حاجة الداعية إلى فن الجدل والمناظرة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: حاجة الداعية إلى فن الجدل والمناظرة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,624

    افتراضي حاجة الداعية إلى فن الجدل والمناظرة

    [حاجة الداعية إلى فن الجدل والمناظرة]
    من المتطلبات الضرورية للداعية حاجته إلى فهم أصول الجدال، والحوار، والمناظرة؛ فإن كثيرا من الناس بدافع المحبة والعاطفة للإسلام يفسد أكثر مما يصلح، إما بالسب والشتم للمقابل، أو بعدم التمكن من التحاور لسرعة غضبه وحمقه، وقد يكون البعض من الدعاة صيدا ثمينا لخاتل مارق يريد أن يفسد عليه، وذلك بإثارته، والتشغيب عليه، وجره إلى شبهات ينهزم أمامها في أول جولة، إن لم تتزعزع ثوابته، وتختلط عليه الأمور، وقد رأينا شيئًا من هذا في مناسبات متعددة.

    ولذلك ينبغي على الداعية أن ينظر في ما كتب استقلالا في أصول الجدل والمناظرة، وما تضمنته كتب أصول الفقه من شروط وآداب الجدل والمناظرة، وأن يتدرب على ذلك، وألا يدخل الماء إلا وهو يحسن السباحة؛ وأيضا قد يكون من المناسب والمفيد أن يطلع على الأجوبة المسكتة، في مناظرات الأئمة، خاصة في أبواب الاعتقاد؛ ليعتاد على مثلها، ولتكون حاضرة إذا ورد عليه شبيهها ومثلها.


    ومن أجمل ما وقفت عليه من المناظرات والتي تمثل قواعد المحاورة الصحيحة وكيفية المحاجة ومعرفة تراتيب الأشياء والاستدلال بنصوص الوحيين ما حصل في فتنة القول بخلق القرآن، فقد ذكر صالح بن علي الهاشمي قال: "حضرت يوما من الأيام جلوس المهتدي للمظالم، فرأيت من سهولة الوصول إليه ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته، فأقبلت أرمقه ببصري إذا نظر في القصص، فإذا رفع طرفه إلي أطرقت، فكأنه علم ما في نفسي، قال لي: يا صالح، أحسب أن في نفسك شيئا تحب أن تذكره، قال: فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأمسك، فلما فرغ من جلوسه أمر ألا أبرح ونهض، فجلست جلوسا طويلا، فقمت إليه وهو على حصير الصلاة، فقال لي: يا صالح، أتحدثني بما في نفسك أم أحدثك به؟ فقلت: بل هو من أمير المؤمنين أحسن، فقال: كأني بك وقد استحسنت ما رأيت من مجلسنا، فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول بقول أبيه من القول بخلق القرآن! فقلت: نعم.
    فقال: قد كنت على ذلك برهة من الدهر، حتى أقدم على الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث من أذنه من الثغر الشامي مقيد طوال حسن الشيبة، فسلم غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عيني الواثق والرحمة عليه.
    فقال: يا شيخ، أجب أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد عما يسألك عنه.
    فقال: يا أمير المؤمنين، أحمد يصغر ويضعف ويقل عند المناظرة.
    فرأيت الواثق وقد صار مكان الرحمة عليه والرقة له غضبا، فقال: أبو عبد الله يصغر ويضعف ويقل عند مناظرتك؟ ! فقال: هون عليك يا أمير المؤمنين، أتأذن في كلامه؟ فقال له الواثق: قد أذنت لك.
    فأقبل الشيخ على أحمد، فقال: يا أحمد، إلام دعوت الناس؟ فقال أحمد: إلى القول بخلق القرآن، قال له الشيخ: مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها من القول بخلق القرآن أداخلة في الدين فلا يكون الدين تاما إلا بالقول بها؟ قال: نعم، قال الشيخ: فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إليها أم تركهم؟ ؛ قال: تركهم، قال له: فعلمها أم لم يعلمها؟ قال: علمها، قال: فلم دعوت الناس إلى ما لم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم منه؟ فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه واحدة.

    ثم قال له: أخبرني يا أحمد، قال الله تعالى في كتابه العزيز: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] فقلت أنت: إن الدين لا يكون تاما إلا بمقالتك بخلق القرآن، فالله عز وجل أصدق في تمامه وكماله أم أنت في نقصانك؟ ! فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، وهذه ثانية.

    ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها فيما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أم لا؟ فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، وهذه ثالثة.

    ثم قال له بعد ساعة: أخبرني يا أحمد لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالتك هذه التي دعوت الناس إلى القول بها اتسع له أن أمسك عنهم أم لا؟ قال أحمد: بل اتسع له ذلك، فقال الشيخ: وكذلك لأبي بكر، وكذلك لعمر، وكذلك لعثمان، وكذلك لعلي رحمة الله عليهم؟ قال: نعم.

    فصرف وجهه إلى الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين، إذا لم يتسع لنا من اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وسع الله علينا، فقال الواثق: نعم، لا وسع الله علينا إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه.

    ثم قال الواثق: اقطعوا قيوده، فلما فكت جاذب عليها، فقال الواثق: دعوه، ثم قال: يا شيخ، لم جاذبت عليها؟ قال: لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليها، فإذا أخذتها أوصيت أن تجعل بين بدني وكفني حتى أقول: يا ربي، سل عبدك: لم قيدني ظلما وأراع بي أهلي؟ فبكى الواثق وبكى الشيخ وكل من حضر.

    ثم قال له الواثق: يا شيخ، اجعلني في حل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقرابتك منه؛ فتهلل وجه الواثق وسر، ثم قال له: أقم عندي آنس بك، فقال له: مكاني في ذلك الثغر أنفع، وأنا شيخ كبير، ولي حاجة، قال: سل ما بدا لك، قال: يأذن أمير المؤمنين في الرجوع إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم، قال: قد أذنت لك، وأمر له بجائزة فلم يقبلها؛ فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة، وأحسب أيضا أن الواثق رجع عنها([1]).


    [1] ـ البصيرة في الدعوة إلى الله (ص: 126ــ 127/ط الإمام مالك أبو ظبي)، وقد نقل الشيخ المناظرة من الاعتصام للشاطبي (2/46-48/تـ مشهور).

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,624

    Lightbulb رد: حاجة الداعية إلى فن الجدل والمناظرة

    (1)
    مناظرة بين واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد

    كان واصل بن عطاء الغزالي طويل العنق جدا حتى عابه بذلك عمرو بن عبيد وذلك أنه لما حضر واصل يوم أراد مناظرة عمرو فراءاه عمرو من قبل أن يكلمه قال: أرى عنقا لا يفلح صاحبها فسمعه واصل، فلما سلم وجلس قال لعمرو: أما علمت أن من عاب الصنعة فقد عاب الصانع لتعلق ما بينهما؟ فاسترجع عمرو، وقال: لا أعود إلى مثلها يا أبا حذيفة، ثم ناظره واصل فقطعه.
    راجع: الفهرست لابن النديم (1/209/ط دار المعرفة).

    (2)
    مناظرة بين أبو الحسن الأشعري وأبو علي الجبائي

    يقال إن أبا الحسن المذكور سأل أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة: أحدهم كان مؤمنا براً تقيا، والثاني كان كافرا فاسقا شقيا، والثالث كان صغيرا، فماتوا فكيف حالهم فقال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة، فقال الأشعري:
    إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات، فقال الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة، فقال الجبائي: يقول الباري جل وعلا: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك، فقال الأشعري: فلو قال الأخ الكافر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني فقال الجبائي للأشعري: انك لمجنون فقال لا بل وقف حمار الشيخ في العقبة فانقطع الجبائي وهذه المناظرة دالة على أن الله تعالى خص من شاء برحمته، وخص آخر بعذابه، وأن أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض؛ ثم وجدت في تفسير القرآن العظيم تصنيف الشيخ فخر الدين الرازي في سورة الأنعام: أن الأشعري لما فارق مجلس الأستاذ الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما، فاتفق يوما أن الجبائي عقد مجلس التذكير، وحضر عنده عالم من الناس، فذهب الأشعري إلى ذلك المجلس، وجلس في بعض النواحي مختفيا عن الجبائي، وقال لبعض من حضره من النساء: أنا أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ، ثم علمها سؤالا بعد سؤال، فلما انقطع الجبائي في الأخير رأى الأشعري، فعلم أن المسألة منه لا من العجوز؛ ورأيت في كتاب المسالك والممالك لابن حوقل في فصل خوزستان أن جبى مدينة ورستاق عريض مشتبك العمائر بالنخل وقصب السكر وغيرهما. قال: ومنها أبو علي الجبائي الشيخ الجليل إمام المعتزلة ورئيس المتكلمين في عصره.
    راجع: وفيات الأعيان لابن خلكان (4/269)
    (3) .
    مناظرة أبي الهذيل العلاف ليهودي في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية" (4/101/ط مجمع الملك فهد): يذكر عن أبي الهذيل العلاف أنه قال: دخلت دار النظر وفيها يهودي قد ناظر قوماً من المتكلمين في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ألستم توافقوني على أن موسى رسول الله،
    فقالوا بلى،
    قال: وأنا أخالفكم على أن محمداً رسول الله، والمتفق على نبوته خير من المختلف في نبوته أو نحو هذا الكلام،
    قال فقلت: تعالَ ناظرني،
    قال: قد انقطع شيوخك معي،
    فقلت: ناظرني فأعاد حجته،
    فقلت له: من موسى الذي وافقتك على نبوته؟ أموسى بن عمران الذي أنزل الله عليه التوراة التي فيها خبر محمد صلى الله عليه وسلم، وموسى الذي بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ الله عليه الميثاق ليؤمنن به ولينصرنه، وأخذ الميثاق على قومه ليؤمنن به ولينصرنه، أم موسى الذي قال تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وذكر أن شريعته لا تنسخ أبداً، أما الأول فإني أوافقك على نبوته ونبوته مستلزمة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الثاني فلا أؤمن به، ولا أوافقك على نبوته.
    صفحتي على الفيس بوك
    كتب خانة


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •