ابن الصلاح: (ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْعِلَّةِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ بَاقِي الْأَسْبَابِ الْقَادِحَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمُخْرِجَةِ لَهُ مِنْ حَالِ الصِّحَّةِ إِلَى حَالِ الضَّعْفِ، الْمَانِعَةِ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى لَفْظِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ فِي كُتُبِ عِلَلِ الْحَدِيثِ الْكَثِيرَ مِنَ الْجَرْحِ بِالْكَذِبِ، وَالْغَفْلَةِ، وَسُوءِ الْحِفْظِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَرْحِ الظاهر، وَسَمَّى التِّرْمِذِيُّ النَّسْخَ عِلَّةً مِنْ عِلَلِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَهُمْ أَطْلَقَ اسْمَ الْعِلَّةِ عَلَى مَا لَيْسَ بِقَادِحٍ مِنْ وُجُوهِ الْخِلَافِ، نَحْوَ إِرْسَالِ مَنْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَسْنَدَهُ الثِّقَةُ الضَّابِطُ حَتَّى قَالَ: مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ مَا هُوَ صَحِيحٌ مَعْلُولٌ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنَ الصَّحِيحِ مَا هُوَ صَحِيحٌ شَاذٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).

    قوله: (ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْعِلَّةِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ): إذا دخلت (قد) على الفعل المضارع أفادت التقليل، ولو طبقنا هذا الكلام على ما قاله ابن الصلاح، فسيكون معناه: "أنه قليلا ما يطلق اسم العلة على غير ما ذكر، ولكن ليس الأمر كذلك، لأن ذلك سيتعارض مع بقية كلام ابن الصلاح، حيث إنه بيّن بعد ذلك أن كتب العلل تُكثر من الجرح بالأسباب الظاهرة. فما الحل لهذه المسألة؟؟
    الجواب:
    أ-ذكر الإمام الشوكاني رحمه الله، في تفسيره لقول الله عز وجلّ: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب: 18] ذكر أن (قد) هنا للتكثير، وليست للتقليل، فإننا لو اعتبرناها هنا للتقليل، فإن المعنى هنا لا يستقيم، فلا يجوز أن يكون المعنى أن الله -عز وجل -يعلم قليلا منهم، حاشا وكلا سبحانه وتعالى فإنه قد أحاط بكل شيء علماً؛ وعلى ذلك قاس العلماء ما نحن بصدده، فيمكن اعتبار (قد) في كلام ابن الصلاح للتكثير أيضا، وليس للتقليل، وذلك لأن ما جاء من كلام ابن الصلاح بعد ذلك، يتحدث عن أن كثيرا من كتب العلل تُكثر من الجرح إلى آخره كما تقدم.
    ب-وفي كتب أصول الفقه، منها: "حاشية البُناني على شرح جمع الجوامع " لتاج الدين السبكي، و"تشنيف المسامع بجمع الجوامع " للزركشي ذكر الأصوليون أن (قد) أيضا قد تأتي للتكثير.
    ج-وأن استخدام (قد) للتكثير، كثير في عمل الأئمة في كتبهم.
    *وعندما شرح الإمام السخاوي رحمه الله كلام ابن الصلاح، تبع شيخه الإمام ابن حجر في عدم الموافقة على كلام ابن الصلاح، وكان تعليله: أن الأسباب القادحة الظاهرة، والتي قد تخرج الحديث من حال الصحة إلى حال الضعف، قد يكون فيها خفاء من حيث أن الطريق التي تفيد غير معلومة.
    اعتراض: طيب، هي الطريق الغير معلومة هذه لو أنها غير موجودة، فإن العلة لا تتحقق. ورأيي في ذلك أن الإمام السخاوي لم يستطع أن يخرج من هذا بمخرج علمي.
    ورواية الحديث في إسنادٍ ظاهره الصحة، يُطلقها العلماء على غير ما ذُكر، فبذلك أصبح هذا إطلاق آخر للعلة، وقسمٌ ثانٍ لها، ذكره ابن الصلاح بعد انتهائه من الأول.
    ولكن الإمام ابن حجر لم يوافق ابن الصلاح على هذا الإطلاق الأخير؛ مع أن ابن الصلاح رحمه الله استند في هذا إلى علماء العلل أنفسهم، وذكر أنها عندهم كثيرة.
    ◄ إلا أن ابن حجر تمسك بـ (قد) التي ذكرها ابن الصلاح في أول كلامه.
    ◄ ويُجاب عن ذلك: بأن السياق هنا يدل على أنها للتكثير، كما في قواعد الأصوليين، فإنهم خير من يحدد معاني الحروف في الاصطلاحات الشرعية، فمثلا قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6].
    فالباء في قوله: {برؤوسكم} إن كانت للإلصاق، إذاً لابد من أن نمسح الرأس كلها، وإن كانت للتبعيض، إذاً فمسح بعض الرأس ولو قليل منها يكفي، والدلالتان موجودتان، والمذهبان موجودان كذلك، وسبب هذه الأقوال هي الباء فقط، وخير من يُفهمنا هذه الأمور هم الأصوليون.

    قوله: (ومراده بذلك أن ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم أن اسم العلة إذا أطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولا اصطلاحا؛ إذ المعلول ما علته خفية قادحة"، ولهذا قال الحاكم: "إنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل".
    اعتراض: في هذا نرى أن ابن حجر رحمه الله تعالى سار على أن (قد) للتقليل، لأن ذلك سيفيده في إثبات القسم الأول عند ابن الصلاح، وإلغاء الآخر، ولكننا عرفنا الرد على ذلك منذ قليل.

    قوله: (وطريق التوفيق): يدل على أنه اعتبر أن ذلك تعريفا معارضا للتعريف الأول، ولكن الحال أنهما قسمان، والخلاف الذي بينهما خلاف تنوع، وليس خلاف تضاد، هذا نوع خفي، وذاك نوع ظاهر؛
    إذاً؛ إذا أراد ابن حجر التوفيق، فالجواب: أن نقول إنه لو كان هناك تضاد نوفق، أَمَا وقد علمنا أنه لا يوجد تضاد، وإنما هو تنبيه لبيان التنويع؛ فلا تعارض إذاً، والله أعلم؛ هذا، وكل من شرح كلام ابن الصلاح من بعده لم يخالفوا في هذا، ولم يخرج عنهم إلا هؤلاء الثلاثة: "ابن حجر"، و"السخاوي"، و"البقاعي"، وأما بقية الشارحين، وحتى بقية تلامذة الحافظ ابن حجر لم يخالفوا ما بينّا أنه الراجح منذ قليل.

    وقوله: (إن اسم العلة إذا أُطلق على حديث؛ لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولا اصطلاحا)
    اعتراض: هذا الكلام لا يقوله أحد أبدا، ويُسْتَغرب من ابن حجر أن يقول مثل هذا الكلام، مع علمه وإمامته؛ فنسأل الحافظ هنا: إذا قلنا إنه ليس كل ما فيه علة يكون معلولاً، فماذا يكون إذاً؟!
    إنه يلزم من إطلاق اسم العلة على الحديث، أن يسمى معلولا؛ لأنه مادام وُجد اسمٌ ولم توجد قرينة صارفة، فهو يشمل المسمى، كيف نقول: إنه لا تلازم بين ما فيه علة، وبين ما يكون معلولاً؟ وما فائدة العلة طالما أن الحديث لن يكون معلولا؟!

    قوله: (إذ المعلول ما علته خفية قادحة)
    اعتراض: إذاً لا يلزم أن تكون خفية؛ نعم؛ نقول: إن المعلول ما علته قادحة، ولكننا لا ننازع في القدح وعدمه، إنما ننازع في الخفاء والظهور.
    ونقول له أيضا: أن التلازم واضح، وأن كل ما فيه علة يكون معلولا.

    قوله: (إذ المعلول ما علته قادحة خفية والعلة أعم من أن تكون قادحة او غير قادحة خفية أو واضحة) سننازعه في قوله "خفية" أيضا، لأن المعلول: ما فيه علة قادحة، والقدح قد يكون في العلة الخفية، وقد يكون في الظاهرة؛ فالأصل في العلة القدح، وعدم القدح يكون لقرينة؛ كيف؟ نذكر مثالا لتوضيح ذلك:
    التدليس مثلا علة، لكن إذا صُرّح في طريقٍ آخر بالتحديث، فقد أمِنّا التدليس، وقرينة التصريح تلك هي مَن جعلت العنعنة-التي نراها في الحديث المدلَّس -ليست علة، وعندما تأتي القرينة يكون الحكم لها، وليس الحكم للطريق الواحد المعنعن دون مراعاة القرينة الصارفة عن المعنى الأصلي.

    قال ابن الصلاح في "المقدمة" (ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْعِلَّةِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ بَاقِي الْأَسْبَابِ الْقَادِحَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمُخْرِجَةِ لَهُ مِنْ حَالِ الصِّحَّةِ إِلَى حَالِ الضَّعْفِ، الْمَانِعَةِ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى لَفْظِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ)
    دليل ابن الصلاح على ذلك:
    أ-الأول: أن الأصل في إطلاق كلمة العلة، أنها هي السبب الذي يقتضي الضعف، ولم يُقيّد فيها الأمر بالخفي، فبالتالي دلالة الكلمة لغة واصطلاحا تشمل الخفي وتشمل الظاهر معا. هذا الدليل مأخوذ من قوله: "على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل".
    ب-الثاني:
    قال ابن الصلاح: (وَلِذَلِكَ تَجِدُ فِي كُتُبِ عِلَلِ الْحَدِيثِ الْكَثِيرَ مِنَ الْجَرْحِ بِالْكَذِبِ، وَالْغَفْلَةِ، وَسُوءِ الْحِفْظِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَرْحِ) هذا هو الدليل الثاني، ألا وهو الواقع التطبيقي والعملي، أي أن هذه الأسباب الظاهرة موجودة كأمثلة بكتب العلل، وأطلق العلماء عليها عللاً، وعندما نقرأ كلام الإمام أبي حاتم الرازي في "علل الحديث"، سنجده يذكر الأسباب التي في السقيم، وكذلك التي في الصحيح.
    وأعاد الدكتور الكلام على (قد)، وأنها عندما تدخل على المضارع تفيد القلة، لكن بشرط ألا تكون هناك قرينة، إذاً فهي هنا تفيد الكثرة؛ واستدل بقول ابن الصلاح: (وَلِذَلِكَ تَجِدُ فِي كُتُبِ عِلَلِ الْحَدِيثِ الْكَثِيرَ)؛ وعندما تكلم ابن دقيق العيد عن القرينة، قال: "والقرينة عُمدةٌ في هذا الباب"، يعني ليست شيئا جانبياً، بل هي أصل في الترجيح([2]).

    قال ابن الصلاح: (وَلِذَلِكَ تَجِدُ فِي كُتُبِ عِلَلِ الْحَدِيثِ الْكَثِيرَ مِنَ الْجَرْحِ بِالْكَذِبِ، وَالْغَفْلَةِ، وَسُوءِ الْحِفْظِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَرْحِ) هذا الكلام سيأتي شبهه في كلام الإمام أبي حاتم الرازي، في القصة التي شبّه فيها من يعرف العلة في الحديث، بمن يعرف الدينار المغشوش من الأصلي، والجواهر الرديئة من الجيدة؛ وفيها أن أبا حاتم قال للسائل عن حديث: أنه كذب، وأخبره السائل أن أبازُرعة الرازي قال: أنه باطل. فقال أبو حاتم: والكذب والباطل واحد؛ وفي هذا أيضا ردٌّ على من قال بأن الكذب لا يدخل في العلل لكونه ضعفٌ ظاهر.
    والخلاصة: أن ما يهمنا أن الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه، رأى -ولو مبدئيا -أن الحديث المعلول هو ما كانت علته خفية وفي أحاديث الثقات في إسنادٍ ظاهره السلامة منه، وما عدا ذلك لا يعتبره علة اصطلاحية، وبذلك آل الأمر عنده إلى أن هناك علة اصطلاحية، وعلة غير اصطلاحية.
    ورددنا على ذلك: بأنك ما دمتَ أطلقت عليها اسم العلة، فإما أن تُثبت لها الاسم دون قيد، وإما أن تترك التسمية بأكملها.
    ونستدل لذلك: أن ابن حجر بنفسه في التلخيص الحبير نجده أطلق عليها اسم العلة، ولم يُفصّل.
    بل وأيضا في تعريفه للحديث الحسن في كتابه النكت، قال بوضوح أن الانقطاع علة، وأن ضعف الراوي علة؛ وهذا مخالف لما ذكره هو نفسه في مبحث المعلول، من قوله: ليس كل ما هو علة يكون معلولا، ولا يُسلّم له في هذا، لأن الشيء لا ينفك عن صفته التي ثبتت له([3]).

    [أقسام العلة]
    بعد ذلك سيذكر الحافظ ابن حجر تقسيمات العلة، وهو قسمها إلى ستة أنواع، هذا التقسيم الذي وضعه الحافظ هو الذي يجمع كل الأنواع التي ذكرها غيره.
    فالحاكم مثلا جعلها عشرة أجناس، لو تعرضت هؤلاء العشرة على الستة أقسام عند ابن حجر، لوجدتها داخلة فيها.
    وكذلك المحقق الدكتور/ مصطفى باحو، ذكر اثنين وعشرين نوعا، ولكن عند مراجعتها وجدتها اثنين وعشرين مثالا، لو قمت بتلخيصها لوجدتها أيضا تؤول إلى الستة أقسام.
    ولذلك فالتقسيم السداسي شبه حاصر، لذلك فضلت تقسيم ابن حجر، وهو الذي نسير عليه، وسنطبقه([4]).

    هل العلة نوع من الإلهام؟ وهل يمكن لصاحبها أن تنقدح في ذهنه، ولا يستطيع أن يتحدث عنها؟
    لنأخذ أمثله من كتاب "العلل" لابن أبي حاتم الرازي التي سنطبقها عمليا؛ في مقدمة هذا الكتاب، اقتصر أبو حاتم رحمه الله على الأقوال التي تفيد بأن العلة من الممكن أن يعرفها الناقد، وتنقدح في نفسه، ولا يتكلم بها، لكن ابن أبي حاتم لم يترك هذا الكلام على عمومه، بل قيّده في آخر الكتاب؛ فبالبحث وجدنا له قولا آخر، لأننا أحيانا لا نحصل على رأي العالم من موضع واحد، لأنه قد يُجيب عن السؤال الذي طُرح عليه على قدر السؤال في وقته فقط.

    قال ابن أبي حاتم "العلل" (1/10): (أخبرنا أبو محمد عَبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، قال: سمعتُ محمد بن عَبد الله بن نمير، يقول: قال عَبد الرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إِلهامٌ؛ قال ابن نُمير: وصدق، لو قلت له: من أين قلت؟ لم يكن له جواب؛ وقال: وسمعت أبي، يقول: قال عَبد الرحمن بن مهدي: إنكارنا الحديث، عند الجهال كهانة) ليس المقصود به الجهل مطلقا، وإنما قصد الذين لا يعرفون سبب إنكار العلماء للحديث، وليس عيبا، ولكن لابد لهم أن يتعلموا ويعرفوا الأسباب التي جعلت الأئمة ينكرون حديثا بعينه؛ والكهانة: لا تعني الدّجل وضرب الودع، وإنما تعني أنهم كانوا يُطلقون على كل من يدرس علماً دقيقاً أنه كاهن. حتى أنهم كانوا يلقّبون الطبيب بأنه كاهن.

    تكملة كلام ابن أبي حاتم في "العلل" (وسمعت أبي، يقول: مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار، وآخر مثله على لونه، ثمنه عشرة دراهم؛ حدثني أبي: أخبرنا محمود بن إبراهيم بن سُميع، قال، سمعت أحمد بن صالح، يقول: معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب، والشَّبَه) والشّبَه: يعني شبيهه وما هو مثله.

    تكملة كلام ابن أبي حاتم في "العلل" (فإن الجوهر إنما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة، إذا قيل له كيف قلت: إن هذا بائنٌ؟ يعني: الجيد أو الرديء أ. ه.) وفي هذا الكلام نلاحظ أن ابن أبي حاتم لم يقل ماهي طريقته في معرفة العلة، لكنه في موضع آخر تكلم عن والده أبا حاتم وذكر طريقته في معرفتها، فسيكون الكلام بذلك كاملا؛ ومن المعروف أنه من النادر جدا أن يغيب شيء مثل ذلك على إمام واسع الاطلاع كابن حجر، ومع ذلك فقد قال في النكت: "قد تنقدح العلة في نفس الناقد ولا يستطيع أن يبوح"؛ ولذا قيل إن كلامه في النكت كان عبارة عن تعليقات كتبها على هامش الكتاب، ولم تطل به الحياة ليجردها، فجردها مَن بعده، فلا نعتبرها أفكاراً متكاملة؛ وإنما نعتبر أن ذلك كان من الممكن أن يزيده الحافظ رحمه الله بكلام آخر يغير السياق؛ أو من الجائز أن يكون أتى به ليعلق عليه؛ وفوق ذلك نضم لكلامه خبرته التطبيقية، والتي خالفت كلامه النظري، فنعرف بذلك أن كلامه كان مرحليا وقتيا فقط، ولم يكن القول النهائي للحافظ رحمه الله؛ وقد يقال: وهل السخاوي تلميذه لم يكن يعرف ذلك؟ نقول: هو كان بصدد شرح الكتاب، فهو يكتب كل ما كان أمامه من تعليقات أيضا، ولما حاول تأويل كلام ابن الصلاح، دخل في مسألة أن الظاهر هذا من الممكن أن يصبح خفيا؛ يعني هل نقسم العلة إلى ظاهرة وخفية، ثم نرجع فنقول: ومن الممكن أن يكون هذا الظاهر خفيٌّ أيضا؟ فما فائدة التقسيم إذاً؟ فلم ينضبط ذلك مع السخاوي ولا مع البقاعي رحمهما الله؛ وأعجب من هذا كله: قول من قال بأن ذلك قد يكون قبل استقرار الاصطلاح، ولكن ليس الأمر كذلك، فإن أبا حاتم الرازي توفي سنة 277هـ؛ فكيف نقول: إنه قبل استقرار الاصطلاح؟! وهذا الكلام موجود بكتب المصطلح، ولكن ما نخشاه هو النقل ممن يؤلف الكتب حديثاً، لأنهم قد ينقلونها هكذا على إطلاقها دون تحرٍّ.

    وسننقل كلام ابن أبي حاتم عن أبيه في "الجرح والتعديل" غير الذي نقله عنه في "العلل" لكي تكتمل المعلومة، نجمعهما من الموضعين، ولا ينبغي أن نتكاسل عن ذلك في مثل هذه المسائل الضرورية.
    قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/349): (حَدثنا عَبد الرَّحمن، قال: سَمِعتُ أَبي رحمه الله يقول: جاءني رجل من جلّة أَصحاب الرأي من أهل الفهم منهم ومعه دفتر فعرضه علي) مشكلة النقول دائما! هم الذين لا يدرسون الحديث، وهذه مشكلة من قديم الأزل، منذ نشأة المدرسة العقلية (أهل الرأي)، لأنه عند دراسة العلوم العقلية تجد فيها من التفاصيل ما يأخذ عمرك كله، ولا تنتهي منها، وكل ما تزاد في هذه العلوم العقلية قراءة، يقل نظرك في المنقولات (علوم السنة)، وتزداد تشكك وارتياب في علوم السنة؛ حتى قال قائلهم: أنا لا أقبل أن يقال: إن البخاري معصوم – ومن قال: إن البخاري معصوم، نعم البخاري يخطأ، وقد ألف بعض أهل العلم كتاب اسماه "بيان خطأ البخاري في تاريخه الكبير/مطبوع"، ولكن الذي نقوله: إن "الصحيح الجامع" للبخاري فرزناه قراءة، ودراسة، وقرؤه ودرسه آلاف العلماء أصحاب هذا الفن؛ ولم يجد فيه شيء ضعيف، فهات أنت فيه حديث ضعيف وناقشنا فيه؛ فيقول لك: حديث الذبابة هذا لا اعقله؛ ومع ذلك علماء الغرب (الذين حللوا جناحي الذبابة) الذين درسوا هذا الحديث عقلوه، فلا تلزمنا بعقلك أنت.

    تكملة كلام ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (جاءني رجل من جلّة أَصحاب الرأي من أهل الفهم منهم ومعه دفتر فعرضه علي! فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح. فقال لي: من أين علمت أَن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب) أي: أن هؤلاء القوم ماتوا قبل ميلادك! هل هم من قالوا لك ذلك! على سبيل التشكيك! هذه شبه أهل الجهل والطاعنين في السنة، فيقول لك: "جولد تسهير": أن ابن شهاب الزهري وضع هذه الحديث لبني أمية، وأن كل هذه الأسانيد موضوعة.

    تكملة كلام ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت وأني كذبت في حديث كذا؟ فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أَني أعلم أَن هذا خطأ وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال تدعي الغيب؟ قال: قلت ما هذا ادعاء الغيب: قال فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، فإِن اتفقنا علمت أَنا لم نجازف ولم نقله إِلاَّ بفهم). هذا ليس حلا، فهذا كله داخل العقل، نريد شيء ظاهر؛ إنما الحل ما سيذكره في آخر كلامه.

    تكملة كلام ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أَبو زُرعَة، قال: ويقول أَبو زُرعَة مثل ما قلت؟ قلت: نعم، قال: هذا عجب، فأخذ فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث ثم رجع إلي وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أَبو زُرعَة في تلك الأحاديث، فما قلت أَنه باطل قال أَبو زُرعَة: هو كذب، قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلت أَنه كذب قال أَبو زُرعَة: هو باطل، وما قلت أَنه منكر قال: هو منكر، كما قلت، وما قلت أَنه صحاح قال أَبو زُرعَة: هُو صحاح: فقال: ما أعجب هذا، تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما، فقلت: فقد ذلك أَنا لم نجازف وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا) إلى الأن لم يصرح أبو حاتم الرازي كيف اكتشف هذه العلة، حتى تقتضي به ونحتذي حذوه، ولكنه لم يطل الجواب مع هذا الرجل لأنه من أهل الرأي وقد عرفوا بأنه ليس في رأسهم علم يبني عليه؛ فلو أخبره كيف عرف علة هذه الأحاديث لدخل معه في جدل عقيم هو في غنى عنه.

    تكملة كلام ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (والدليل على صحة ما نقوله بأن دينارا نبهرجا يحمل إلى الناقد فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هو جيد، فإِن قيل له من أين قلتُ: إِن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا، فإِن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أَنّي بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل فمن أين قلتُ: إِن هذا نبهرج؟ قال: علما رزقت) نبهرج: أي مغشوش.

    تكملة كلام ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك، قلت له فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين فيقول: هذا زجاج، ويقول لمثله: هذا ياقوت، فإِن قيل له: من أين علمت أَن هذا زجاج وأن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج؟ قال: لا، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأَنه صاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رزقت، وكذلك نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أَن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر إِلاَّ بما نعرفه). الأصوليون لا يوافقون على مثل هذا الإبهام، فعندهم إما أن يُصرّح بما انقدح في خاطره، وإما ألّا يُقبل، وذلك كما في "تشنيف المسامع".

    هذا محل الشاهد:
    تكملة كلام ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (قال أَبو محمد: تعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره، فإِن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أَنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإِن خالفه في الماء والصلابة علم أَنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه) بدأ أبو محمد بن أبي حاتم يبيّن لنا الطريقة التي يسيرون عليها، فقال أن أول خطوة عملية: مقارنة الجيد بغيره فيُعرف، واستعمال القياس كمحدثين، ولم يبين ذلك في بادئ الأمر، لأنهم يريدون مخاطبة من يفهم عنهم طرائقهم من أهل الحديث، لا غيرهم([5])؛ هكذا دخلنا في المواصفات؛ هذا هو الشاهد، فكما أن أهل الجواهر يقيسون المعادن جيدها برديئها، ويكتشفون مواصفاتها؛ فكذلك معاشر المحدثين يفعلون ذلك بالأحاديث، ويعرفون مواصفاتها بالقياس.

    تكملة كلام ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (وأن يكون كلاما يصلح أَن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم أ. ه.)([6]) أول المواصفات: هي عدالة الناقلين، إذاً فهذا العلم ليس كهانة، وإنما هو علمٌ باستعمال الأسباب الموصلة له؛ وأضاف الخطيب البغدادي إلى ذلك شيئا سنذكره بعد قليل؛ وكان من المفترض أن كل من يؤلفون في كتب العلل من المعاصرين، أن يكتبوا هذه الحكاية من مقدمة الجرح والتعديل؛ فقد حدث في "مراتب الجرح عند ابن أبي حاتم" أن ذكرها ثلاث مرات في ثلاث مواضع، في كل موضع زيادة عن الموضع الآخر؛ ولكن أصحاب الكتب المعاصرة إلا من رحم الله، نقلوا من موضع واحد، وتركوا الموضعين الآخرين اللذان يشرحان الأول؛ ولذلك أطلب منكم كثرة القراءة؛ وهكذا وصلنا مع أبي حاتم إلى ان هذا العلم يُعرف بالإلهام بشرط:
    1 -معرفة المواصفات التي وضعها العلماء لعدالة الرواة.
    2 -وكذلك يُعرف بمعرفة المتون، هل هي تخرج من فم النبوة أم لا.
    وهذا يردّ على من قال: إن المحدثين اهتموا بالسند فقط، مع أن أبا حاتم قال هذا الكلام منذ سنة 327 ه.
    ◄ هذه القصة التي قرأناها مدرسة، وكل ما نُقل إلينا فيها هو ما يحل الإشكال الذي ورد عند الحافظ ابن حجر في النكت؛ وقد نأتي لكم بسؤال نذكر فيه مقولة الحافظ ابن حجر، فما جوابك عنها؟
    الجواب: هو ما ذكره ابن ابي حاتم في الجرح والتعديل، أنه كما تُعرف الجواهر بالقياس بغيرها، كذلك يُعرف الصحيح بالقياس إلى غيره، وبعدالة الرواة، كل القصة إلى آخرها.

    وقد أضاف الخطيب البغدادي إلى كلام الإمام ابن أبي حاتم كلاما آخر نقله من الأئمة القدامى.
    قال الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/255): (الْمَعْرِفَةَ بِالْحَدِيثِ لَيْسَتْ تَلْقِينًا وَإِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ) لكن ليس معنى هذا أنه إذا لم يُحدثه الله في قلوبنا تلقائيا ودون تعلُّم، نكون براءة!
    تكلة كلام الخطيب في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (أَشْبَهُ الْأَشْيَاءِ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ مَعْرِفَةُ الصَّرْفِ وَنَقْدُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ جَوْدَةَ الدِّينَارِ وَالدَّرَاهِمِ بِلَوْنٍ وَلَا مَسٍّ وَلَا طَرَاوَةٍ وَلَا دَنَسٍ وَلَا نَقْشٍ) الصرف أي التبديل الذي كان في زمانهم، وأبو حاتم قال: إنها تُعرف بالألوان، أما الخطيب فقصد أنها لا تُعرف بالألوان وحدها، بل بما يضاف إليها من مواصفات أخرى. ولم ينقض الخطيب كلام أبي حاتم، وإنما أضاف إليه.

    تكلة كلام الخطيب في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": (وَلَا صِفَةٍ تَعُودُ إِلَى صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ وَلَا إِلَى ضِيقٍ أَوْ سَعَةٍ وَإِنَّمَا يَعْرِفُهُ النَّاقِدُ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ فَيَعْرِفُ الْبَهْرَجَ وَالزَّائِفَ وَالْخَالِصَ وَالْمَغْشُوشَ) لابد من تتبع صنيع الأئمة في طريقة كشفهم للعلة عمليا من كتبهم، وإلا فلن نستوعب ذلك.

    تكلة كلام الخطيب في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": (وَكَذَلِكَ تَمْيِيزُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ عِلْمٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُلُوبِ بَعْدَ طُولِ الْمُمَارَسَةِ لَهُ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ) يخلقه بأسبابه، فإنك لن تنام فتصبح عالماً، ولن يأتي العلم وحده؛ فقال عبد الرحمن بن مهدي في ذلك: إن طول الممارسة تقدر بعشرين عاما.

    تكلة كلام الخطيب في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": (وَقَدْ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيُّ، نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: " كَيْفَ تَعْرِفُ صَحِيحَ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِهِ؟ قَالَ: كَمَا يَعْرِفُ الطَّبِيبُ الْمَجْنُونَ).
    تكلة كلام الخطيب في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": (أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زرقٍ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ وَهْبٍ الْبِنْدَارُ أنا أَبُو غَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ، يَقُولُ: أَخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَا أُسَمِّيهِ حَدِيثًا قَالَ: فَغَضِبَ لَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ: فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا سَعِيدٍ مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا فِي صَاحِبِنَا؟ قَالَ: فَغَضِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى بِدِينَارٍ إِلَى صَيْرَفِيٍّ فَقَالَ: انْتَقِدْ لِي هَذَا فَقَالَ هُوَ بَهْرَجٌ يَقُولُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ لِي إِنَّهُ بَهْرَجٌ؟ الْزَمْ عَمَلِي هَذَا عِشْرِينَ سَنَةً حَتَّى تَعْلَمَ مِنْهُ مَا أَعْلَمُ) فأصبحت طول الممارسة، والاعتناء ضابطا آخر أضافه الخطيب.
    ونخرج من ذلك كله بقضية أن ما ذكر في المقدمة من أن هذا إلهام، ليس معناه أنه نوع كهانة لا يُدرك، وإنما معناه الأخذ بالأسباب التي تكون سببا في كشف ما يجهله الإنسان، ويصل إليه بعد ذلك؛ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    فوائد أخرى
    2*من الضروري أن نقرأ في كتب أصول الفقه، لأن الأصوليين هم الذين يعلموننا دلالات الألفاظ، وهل يعطي اللفظ الوجوب أم الندب؟ وذلك يجعل لنا دليلا قويا في التحليل والتحريم، ويجعل حجتنا قوية في وجه من يختلق الشبهات في فَهم نصوص القرآن والسنة، وسيضبط لنا كثيرا من الألفاظ والأحكام التي لم نكن نضبطها من قبل؛ ذكرنا أن من كتب أصول الفقه: "تشنيف المسامع" للزركشي، وهو أمتع من كتاب: "همع الهوامع"، وبه فوائد جليلة نادرة جدا، من ضمنها مسألة أن المحدّث قد يكتشف العلة، وتنقدح في ذهنه، ولا يستطيع أن يعبر عنها، فقالوا: "أن المجتهد إذا انقدح في ذهنه شيء، ولم يستطع التعبير عنه، لا نأخذ بما انقدح في ذهنه، ولا نأخذ بعد ذكره له، وإما ألا نعتبره قد قال شيئا". وهذه قاعدة عندهم، وبذلك يعتبرون أن المعلِّل الذي قد يعرف العلة ولا يستطيع التعبير عنها، أنه ليس له قول أصلا، لأن المجتهد لابد أن يصرح بمراده. هذا الكلام في تشنيف المسامع (ج 3 – ص 342):
    "ولا بد أولاً من تبيين المراد بالاستحسان، وذكر المصنف ثلاثة مقالات لهم:
    الأولى: أنه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته فلا يقدر أن يفوه به، ورده ابن الحاجب بأنه لم يتحقق كونه دليلاً فمردود اتفاقاً، وإن تحقق فمعتبر اتفاقاً، وردّه البيضاوي بأنه لا بد من ظهوره ليتميز صحيحه عن فاسده، فإن ما ينقدح في نفس المجتهد قد يكون وهماً لا عبرة له.
    الثانية: أنه عدول عن قياس إلى قياس أقوى، ولا خلاف فيه أي أن أقوى القياس معمول به عند التعارض.
    الثالثة: أنه العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس كشرب الماء من السقاء، ورد بأن العادة إن ثبت جريانها بذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام فهو ثابت بالسنة أو في زمانهم من غير إنكار فهو إجماع وإلا فهو مردود وظهر بهذا أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه، فإن تحقق استحسان مختلف فيه فمن قال به فقد شرع وهو بتشديد الراء أي لو جاز أن يستحسن بغير دليل لكان هذا نصب شريعة على خلاف ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم لأنه لا دليل عليه يوجب تركه. " أ. ه.
    قال الدكتور: وابن حجر عالم، ولا شك أنه يعرف ما في كتاب التشنيف جيدا، لأن الزركشي متقدم عليه في الوفاة، وبالرغم من ذلك، فقد قال: وقد تقصر عبارة المعلل عن ذكر العلة".
    يكمل الدكتور: طيب، إذا كان الأمر كذلك فأنتم يمكنكم عندما نضع لكم أسئلة الامتحان أن تجيبوا: "وقد قصرت عبارتنا عن التعليل بما أننا نطبق ما نتعلمه" لكن الأصوليين لم يوافقوا على ذلك. إما أن تنطق، وإلا فلا يعتبر لك قول. والحمد لله رب العالمين.

    رابط المحاضرة السابقة:
    مادة العلل (1) مناقشة الدكتور أحمد معبد لتعريف العلة عند ابن حجر في النكت



    [1] ـ سأل أحد الطلاب: لو عندنا حديث مرسل، فهو واضح أنه مرسل، وفيه ضعف، فما دخله بالعلل؟؟
    أجابه الدكتور / الإرسال نوعان: ظاهر، وخفي فالظاهر كقول الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن لو قال لك أحد أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، ثم تجده قد روى عن أبيه دون واسطة، فأنت تحتار، كيف يكون ابنه، ولا يروي عنه؟! كيف تكون روايته عن أبيه منقطعة؟!
    والجواب أنه كان لايزال طفلا صغيرا لم يصل إلى سن التمييز وقت وفاة أبيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ هذا مثال للعلة الخفية؛ وهو أيضا مثال للإرسال الخفي.
    والزهري عندما يقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" هذا ظاهر بأنه منقطع من أوله.
    قال الطالب: نعم، أنا أريد أن أقول إنه له وجه في هذا.
    الدكتور/ نعم نحن من المفترض أن نبحث، ثم نثبت (يقصد في الإرسال الخفي). أنت الآن لو قيل لك: قال الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل أنت تحتاج بحث في سبب هذا الإرسال ؟؟
    الطالب: لا.
    الدكتور/ فلذلك لا نسلّم له أن كل ما هو إرسال يحتاج إلى أن يَؤُول؛ (يقصد لا يحتاج أن نُرجعه إلى من رواه له في الأصل، لأن مرسلات الزهري معروفة). فهناك رواة مثل الزهري إرسالهم ظاهر لا يحتاج إلى أن نبحث عنه لنقول هذا إرسال. فأنت إما أن تُدخِل الكل، وإما أن تُسلّم بأن الأمر فيه تفصيل، أي بأن فيه ما هو خفي، وما هو ظاهر. وبهذا نحل الإشكال؛ ثم إننا إن صممنا مثلا على أن كل العلل تكون خفية، ثم تظهر بعد ذلك، فهذا مِثل مثال عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه. لكن مثال الزهري واضح.
    الطالب: هذا في الإرسال فقط لأن الإرسال فيه تفصيل "ظاهر، وخفي". طيب لو وُجد حديث راويه كذاب من أول الأمر. فما دخل ذلك بالمعلول؟؟
    الدكتور/ العلماء احتسبوا الكذب هذا علة؛ وهذا الكذب يصل إلينا بالنقل فقط، ونحن نعرف الكذابين من تراجمهم، فالأصل أن شأن من يدخل في هذه الصنعة، أن يكون مميزا للكذاب من غيره. وإن كوننا كأساتذة أو طلاب نضطر إلى البحث في كتب التراجم عندما نرى في الإسناد راويا كذابا، هذا موضوع آخر، لأننا لسنا مثل الأقدمين. انتهى الجواب.

    [2] ـ سأل أحد الطلاب: "ابن حجر شرح التعريف الأول، والذي ذُكر فيه العلة الخفية. طيب، أيمكن أن يكون قد فهم من كلام ابن الصلاح الذي قال فيه: "ظاهرُه الصحة" أن العلة بذلك تكون خفية؟؟
    الدكتور: في هذا لم نقل شيئا، (الدكتور يٌقرّه)، لكن الذي نعترض فيه على ابن حجر، هو أنه يجعلها هي كل العلة، فنقول له فقط اجعلها قسم آخر للعلة.
    الطالب: طيب، في تعريف الصحيح قلنا: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، عدم الشذوذ، عدم العلة القادحة. إذاً فهناك فرق بين العلة، والضعف الظاهر؛ فالعلة خفية، والأسباب الأخرى لضعف الحديث ظاهرة. أليس كذلك ؟؟
    الدكتور: مثلا: الشذوذ في الحديث خفي. ولكن ابن الصلاح لم يأت هنا بهذا التعريف بعينه. وقد عدّل ابن حجر التعريف الذي ذكرتَه حضرتك، فلم يكتفِ بذِكر عدم الشذوذ، وإنما ذكر أيضا العلة القادحة، وهي تشمل ما كان ظاهرا، مثل الإرسال مثلا. فابن حجر نفسه الذي وضع هذا التعريف، يُعتبر في صنيعه التطبيقي أيضا مخالفٌ لهذا الكلام النظري الذي قاله؛ لكن الإشكال أن اثنين من الأئمة تَبِعوا ابن حجر في هذا، وهما تلميذه السخاوي، والبقاعي. وعليه مشى بعض المصنفين للكتب الدراسية الحديثة، وقالوا بأن العلة لا تكون إلا في أحاديث الثقات، ويحتجون بكلام الحافظ ابن حجر، ومن معه؛ ذلك على الرغم من أن الإمام الحاكم -وهو من هو في إمامته وعلوّ قدره في علوم الحديث عند أهل الحديث– هو نفسه قال أن علة الحديث "تكثر" في أحاديث الثقات، ولم يقل "لا تكون إلا في أحاديثهم"، وذكرنا من قبل أنه أيضا لما عدّ أجناس العلة، عدّ فيها ما هو مجروحٌ بجرح ظاهر، فهل يأتي المعاصرون بعد ذلك ليأخذوا بأول كلام الحاكم، ويتركوا آخره؟ الصحيح أن يأخذوا المبحث كاملا؛ وسنأتي بمثال على ذلك في التطبيقات العملية للعلل، وسنجد الإمام ابن حجر قد وافق الحاكم على هذا المثال في "التلخيص الحبير"، ووافق أن الحديث مُعلّ؛ فعندما تستغرب اختلاف رأي ابن حجر من موضع لآخر في مسألة واحدة كهذه، فاعلم أنه لا جواب على ذلك إلا أن يُقال: إن ابن حجر في النكت رأى ذلك، ثم تغير اجتهاده إلى ما هو مؤيد بالواقع العملي.
    الطالب: لقد قال الحاكم إن العلل علمٌ برأسه غير الصحيح والسقيم، يعني من الممكن أن يقصد أن العلة مع الصحيح والسقيم، تكون الأشياء التي فيها ظاهرة؟؟
    الدكتور: حضرتك لا تستطيع أن تفصلهم، عندما تقرأها نظريا قد يُهيّأ لك فقط أنك تستطيع ذلك؛ فلو أحضرت لك مثالاً عمليا للعلة، تجد كل هذه الأمور مع بعضها، ليس أحدهم منفصلا عن الآخر. ومعنى قول الحاكم: علمٌ برأسه: أي يُفهم مستقلاً، ولكن إذا طُبّق يُطبق مع الباقي؛ كل ما أريدكم أن تفعلوه هو أن تكثروا من القراءة (ننظر في صنيع الأئمة في العلل عمليا في كتبهم)، لأننا إن لم نطبق ما نقرأه في كتب المصطلح النظري، سنظل مُستغفلين من قِبل من لا يُحسن الصنعة.

    [3] ـ -سألت إحدى الطالبات سؤالا (...)
    الدكتور: إذاً، ستكون قد انقطعت بقرينة، وعندما تنظرين في كتب العلل تجدين أن العلماء قالوا أيضا: إن أكثر ما تكون العلة في الأسانيد، فلذلك عندما نطبق عمليا في دراسة الأسانيد نطبق لكُلٍّ على حدة.
    فمثلا: ابن لَهِيعة ضعيف، وإذا لم يُتابَع، فسيكون الحديث من طريقه ضعيف؛ وعند الإمام مسلم: بمتابعة عمرو بن الحارث لابن لهيعة، يكون الحديث صحيحا لغيره. ولذلك الحديث الصحيح في صحيح مسلم نوعان: صحيح لذاته، وصحيح لغيره؛ وما دامت القرينة موجودة، فستكون هي سبب التغيير في الحكم؛ وإذا لم يوجد هذا الطريق لظل الطريق المدلَّس ضعيفا، ولظل حكم عنعنته كما هو؛ فلا يزول التدليس إلا بقرينة، كالتصريح بالتحديث.

    [4] ـ -سأل أحد الطلاب: معنى كلام حضرتك أن العلة قادحة في الأصل، خفية أو ظاهرة، وهذا يندرج تحت العلة، فما كان خفيا فهو في كتب العلل، وما كان جليا فهو في كتب المتروكين والضعفاء؟؟
    -الدكتور: وفي كتب العلل أيضا ستجد الجليّ.
    -الطالب: يعني هم قلّة؟ (تواجد العلل الجلية في كتب العلل)
    -الدكتور: لا ليسوا بقلة، لو قرأت لوجدتهم كثيرا، وقد قال ابن الصلاح أنهم كثُر ايضا، ولذلك نقول: إنه من غير المعقول أن تكون هذه الكثرة الموجودة كلها خارجة عن الاصطلاح؛ بالإضافة إلى أننا أخذنا العلل الخفية من هذه الكتب، فلا يصح أن نأخذ البعض ونترك البعض الآخر بحجة أنه ظاهر وأن الظاهر ليس بعلة. لابد من أخذ الأمثلة بأكملها؛ وننصح بكثرة القراءة لأن المنهج الذي نذكره لكم في ساعتين على الأكثر في كل محاضرة لا يكفيكم، وإن حاولنا الإطالة أكثر معكم فسيكون شاقا عليكم بجانب سفركم وحضوركم، ولذلك أنصحكم بكثرة القراءة، وساعات الدراسة القليلة التي ندرسها هنا لا تكوّن عالما يتحمل العلم أمام الله تعالى؛ وكلما قصرتَ كلما خنتَ الأمانة، وإلا؛ فلمَ تتحملها؟؟ العلم لن يعطيك بعضَه حتى تعطيه كُلَّك.

    [5] ـ سأل أحد الطلاب: هل القياس هذا بجمع الطرق؟ أجابه الدكتور: لا، لننتظر قليلا، هذه خطوة قبل جمع الطرق.

    [6] ـ الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/351).
    صفحتي على الفيس بوك
    كتب خانة


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,620

    Lightbulb المادة الصوتية للمحاضرة (2)

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة هيثم عزت محمود
    صفحتي على الفيس بوك
    كتب خانة


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,620

    Lightbulb رابط المحاضرة على ملف ورد (2)

    صفحتي على الفيس بوك
    كتب خانة


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •