خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 28 من 28

الموضوع: خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية

    جزاك الله خيراً وبارك فيه أخي كمال ياسين
    لكن أرجو التنبه إلى أن جوابكم علينا يجب أن يحدد موضع اعتراضي على ابن حزم ، فإني قد قرأت ما كتبتم في (ملتقى المذاهب الفقهية) فلم أركم تنبهتم لذلك ، فاعترضتم مثلاً بأن ابن حزم استدل على المالكية بحديث حفصة رضي الله عنها ، ولم أخالف أنا في ذلك بل ذكرته وقلت :
    [ولو أنه اقتصر في رده عليهم على حديث حفصة وغيرها وعلى فعل الصحابة الذين لا يعلم لهم مخالف ، وعلى أن دعوى أن رمضان رمضان كالصلاة الواحدة لا برهان عليها ، لكفاه]
    ولي طلب آخر ، وهو أن تنشروا ردكم في (ملتقى المذاهب الفقهية) أيضاً لتعم الفائدة ، وبخاصة أني ابتدأت الموضوع هناك وأنكم قد نشرتم جوابكم الأول هناك ، فالأخوة ينتظرون باقي ردودكم في غالب الظن.
    ونرجو لنا ولكم التوفيق



  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية

    خاطرة (17) قال رحمه الله 6/239 مسألة 758 : (مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا رُئِيَ الْهِلَالُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنْ الْبَارِحَةِ وَيَصُومُ النَّاسُ مِنْ حِينَئِذٍ بَاقِيَ يَوْمِهِمْ - إنْ كَانَ أَوَّلَ رَمَضَانَ - وَيُفْطِرُونَ إنْ كَانَ آخِرَهُ، فَإِنْ رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ.
    بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فَخَرَجَ مِنْ هَذَا الظَّاهِرُ إذَا رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقِّنِ، وَلَمْ يَجِبْ الصَّوْمُ إلَّا مِنْ الْغَدِ؛ وَبَقِيَ حُكْمُ لَفْظِ الْحَدِيثِ إذَا رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ، لِلِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ؛ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى النَّصِّ.
    وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْهِلَالَ إذَا رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّمَا يَرَاهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ وَالشَّمْسُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ مَعَ حَوَالَةِ الشَّمْسِ دُونَهُ إلَّا وَقَدْ أَهَلَّ مِنْ الْبَارِحَةِ وَبَعُدَ عَنْهَا بُعْدًا كَثِيرًا)
    أقول : أما استدلاله بحديث «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فنورد عليه سؤال :
    أترى من رأى الهلال في أول صفر يجب عليه صومه لرؤيته ؟
    ولا شك أن الجواب : لا . فنسأل : فمتى يجب الصوم برؤيته ؟
    ولا شك أن الجواب أنه يجب إن كان لرمضان .
    فنقول : فقد صار معنى الحديث : "صوموا رمضان لرؤية الهلال وأفطروا شوال لرؤية الهلال" فمن أين لكم أن نهار آخر شعبان هو من رمضان حتى يشمله الحديث ؟ فإن الخصم يقول : هو من شعبان فلا يكون مقصوداً بالحديث .
    وهكذا آخر رمضان سواء بسواء. أما قوله : (فَخَرَجَ مِنْ هَذَا الظَّاهِرُ إذَا رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقِّنِ)
    أقول : لا إجماع يقيني في المسألة ، فعَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ غَابَ بِالسَّوَادِ، فَأَبْصَرُوا الْهِلَالَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فَأَفْطَرُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «أَنَّ الْهِلَالَ إِذَا رُئِيَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ لِلْيَوْمِ الْمَاضِي فَأَفْطِرُوا، فَإِذَا رُئِيَ هِلَالٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ لِلْيَوْمِ الْجَارِي، فَأَتِمُّوا الصِّيَامَ»
    وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، أَنَّ النَّاسَ رَأَوْا هِلَالَ الْفِطْرِ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: رَآهُ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ عُثْمَانُ، «أَمَّا أَنَا فَمُتِمٌّ صِيَامِي إِلَى اللَّيْلِ» قَالَ: «وَرُئِيَ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ فَتَوَعَّدَ مَرْوَانُ مَنْ أَفْطَرَ» قَالَ سَعِيدٌ: «فَأَصَابَ مَرْوَانُ»
    فكل من أفطر فهو مخالف لا محالة حال إفطاره ، وفعلهم دليل على أنهم يعتقدون أن الهلال بعد الزوال هو لذلك اليوم أو لليلة التي قبله، ولا دليل على أنهم رجعوا عن قولهم ولا دليل على أنهم ليسوا من أهل العلم المعتد بقولهم ، فبطل ما زعمه من اليقين.
    أما ما ذكره من الرأي وقوله (ولا شك ...) إلى آخر كلامه فمردود برأي غيره وبشك كل من خالفه ، بل هم يظنون ـ على الأقل ـ أن رأيه خطأ لا يرتفع إلى درجة الظن الشك المستوي الطرفين فضلاً عن أن يكون مظنوناً بل فضلاً عن أن يكون يقيناً لا شك فيه.
    والله أعلم.

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية

    خاطرة (18) قال رحمه الله 6/759 مسألة 759 : (لَا يَضُرُّ الصَّوْمَ تَعَمُّدُ تَرْكِ السَّحُورِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُكْمِ اللَّيْلِ وَالصِّيَامُ مِنْ حُكْمِ النَّهَارِ، وَلَا يَبْطُلُ عَمَلٌ بِتَرْكِ عَمَلٍ غَيْرِهِ إلَّا بِأَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ نَصٌّ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ)
    أقول : في كلامه نظر فالنية إن تركها عمداً في الليل بطل صيامه في النهار .

    فإن قيل : قد استثناه بقوله (إلَّا بِأَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ نَصٌّ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ)
    قلنا : فقد روى ابن حزم رحمه الله عن عمرو ابن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السُّحُورِ» الحديث أخرجه مسلم ، فمن تعمد ترك السحور فقد تعمد أن يصوم صيام أهل الكتاب وأن لا يصوم صيامنا، وقد تقدم عن ابن حزم رحمه الله قوله عند كلامه على المعاصي من المفطرات : (وَمَنْ لَمْ يَصُمْ كَمَا أُمِرَ، فَلَمْ يَصُمْ) ولا شك أن من صام صوم أهل الكتاب دون صيام المسلمين لم يصم كما أمره الله . هذا مقتضى كلامه ومذهبه.
    والله أعلم

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية

    خاطرة (19) قال رحمه الله : (وَمَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ فِي بَاقِيهِ وَلَا أَنْ يَشْرَبَ، وَلَا أَنْ يُجَامِعَ وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى إنْ فَعَلَ - وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ صَائِمٍ - والله أعلم )
    وفرق بينه وبين من انقضى حيضها ونفاسها في نهار رمضان وقادم من سفر ومن أسلم والمفيق من المرض ومن يبلغ في نهار رمضان لم يرَ وجوب الإمساك عليهم ، وزعم أن لا تناقض من أجل أن متعمد الفطر عاصٍ ومن ذكرنا ليسوا بعاصين بل مطيعين ، ولا فرق بل التناقض لازم له من أجل أن الفطر عنده لم يكن متعلق بالطاعة والمعصية ، بل بكون الأمساك بعض الفطر ليس بصيام وغير مجزٍ عن ذلك اليوم ، فإنه قال في غير المتعمد العاصي : (فَصَحَّ أَنَّهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ غَيْرُ صَائِمِينَ أَصْلًا، وَإِذَا كَانُوا غَيْرَ صَائِمِينَ فَلَا مَعْنَى لِصِيَامِهِمْ، وَلَا أَنْ يُؤْمَرُوا بِصَوْمٍ لَيْسَ صَوْمًا، وَلَا هُمْ مُؤَدُّونَ بِهِ فَرْضًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا هُمْ عَاصُونَ لَهُ بِتَرْكِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ) 3/242 وهذا القدر مشترك بين العاصي والمطيع ، فإن من أفطر عمداً فليس بصائم ، ولا معنى لصيامه ، ولا في أمره بصوم ليس هو بصوم ، ولا هو بإمساكه بعد فطره يكون مؤدٍّ لفرض الله ، ولا دليل على أنه عاصٍ بترك الإمساك بعد الفطر ، وإنما معصيته في فطره الحاصل بتعمد الأكل أو الشرب أو الجماع أو القيء أولاً ، أما بعده فليس شيء من ذلك فطراً لعدم وجود الصوم حينئذٍ ، ولا هو تزيد في الفطر كما زعمه ، وإلا كان تنقيصاً للصوم ، فإن لم يكن بعد فطره صيام ينقص ، فليس ثمة فطر يزيد ، بل فطر فقط.
    أما ما نقله من الإجماع ، فهو على أنه عاصٍ بتعمد الفطر ، ولا إجماع على أنه عاصٍ بالأكل بعد الفطر ، كيف وقد نقل هو الخلاف فيه عن الحسن وعطاء.
    والله أعلم

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية

    خاطرة (20) قال رحمه الله 6/243 مسألة 762 : (وَمَنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ - سَفَرَ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَا طَاعَةَ وَلَا مَعْصِيَةَ - فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الْفِطْرُ إذَا تَجَاوَزَ مِيلًا، أَوْ بَلَغَهُ، أَوْ إزَاءَهُ، وَقَدْ بَطَلَ صَوْمُهُ حِينَئِذٍ لَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَقْضِي بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ، وَلَهُ أَنْ يَصُومَهُ تَطَوُّعًا، أَوْ عَنْ وَاجِبٍ لَزِمَهُ، أَوْ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ خَالٍ لَزِمَهُ، وَإِنْ وَافَقَ فِيهِ يَوْمَ نَذْرِهِ صَامَهُ لِنَذْرِهِ) أقول : قد كنت أفردت هذه المسألة بموضوع يمكنك أن تراه هنا :
    http://www.feqhweb.com/vb/t11193.html

    أما قوله : (سَفَرَ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَا طَاعَةَ وَلَا مَعْصِيَةَ)
    أقول : وإذا قد بان لك صحة ما ذهب إليه الجمهور ، فاعلم أنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم في صيام السفر قوله : (هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا، فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) وصح عنه قوله : (إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ)
    وإذا قد ثبت أن الفطر رخصة ، وأنه أقوى للمسافر على مقصوده بالسفر، فمن أباح لمن أراد بسفره المعصية الفطر فقد رخص له في التقوي على معصيته ، وهو لا يجوز لعموم قوله سبحانه {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وكيف يتقيه من يتقوى بالفطر ليعصيه ، وكيف يتقيه من يقول للمسافر ليعصي الله : "إفطر فإنه أقوى لك" ؟!
    أما قوله : (وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ: أَنَّ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ، أَوْ ضَارَبَ قَوْمًا ظَالِمًا لَهُمْ مُرِيدًا قَتْلَهُمْ، وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ فَدَفَعُوهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَثْخَنُوهُ ضَرْبًا فِي تِلْكَ الْمُدَافَعَةِ حَتَّى أَوْهَنُوهُ؛ فَمَرِضَ مِنْ ذَلِكَ مَرَضًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَا عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا؛ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا وَيَقْصُرُ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَرَضِ الْمَعْصِيَةِ وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ)
    أقول : لو رددنا عليه السؤال وقلنا : بل أين الجامع بينهما ، لما وجد سوى اشتراكهما في الإضافة إلى المعصية لا غير ، ولا يعتمد هذا أحد شم من العلم عموماً والقياس خصوصاً شمة وفقهها ، لكن دفعاً للشغب نقول :
    السفر للمعصية وسيلة إليها والفطر فيه تقوية على فعل المقصود بها، والمرض بسبب المعصية نتيجة لها لا وسيلة والفطر فيه لا يقوي على فعل المعصية ؛ لأنها قد انقضت.
    ولو شغبنا عليه كما فعل لقلنا : وإن استوى السفر والمرض في الإضافة إلى المعصية ، فقد اختلفت المعصية فيما إضيفت إليه وهو السفر والمرض ، فمن إين له أن المضاف مؤثر دون المضاف إليه ، ولم لا يكون المضاف إليه هو العلة دون المضاف.
    ولا حاجة إلى مثل هذا ، لكنه رحمه الله لا يكتفى بالرد حتى يضيف إليه من الشغب والتشنيع على خصومه ما يستعديهم به على نفسه ، رحمه الله وغفر لنا وله.
    والله أعلم.

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية

    قال رحمه الله 6/243-244: (وَأَمَّا الْمِقْدَارُ الَّذِي يُفْطِرُ فِيهِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مُتَقَصَّى - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَنَذْكُرُ هَاهُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ طَرَفًا -: وَهُوَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ حَدَّ السَّفَرَ [الَّذِي يُفْطِرُ فِيهِ] مِنْ الزَّمَانِ بِمَسِيرِ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ، وَمِنْ الْمَسَافَاتِ بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْمَدَائِنِ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ؟ وَحَدَّ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا ...) إلى آخر ما قاله رحمه الله.
    أقول اختصاراً : ذهب الجمهور إلى أن القصر والفطر في السفر من أجل المشقة ، فالسفر وإن كان عاماً يشمل القصير والطويل ، إلا أن المقصود الذي هو دفع المشقة لا يحصل إلا في السفر الذي فيه مشقة ، ولذا لم يعتمد الصحابة هذا العموم ويحكموا به في كل سفر ، بل حدد كثيرٌ منهم مقدار السفر الطويل الذي يحل فيه القصر والفطر ، وهم أعلم بدلالات الألفاظ عموماً وبمعاني ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصاً من غيرهم ، فلو كان عدم الالتزام بالعموم هنا وتخصيصه بالعلة أو المقصود من النص معيباً ، كان أحق الناس بالعيب الصحابة رضي الله عنهم وحاشاهم .
    وإذا عرفت هذا فقد بحث فقهاء الجمهور عن المشقة المعتبرة شرعاً في السفر ، وذلك بالنظر إلى أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ترخص فيها بالقصر ، ثم النظر في أقل مسافة اتفق على القصر فيها الصحابة رضي الله عنهم ثم في باقي ما اختلفوا فيه ودليله .
    فكل تشنيع يطلقه عليهم ابن حزم رحمه الله يتناول الصحابة أولاً .
    على أن ابن حزم رحمه الله ليس من مطلقي الحكم في كل سفر ، بل قيده بالخروج عن المحلة مقدار ميل فقال 5/19-20 : (وَالسَّفَرُ: هُوَ الْبُرُوزُ عَنْ مَحَلَّةِ الْإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ، هَذَا الَّذِي لَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ - الَّتِي بِهَا خُوطِبْنَا وَبِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ - سِوَاهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ إلَّا مَا صَحَّ النَّصُّ بِإِخْرَاجِهِ؟ ... فَلَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نُوقِعَ اسْمَ سَفَرٍ وَحُكْمَ سَفَرٍ إلَّا عَلَى مَنْ سِمَاهُ مَنْ هُوَ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ سَفَرًا، فَلَمْ نَجِدْ ذَلِكَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ ، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ خَرَجْت مِيلًا لَقَصَرْت الصَّلَاةَ، فَأَوْقَعْنَا اسْمَ السَّفَرِ وَحُكْمَ السَّفَرِ فِي الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ عَلَى الْمِيلِ فَصَاعِدًا، إذْ لَمْ نَجِدْ عَرَبِيًّا وَلَا شَرِيعِيًّا عَالِمًا أَوْقَعَ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ اسْمَ سَفَرٍ، وَهَذَا بُرْهَانٌ صَحِيحٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ)
    فقيَّد السفر واتبع في ذلك قول صحابي خالفه غيره ، فاستوى بذلك مع الجمهور ، غير أنه خالفهم بعدم مراعاة مقصد أصلاً ، فكانوا هم أحق بالصواب منه ، حيث المشقة فيما قدروه ظاهرة وانتفاءها فيما قدره هو ظاهر أيضاً.
    على أن استدلاله بأثر ابن عمر لا دلالة فيه، وأقل منه قد ورد لا كما زعم.
    فعن محمد بن كعب قال : (أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر ، وقد رُحِّلت راحلته ، ولبس ثياب السفر ، فدعا بطعام فأكل ، فقلت : سنة ؟ قال : سنة ، ثم ركب) رواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن ، وصححه ابن العربي والضياء المقدسي وغيرهم وقد جمع الشيخ الألباني رحمه الله الكلام عليه في رسالته (تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر والرد على من ضعفه).
    فدل على أن من رحلت راحلته ولبس ثياب السفر وعزم عليه فهو مسافر ولو كان في المحلة.
    فإن قال : كلا ، بل هذا دليل على جواز الفطر لمن هذا حاله عند أنس ، لا أن فعله هذا سفر.
    قلنا : فهلا قلتم ذلك في رواية ابن عمر!
    وليس في كلام ابن عمر رضي الله عنه أن من خرج عن المحلة أقل من ميل ليس بمسافر ، بل غايته أنه ليس له أن يفطر ما لم يبلغ خروجه عن محلته ميلاً ، ويبطله ما ذكره هو عن ابن عمر بأسانيد صححها أنه لا يُقصر في أقل مما بين المدينة وخيبر ، والتوفيق بين الروايتين أن ابن عمر رضي الله عنه إن أراد أن يسافر سفراً بمقدار ما بين المدينة وخيبر ابتدأ القصر من خروجه عن المحلة نحو ميل ، وإن أراد سفراً أقصر مما بين المدينة وخيبر لم يقصر أصلاً. وهذا جمع بسيط واضح متعين ، وهو خير من حمل روايتيه على التناقض.
    وقد نقل هو عن أهل اللغة أن السفر هو البروز عن محلة الإقامة ، وهذا يعم الخروج عن المحلة مقدار ميل وفوقه ودونه ، فبطلت دعواه عدم وجود من أطلق السفر على ما دون الميل.
    والجمهور لا يخالفون في كون من خرج عن محلته يبتدء القصر ، وإن اختلفوا في بعض تفاصيل الخروج عن المحلة ، ومنهم من أباح القصر قبل الخروج عن المحلة ما دام خرج لسفر طويل.
    فبان أنهم أحق بالظاهر منه ، وأحق منهم بالظاهر من قال بجواز القصر في كل سفر ولو لم يبلغ ميلاً واحداً خارج المحلة ، لكن هذا جمود.
    والله أعلم.قال رحمه الله 6/243-244: (وَأَمَّا الْمِقْدَارُ الَّذِي يُفْطِرُ فِيهِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مُتَقَصَّى - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَنَذْكُرُ هَاهُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ طَرَفًا -: وَهُوَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ حَدَّ السَّفَرَ [الَّذِي يُفْطِرُ فِيهِ] مِنْ الزَّمَانِ بِمَسِيرِ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ، وَمِنْ الْمَسَافَاتِ بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْمَدَائِنِ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ؟ وَحَدَّ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا ...) إلى آخر ما قاله رحمه الله.
    أقول اختصاراً : ذهب الجمهور إلى أن القصر والفطر في السفر من أجل المشقة ، فالسفر وإن كان عاماً يشمل القصير والطويل ، إلا أن المقصود الذي هو دفع المشقة لا يحصل إلا في السفر الذي فيه مشقة ، ولذا لم يعتمد الصحابة هذا العموم ويحكموا به في كل سفر ، بل حدد كثيرٌ منهم مقدار السفر الطويل الذي يحل فيه القصر والفطر ، وهم أعلم بدلالات الألفاظ عموماً وبمعاني ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصاً من غيرهم ، فلو كان عدم الالتزام بالعموم هنا وتخصيصه بالعلة أو المقصود من النص معيباً ، كان أحق الناس بالعيب الصحابة رضي الله عنهم وحاشاهم .
    وإذا عرفت هذا فقد بحث فقهاء الجمهور عن المشقة المعتبرة شرعاً في السفر ، وذلك بالنظر إلى أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ترخص فيها بالقصر ، ثم النظر في أقل مسافة اتفق على القصر فيها الصحابة رضي الله عنهم ثم في باقي ما اختلفوا فيه ودليله .
    فكل تشنيع يطلقه عليهم ابن حزم رحمه الله يتناول الصحابة أولاً .
    على أن ابن حزم رحمه الله ليس من مطلقي الحكم في كل سفر ، بل قيده بالخروج عن المحلة مقدار ميل فقال 5/19-20 : (وَالسَّفَرُ: هُوَ الْبُرُوزُ عَنْ مَحَلَّةِ الْإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ، هَذَا الَّذِي لَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ - الَّتِي بِهَا خُوطِبْنَا وَبِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ - سِوَاهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ إلَّا مَا صَحَّ النَّصُّ بِإِخْرَاجِهِ؟ ... فَلَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نُوقِعَ اسْمَ سَفَرٍ وَحُكْمَ سَفَرٍ إلَّا عَلَى مَنْ سِمَاهُ مَنْ هُوَ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ سَفَرًا، فَلَمْ نَجِدْ ذَلِكَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ ، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ خَرَجْت مِيلًا لَقَصَرْت الصَّلَاةَ، فَأَوْقَعْنَا اسْمَ السَّفَرِ وَحُكْمَ السَّفَرِ فِي الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ عَلَى الْمِيلِ فَصَاعِدًا، إذْ لَمْ نَجِدْ عَرَبِيًّا وَلَا شَرِيعِيًّا عَالِمًا أَوْقَعَ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ اسْمَ سَفَرٍ، وَهَذَا بُرْهَانٌ صَحِيحٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ)
    فقيَّد السفر واتبع في ذلك قول صحابي خالفه غيره ، فاستوى بذلك مع الجمهور ، غير أنه خالفهم بعدم مراعاة مقصد أصلاً ، فكانوا هم أحق بالصواب منه ، حيث المشقة فيما قدروه ظاهرة وانتفاءها فيما قدره هو ظاهر أيضاً.
    على أن استدلاله بأثر ابن عمر لا دلالة فيه، وأقل منه قد ورد لا كما زعم.
    فعن محمد بن كعب قال : (أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر ، وقد رُحِّلت راحلته ، ولبس ثياب السفر ، فدعا بطعام فأكل ، فقلت : سنة ؟ قال : سنة ، ثم ركب) رواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن ، وصححه ابن العربي والضياء المقدسي وغيرهم وقد جمع الشيخ الألباني رحمه الله الكلام عليه في رسالته (تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر والرد على من ضعفه).
    فدل على أن من رحلت راحلته ولبس ثياب السفر وعزم عليه فهو مسافر ولو كان في المحلة.
    فإن قال : كلا ، بل هذا دليل على جواز الفطر لمن هذا حاله عند أنس ، لا أن فعله هذا سفر.
    قلنا : فهلا قلتم ذلك في رواية ابن عمر!
    وليس في كلام ابن عمر رضي الله عنه أن من خرج عن المحلة أقل من ميل ليس بمسافر ، بل غايته أنه ليس له أن يفطر ما لم يبلغ خروجه عن محلته ميلاً ، ويبطله ما ذكره هو عن ابن عمر بأسانيد صححها أنه لا يُقصر في أقل مما بين المدينة وخيبر ، والتوفيق بين الروايتين أن ابن عمر رضي الله عنه إن أراد أن يسافر سفراً بمقدار ما بين المدينة وخيبر ابتدأ القصر من خروجه عن المحلة نحو ميل ، وإن أراد سفراً أقصر مما بين المدينة وخيبر لم يقصر أصلاً. وهذا جمع بسيط واضح متعين ، وهو خير من حمل روايتيه على التناقض.
    وقد نقل هو عن أهل اللغة أن السفر هو البروز عن محلة الإقامة ، وهذا يعم الخروج عن المحلة مقدار ميل وفوقه ودونه ، فبطلت دعواه عدم وجود من أطلق السفر على ما دون الميل.
    والجمهور لا يخالفون في كون من خرج عن محلته يبتدء القصر ، وإن اختلفوا في بعض تفاصيل الخروج عن المحلة ، ومنهم من أباح القصر قبل الخروج عن المحلة ما دام خرج لسفر طويل.
    فبان أنهم أحق بالظاهر منه ، وأحق منهم بالظاهر من قال بجواز القصر في كل سفر ولو لم يبلغ ميلاً واحداً خارج المحلة ، لكن هذا جمود.
    والله أعلم.

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية

    خاطرة (21) : قال رحمه الله 6/261 مسألة (768) : (وَالْمُتَابَعَة ُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَيَقْضِيهَا مُتَفَرِّقَةً وَتُجْزِئُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وَلَمْ يَحُدَّ تَعَالَى فِي ذَلِكَ وَقْتًا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ بِخُرُوجِهِ.
    وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - نَعْنِي أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ قَضَائِهَا مُتَفَرِّقَةً ... )
    أقول : أما قوله سبحانه : {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} فهو عام يشمل جميع الطاعات ، والنوافل لا تجب المسارعة إليها ، والعامل واحد فعلمنا أنه حض على المبادرة لا إلزم بها. وقال الإسنوي رحمه الله : "فالمقتضى أن المضمر لصحة الكلام لا عموم له كما سنعرفه في العموم، فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله ولا يعم كل مأمور" (نهاية السول) ص 176 ، وفي نفسي من استدلاله هذا.
    والعمدة في رد الاستدلال بالآية حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
    ولو كانت المبادرة واجبة ما شغلها عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدل شغله صلى الله عليه وسلم لها عن البدار على عدم وجوبه.
    فإن قيل : فما وجه الدلالة على جواز التفريق.
    قلنا : لو جاز تأخير القضاء كله جاز تأخير بعضه من بابِ أولى ، وهذا بالنظر إلى أن سبب وجوب التتابع هو الأمر بالمسارعة في الآية السابقة.
    أما قراءة {متتابعات} فلم يحتج بها ابن حزم ، بل أنكر الإستدلال بها ، فلا حاجة معه إلى الكلام عليها ، وإن كان أقوى من استدلاله ولا يرد عليه ما قدمناه في حديث عائشة.
    خاطرة (22) قال رحمه الله 6/ 261 مسألة (769) : (وَالْأَسِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إنْ عَرَفَ رَمَضَانَ لَزِمَهُ صِيَامُهُ إنْ كَانَ مُقِيمًا ... فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الشَّهْرَ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ صِيَامُهُ وَلَزِمَتْهُ أَيَّامٌ أُخَرُ إنْ كَانَ مُسَافِرًا ، وَإِلَّا فَلَا.
    ... وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى صِيَامَهُ إلَّا عَلَى مَنْ شَهِدَهُ، وَبِالضَّرُورَة ِ نَدْرِي أَنَّ مَنْ جَهِلَ وَقْتَهُ فَلَمْ يَشْهَدْهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ مَعْرِفَةُ دُخُولِ رَمَضَانَ فَلَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ تَعَالَى صِيَامَهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ صَوْمُ الشَّهْرِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَوْمُ غَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
    فَإِنْ صَحَّ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا فَعَلَيْهِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمَرِيضِ فِيهِ وَالْمُسَافِرِ فِيهِ وَهُوَ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، فَيَقْضِي الْأَيَّامَ الَّتِي سَافَرَ، وَاَلَّتِي مَرِضَ فَقَطْ وَلَا بُدَّ؛ وَإِنْ لَمْ يُوقِنْ بِأَنَّهُ مَرِضَ فِيهِ أَوْ سَافَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ)
    أقول : في كلامه رحمه الله تناقض ، فإنه استدل على سقوط الصيام بعدم الشهود وأن الله لم يفرضه إلا على من شهد ، وقال (وبالضرورة ندري أن من جهل وقته فلم يشهده) وأن من كان هذا حاله فليس مكلفاً بصيامه ومن ثم ليس مكلفاً بقضاءه.
    ولو صح هذا فكان يجب على من كان مريضاً أو على سفر أن لا يقضي ، فإنه لا يجب عليه صيام عدة من أيام أخر إلا إذا شهد الشهر لقوله سبحانه {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فإذا لم تجب على المريض أو المسافر عدة من أيام أخر إلا بشهود الشهر ؛ فلم يجب عليه شيء ، ومن لم يجب عليه شيء لم يجب عليه قضاؤه.
    أما استدلاله بقوله {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ} فإن أراد بالشهود الرؤيا ، رددنا عليه بأن السنة أثبتت الصيام على من لم يرَ الهلال بشهادة العدول وبإكمال شهر شعبان ثلاثين ، وكلاهما لا رؤية فيه.
    فإن قال : الآية عامة والسنة مخصصة.
    قلنا : هذا لا يكون إلا بمفهوم المخالفة وهو مردود عندك.
    وبيانه أن الآية دلت ـ على هذا القول ـ بأن كل من لم يشهد الشهر لم يصمه بمفهومها ، أما منطوقها فمختص بمن شهد ، والسنة لم تخصص بع من شهد بوجوب الصيام ، فإن هذا حاصل بالمنطوق لكل من شهد ، ولكنها خصصت بعض من لم يشهد بوجوب الصيام متى حصل له العلم بالحساب أو بإخبار العدول.
    وعلى مذهبكم فالآية لم تدل على عدم وجب الصوم على من لم يشهد أصلاً ، إلا أن يكون ذلك عملاً بالأصل من عدم الوجوب حتى يأتِ الدليل.
    وحينئذٍ نقول : قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم على الناس الصيام حين شهد عنده أعرابي ومرة حين شهد ابن عمر ولم يعلل ذلك بكونه خبر ثقة ، والتعليل عندكم باطل ، فلا يعلل بذلك ، ولو جوزتموه وقلتم إنما أمر بذلك لكون الأعرابي وابن عمر ثقتان ، جاز لغيركم أن يعلل ويقول : إنما قبل خبر الثقتان لأن الظن بحصل بخبرهم دون غيرهم ، وعليه فكل طريق يحصل به الظن كافٍ لمن لا يقدر على أكثر منه .
    وعليه فإن الأسير إن اجتهد وحصل له الظن بأنه شهد الشهر فقد دخل في قوله سبحانه {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، وسقط عنه اعتبار الرؤيا والبحث عن خبر الثقة لقوله سبحانه {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، ولا تكون هذه الآيات دالة على سقوط فرضِ الصيام ، بل على سقوط اعتبار الرؤيا والبحث عن خبر الثقة وإكمال عدة شعبان ، لأن المعسور وما ليس في الوسع المذكور في الآيات ليس هو الصيام ، بل هذا مقدور ، وإنما المعسور الطرق المذكورة في تحصيل الوقت ، فتسقط وليس عليه سوى التحري بما أمكن.
    والله أعلم

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر : (مع ابن حزم في الصيام) في مسائل في النية

    خاطرة (23) قال رحمه الله 6/262 مسألة (770) : (وَالْحَامِلُ، وَالْمُرْضِعُ، وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ كُلُّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالصَّوْمِ فَصَوْمُ رَمَضَانَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ خَافَتْ الْمُرْضِعُ عَلَى الْمُرْضَعِ قِلَّةَ اللَّبَنِ وَضَيْعَتَهُ لِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا، أَوْ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَ غَيْرِهَا، أَوْ خَافَتْ الْحَامِلُ عَلَى الْجَنِينِ، أَوْ عَجَزَ الشَّيْخُ عَنْ الصَّوْمِ لِكِبَرِهِ: أَفْطَرُوا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ وَلَا إطْعَامَ)

    أقول : ينبغي أن لا يصح هذا عنده ، فإنهم إن كانوا مخاطبين فقد ثبت عليهم الفرض بنفس الخطاب ولا يسقط الفرض عنده بالعجز ، كما قال في خصال الكفارة : (ومنْ كانَ عاجزاً عنْ ذلكَ كله ففرضُه الإطعامُ ، وهو باقٍ عليه) ولم يثبت الفرض عليه عنده إلا بالخطاب ، ولم يسقط عنه بعجزه ، فكان ينبغي هنا أن لا يُسْقِطَ عنهم الفرض بالعجز ويجعله باقياً عليه فيصوم متى قدر.

    قال رحمه الله : (وَأَمَّا وُجُوبُ الْفِطْرِ عَلَيْهِمَا فِي الْخَوْفِ عَلَى الْجَنِينِ، وَالرَّضِيعِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» فَإِذْ رَحْمَةُ الْجَنِينِ، وَالرَّضِيعِ: فَرْضٌ، وَلَا وُصُولَ إلَيْهَا إلَّا بِالْفِطْرِ: فَالْفِطْرُ فَرْضٌ؛ وَإِذْ هُوَ فَرْضٌ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُمَا الصَّوْمُ، وَإِذَا سَقَطَ الصَّوْمُ فَإِيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا شَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى الْقَضَاءَ إلَّا عَلَى الْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ)

    أقول : قد قدم رحمه الله أنهم مخاطبون بالصيام ، وتقدم من كلامه أن من وجب عليه فرض لم يسقط بعجزه عنه ، بل هو باقٍ عليه حتى يقدر ، فلا حاجة إلى نص جديد لإثبات الفرض ، والسقوط إنما هو وقت العجز فقط.

    أما ما استدل به على وجوب الفطر على الحامل والرضيع ففيه نظر ، فإن قوله سبحانه {قد خسر الذين قتلوا أولادهم ...} هذا في القتل عدواناً عمداً ، بدليل أنه لم يقتل القاتل عدواناً لم يخسر ، وكذا قوله سبحانه {سفهاً بغير علم} فإن الصيام ليس بسفه ، والآيات والأحاديث التي فرضته علم.

    ثم إن فرض الصيام على الحامل والمرضع قد علم بيقين ، وخوف تضرر الولد ظن ، وهو لا يعمل به مع عدم المعارض ، فكيف عمل به هنا مع وجوده ؟ وقوله صلى الله عليه وسلم "من لا يرحم لا يرحم" لا دلالة فيه لأن الرحمة قد تجامع القتل كما في حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ، وَأَنَا أَرْحَمُهَا - أَوْ قَالَ: إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا - فَقَالَ: «وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ» ، فلا حاجة إلى الفعل لتحصيل الرحمة كما زعم.

    قال رحمه الله (وَإِذْ هُوَ فَرْضٌ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُمَا الصَّوْمُ، وَإِذَا سَقَطَ الصَّوْمُ فَإِيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا شَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ)

    أقول : ينبغي على ما جرى عليه من عدم سقوط الفرض بعد ثبوته أن الصيام هنا لم يسقط ، بل يفطران مع ثبوت الفرض في الذمة كما قدمناه عنه وقاله في غير ما مسألة كالرجل يجن أو يغمى عليه حال صيامه ، وفرض الفطر عليه هو سقوط خطابه بالصوم ، وقد قال 6/226 : (وَكُنَّا نَقُولُ: إذَا رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُ فَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِصَوْمٍ وَلَا بِصَلَاةٍ. ثُمَّ تَأَمَّلْنَا هَذَا الْخَبَرَ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى - فَوَجَدْنَاهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فِي حَالِ جُنُونِهِ حَتَّى يَعْقِلَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ بُطْلَانُ صَوْمِهِ الَّذِي لَزِمَهُ قَبْلَ جُنُونِهِ، وَلَا عَوْدَتُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ إفَاقَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى)

    فإن قيل : هؤلاء قد خوطبوا بالصيام ثم طرأ الجنون والإغماء ، والحامل والمرضع لم يخاطبا أصلاً به .

    قلنا : قد سلم ابن حزم رحمه الله بأنهما مخاطبان كما قدمناه عنه في أول المسألة ، ثم الخطاب عنده يثبت مع عدم القدرة كما قدمناه في من لزمه التكفير أنه إن لم يقدر على شيء منها ثبت في ذمته الإطعام يفعله متى قدر ، فإذا ثبت حصول الخطاب مع انتفاء القدرة فهو كالمجنون والمغمى عليه أيضاً في عدم سقوط الفرض الثابت بذلك الخطاب.

    قال رحمه الله 6/263 : (وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ لِكِبَرِهِ فَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الصَّوْمُ فِي وُسْعِهِ فَلَمْ يُكَلِّفْهُ. وَأَمَّا تَكْلِيفُهُمْ إطْعَامًا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إيجَابُ غَرَامَةٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ)

    وقال رحمه الله ص 264 : (احْتَجَّ مَنْ رَأَى الْإِطْعَامَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ})
    ثم قال في رد الاستدلال بها : (لَكِنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ مَا رُوِّينَاهُ قَبْلُ فِي حُكْمِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ.
    وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فَقَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، فَهَذَا هُوَ الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ)

    أقول : أما كون الكبير الذي لا يطيق الصوم لكبره فلا يجب عليه صيام ولا إطعام ، فقد قال به مالك على ما نقله عنه ابن حزم رحمه الله ، فإن صح هذا الدليل فلا شناعة على مالك رحمه الله.

    ونقول : قد دل على إطعامه قوله سبحانه {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} واعتذاره بأنه منسوخ يجاب عنه بمناقضة الدعوى ، واستدلاله بحديث ابن سيرين عن ابن عباس وسلمة بن ألأكوع أنهما قالا : "هي منسوخة" يناقضه ما رواه غيره عنه أنه قال : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» رواه البخاري وغيره.

    والتوفيق في كلام ابن عباس أولى من ضرب بعضه ببعض ، وذلك بأن نقول : إن الآية عامة تشمل من يطيق الصيام ومن لا يطيقه ، فكلهم له الإفطار والإطعام ، فنسخ الترخيص لمن يطيق الصيام ، وهو مراد ابن عباس بقوله : "هي منسوخة" وبقيت الرخصة لم لا يطيق الصيام ، وهو مراد ابن عباس رضي الله عنهما بقوله "لم تنسخ" وفي رواية عنه " لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا إِلَّا لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُشْفَى" وهذا خلاف ما كان عليه الأمر أولاً أن الرخصة كانت لمن شاء ، فهذا هو مراده بالنسخ.

    وعليه نحمل كلام سلمة بن الأكوع .

    ولو لم يرد عنهما إلا ذكر النسخ ، لما جاز لنا أن نقول بنسخ أكثر مما دلت عليه الآية الناسخة ، أما ما زاد عليها من الأحكام فهو باقٍ لأن الأصل عدم النسخ.
    والآية الناسخة لم تدل على أكثر من رفع الرخصة عن المستطيع ، أما المستطيع فهو غير مكلف بالصيام ، فبطل أن تكون الآية متعرضة لنسخ ما ثبت له في الآية قبلها.
    فعلم أن ماله واجب إخراجه بدلالة الآية ، وأخذ المد منه حلال لا حرام.

    فإن صح هذا .. بطل تشنيعه على أبي حنيفة أيضاً.


    قال رحمه الله : (وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَإِنَّهُمْ يُصَرِّفُونَ هَذِهِ الْآيَةَ تَصْرِيفَ الْأَفْعَالِ فِي غَيْرِ مَا أُنْزِلَتْ فِيهِ، فَمَرَّةً يَحْتَجُّونَ بِهَا فِي أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ، وَمَرَّةً يُصَرِّفُونَهَا فِي الْحَامِلِ، وَالْمُرْضِعِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَكُلُّ هَذَا إحَالَةٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَمَا نَدْرِي كَيْفَ يَسْتَجِيزُ - مَنْ يَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ - مِثْلَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَفِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ؟ وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ إطْعَامَ مِسْكِينٍ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ، وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ الْإِطْعَامَ عَلَيْهِ وَاجِبًا ".
    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَرَّةً كَقَوْلِ مَالِكٍ)

    أقول : أما الكلام في الشيخ فقد تقدم ، أما الحامل والمرضع ، فقد اختلف فيهما قول مالك وأبي حنيفة لأنهما من جهة أنفسهما قادرتان على الصيام ، لذا جاء في الأثر الذي أورده ابن حزم عن إبْرَاهِيمَ أَنَّ عَلْقَمَةَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ لَهُ: "إنِّي حُبْلَى وَأَنَا أُطِيقُ الصَّوْمَ وَزَوْجِي يَأْمُرُنِي أَنْ أُفْطِرَ؟ فَقَالَ لَهَا عَلْقَمَةُ: أَطِيعِي رَبَّكِ وَأَعْصِي زَوْجَكِ"
    فهي مع الحبل مطيقة للصوم ، وبالنظر إلى الجنين والرضيع غير مستطيعة ، لأنها ممنوعة لحق الغير ، فمن ألزمها الصيام متى أطاقت فلدخولها في عموم قوله سبحانه {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، ومن أسقطه عنها فلأنه راعى أن إضرارها بالجنين أو الرضيع معصية ، وهو لا تقدر على الصوم إلا بالإضرار بالجنين ، ومحال أن يكون الصيام طاعة معصية في وقت واحد ، وإنما يكون ذلك مع انفكاك الجهة ، أما إن كانت تريد أن تطيع بنفس ما به تعصي فمحال ، وعليه فهي من جملة من لا يقدر على الإتيان بالطاعة وداخلة في قوله سبحانه {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}.

    فكل متبع لنص من الكتاب ، غير مخالف للسنة ، ولا شك أن الحق من القولين واحد ، لكن ابن حزم رحمه الله لم يبينه.

    والله أعلم

    هذا آخر ما كنت علقته على ابن حزم رحمه الله في الصيام خاصة ، ولم يبقَ سوى الكلام في حديث (صوما يوماً مكانه) وما يتعلق به ، لكني ضربت عنه صفحاً لأنه بحث حديثي ، جرى فيه ابن حزم على أصله من قبول خبر كل ثقة ، والجواب عنه معروف ، لا حاجة إلى تكراره.

    ولنا تعقبات عليه رحمه الله من باب الطهارة حتى آخر الزكاة وجزء من البيوع وجزء بسيط من النكاح والطلاق والحدود.

    فإن حصل نشاط وإلا فهي على حالها حتى ننشط.

    والحمد لله على إعانته ونسأله مزيداً من عونه

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •