ابن تيمية.. المصلح الشامل والفقيه المعذب
عيد فطر مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: ابن تيمية.. المصلح الشامل والفقيه المعذب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    2,993

    افتراضي ابن تيمية.. المصلح الشامل والفقيه المعذب

    ابن تيمية.. المصلح الشامل والفقيه المعذب

    محمد حلمي عبد الوهاب
    يعد شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية (661 - 728هـ) واحدا من أكبر المحدثين والفقهاء والأصوليين والمتكلمين المجددين في تاريخ الإسلام. وعلى الرغم من أنه كان من أتباع الإمام أحمد بن حنبل؛ فإنه لم يكن يلتزم بجميع آراء ابن حنبل، بل كان يعتبر نفسه «مجتهدا في المذهب»، كما أنه لم يقاوم الفرق الإسلامية الأخرى، من خوارج ومعتزلة وشيعة وأشعرية فحسب، وإنما عارض أيضا فقهاء مذهبه، مثلما اشتهر بحملاته الضارية على المتكلمين والمتصوفين والفلاسفة! فمن المعلوم عن ابن تيمية أنه كان نتاج عصره المضطرب الذي ارتطمت فيه أمواج الفلسفة المغالية، ورياح الفرق الخارجة، حتى أبرقت وأرعدت، وبموازاة ذلك كان الضعف والانهيار السمة الرئيسية لدولة الخلافة في الداخل، فضلا عن هجوم الصليبيين والتتار على أطرافها من الخارج.

    ومن المعلوم أيضا أن ابن تيمية قد ولد في عهد الظاهر بيبرس بعد تدمير بغداد بخمس سنوات لا غير، وبعد دخول التتار إلى دمشق وحلب بثلاث سنوات فقط، فرأى بأم عينيه آثار الدمار التي خلفها هذا العدوان، وتفتحت عيناه على قصص المذابح الوحشية والدامية التي تعرض لها المسلمون آنذاك.

    عل أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فحسب؛ وإنما سرعان ما عاد التتار مرة أخرى ليشنوا حملة كبرى على مسقط رأسه «حرَّان» وهو لا يزال في سنّ السابعة! وكان من نتيجة ذلك أن فرت أسرته، شأن آلاف الأسر، إلى دمشق التي كانت تئن يومذاك تحت حكم جماعة الأتراك بتميزها في كل شيء عن المجتمع العام في الدولة.

    وفيما كانت حرّان المعروفة بالدين والعلم، مسقط رأس ابن تيمية، تدين بالمذهب الحنبلي، كانت دمشق ومصر وسائر بقاع الشام متأثرة بعادات وأخلاق الأتراك العجم والتتر المهتدين الذين كانوا يمثلون -حيذاك - عنصرا مهما في المجتمع، رغم أنهم كانوا من مخلفات الحروب التي اندلعت ما بين سيف الدين قطز والملك الظاهر وناصر الدين قلاوون من جهة، وجيش المغول من جهة أخرى.

    ومع ذلك؛ فما إن وصلت أسرة تقي الدين إلى دمشق حتى تهافت العلماء والعارفون عليها، وسرعان ما شرع والده يُدرس في الجامع الأموي، وفي دار الحديث السُّكرية، فصار مرجعا مهما لطلبة العلم.

    وقد اشتهر ابن تيمية - وهو لا يزال طفلا صغيرا بعد - بقوة الذاكرة، مما مكنه من الإلمام بالعلوم المعروفة في عصره من فقه، وحديث، ولغة، وفلسفة، وعلم كلام، وتفسير..إلخ. فلا عجب أن يقول الحافظ ابن دقيق العيد في ابن تيمية إذن: «إنني لما اجتمعت به رأيت رجلا كأنّ كلّ العلوم بين عينيه يأخذ منها ما يريد، ويدع منها ما يريد»! وكعادة كل عصر؛ ما إن توفي والده (تقي الدين) وهو لا يزال في الثانية عشرة من عمره حتى خلفه في مشيخة التدريس بدار الحديث السُّكرية. وقد حضر درسه الأول قاضي القضاة بهاء الدين بن الزَّكي الشافعي، وزين الدين بن المنجا الحنبلي، وغيرهما من سراة العلماء وكبرائهم.

    على أن الجمود كان الطامة الكبرى التي غلبت على عصر ابن تيمية، فإذا بالحلقات العلمية والتدريسية مبتلاة به، وإذا بكل فرقة أو طائفة تعتبر الخروج عن دائرتها الفقهية جريمة لا تغتفر، ناهيك عن تفاقم المشكلات الحديثة التي طرأت على المجتمع الإسلامي بحكم اختلاطهم بغير المسلمين، وتأثرهم بالعجم، وتقاعس العلماء عن محاربة ما يستجد من أهواء وضلال وبدع.

    وبسبب حملاته المستمرة على تلك الضلالات؛ تعرض ابن تيمية، الفقيه المعذب، إلى كثير من العنت والاضطهاد، حيث أنكر عليه خصومه آراءه متهمين إياه بالتجسيم، لكن شيئا من ذلك لم يكن ليفت في عضده أو يوهن من عزيمته؛ وإنما بقي حتى أيام سجنه يكتب ويفتي الناس في أمور دينهم وشؤون دنياهم.

    وكان أول ما لقيه من معارضة، حين وجه إليه بعض أهل «حماه» استفتاء في سنة 698هـ يسألونه فيه عن تحقيق العلماء في الصفتين اللتين وصف الله بهما نفسه في الآيتين الكريمتين: «الرحمن على العرش استوى»، و«ثم استوى إلى السماء».

    وما إن استهلت سنة 699هـ حتى تتابعت الأخبار بأن قازان - حاكم التتار - ينوي الغارة مجددا على الشام. وبالفعل، ما إن التقت جيوش التتار بجيش السلطان حتى هزم الأخير وقفل راجعا إلى مصر وهرب معه كبار العلماء والأعيان، وانتشرت الفتن وحطم المساجين أسوار سجونهم وخرجوا ببلائهم على الخلق.

    لكن بفضل ابن تيمية، ممثل أهل دمشق وسفير الإسلام، حصل أهل الشام على وثيقة الأمان من قازان ولكنهم عانوا، رغم ذلك، من وحشية التتار الذين سرعان ما هربوا عند سماعهم خبر خروج الجيوش المصرية لقتالهم.

    أما عن علاقته بحكام عصره، فيمكن القول إن ثمة حديثين قد علقا بذهن ابن تيمية منذ نعومة أظافره، كان لا ينفك يرددهما ويُذكّر نفسه بضرورة العمل بهما، أولهما قوله، صلى الله عليه وسلم، : «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عند الله». وثانيهما قوله، صلى الله عليه وسلم، : «لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».

    وبموازاة هذين الحديثين التزم الإمام بنصيحة الإمام علي: «لا يعرف الحق بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق». ولذلك كان شديد المؤاخذة على جميع من يعرف، خاصة فقهاء السلطة الذين انزعجوا أيما انزعاج من فتواه التي تعتبر ما يأخذونه لأجل الشفاعة لأصحاب الحقوق عند الأمراء بابا من أبواب السحت الذي لا يجوز شرعا.

    وقد استدل على ذلك بقول النبي، صلى الله عليه وسلم، : «من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له هدية فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا». أما إذا كانت هذه الشفاعة لغير صاحب حق، فإثمها مضاعف، والدليل على ذلك قول ابن مسعود عن السحت الذي ورد في القرآن: «السحت هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدي لك هدية فتقبلها»، فلما سُئل (ابن مسعود): أرأيتَ إن كانت هدية في باطل؟ أجاب: ذلك كفر، وتلا قول الله تعالى: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون».

    كما خلص ابن تيمية إلى القول أيضا بأن من أفتى بجواز الرشوة عن الشفاعة عند الولاة للحصول على حق وجعلها من باب الجعالة، أي الأجر، فإنه يكون بذلك مخالفا السنة وأقوال الصحابة والأئمة جميعا. وبطبيعة الحال؛ سرعان ما ثار عليه علماء السوء الذين كانوا يتربحون من وراء ذلك، فقد سد عليهم أبوابا واسعة للغنى! وفي السياق ذاته، أتاه رجل ذات مرة فزعا خائفا، مستجيرا مستشفعا، فالأمير قطلو بك انتزع حقه ولما ذهب يستعطفه قام بجلده! ولما نظر الإمام إلى أثر السياط، عزم على استرداد حق الضعيف من القوي، فلما توجه إليه وتكلم معه سخر منه قائلا: ولماذا أتعبت نفسك يا شيخ، أنا كنت أجيء إليك تائبا مستغفرا! لأنك عالم زاهد! فما كان من تقي الدين سوى أن استحضر مقولة الإمام الحسين لعمر بن سعد، قائد الحملة العسكرية عليه في كربلاء: «لا عليك.. فموسى عليه السلام كان خيرا مني، وفرعون كان شرا منك، وكان موسى يجيء فرعون كلّ يوم ثلاث مرات، فيقول له قولا لينا لعله يذكّر أو يخشى»!!

    وكم كان الشيخ يحب أن يحكي لطلابه قصة الإمام النووي الذي عارض إرادة الظاهر بيبرس المتعلقة بجبي الأموال من أهل الشام، بحجة أنها ستعينه على الحرب! وقد ذكّره النووي بأنه كان في الرق مملوكا للأمير البندقار، وأنه قد مَنَّ الله عليه بالملك فأصبح لديه ألف مملوك ومائتا جارية! ونتيجة لذلك؛ نفاه الظاهر إلى بلدته «نوى» ولما سُئل عن سبب امتناعه عن قتل الشيخ أجاب: «كنتُ كلما هممتُ بقتله، وهو يتكلم، شعرتُ بالذعر، وكأني أرى على عاتقه سَبْعيْن يريدان افتراسي»! أما ابن تيمية؛ فقد كان يساوي في ولاية الأمر ما بين العلماء والأمراء، ويرى أن الشورى لازمة لهما معا، يقول في ذلك: «فأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس. وإنّ على ولي الأمر أن يتبع ما يشار به عليه، ولا طاعة له في غير ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا».. وتلك قضية أخرى
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً
    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,909

    افتراضي رد: ابن تيمية.. المصلح الشامل والفقيه المعذب

    جزاك الله خيراً يا أخا عتيبة
    لا إله إلا الله
    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •