وجهة نظر في كتاب"زمن الصحوة" لستيفان لاكروا
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 2 من 2
2اعجابات
  • 2 Post By ماجد مسفر العتيبي

الموضوع: وجهة نظر في كتاب"زمن الصحوة" لستيفان لاكروا

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    2,915

    افتراضي وجهة نظر في كتاب"زمن الصحوة" لستيفان لاكروا

    وجهة نظر في كتاب"زمن الصحوة" لستيفان لاكروا
    عبدالله بن عبدالرحمن الوهيبي

    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

    - مدخل:
    تبنت الشبكة العربية للأبحاث والنشر ترجمة وطبع المشروع البحثي (الاستشراقي) الذي يهدف لدراسة التوجه الديني في السعودية بشقيه الرسمي والحركي، فقدّم د.محمد نبيل مُلين كتابه:"عُلَمَاء الإسلام:تاريخ وبِنية المؤسسة الدينيّة السعوديّة بين القرنين الثامن عشر"وهو عبارة عن أطروحة دكتوراه باللغة الفرنسية في كلية العلوم السياسيّة في باريس، وتناول فيه التوجه الديني الرسمي.
    ثم قدّم د. ستيفان لاكروا ، وهو أستاذ مساعد في كلية العلوم السياسية في باريس بحثه:"زمن الصحوة:الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية"، والذي كان تحت إشراف البروفيسور المعروف جيل كيبيل، وتناول فيه التوجه الديني الحركي في السعودية.
    هذه المقالة تلقي الضوء على هذا الأخير، وتثير الأسئلة حول صلابة المنهج العلمي الذي اتبعه لاكروا، والإشكاليات الموضوعية التي تكتنف المصادر التي اعتمد عليها .

    -الاستشراق الجديد:
    يمكن القول أن هذه الأطروحة تأتي ضمن تيار (الاستشراق الجديد)، وهو تيار –بحسب د.أوليفييه مووس- يحمل مذهباً ثقافوياً جديداً يقوم على تجديد وإعادة تأهيل الأطروحات الاستشراقية ، ومتطلبات الدفاع عن قيم الديموقراطية والحداثة.
    وقد حصر جيمس كلارك التحولات المركزية للاستشراق ما بعد الاستعماري/الجديد في ست نقاط: فسحت طموحاته ذات النزعة المعولمة إلى تعددية حذرة، وفسحت ثقته المعرفية المجال لمنهجية تأويلية أكثر تواضعاً ونقداً ذاتياً، وفسحت مثاليته الساذجة المجال لتصميم نقدي يكشف عن دوافعه الخفية، والشريرة في أحيان كثيرة، وعوضت نزعته إلى جعل الشرق فضاءً رومنسياً، برؤية واقعية يُرى فيها الشرق، لا بصفته فضاء حكمة أبدية متعالية، بل بصفته مجموعة متنوعة الأمهدة مشكّلة من فواعل ثقافية وحركات فكرية نابعة من ظروف تاريخية مختلفة [د.المبروك المنصوري، الدراسات الدينية المعاصرة، ص24 ومابعدها، ط.الدار المتوسطية للنشر].
    ولكن هذه المثل الجديدة (النسبية، التعددية ،.. ) التي حاول الاستشراق الجديد مقاربتها ليست كافية في حد ذاتها لتغيير كل الرؤى السلبية المتجذرة في الواقع الغربي تجاه الشرق والإسلام، فلا تخفى ميول المستشرقون الجدد إلى (تقليص التعددية التي تميز الحركات العاملة باسم الإسلام لتحويلها إلى مفهوم جامد ذو منطق تحقيري "الإسلام السياسي") [ أوليفييه مووس.تيار الإستشراق الجديد والإسلام ص 6 . ط : مكتبة الإسكندرية 2010م ] وهذا واضح - إلى حد ما - في مسار كتاب لاكروا .
    ويؤكد د.المبروك المنصوري (أن تغير الحاجات قد ولّد تغيّر في الكيفية الاستشراقية دون المساس بجوهرها وارتباطها بالمشروع الغربي ) [ الدراسات الدينية المعاصرة ص30 ] ؛ فالهدف الرئيسي للاستشراق الجديد ليس توفير أداة لفهم التحديات السياسية والاجتماعية التي يواجهها الفاعلون الإسلاميون، بل في التحرر من الوقائع التي لا تتوافق أو تتوافق بصعوبة مع مصالح هوياتية، أو أيدلوجية، أو سياسية، وإثبات وتأكيد هذه المصالح بإخفاء التحاليل المنهجية للأحداث والعلاقات بينها، وهو في النهاية (يحكي قصة صراع تاريخي بين أثينا ومكة.. بأبطالها وخونتها ! ) [ أوليفييه مووس . مصدر سابق ص 30 ]

    - حول العنوان:
    طبعت أطروحة ستيفان لاكروا في نسختها باللغة العربية بعنوان " زمن الصحوة "، وهو عنوان فضفاض ومضلل لا يمثل حقيقة موضوع الكتاب، فقد نشر المؤلف أطروحته باللغة الفرنسية عام 2010 م في كتاب ترجمت عنوانه صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» هكذا: «الإسلاميون السعوديون .. تمرد فاشل » ، وثم ترجمت إلى الإنكليزية وصدر عام 2011 م لتكون بعنوان : «صحوة الإسلام : مناورات المعارضة الدينية في السعودية المعاصرة» [ حمد العيسى،مجموعة عبدالعزيز قاسم البريدية، رسالة رقم: 1355] ، وفي مصادر أخرى [صحيفة الرياض،عدد 14454، بتاريخ 11محرم 1429 هـ، 20يناير 2008 م ] تُرجم العنوان إلى «حقول الفتنة: دراسة اجتماعية وسياسية للحركة الإسلامية في المملكة العربية السعودية » ؛ فالمؤلف - بحسب الترجمة العربية- اختصر الصحوة في وجهها السياسي تقريباً ، ووثّق تاريخها في لحظة (المناكفة السياسية ) ، وهذا خلل كبير فالصحوة أوسع من هذا الاختزال المخل .. الصحوة تألقت في مجالات متعددة، في نشر العلم ، والدعوة ، والتعليم ، والأعمال الخيرية ، وحلقات القرآن، والمحاضن التربوية ، ... الخ .

    - إشكالية المصادر:
    اعتمد ستيفان لاكروا في كتابه على ثلاث أشكال أساسية من المصادر:
    1 - الكتب والأبحاث الأجنبية والعربية.
    2 - مواقع الانترنت.
    3 - المقابلات الشخصية: وقد أجرى المؤلف 50 مقابلة شخصية - وهو عدد محدود نسبياً - شكّل من خلالها صلب مادة الأطروحة ، وعند فحص منهج الباحث في هذه المقابلات نجد أن الباحث وقع في عدة مزالق منهجية:

    أولاً: لم تكن الشخصيات التي قابلها الباحث في جملتها محايدة، بل كانت تضم مجموعات ليست قليلة مناوئة للصحوة، أو على الأقل ليست محايدة، فأكثر شخصية -مثلاً- تكررت الإحالة عليها، والاعتماد على معلوماتها كانت للمعارض السعودي د.سعد الفقيه، وورد اسمه في حواشي الكتاب قرابة 42 مرة، ثم يأتي في المرتبة التي تليه في عدد مرات الإحالة يوسف الديني وهو صحوي (سابق)، ثم د.سليمان الضحيان ، وتكررت أيضاً الإحالة، وإسناد معلومات مهمة وجوهرية إلى مصادر تتسم بالعدائية للفكر الصحوي ، بل والانخراط في المشروع الحكومي المأزوم من الصحوة من أمثال سعود السرحان، ومنصور النقيدان ، وعبدالله بن بجاد ، ومشاري الذايدي ... الخ ، مما حدى ببعضهم إلى التصريح بأحداث ، و أشخاص أحياء بغض النظر عن الضرر المترتب على هذه المعلومات، وأكّد د.سليمان الضحيان ذلك [ في صفحته بتويتر بتاريخ 2 - 4 -2012 م ] بقوله: ( ... وكنت أتحاشى إعطاء لاكروا معلومات قد يفهم منها أنها مضرة بالآخرين ، وخاصة الأسماء ، لكني فوجئت أنه استطاع أن يستخرجها من أناس آخرين! ) ، وهذا لا يدل على مصداقية بقدر ما يدل على الانحياز وضعف المسؤولية لدى بعض المصادر، وفي الحقيقة أن الاعتماد على حكاية هذه الشخصيات وغيرها في رسم صورة المشهد الصحوي سينتج صورة مشوهة، ومغلوطة ، وملونة بأهواء ورغبات متحيزة، وهذا ما حصل.

    ثانياً: أحال الباحث في مواضع كثيرة إلى مصادر مجهولة، ويصفها عادةً بـ(شاب صحوي، صحويون، ناشطون صحويون، سروري سابق، مفكرون من الصحوة، مثقف صحوي، شاب من الإخوان، ... الخ ) والتنويع في وصف المصادر هو إجراء فني لا يعكس حقيقة الشخصية، وأظن أنه في رسالة أكاديمية كهذه لا يمكن القبول بهذا الحجم من المصادر الغامضة، ثم هناك ملاحظة أخرى على هذا النمط من المقابلات وهي تكرر الوصف بـ ( سابق ) فتقرأ كثيراً إخواني سابق/صحوي سابق/سروري سابق، وهذا يرفع مستوى الشك والريبة إزاء حيادية ومصداقية المعلومة المستقاة من شخصيات من هذا النوع.
    ثالثاً: يقول ستيفان لاكروا عن محمد المزيني في روايته "مفارق العتمة": ( إنّ في حكاياته تجسيداً لتجربته الشخصية كشاب منتمٍ إلى الصحوة الإسلامية )، ويضيف: (إن محمد المزيني يقيس حجم الفجوة التي ظهرت ما بين الصحوة الإسلامية وبين بيئتها الاجتماعية، وهي رواية فريدة من نوعها تحتوي على سيرة ذاتية مهمة، إضافة إلى رواية " الإرهابي 20 " لعبدالله ثابت هاتان الرواياتان - على حد قول لاكروا - هما الرويتان السعوديتان الوحيدتان اللتان تشيران إلى ظاهرة الجماعات الإسلامية وهي ظاهرة حساسة جداً في السعودية. تشكل هاتان الروايتان شاهداً جوهرياً لدراستنا ) [ دراسة علمية ثانية تتناول رواية( مفارق العتمة ) للمزيني، صحيفة الرياض، عدد 14454، بتاريخ 11محرم 1429هـ ،20 يناير 2008 م ] ، في هذا النص أمران:

    الأول: كون المؤلف يرى أن نصوص روائية ساقطة تقدم رؤية مأزومة إن لم تكن مأجورة عن الصحوة، لشابين مهووسين بالشهرة والصخب كالمزيني وعبدالله بن ثابت تشكل شاهداً (جوهرياً ) للدراسة هذا يمثل - بالضرورة - حالة تماهي مع الخطاب العدائي تجاه الصحوة ورموزها، ويضيف دليلاً آخر على مفارقة الكتاب للحياد.
    الثاني: الشق الأول من كلام المؤلف الذي نقلته صحيفة الرياض في العدد المشار إليه آنفاً مثبت في الكتاب [ زمن الصحوة، ص99 ] ، بينما بقية الكلام غير موجودة، وهذا قد يثير أسئلة حول الترجمة العربية ، ومدى مطابقتها للدراسة الأصلية المكتوبة باللغة الفرنسية أو حتى الترجمة الإنجليزية، وهل تدخل المترجم للعربية في النص وأجرى تعديلات ليتلاءم المتن مع ذوق الجمهور الإسلامي المحلي الذي تستهدفه الدار الناشرة؟ كما فعلت دار المسبار المشبوهة لما نشرت كتاب روبرت ليسي المتهافت:"المملك ة من الداخل" وفق ما صرّح به مدير الدار تركي الدخيل في مقدمة الكتاب.

    رابعاً: من النادر أن يستدرك المؤلف أو يتحفظ على معلومة أو تحليل استفاده من أحد من الشخصيات التي قابلها، إما بمقارنة ما قاله بكلام غيره، أو من خلال الوثائق، أو غير ذلك من أدوات الفحص العلمي، ومع ذلك فقد استدرك لاكروا على دعوى عريضة ارتكبها سليمان الضحيان حين وصف الصحوة بأنها (حركة يهيمن عليها القبليون!) ، فعلّق لاكروا أن هذا (يصعب إثباته علمياً ) [ زمن الصحوة ، ص 163 ] .

    خامساً: أحادية المصادر، ففي الفقرة الثالثة من الفصل الثالث والتي تتحدث عن الجماعة السلفية المحتسبة اعتمد الكتاب بشكل شبه كلي على رواية شخص واحد وهو ناصر الحزيمي، وفي الفقرة الثالثة من الفصل السادس اعتمد الكتاب في رواية أحداث المظاهرة التي رافقت اعتقال الشيخ سلمان العودة، أو مايسمى بـ"انتفاضة بريدة" على شخصيتين هما سليمان الضحيان، وسليمان الرشودي، وهذه الأحادية قادته للقول بأنهما من الشخصيات المحركة للاحتجاج، وهذا لا يخلو من مبالغة، وللسبب نفسه تضخم عند المؤلف دور "بيت شبرا " [ زمن الصحوة، ص 256 ] .

    - إشكالية التفسير والتحليل:
    لا تخطئ عين القارئ غلبة الأيدلوجية الغربية في تحليلات المؤلف وتفسيراته للأحداث والمواقف، وتتجلى هذه الإشكالية حول ( سيادة التفسير والتحليل المادي والسياسي ) في عقل المؤلف، ومعضلة إلغاء الروح، وكل المحركات (الإيمانية) في الإنسان الصحوي، وهذه الإشكالية تدل على جهل بطبيعة الدوافع العميقة للحركة الإسلامية من جهة، وجهل بدوافع الإنسان ودرجة عمقها وتنوعها من جهة أخرى.
    فهو يفسر -مثلاً- ترتيب مجلس للدعاة مع الشيخ ابن باز بأن ظهوره (يعكس مطامع علماء الصحوة المتنامية في تشكيل سلطة دينية مستقلة ) [ زمن الصحوة، ص 222 ] ، وفي تحليله للمبررات التي دفعت بعض العلماء لمناصرة الصحوة ورموزها، يذكر أن منها عدم حصول بعض العلماء الوهابيين على التقدير والتكريم الكافي من المؤسسة الدينية الرسمية ( هيئة كبار العلماء ) [ زمن الصحوة، ص225 ] ، والشيخ الشعيبي كان شديد الغيرة من ابن عثيمين ويشعر بالتهميش مما قاده للالتحاق بحركة الاحتجاج الصحوي! [ زمن الصحوة، ص 225 ] ، ويرى لاكروا أن الذي دفع الألباني للدفاع عن سيد قطب هو الخشية من أن ( يفقد الصلة بمجمل المجال الديني ! ) [زمن الصحوة، ص119 ] فالمسألة لا تعدو أن تكون مخادعة للجمهور لكسب مودته.

    ويستتبع ما مضى تلك الإسقاطات اللاواعية من المؤلف في ما يتعلق بالتنظيمات الإسلامية على الحالة السياسية في البيئة الحزبية للأنظمة الديموقراطية، فيلمس القارئ ارتفاع حس الفرز التياري في قراءة المشهد الصحوي لدى المؤلف، بينما يؤكد العديد من المراقبين من داخل الصحوة على وجود صبغة كبيرة من العفوية والتلقائية اصطبغت بها الكثير من المواقف والأحداث، ويمكن اعتبار ما يسمى "انتفاضة بريدة" مثالاً لذلك.
    ويلاحظ قارئ الكتاب أيضاً الحضور المكثف لمفاهيم ( الصراع ) والمنافسة، فالمؤلف يرى أن التيار الإسلامي في السعودية قضيته الجوهرية (منازعة سلطة قائمة على الدين احتكارها للمقدس ) ، ويذكر أن هذه المنازعة تتجلى في صيغ عقدية وفقهية، وهي على صلة بالديناميات الاجتماعية المصاحبة ( سواءً أكانت صراعات رأسية بين أفراد ينتمون إلى طبقات مختلفة في الهرميات الاجتماعية، أم صراعات أفقية بين قوى تنتمي إلى قطاعات اجتماعية مختلفة)، ثم يقرر أن (الإسلام في السعودية هو اللغة الأساسية التي بواسطتها يتم التعبير عن المنافسات الاجتماعية) [ زمن الصحوة، ص119 ] ، وهو بذلك يجهل أو يتجاهل أن النشاط الإسلامي يقوم في أغلب الأحيان على التعاضد والتعاون والتكامل بين العاملين، أو على الأقل عدم الصدام والتصارع، وتبقى المساحة الضيقة للتنافس غير المشروع أحياناً، والحاصل أن المؤلف عكس صورة الواقع تقريباً بشكل سلبي، وبإيحاء ربما من مصادر مأزومة.
    ثم إنه لا يمكن قياس الصحوة بنشاط سياسي معين –كما فعل لاكروا- حتى يحكم عليها بالفشل[ زمن الصحوة، ص 316 ]، فهي ليست معارضة سياسية، أرادت إسقاط الدولة ففشلت، هذا تصور مغلوط و بعيد، الصحوة حركة إحياء دينية شاملة، متوافقة مع ثقافة المجتمع، عززت الأخلاق والقيم والتدين وساهمت فيما ساهمت فيه في الإصلاح السياسي وحققت مقاصد كبرى، ولم يكن من هدفها إسقاط الحكومة أساساً حتى يقال إنها فشلت .

    ويمضي لاكروا في تحليلاته العجيبة لنشوء جيل الصحوة الصاعد، ويعيدها إلى (التراجع الملحوظ في سعر البرميل من النفط الخام ! ) وبالتالي ركود اقتصادي أثّر على المستويات المعيشية، وتقلصت فرص التوظيف بشكل عام، فانعكس هذا المعطى على جيل كامل غدا محبطاً ومن دون أفق، ومما يفاقم الشعور بالحسرة تعرض شرائح من الشباب للطفرة النفطية واعتياد الوفرة المالية، واستمرت هذه الأزمة –بحسب المؤلف- حتى 1990 -1991 م، ثم يقول (ولدت حالة الجمود تلك شعوراً بالغضب سيتطور لدى هؤلاء الشباب تجاه الجيل السابق [ الذي حصّل امتيازات مالية ووظيفية جيدة] وما يمكن أن ينظر إليه على أساس أنه صراع أجيال عادي يأخذ في السعودية منحنىً أيدلوجياً صارخاً!) [ زمن الصحوة، ص174 - 176 ] ، وهكذا تحولت قصة صعود الجيل الصحوي الذي تلقى التربية بشكل مكثف في المحاضن الدعوية، وفي حلق العلم، ولجان التوعية الإسلامية في المدارس، وتشرّب المعاني الإيمانية، واستوعب أولويات العمل الإسلامي، إلى تحليل اقتصادي/اجتماعي سخيف ! ، هذه نماذج مقتضبة، والكتاب مكتظ بنظائرها.
    والخلاصة: ما قام به ستيفان لاكروا هو إعادة تفسير تاريخ الحركة الإسلامية ومفاهيمها الجوهرية وحراكها الداخلي تفسيراً تستبعد فيه أية دوافع أخلاقية أو دينية أو قناعات ذاتية, ويبحث فيه عن الدوافع المادية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم عرقية أم غيرها، بمعنى أنه يتعسف في تفسير تشكلات الحركة الإسلامية على أنها مدفوعة بصراع سلطة، أو مزاحمة سيادة، أو احتفاظ بالجمهور، أو أهداف بزنسية، أو صفقات تسويقية, فكافة تمظهرات الخطاب الإسلامي عند وأمثاله مجرد موازنات سياسية وحسابات اجتماعية محضة.
    صحيح أن هناك في المقابل مبالغات ساذجة في تصوير التاريخ والواقع ترنسندنتالياً باعتباره مجرد معطيات مثالية ومتعالية لا صلة له بالتركيب البشري, لكن هذا لا يعني الانقلاب للجهة الأخرى .
    هذا التفسير السياسي أو الاقتصادي لدوافع الحركة الإسلامية لدى الباحثين الأجانب وأتباعهم من العرب المستغربين ينم عن جهل مطبق بالطبيعة الإنسانية، ولاشك أن من أقوى مكونات الإنسان المكون الديني والأخلاقي والروحاني، وهذا النمط من التحليلات تحول إلى خطاب "سوء ظن" منهجي منظم, بدلاً من أن يكون مجرد زلة سلوكية, ويسمى في النهاية -وبكل بجاحة- خطاباً تفسيرياً علمياً!
    (وهكذا، فالحيلولة بين الشاب وبين نماذجه الملهمة هي الوسيلة الفريدة التي أثبتت نجاعتها المذهلة في تجفيف المنابع، فبدلاً من إفناء الوقت في إيهام المارة بمرارة الماء العذب يكفي تلطيخ الجرة التي تحمله ليصرف العطاشى نظرهم عنه). [ انظر لماسبق: ابراهيم السكران،مآلات الخطاب المدني،فصل:ماور ء أنسنة التراث، ومقالة: الأنسنة مشنقة الدعوة ]


    - حضور المفاهيم النصرانية:
    المؤلف -كسائر الباحثين الغربيين في الحركات الإسلامية- لم يستطع أن يتخلى عن العقل (النصراني) الغربي في قراءة بعض جوانب الصحوة، فتراه يتحدث عن هيئة كبار العلماء ويرى أنها أشبه بـ(فاتيكان) الميدان الديني في السعودية، ويترأس هذا (الفاتيكان) الشيخ ابن باز، ويمثل (بابا) وهابي، ولذلك يطلق عليه كافة المشاركين في المجال الديني الوهابي لقب (الوالد) ! [ زمن الصحوة، ص 106 ] ، ثم يعرج على سيرة الألباني ليذكر أنه تأثر بفضل قراءته لمجلة المنار التي يرأسها رشيد رضا الذي ينتمي للمدرسة الإصلاحية المتميزة بالدفاع عن الأورثوذكسية السنية ! [ زمن الصحوة، ص112، وانظر: ص197، 330 ] ، وهذه الإسقاطات لا تخلو من ظلال أجنبية عن الواقع الإسلامي والبيئة العربية لما يحيط بتلك المصطلحات من هالات فكرية سيئة .

    - قصور بنيوي:
    وهناك افتراضات تفسيرية يخترعها الباحث من العدم، لا تمت للواقع بصلة، وبكل صدق إذا قرأت الكتاب بتمعن فستتفهم موقف تيار كبير من المفكرين الإسلاميين الذي يذهب إلى تأكيد ( عجز ) العقلية الغربية عن فهم الحركة الإسلامية، ومواقفها، وحقيقة دوافعها، وهذا عجز أو قصور بنيوي يصعب القفز عليه، وبعض تحليلات لاكروا تذكر بتصريحات المستشرق البريطاني المتطرف برنارد لويس والذي ذكر في مقابلة نشرت مؤخراً في «جيروزاليم بوست» بأن الانتفاضات العربية تعبير عن الغضب ضد الظلم، ثم يعزو انطلاقها إلى عاملين؛ الأول: هو نمو الوعي الناجم عن انتشار وسائل الإعلام ، أما العامل الثاني وهو الطريف «الكبت الجنسي» لدى شباب عرب «لهم شبق جنسي جارف!» . أعود للكتاب، انظر مثلاً للافتعال الدرامي في قوله: (تبنى الصحويون في محادثاتهم الخطاب الصحوي الذي يحدد هويتهم على الفور في المناسبات الاجتماعية) [ زمن الصحوة، ص 86 ]، وكذلك جعل الغرض من تحريم الإسبال والأخذ من اللحية وارتداء العباءات التي تغطي الرأس بالنسبة للنساء تعزيزاً لـ(تمايز الحركة في الفضاء الاجتماعي أكثر منه العمل بموجب نص ديني) [ زمن الصحوة، ص 85 ] ، وكل صحوي يعرف المبرر الشرعي -ولو كان بعيداً عن الدوائر العلمية- في موضوعات الإسبال وحلق اللحية، وعباءة الرأس، لكن يأبى هذا الأعجمي إلا التحذلق كما ترى، ولما أراد تفسير الإرجاء قال -مؤكداً قصور العقل الأجنبي عن إدراك العديد من التصورات العقدية-: (تسمية لموقف ينبني على عدم رد الفعل وترك الحكم إلى يوم القيامة) [ زمن الصحوة، ص 196 ] ، ثم في موضع آخر يذكر عن المشايخ الصحويين أنهم نظموا عام 1992م مسابقة كبرى في السنة النبوية، وذلك (تعزيزاً لطموحاتهم السلطوية)، واستعراضاً للعلم![ زمن الصحوة، ص223 ، 224 ]، وكل هذه التفسيرات الخرافية هي نتيجة حتمية لتوغل العقل المادي في فضاءات مكتظة بالإيمان والعمل للشريعة، وطلب ما عند الله من الأجر والثواب، ونحوها من المعاني التي لا يفقهها إلا من ذاق حلاوة العمل للإسلام.

    - أخيراً:
    استطاع المستشرق ستيفان لاكروا في هذا الكتاب بالتحالف مع الكثير من المصادر المنحازة من تشويه صفحات كثيرة من تاريخ الصحوة الناصع، وتحويله إلى صراعات على سلطة اجتماعية أو سياسية، وصفقات تواطئية يباع فيها الدين بلعاعة من الدنيا، وبرغم كل هذا لا أحد يدعي أن الصحوة بجميع أفرادها ورموزها حالة طهورية خالصة، و لا تيار ملائكي، بل في بعض المنتمين لها خلل ونقائص، إلا أن هذا لا يمكن أن يبرر التزييف الذي ارتكبه لاكروا بحال.. وستبقى الصحوة برغم أنف الحاقد والمغرض وكل العتاة نور مشع في جبين التاريخ العربي المعاصر.
    الحلم والأناة و أبو مالك المديني الأعضاء الذين شكروا.
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً
    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    116

    افتراضي

    ممكن رابط تنزيل الكتاب
    (إنه لا يُستسقى في مسوك الرجال إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه)
    عبد الله الأشج / طبقات ابن سعد 1/ 314

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •