د. راغب السرجاني

قصة تونس من البداية إلى ثورة 2011.. كتاب جديد للدكتور راغب السرجاني، صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار أقلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة. وتأتي فكرةالكتاب عقب أحداث ثورة تونس 2011، والتي كان من أهم نتائجها خلع الرئيس السابق الطاغية زين العابدين بن علي
صدرت الطبعة الأولى من كتاب (قصة تونس من البداية إلى ثورة 2011م) للدكتور راغبالسرجاني، عن دار أقلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة. وتأتي فكرة الكتاب عقب أحداث ثورة تونس 2011م،والتي كان من أهم نتائجها خلع الرئيس السابق زين العابدين بن علي وتكوين حكومةجديدة.

فكرة الكتاب
هزَّت ثورة تونس مشاعرالمسلمين من الأعماق، فهو حدث فريد في عصرنا الذي تعاني فيه الأمة من كابوسالطواغيت، الذين يحكمون معظم بلدانها، فجاءت هذه الثورة لتخلِّص البلاد من طاغيةمتمكِّن، تمرَّس على الظلم، واحترف الفساد، وكان مثالاً صريحًا لأعداء الإسلام..يُصرِّح بذلك ولا يخفيه، ويتباهي بذلك ولا ينكره.. ثم مرَّت الأيام، ودالت عليهالدولة، وصدق الله U إذ يقول: {وَتِلْكَ الأَيَّامُنُدَا وِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].
وهربالطاغية من البلد هروب الفئران، وشعر المسلمون في كل مكان بارتياح عجيب، وراحة بالنادرة، وصارت تونس ملء السمع والبصر، وانطلق المنظِّرون والمحلِّلون والسياسيونوالعل ماء يتناولون الحدث من كل الزوايا، ويدرسون فيه كل النقاط؛ فقلَّما في عالمناالعربي نشاهد مثل هذه الثورات على حكامنا الطواغيت، وإن كنا رأينا مثلها كثيرًا ضدجيوش الاحتلال.
لذاكان لا بدَّ لنا من وقفة نحلِّل فيها هذا الحدث الضخم، وكما اعتدتُ أن أذكرفي كتبي ومحاضراتي فإننا لا يمكن أن نفقه الواقع دون العودة إلى التاريخ، ولا يمكنأن نستوعب الحدث دون فقه للسُّنن الربانية في الكون، وهذا يُعرف من كتاب الله ،ومن سُنَّة رسوله ، كما يُعرف –أيضًا- من دراسة التاريخ، ورؤيةالأحداث المشابهة ونتائجها، والعودة إلى جذور القصة، وتحقيق الآية القرآنيةالكريمة : {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْيَتَ فَكَّرُونَ} [الأعراف: 176].

قصة تونس

يتناول الكتاب قصة البلد العظيم تونس منأوَّلها، ومرورًا بالمراحل المختلفة التي شهدتها عبر عصور التاريخ المختلفة،وانتها ءً بثورة يناير 2011م، ثم وقفات تحليلية للثورة، مع نظرة إلى مستقبل تونسالحبيبة، بناء على فقه قانون السنن الربانية..
يبدأالكتاب بلمحة تاريخية عن الموقع الجغرافي للجمهورية التونسية، فقد لعبت تونسأدوارًا مهمة على امتداد تاريخها منذ عهد الفينيقيين في قرطاج، ثم ما عرف باسممقاطعة إفريقية زمن الحكم الروماني لها، وقد فتحها المسلمون في القرن السابعالميلادي، وأسَّسوا فيها مدينة القيروان، وهي إحدى المدن المهمة بها حتى الآن.
وفيلمحةتاريخية مهمة يبين الدكتور راغب السرجاني الدور الحضاري والتاريخي الذي كانت عليهتونس قبل الفتح الإسلامي في ظل الحضارة الفينيقية، وسيطرة قرطاج على البحر المتوسط.

السيطرة الرومانية
أصبحتإفريقية (تونس) لمدَّة ستة قرون مقرًّا لحضارة رومانية إفريقية ذات ثراء استثنائي؛لكونها مفترق طرق العالم القديم، كما ظهرت فيها في العصر الإمبراطوري آلهة محليةمنافسة للآلهة الرومانية؛ إذ مثَّلت عبادة بعض الآلهة -كساتورن وجونو- استمرارًالعبادة القرطاجيين للآلهة بعل حمون وتانيت، وقد أدَّى ازدهار مقاطعة إفريقيةوكونها "مفترق طرق العالم القديم" إلى قدوم واستقرار مجتمعات يهوديةفيها في وقت مبكر، وبدأ بعد ذلك انتشار المسيحية، وهو ما لاقى في البداية معارضةكبيرة من السكان، ولم يُحسم الأمر للدين الجديد إلاَّ مع مطلع القرن الخامسالميلادي، وأصبحت قرطاج إحدى العواصم الروحية المسيحية المهمة في الغرب، وظلَّتكذلك حتى تمكَّن القائد الإسلامي حسان بن النعمان عام (79هـ/ 698م) من فتحهاودخولها في الإسلام.

قصة الفتح الإسلامي
تبدأقصة الفتح الإسلامي لتونس من خلال العمليات الاستطلاعية الأولى في عهد الخليفةعثمان بن عفان ، الذي جمع الناس في المدينة لفتح إفريقية، وأسند قيادة الحملةلعبد الله بن أبي سرح والي مصر آنذاك، وتسمى الغزوة غزوة العبادلة، انتصر فيهاالجيش العربي الإسلامي سنة (27هـ/ 647م) على الجيش البيزنطي بقيادة جرجير في موضعيُسَمَّى عقوبة، ثم توقَّفت العمليات العسكرية بإفريقية إلى حين انتهاء الفتنة الكبرى.
ثمفي خلافة معاوية بن أبي سفيان قام معاوية بن حديج السكوني بحملتين سنة (41هـ/ 661م)،ثم سنة (45هـ/ 665م) تمكَّن من خلالها المسلمون من الاستقرار في جبل القرن،وأُرسلت عدَّة سرايا باتجاه سوسة وجلولاء قرب القيروان، لكن ابن حديج عاد إلى مصردون ترك حامية بالبلاد.
قَبِلالخليفة معاوية بن أبي سفيان أن يُعَيِّن عقبة بن نافع الفهري على رأس إفريقية سنة(50هـ/ 670م)، الذي كان مقيمًا ببرقة بليبيا وشارك في عدَّة حملات ضد البيزنطيينوالبر بر، فوصل إفريقية عبر الصحراء على رأس جيش كثيف بلغ 10 آلاف مقاتل، واتخذقيروانًا له؛ أي معسكرًا تتجمَّع فيه كل صفات التمصير، وقد استمرت عملية بناءالقيروان 4 سنوات. وفي هذه الأثناء كان يُوَجِّه السرايا لتوطيد الحكم الإسلاميونشر الإسلام بين البربر، لكنه عُزل وخلفه أبو المهاجر دينار سنة (55هـ/ 674م)،الذي تمكَّن من هزم كسيلة زعيم البربر البرانس، الذين عارضوا الوجود العربي الإسلاميبإفريقي ة، ثم صالحه وحالفه..
ثمعُزِل أبو المهاجر ليعود عقبة بن نافع مرةثانية إلى إفريقية سنة (62هـ/ 682م) حيث تمكَّن من هزيمة البربر والروم باتجاهالمحيط الأطلسي غربًا، ومع رجوعه إلى القيروان على رأس كتيبة صغيرة فوجئ بمنطقةبسكرة بكمين من طرف كسيلة وحلفائه الروم، فقُتل وأصحابه في موضع يسمى تاهودا سنة(64هـ/ 684م)، ومن نتائج ذلك هزيمة المسلمين وخروجهم من القيروان، التي استقرَّبها كسيلة ضمن كيان سياسي استمرَّ إلى سنة (69هـ/ 689م)، كما استعاد الروم نفوذهمعلى مناطق الزاب وإفريقية.
وفيعهد عبد الملك بن مروان أرسل زهير بن قيس البلوي لمواصلة الصراع ضد البربر والروم،فتمَّ له استرجاع القيروان وقتل كسيلة سنة (69هـ/ 688م)، إلاَّ أن الروم قد أرسلواأسطولاً بحريًّا سنة (71هـ/ 690م) إلى مدينة برقة لسبي المسلمين، وقُتل البلوي فيمواجهتهم.
ثممن جديد يرسل الخليفة عبد الملك بن مروان جيشًا يتكون من 40 ألف مقاتل بقيادة حسانبن النعمان الغساني، أسند إليه ولاية كل المغرب سنة (75هـ/ 694م)، فتمكَّن من دخولقرطاجنة سنة (76هـ/ 695م) وطرد الروم منها، كما كرَّس كل جهوده لمواجهة البربربقيادة الكاهنة دهياء بنت ثابت بن تيفان من قبيلة جراوة، وهي تلقب بملكة الأوراس،لكن المسلمين انهزموا في واقعة وادي العذاري بجبال الأوراس؛ مما جعل حسان بنالنعمان يتراجع بجيوشه نحو قابس ومنها إلى برقة، بينما سيطرت الكاهنة على أجزاءمهمة من بلاد المغرب، كما خربت البلاد مُتَّبِعَة سياسة الأرض المحروقة لمنعالمسلمين من الاستقرار؛ لكن حسان بن النعمان نجح سنة (82هـ/ 701م) في القضاء علىمقاومة البربر وقتل الكاهنة، ثم عاد من جديد إلى القيروان للسيطرة على إفريقيةنهائيًّا .
كمايسرد الكتاب أهم الأطوار التاريخية لتونس في ظل الدولة العباسية ثم استقلالها على إبراهيمبن الأغلب مؤسِّس الدولة الأغلبية، ثم تغلب العبيديين الفاطميين الشيعة عليها 64عامًا ثم تمكن الصنهاجيون من الخروج عن الخلافة العبيدية في القاهرة، وانحيازه إلىالخلافة العباسية في بغداد، ثم سيطرة الدولة الموحدية على تونس ثم تعرضها عام(668هـ/ 1270م) إلى غزوة صليبية قادها لويس التاسع ضمن الحملة الصليبية الثامنة، وبعدفترات من الركود والضعف في تونس يحاول الأسبان فرض سيطرتهم عليها فيستنجدالتونسيو ن بالدولة العثمانية، واستمر الصراع بين الأسبان وحلفائهم وبين العثمانيينفي السنوات التالية، حتى تمكَّن العثمانيون في النهاية سنة (982هـ/ 1574م) من طردالأسبان نهائيًّا بعد الانتصار عليهم في معركة تونس.

تاريخ تونس الحديث
يبدأتاريخ تونس الحديث منذ انضمام البلاد التونسية إلى الدولةالعثمانية عام (982هـ/ 1574م) إلى فرض الاحتلال الفرنسي تحت اسم الحمايةالفرنسية عام (1298هـ/ 1881م)، ويمكن تقسيم هذه الفترة إلى ثلاثةعهود: عهد الباشوات، ثم عهد الدايات، ثم عهد البايات.
كمايستعرض الكتاب تاريخ الاحتلال الفرنسي ومقاومة الشعب التونسيالاحتلال الفرنسي لكن فرنسا قمعت المقاومة التونسية بمنتهي الشدَّة، ثم أخذت بعدذلك في تثبيت الوضع الاحتلالي بالبلاد؛ فأنشأت مجلسًا استشاريًّا، وفتحت الباب لمنيُريد أن يهاجر لتونس من الفرنسيين والإيطاليين، واشتدت وطأة الفرنسيين على أهلالبلاد، وأحسَّ بذلك المسلمون؛ ذلك لأن فرنسا كانت تُرَكِّز على تذويب الهويةالإسلامية لأي بلد تدخله، وتستهدف النواحي الثقافية للمسلمين؛ مما جعل المسلمينينتفضون مرَّة بعد مرَّة، وفرنسا في كل مرَّة تستخدم الشعار المعروف (لا هوادة).
ثمبين صفحات الكتاب بيان لأهم التأثيرات الثقافية للاحتلال فيتونس، وسرد بعض الصفحات الهمجية في تعامل فرنسا مع تونس حتى إعلانالجمهورية في تونس في (28-12-1376هـ/ 25-7-1957م) وإلغاء الملكية، وقد جاء إعلانالجمهورية بعد عام ونصف من إعلان الاستقلال، لتتكرَّس هيمنة الزعيم الحبيب بورقيبةوحزبه -الحزب الحر الدستوري الجديد- على الحياة السياسية وأركان الدولة.

الحبيب بورقيبة.. زين العابدين بن علي

يستعرضالكتاب الفترة الرئاسية للحبيب بورقيبة الذي تم اختياره كأول رئيس لجمهورية تونسبعد إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في 25 يوليو 1957م، وذلك بعد خلع الملك محمدالأمين باي. وقد أعيد انتخابه في سدة الحكم بتونس إلى أن استنفد دوراته القانونية،ثم نودي به رئيسًا مدى الحياة مع تردِّي صحَّة بورقيبة وتحديدًا في ٧ نوفمبر١٩٨٧م، ثم قام زين العابدين بن علي -الذي كان مديرًا عامًّا للأمن- بتنحيته، وأعلننفسه رئيسًا جديدًا للجمهورية، فيما عُرف باسم تحوُّل السابع من نوفمبر، وما زالفي سدة الحكم حتى خلْعه في يوم الجمعة الرابع عشر من يناير عام 2011م، معبيان الجرائم التي ارتكبها كل من الحبيب بورقيبة وبن علي في حق الإسلام والمسلمينهناك.

ثورة الياسمين 2011

فيهذا الكتاب معايشة مع أحداث ووقائع الثورة التونسية منذ صباح يوم الجمعة 17ديسمبر 2010م وانتحار الشاب محمد البوعزيزي الذي أشعل فتيل الثورة، ثمتوالى الاحتجاجات في سيدي بوزيد وأحداثالقمع المتتالية من قوات الأمن التي أطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين، زاد الأمراشتعالاً إعلان وفاة الشاب محمد البوعزيزي يوم الثلاثاء 4 يناير 2011م، وتسبب موتهفي اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات في ولاية سيدي بوزيد، لتنتشر بعد ذلك في عددمن الولايات التونسية على غرار تونس العاصمة، وسوسة، وصفاقس، وقفصة، والقصرين،والكاف ، وقابس، ولم تنجح كل محاولات الطاغية بن علي في تفريق جموع المتظاهرين.
وأخيرًااهتزَّ عرش الفرعون.. لقد ظهر بن علي على شاشة التلفاز، الخميس 13 يناير، ليُلقيخطابًا غير مسبوق‏؛ يُعلن فيه أنه فهم الشعب التونسي -أخيرًا- ويُعلن استجابتهلمطالب الشعب، وعدم الترشح للانتخابات الرئاسية التونسية المقبلة في ‏2014م،‏كمايُعلن عن تشكيل لجنة "مستقلة" للتحقيق في الفساد‏,‏ ويطلق حرية الإعلامويلغي الرقابة على الإنترنت‏..
ثميجيء يوم الجمعة 14 يناير 2011م ليزفَّ إلى أهل تونس وسائر بلاد العالم العربي والإسلاميخبرًا سعيدًا، هو فرار بن علي إلى السعودية؛ ففي قرابة السابعة والنصف من مساءالجمعة أعلن رئيس الحكومة التونسية محمد الغنوشي عن تنحي بن علي عن السلطة،وتولِّيه ممارسة مهام رئيس الدولة بصفة مؤقتة. فقال الغنوشي في بيان تلاه عبرالتلفزيون الرسمي محاطًا برئيسي مجلس النواب التونسي فؤاد المبزع، ومجلسالمستشارين عبد الله القلال عن تسلمه الحكم: "طبقًا لأحكام الفصل 56 منالدستور".

في الختام

هذههي قصة تونس حتى يناير 2011م..
قصةامتزجت فيها مشاعر الألم والفرحة، والحزن والسعادة..
ألمٌلِمَا مرَّتْ به تونس من مآسٍ وأزمات على يد رجال ينتسبون إليها، وفرحةٌ لبقاءالإسلام فيها رغم كيد الكائدين..
سعادةٌلتحرُّك الشعب وثورته وانتفاضته ضد الطغيان، وحزنٌ لكون التوجُّه الإسلامي للثورةغير واضح، وبالتالي قد تنتقل تونس من وضع سيئ إلى وضع لا يختلف عن الأول كثيرًا.
ومعذلك، فإن ذلك يدعونا للتفاؤل..
حتىلو سُرقت الثورة..
وحتىلو تدخلت فرنسا وأمريكا..
لقد"ذاق" الشعب طعم الحرية ولو لساعات، ومَنْ ذاق عرف، ومَنْ عرف اشتاق لمايعرف، ولن تهدأ نفس الشعب التونسي -بإذن الله- إلا عندما ينال حريته كاملة


نبذة عن الكتاب
عنوانالكتاب/ قصةتونس من البداية إلى ثورة 2011م.
المؤلف/أ.د. راغب السرجاني.
الطبعةالأولى/ 1432هـ = 2011م.
الناشر/ط1 - دار أقلام للنشر والتوزيع والترجمة - القاهرة، 2010م، ص91، 24سم.