صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 18 من 18

الموضوع: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    Arrow صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    شرح الأربعين النووية
    الدرس[1]
    هذا هو اللقاء الأول بفضل الله U مع الأربعين النووية للسيد الحصور الإمام النووي رحمه الله تعالى، وبدأها بالحديث الأول قال عن أبي حفص عمر بن الخطاب t قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوله، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا، أَو امْرأَة يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد هذا الدين حتى أن بعض أهل العلم كعبد الرحمن بن مهدي وغيره قالوا: ينبغي لمن صنف كتابًا أن يبدأ فيه بهذا الحديث، لماذا ينبغي؟
    قالوا: تنبيها للطالب على تصحيح النية حتى أن الإمام أحمد وهذا القول أيضا مأثور عن الشافعي قال إن مدار الإسلام أو مدار أصول الإسلام إنما يدور على ثلاثة أحاديث فذكر منها حديث عمر الذي معنا إنما الأعمال بالنيات، وذكر منها حديث عائشة وهو من أحدث في أمرنا، وسيأتي بإذن الله، وذكر منها حديث النعمان بن بشير الحلال بين، والحرام بين، حتى أن الشافعي قال أن هذا الحديث هو ثلث الإسلام، ثلث الإسلام، وقال الشافعي يدخل في سبعين بابا من الفقه، وقيل هو ربع الإسلام.
    إذن مدار كلامنا على هذا الحديث لن ينصرف عن ربع الإسلام ولا عن ثلثه فإذن هو حديث مهم جدًا وهو أصل عظيم جدًا ونافع جدا من أصول الإسلام، قال عن أبي حفص عمر بن الخطاب t، عن أبي حفص هذه كنيته،والكنية هي ما تبدأ بأب أو أم أو غير ذلك، فهنا قال عن أبي حفص، من الذي سماه بهذه الكُنية؟ذكر أن النبي r هو الذي كناه بذلك لقوته وشدته في الحق، وأما معناها :قيل الحفص هو الشبل وهو ولد الأسد فأبو حفص هو الأسد، فإذن أبو حفص عن أبي حفص يقصد الأسد، فأبو حفص اسم من أسماء الأسد أو هو اسم لابنه، وعلى كل فإذن عمر كان أسدًا وكان فاروقا كما لقب أيضًا بذلك، أما عمر فهو عمر بن الخطاب t ابن نُفيل يجتمع نسبه مع نسب النبي r في كعب بن لؤي.
    أسلم عمر بن الخطاب t قيل في السنة السادسة من النبوة، وقيل في السنة الخامسة، وتوفي شهيدا t في سنة ثلاثٍ وعشرين من الهجرة، قال سمعت رسول الله r أما الصلاة على النبي r فأرجح الأقوال فيها قول، قول أبو العالية الذي رواه عنه البخاري أن الصلاة هي الثناء عليه في الملأ الأعلى، صلى الله عليه، أي أثنى عليه في الملأ الأعلى، وسلم، هذا دعاء أيضا للنبي r أن يسلم حيا وميتا، فأما حيا فلا يصل إليه أعداؤه ويسلم في بدنه فلا يستطيع أحد أن يغتاله أو يقتله r وهذا ما كان بفضل الله، وكذلك أيضًا ميتا، بأن يسلم جثمانه الشريف وأن تسلم سنته من التحريف، فالسنة الصحيحة هي من الذكر الذي حفظه الله U أيضًا على هذه الأمة.
    يقول «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» هذا الحديث أو هذه اللفظة وردت بألفاظ أخرى، منها ما ورد في الصحيح «إنما العمل بالنية» على الإفراد هنا قال إنما الأعمال، في بعضها الروايات في الصحيح قال: «إنما العمل بالنية» وفي بعضها «إنما الأعمال بالنية» والخلاف بين هذه الألفاظ يسير جدًا، فإن المعنى واحد ومفهوم، وهو أن الألف واللام تفيد الجنس، أي إنما جنس الأعمال بالنيات، ولكن ما معنى هذه اللفظة «إنما الأعمال بالنيات»؟هنا وقع خلاف بين أهل العلم في معنى هذه اللفظة، وذلك في تقدير المضاف المحذوف.
    القول الأول: إنما الأعمال بالنية، معناه إنما وقوع الأعمال وإيجادها يكون بسبب النية،أي أنه ليس هناك عملا لعامل عاقل مختار إلا إذا كان له قصدا وإرادة في فعل هذا العمل، أي أنك في أي عمل من أعمال حياتك قدمت إلى المسجد لك إرادة فيها وقصد، أكلت لك إرادة في الأكل وقصد و،شربك كذلك، فيقولون: إنما إيجاد الأعمال ، لابد له من نية وقصد لصاحبه فإن النية هي السبب في إيجاد الأعمال، وهنا تكون كلمة الأعمال تفيد الجنس أو الاستغراق، أي كل الأعمال إنما تكون بسبب النية، ولذلك في الحديث وإن كان فيه مقال حديث أبي وهب الجشمي أن النبي r وفيه اللفظة الصحيحة «وأحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن ثم قال r: وأصدقها حارث وهمام» أي أن: ما من إنسان له عقل واختيار إلا فيه هاتين الصفتين أنها حارث يجمع، ويريد على هذه ويحصل هذه وأنه همام أي له همة وله هم يشغله، ولذلك كل إنسان يصدق عليه أنه حارث وأنه همام، هذا المعنى الأول لهذه اللفظة، إنما الأعمال بالنيات، أي إنما إيجاد الأعمال ووقوعها يكون بسبب النية التي قصد صاحب هذه النية إيجاد العمل به، فتكون هنا الأعمال كل الأعمال سواء كانت الأعمال التعبدية أو الأعمال العادية أو غيرها، هذا القول الأول وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية في شرحه لهذا الحديث في مجموع الفتاوى.
    القول الثاني: إنما الأعمال بالنيات: قالوا أن هنا المحذوف قوله صحة أو قبول أي إنما صحة أو قبول العمل بسبب النية، فإذا كانت النية صحيحة كان العمل صحيحا وإذا كانت النية صحيحة كان العمل مقبولا، وإذا كانت النية صحيحة كان هذا العمل يترتب عليه الأجر والثواب عند الله U.
    وهذا القول رجحه كل من اطلعت على شرحه من المتأخرين إلا ابن عثيميين فإنه مال إلى القول الأول، على القول الأول والمسألة ليس فيها كبير خلاف ولا نزاع، فإن الذي سيحل هذه المشكلة أو سيصل بنا إلى المطلوب الحقيقي من هذا الحديث هو قوله r «وإنما لكل امرئ ما نوى» إذن إنما الأعمال بالنيات حصلنا على القول الأول، وهو أن إيجاد العمل ووقوعه إنما يكون إنما بسبب النية، وأن كل إنسان يصدق عليه أن يوصف أنه حارث وأنه همام.
    القول الثاني: إنما صحة الأعمال وقبولها إنما يكون بسبب النية فكلمة بالنيات الباء هنا تسمى بباء السببية أي أنه بسبب نيته الصالحة صح عمله الذي تقرب به إلى الله U، على القول الثاني إنما صحة الأعمال يكون المقصود هنا بالأعمال، الأعمال الشرعية التي يشترط لها النية، يعني إذا قلنا إنما الأعمال بالنيات، إنما صحة العمل متوقفة أو بسبب النية الصالحة فإنما نقول أن هذه الأعمال المقصودة على القول الثاني أن الأعمال الشرعية فقط، التي يشترط لها النية، فهل هناك أعمال شرعية لا يشترط لها النية وتقع صحيحة؟، نقول نعم كرد المظالم إنسان أخذ منك قلمك ، وبعد ذلك قال هذا قلم فلان، فقلنا يا فلان خذ قلمك، فهل يؤجر ويثاب علي رد المظالم؟ لا يثاب على رد المظالم إلا إذا كانت نيته التقرب بذلك إلى الله U و، هناك أعمال أخرى لا يشترط لها النية، كإزالة النجاسة إما من على الثوب أو على البدن أو على البقعة التي يصلي فيها الإنسان فإزالة النجاسة شرط لصحة صلاة العبد، فإذا أزال النجاسة لأنها نجاسة بلا نية التقرب إلى الله U، فبذلك أزيلت النجاسة ، ولكن لا يؤجر صاحبها عليها إلا إذا أزالها بنية التقرب إلى الله U إذن إنما صحة الأعمال أو قبولها بالنية أي بسبب النية في الأعمال الشرعية التي يشترط لها النية، أما الأعمال الشرعية التي لا يشترط لها النية كأعمال التروك وكرد المظالم إزالة النجاسة، هذه الأشياء لا يشترط النية في صحتها إنما تشترط النية لتحصيل الأجر بها،.
    قال: إنما الأعمال بالنيات، ما هي الأعمال على هذا الحديث؟ يكون إذن على القول الثاني إنما الأعمال هنا كل ما يصدر من المكلف(البالغ العاقل) من قول أو فعل، إنما هذه الأعمال تكون صحيحة ومقبولة عند الله ويؤجر صاحبها عليها بسبب نيته إذن إذا تكلمت بكلمة فينبغي أن تكون لك نية في هذه الكلمة حتى تؤجر عليها وإذا فعلت فعلا ينبغي أن يكون لك نية في هذا الفعل حتى يقع صحيحا وتؤجر عليه، ولذلك يقول أهل العلم أن النية ينبغي فيها شيئا زائدٌ عليها وهي الإخلاص فيقولون أن هناك نية متجهة للعبادة، وهناك نية متجهة إلى المعبود، النية قسمان:
    الأول: نية متجهة إلى العبادة.الثانية: نية متجهة إلى المعبود وهي شيء زائد يسمى بالإخلاص.
    القسم الأول:فلابد أن يكون له نية متجهة للعبادة، أي أن هذه النية تميز هذه العبادة عن غيرها، مثال ذلك: حينما تدخل إلى صلاة العشاء تصليها أربع ركعات، وتصلي بعدها قيام الليل وليكن أربع ركعات أيضًا، ما الذي يميز قيام الليل بهذه الأربعة عن صلاة العشاء بهذه الأربعة، النية، فالذي يميز بين العبادات بعضها وبعض إنما هو النية، كذلك أيضًا تميز النية بين العبادة وبين العادة، إنسان يفعل شيئا قد تكون صورته هي صورة العبادة، ولكن فعلها من باب العادة، هنا النية تميز فتقول هذه عبادة وهذه عادة، مثال ذلك اغتسل في يوم حار للتبرد فهذا عادة ولكن إذا اغتسل لرفع الحدث ليصلي ،صار هذا الغسل عمل عبادي مشروع، فهنا أيضا النية تميز بين ما هو عبادة، وما هو مباح.
    القسم الثاني من النية: أن تكون هذه النية متجهة إلى المعبود، نعم رجل يصلي أو يذكي أو يتصدق أو يقوم الليل نقول له بنية ماذا؟ فإذا قال بنية التقرب إلى الله U قلنا هذا العمل مشروع، وهذا عمل طيب تثاب عليه، فإذا كان قصد الفاعل نية التسميع أو أن يراه الناس أو أن يثنوا عليه بهذا العمل وفقط، نقول له لا أجر لك فيها بل هذا نوع من الشرك الأصغر كما بينه النبي r.
    إذن هنا لابد من شيء زائد وهو أن تكون هذه النية متجهة إلى المعبود، هذه النية المتجهة إلى المعبود لم تذكر في القرآن بهذا اللفظ إنما ذكرت بالإخلاص، وذكرت بالابتغاء ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 20]. وذكرت بإرادة وجه الله ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فهنا الإرادة بمعنى النية والقصد إلى أن يكون هذا لله U، ولذلك هذه نصيحة اجعل عملك كله لله U لا تشرك فيه أحدا، فإن الله U قال ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58].
    فلا تتوكل على من ليس بحي على جهة الدوام، ولا لا يموت إنما البشر يموتون فاجعل تعلقك واجعل فعلك لله U، وهذا أمر مهم، فاجعل مجيئك الآن إلى هذا المعهد إرادة الله U فإذا سئلت لماذا تذهب إلى المعهد؟ قلت أتعلم العلم الشرعي ابتغاء وجه الله تعالى، كانت هذه النية نية طيبة إنما أتى إلى المعهد ليقال له العالم، أو طالب العلم، أو يقال له فلان مبرز في كذا أو عالم بكذا أو نحرير في كذا أو أصولي وفقيه وغير ذلك أو البحر العُجاج أو يقال له محي السنة أو شيخ الإسلام فكل هذه نيات فاسدة، «فمن راءي راءي الله به، ومن سمّع، سمّع الله به»، وكما قيل:
    أن ثوب الرياء يشف ما تحته



    فإذا اكتسيت به فإنك عاري


    يعني مهما لبس من الملابس التي لا تليق به وليس له فإنه يُسمّع به ويُراءي به أيضا والعياذ بالله، إذن توجه بعبادتك إلى الله U وكن حالك كحال الصديق الذي أثنى الله U عليه فقال: ﴿وَسَيُجَنَّبُه ا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 17- 20]. أي سوف يرضى من كانت هذه صفته أنه لا يسأل الناس شيئا حتى الثناء ولا الكلام لا يسأله من الناس إنما لو وقع الثناء من الناس دون إرادته فلا يضره إنما لابد أن يكون العبد مخلصًا ومتجهًا ومريدًا ومبتغيا ما عند الله U.
    قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، اللام في (لكل) لام الملك كما في قوله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]. أي لا يملك ولا يحصل إلا ما سعاه وفعله، كذلك هنا «وإنما لكل امرئ ما نوى»، أي كل امرئ يملك أجره من العمل على قدر نيته، فإذا نوى نية صحيحة كان العمل صحيحًا، وإذا كان العمل صحيحًا ونوى نية عظيمة كان الأجر على قدر هذه النية العظيمة فكلم عظمت النية كلما عظم الأجر وكلما ضعفت النية كلما ضعف الأجر، «وإنما لكل امرئ ما نوى»وقيل: وإنما لكل امرئ ما نوى كالسابقة في القول الثاني في إنما الأعمال بالنيات، أي إنما صحة عمل كل امرئ بما نواه، وإنما قبول كل امرئ بعمله أو على أجره بما نواه، ولذلك :ينبغي ألا يقصد بعمل الآخرة إلا وجه الله U كما قال النبي r في حديث أبي هريرة: « أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» وفي رواية أيضا عند مسلم قال: « فأنا منه برئ هو للذي فعل» وفي رواية عند ابن ماجة «فأنا منه برئ وهو للذي أشرك»، فالله أغنى الشركاء عن الشرك فينبغي أن تكون العبادة منصرفة لله U وحده لا شريك له، ثم قال النبي r «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» طبعا ابن تيمية رحمه الله رجح القول الأول وهو إنما الأعمال بالنيات أي إيجادها قال لأن نهاية الحديث ذكر النبي r فيه عملا صالحًا ثم بين أن النية تجعل هذا العمل يؤجر عليه صاحبه وهذه النية لا تجعل لصاحبها أجر ولا ثواب في ذلك العمل، هنا النبي r أتى بالقاعدة «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، » فصحة العمل وقبوله ووقوع الثواب عليه إنما هو بسبب نية العبد، «وإنما لكل امرئ ما نوى» هذه قاعدة، ثم انتقل النبي r إلى ضرب المثل فضربه بمسألة الهجرة، والهجرة تعني الانتقال والترك، أي أن الإنسان انتقل من مكان إلى مكان ، كأن ينتقل المرء من دار الكفر إلى دار الإيمان، وهذه الهجرة أيضًا أن ينتقل ويترك المرء الأعمال السيئة والمعاصي إلى الحسنات كما في الحديث الذي رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي r قال: «والمهاجر من هجر من هجر ما نهى الله عنه» وهذه الهجرة التي لا انقطاع فيه بفضل الله U وهي أن يهجر المرء الذنوب والمعاصي، هذا هو المهاجر الحقيقي.
    يعني القسم الأول الذي هجر دار الكفر إلى دار الإيمان كما سنبين إنما هجرها فارًا بدينه لأنه لا يستطيع أن يقيم شعائر دينه فترك هذا البلد وإن كان حتى هو وطنه الذي ولد فيه إلى ذلك البلد الآخر لكي يعبد ربه سبحانه وتعالى، فإذن الهجرة «فمن كانت هجرته أي إلى الله ورسوله- فهجرته إلى الله ورسوله » وهنا تلحظ أن هنا فعل شرط وجوابا لهذا الشرط، والفعل والجواب قد اتفقا في اللفظ، قال«فمن كانت هجرته» ولم يقل فله كذا من الحسنات، وله كذا من الأجر والثواب، إنما قال فهجرته إلى الله ورسوله، فهل هذا من باب التأكيد؟
    نقول أن الأصل في الكلام، تأسيس معنى جديد وليس التأكيد، لماذا كررت؟قال أهل العلم أن ذلك لثلاث أقوال أرجحها: أن التغاير يقع تارة باللفظ وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من السياق، يعني ممكن أن اللفظ يتغير فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فقد حصل على أجر عظيم، هذا تغير ، باللفظ، فاللفظ الأول في فعل الشرط غير جواب الشرط، أما هنا وقع الاتفاق في اللفظ ولكن التغاير في المعنى، لماذا التغاير في المعنى؟ لأننا قلنا أن الأصل في الكلام هو التأسيس أن يأتي بمعنى جديد وليس التأكيد، فالمعنى: قال أهل العلم : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا، وبعض أهل العلم قال ثوابا وأجرًا فيكون المعنى الأول مغايرا للمعنى الثاني، ولكن ما الحكمة من أن النبي r كرر اللفظة بلفظها ولم يغاير بين اللفظين، قيل لأن العمل الذي قصده هذا المكلف بالهجرة إلى الله والهجرة إلى رسوله r إنما هو عمل عظيم استغني لبيان جلالته وعظمته عن ذكره، أي عن ذكر الأجر فيه، كما أقول لك إذا حفظت الأربعين فقد حفظتها فالمعنى هنا فقد حفظتها، المعنى هنا قد يقول البعض أنه للتأكيد، والمعنى هنا ليس مستقيما، إذا حفظت الأربعين فقد حفظتها ، كذلك عندما أقول من صام فهو الصائم أو من صام يوم الاثنين فقد صام نقول أن المعنى هنا معنى جديد، من صام وفق الشرع ونيته وقصده لله U فقد صام أي فقد وقع أجره على الله، لماذا لم تقل ذلك؟ فقد وقع أجره أو فله الأجر والثواب من الله U، أقول :لأن صوم يوم الاثنين شديد الحر فكان من يصومه هو الصائم على الحقيقة، فأقول لك أن ذكر الأجر أتينا بنفس اللفظ وبنفس المعنى لبيان عظمة من صام، إنما لو قلت من صام يوم الاثنين فله أجر عظيم مالذي حدث؟ إذا أردت أن أسس هذا المعنى وأعظمه أقول من صام يوم الاثنين فقد صام، وهذا المعنى يعني ستجده في نصوص كثيرة.
    إذن «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله» إذا قلنا لا هجرة أو كما قال النبي r «لا هجرة بعد الفتح، وإنما جهاد ونية» نقول لا هجرة بعد الفتح أي لا هجرة من مكة بعد الفتح لأنها صارت دار إسلام، أما الآن فإذا كان الإنسان يعيش في دار كفر فله أحوال في الهجرة أحيانا تجب، وأحيانا تستحب، وأما مكثه في دار الكفر، فنقول له أن لها أحوال أيضا فنذكر الثلاث مراتب من مراتب الهجرة:
    القسم الأول وهي الهجرة الواجبة: نقول لهذا الشخص يجب عليك أن تهاجر، من هو هذا الشخص؟ هذا الشخص هو من يقدر على الهجرة ولا يمكنه إظهار دينه لوجوده بين الكفار، إنسان ما يقيم في دولة من دول الكفر، ولا يستطيع أن يظهر شعائر دينه لوجوده بين هؤلاء الكفار وهو قادر على أن يترك هذه البلاد إلى غيرها فنقول له في هذه الحالة يجب عليك أن تهاجر صيانة لدينك اذهب إلى بلاد المسلمين تكثر سوادهم، تعينهم على الدفع عن أنفسهم عن هؤلاء الكافرين لا تكثر سواد الكافرين ولا تجلس معهم فأنت ليس عندك قدرة على إظهار دينك،.
    القسم الثاني من لا هجرة عليه: أي لا تجب عليه الهجرة ولا تستحب أيضًا على الراجح وهو العاجز عن الهجرة، مثل المريض إنسان أسلم وهو في بلد كفر، وهو مريض لا يستطيع أن يسافر إلى بلد آخر فنقول هذا عاجز، هل تستحب الهجرة؟ نقول أن هنا رجلا عاجز، فالعاجز لا يوصف لا بوجوب ولا باستحباب وكذلك أيضًا من أكره على الإقامة هو في بلاد الكفر أسلم فقبضوا عليه ووضعوه في السجن، نحن نقول أن هذا لا هجرة عليه، كذلك أيضًا الضعيف كالنساء والأولاد الذين لا يستطيعون حيلة ولا يجدون سبيلا فهؤلاء أيضا لا هجرة عليهم.
    القسم الثالث وهو من تستحب له ولا تجب عليه: وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه حال إقامته في دار الكفر، الذين قالوا بالاستحباب قالوا: لأنه إذا انتقل إلى دار الإسلام فإنه يكثر سواد المسلمين وبتركه للكفار فإنه لا يرى منكرهم ولا يكثر سوادهم فقلنا أنه يستحب له أن يترك هذه البلاد ثم يذهب إلى بلاد المسلمين فهو قادر على الهجرة، وهو قادر على إظهار شعائر دينه فنقول له أن الانتقال يستحب لك وهو أفضل ولكن قد تستحب له الإقامة في ديار الكفر وقد تجب عليه أيضًا ، في حالة إذا كان قادرًا على إظهار شعائر دينه وكذلك إذا كان له مدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الحفاظ على شعائر الإسلام الظاهرة في هذا البلد ففي هذه الحالة قد نقول أنه يجب عليه أن يقيم لأن المصلحة في بقائه أعلى بكثير في المصلحة من تركه هذه الديار، يعني بشرط أيضًا أن تكون مصلحة عامة وليست مصلحة شخصية.
    الشوكاني رحمه الله: في السيل الجرار قال هذا المعنى قال: ( إن كان المصلحة العائدة على طائفة من المسلمين ظاهرة، كأن يكون له مدخل في بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في تعليمه معالم الخير بحيث يكون ذلك راجحًا على هجرته وفراره بدينه ، فإنه يجب عليه ترك الهجرة رعاية لهذه المصلحة الراجحة،) لو إنسان يقيم في أمريكا مثلا، ولكن له مدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أمريكا عنده قدرة على تعليم الناس في أمريكا الإسلام الصحيح فهو ذهب للدعوة ولنشر هذا الدين فنقول له أن بقاءك هنا ولا تنتقل إلى بلادنا بلاد الإسلام هذا أولى لك قد يجب عليك أو قد يستحب لك،.
    الخلاصة أحوال الناس في الهجرات ثلاثة:
    الصنف الأول: من تجب عليه وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار شعائر دينه في بلد الكفر.
    الصنف الثاني: من لا هجرة عليه وهو العاجز عنها لمرض أو إكراه على إقامة أو ضعف من النساء والأولاد وشبههم.
    الصنف الثالث: من تستحب له أو قد تجب عليه ولا تجب عليه الهجرة: وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وله مدخل في بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمصلحة عائدة على طائفة من المسلمين.
    هل يجوز أن نسافر إلى بلاد الكفر؟ نحن نتكلم عن الهجرة من بلاد كفر إلى بلاد الإسلام فهل يجوز العكس رجل يريد أن يذهب إلى أمريكا أو إلى النمسا أو إلى هولندا أو إلى أي بلد من هذه البلاد، وهذا البلاد بلاد كفر، طبعًا هذه لفظه كي لا يتهموا السلفيين أنهم يكفروا الناس ويقولون بلاد كفر ، وهي ليست بلاد حرية إنما الحرية عندهم، الحرية الصليبية واعتد بذلك بفعل فرنسا بلد الحرية بحظر المنتقبات أتوا بواحد غريب الأطوار يقول أنا أتعامل مع المرأة ولغة التجاوب بالوجه والعينين هذه لغة مؤثرة يقولون : تعادل 35% من الكلام هو لغة التأثير بتعبير الوجه والعينين يقول فأنت تحجب عني اللغة، أقول له حجبك الله U أو هداك أنت مجرم، وطبعا هذه الشبهة ،تلقفها قبل ذلك وزير الأوقاف الأسبق في كتابه النقاب عادة وليس عبادة، أتى بهذه الشبهة بعينها أنت متخيل لكي تعلم أنهم يعني حذو القزة بالقزة، إذا دخلوا جحر ضب دخلوه وراءهم نفس الكلام ونفس الفلسفة ونفس المعاني،
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    هل يجوز السفر إلى بلاد الكفر؟
    قال أهل العلم: أنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفر إلى بثلاثة شروط.
    الشرط الأول أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات: فليس من المعقول أن يذهب أحد لبلاد الكفر لا يعلم شيئا ويذهب إلى بلاد الكفر الذين يرسلون إلينا سموم الشبهات وسيقع في كثير من الشبهات ولا يستطيع أن يجيب على ذلك، فنقول له يجب أن يكون عندك علم يندفع به الشبهة.
    الشرط الثاني أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات: أنت ذاهب في الهواء الطلق المفتوح للشهوات تجد العاريات الخمور الكذا كل هناك الأمور مباحة، واضح فلابد أن يكون عنده دين صلب وإلا لو ذهب إلى هناك لافتتن ، لأن الفتن خطافة لا يقول إنسان أنا قوي وقادر وأنا ديني صلب وأنا تمام نقول لا فر من بلاد الكفر فرارك من الأسد، لا تقول الأسد وأنا قادر على مواجهته من الذي قال قد يضعف الإنسان في لحظة وهذا فيه خطر يقول أنا قادر على كذا قد تضعف في لحظة، والفتن خطافة فاحذر هذا.
    الشرط الثالث: أن يكون محتاجًا إلى ذلك: كأن يكون مريضا ، يذهب للتطبب ثم يعود، كأن يكون يحتاج إلى تعلم علم معين لتحتاجه الأمة تخصص نادر من التخصصات، يحتاج إلى أن يذهب ليتعلمه ثم يرجع يسد به فرض الكفاية في هذه الأمة، أو أن يكون تاجرا ولكن يذهب ويعود، إنما إذا افتقد شرط من هذه الشروط نقول أن بقاءه هناك يأثم به، وبقاءه هناك معصية لله U، ولذلك لابد أن تتوفر الشروط الثلاث في هذا الشخص، إذا انتقض شرط منها لا يجوز له أن يسافر فإذا سافر كان سفره معصية، وماله الذي يحصله إذا استمر هناك معصية ، اعتبر بسفر العائلات إلى هذه الدول، والله أنا أعلم أخوة، كانوا أخوة يعملون في العمل الدعوي وكان لهم دور بارز بمجرد أن ذهب إلى بعض أماكن أوروبا رجع يقول ما شاء الله على دول أوربا فيها وفيها وفيها وأنتم متخلفون ومجلسكم كذا، نقول نعم، قلت له : ما لجديد هناك فقال :الشوارع هناك واسعة، و الكل يلتزم بالوقوف في إشارات المرور ، وكذلك نظافة الشوارع لا تجد فيها زبالة ولا شيء قلت سبحان الله أنت نظرت فقط نظر قاصر نعم كل هذا موجود لا ينكره أحد نعم، ولكن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فكيف لا تشم رائحة هذه النجاسة، والذي نفسي بيده من كان عنده توحيد صافي يشم من على بعد هذه الروائح النجسة يشعر أن هناك نتن موجود هذا حدث لي في أحدى السفريات وركبت طائرة فإذا برائحة منتنة جدًا وبعد ذلك اكتشفت أن إحدى المشركات كانت راكبة وكانت لها هذه الرائحة العفنة، كلام عجيب نسأل الله العافية، فلابد من توافر هذه الشروط، إذا لم تتوافر فننتقل إلى الجزء الأخير من الحديث وهو قول النبي r «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا، أَو امْرأَة يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» ومن كانت هجرته لدنيا، اللام في( لدنيا )إما (لام التعليل) وإما بمعنى( إلى) والراجح أنها (لام التعليل) لأن سفره وهجرته إنما كان بسبب الدنيا، وانظر لكلام النبي r الذي لا ينطق عن الهوى قال « لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا، » يصيبها أي يحصلها، لماذا لم يقل لدنيا يحصلها؟ أتى بكلمة يصيبها، فالإصابة هو رمي السهم لإصابة الغرض، ينشن مثلا على شيء معين فيضربه بالسهم فنقول أصاب السهم الغرض صح، فهذا الرجل الذي سافر لدنيا شبه النبي r في شدة بذله واجتهاده وسرعته لتحصيل هذه الدنيا بأنه كالسهم المنطلق يصيبها.
    قال «أَو امْرأَة يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» قال بعض أهل العلم: أن هذا من النبي r ذكر المرأة بعد ذكر الدنيا، والمرأة من الدنيا فقد ثبت في الحديث الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي r قال: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» فقيل لماذا خص النبي ذكر المرأة بعد ذكر الدنيا وعطفها عليها؟ قيل أو امرأة ينكحها خصها للتلويح بسبب الحديث فبعض العلماء يذكر أن سبب هذا الحديث وهذا ما رواه الطبراني في الكبير وغيره من طريق الأعمش عن ابن مسعود أن قال: «كان فينا رجل خطب امرأة يقال له أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر إليها، فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس» فقالوا أن سبب الحديث ورد على أن هذا الرجل الذي سمي بعد ذلك بمهاجر أم قيس إنما هاجر من أجل أن ينكح هذه المرأة،.
    والصحيح أن هذا الحديث بهذا اللفظ: الذي ذكرته والألفاظ الأخرى لا يدل على أن هذا هو سبب الحديث إنما نقول أن العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص فيدخل فيها هذا المهاجر الذي هو مهاجر أم قيس ويدخل فيه كل من هاجر لامرأة ينكحها أو لدنيا يصيبها.
    وقيل أن :النبي r أيضا خص النساء، لأن فتنة النساء أشد الفتن على هذه الأمة كما قال النبي r كما عند البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» ولكن يأتي هنا سؤال مهم، وهو أن الهجرة أو السفر من أجل تحصيل الدنيا ومن أجل النساء إنما هو سفر مباح فلماذا أتى النبي r بهذه الصيغة التي توحي بالذنب، قيل: لأن هذا الفعل الذي هو الهجرة لا يطلق إلا على الهجرة الشرعية فلما كان هذا الشخص الذي من المفترض أن يهاجر لله كانت نيته كانت الظاهر مع المؤمنين في هجرتهم ولكن في داخله إنما هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، مثال ذلك: هذا الجمع أتى إلى المسجد إذا سألتني لماذا أتي هذا الجمع؟ أقول لتعلم العلم الشرعي، ولكن واحد أتى لتعلم العلم الشرعي فعلا فإني أقول فهجرته إلى الله ورسوله، و آخر أتى لأنه مثلا عنده موعد مع رجل آخر فشابه الناس في الظاهر إنما اختلفت النية، فقال لما كان هذا مشروع كان ينبغي صرفه لله فلما صرفه إلى غير الله U صارت هنا النية مفسدة لهذه الهجرة إنما من سافر لكي يحصل الدنيا ليستعين بها على الآخرة كمن يعمل حتى يحصل مالا لكف وجهه عن سؤال الناس، وكذلك يستعين به في النفقة الشرعية لكي يحج ويتصدق ، نقول إنما هذا يعني شيئا يمدح من أجله ويثاب عليه، لكن لو سافر رجل ليتزوج بامرأة لكي يغض بها بصره ويحصن بها فرجه نقول هذه نية انضافت فهنا يستحب له هذا النكاح أو قد يجب عليه أحيانًا، فنقول لا يكون السفر من أجل تحصيل الدنيا إذا كان لله U، فلتكن الأعمال التي لله خالصة لله U.
    كان هناك رجل بخيل عنده عربية تجر فمرض الحمار ،فأحضر له دواء فلم ينفع، قيل له الأعمال الصالحة ترفع هذا البلاء الذي نزل بك، ماهي الأعمال الصالحة التي لا تكلفه؟، الصيام، وطبعًا إنما يستخرج به من البخيل فقال لله علي أن شفى الله حماري أن أصوم سبع أيام، فشفي الله حماره اليوم الثاني، فقال قد وجب أداء النذر، وشرع في الصيام، وفي اليوم السابع مات الحمار، فوقف هذا الرجل ونظر إلى السماء وقال ها والله لاقضينها من رمضان، هذا الرجل صام نذرا وهو عمل صالح إنما كانت همته منصبة على الحمار و«وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا، أَو امْرأَة يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» فهنا لم يقل فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ولم يقل النبي r فله من الوزر أو هذا العمل لا يقبل إنما كررها بصيغة النكرة قال «فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» تحقيرًا لشأن هذه الهجرة، وقيل لأن الذي يسافر لدنيا يصيبها إنما هذا المهاجر أعمال الدنيا كثيرة وإرادات الناس كثيرة جدا فقال النبي: فهجرته إلى ما هاجر إليه من إصابة الدنيا بهجرته أو بالمرأة التي ينكحها.
    مسألة:وهي الأعمال التي تتعلق بها نية الدنيا مع نية الآخرة، مثال ذلك:صلة الرحم ورد عندنا حديث صحيح «من أراد أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» فصلة الرحم، عمل شرعي،وورد فيها أجر دنيوي وهو أن هذا الشخص يبسط له في رزقه أي يوسع عليه في رزقه وينسأ له في أثره، فهل يا ترى إذا وصل الإنسان رحمه بهذه النية أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فيكون لا ثواب له فيها ويكون قد أشرك في نيته؟ نقول: لا الله U ورسوله r لما ذكر في الآيات أو في الأحاديث نية الدنيا هذا من قبيل الحث على فعل هذا العمل فإذا فعله لأنه صلة للرحم هذا عمل تعبدي إلى جانب حصولي على هذه الأشياء فأجره بفضل الله U سيأخذ إن شاء الله تبارك وتعالى.
    كذلك وردت آية وهي قوله تعالى تبين هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْن ِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7]، إحدى الطائفتين:
    الطائفة الأولى: هي الظفر على الأعداء.
    الطائفة الثانية: وهي الحصول على العير بلا قتال؛ لأن الصحابة خرجوا لطلب عير قريش، قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي الطائفة التي لا منعة فيها ولا قتال ترغبون أن تحصلوا عليها، فهنا الإنسان يخرج بأصل عمله وهو أن الجهاد لله U فإذا انضافت إلى هذه النية نية الحصول على أمر دنيوي قد حث الشرع عليه فهنا نقول له لا بأس بهذه النية .
    أيضًا في مجال القتال النبي r يقول: «من قتل قتيلا فله سلبه» يعني الذي يقتل قتيلا في أرض المعركة يأخذ سلب هذا المريض، يأخذ المال الذي معه، الأشياء التي معه، الأشياء التي يحملها هي له لمن قتله، فهذا فيه حرص على قتل هذا لأخذ هذا السلب فهنا تكون نية الجهاد منعقدة مع نية الأخذ، أما إذا كانت النية للأخذ فقط وليس هناك نية التعبد فنقول فهجرته أو فقتاله أو فعمله أو فتعليمه إلى ما هاجر إليه ولا أجر له فيها،.
    هذا الذي اجتمع عنده النيتان، لو أنه جمع بين النيتين هل أجره كمن عمل هذا الأجر خالصا تامًا لوجه الله؟ مثلا إنسان ذهب إلى الجهاد، واحد ذهب إلى الجهاد بنية الجهاد فقط، ولتكون كلمة الله العليا فقط، الآخر ذهب بنية الجهاد، ونية الغنيمة، هل كلاهما في الأجر سواء؟
    نقول ورد حديث عند مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله r: «ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم» إذا عندنا أناس ذهبوا للقتال ولكن قال أنا ذهبت لا أريد غنيمة، والآخر ذهب بنية أن يحصل مع جهاده على الذي حصل على الغنيمة كأن أجره كان ثلثي الأجر أنه يحصل هذه الغنيمة ويبقى له الثلث الآخر في أجره، أنت مثلا ذاهب تخطب الجمعة فشخص عنده سيارة فقال لك أوصلك بهذه السيارة، ذهب بالسيارة ذهابا وإيابًا فقيل له أن الجمعية مثلا تعطي أجر لهذه السيارة فقال أنا لا أريد أجرا إلا من الله، هذا رجع بالأجر كاملا، أما الآخر الذي أخذ الأجر فأجره قد اقتص من أجره هذا الجزء المقتطع ، من المال إذا جمع بين أن نية أنه يعمل لله وفي نفس الوقت يتقاضى أجر، فإذن لابد أن تكون هذه النوايا خالصة لوجه الله U لا تريد من أحد شيئا.
    مسألة: أن بعض الناس يثني على من يعمل الخير يقول أنا خطبت مثلا الجمعة أو تعلمت العلم فاثنوا علي بعد الجمعة قالوا ما شاء الله الخطبة ما شاء الله لا إشكال، فنقول إذا مدحوا وأثنوا وأنت لا غرض لك فيها فلا بأس والدليل على ذلك حديث أبي ذر عند مسلم قيل لرسول الله r «أريت الرجل يعمل الخير ويحمده الناس عليه» وفي رواية «يحبه الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن» فهذه تلك عاجل البشرى فالإنسان لا يخاف من مثل هذا إنما الذي يخوفه إن يكون إنما جاء ليقال عنه كذا وكذا فهذا الذي يخوفه وهذا يقدح في عمله وفي نيته، نعوذ بالله من ذلك.
    الحديث مليء أيضا بالفوائد ولكن اقتصرت على المهمات فقط ، لأن فيه مسائل كثيرة، منها مسائل تبدل النيات، تحول نية الفرض إلى النفل، منها الجمع ما بين النوايا، مسائل كثيرة جدًا ترد على هذا الحديث منها مسائل أيضا كثيرة مسائل أصولية ومسائل في كذا إنما .
    خلاصة هذا الحديث «إنما الأعمال بالنيات» فعليك أن تصحح نيتك أو ليصح عملك فيقبل وتترتب أثاره عليه من الأجر عند الله U،.
    سؤال للبحث:مسألة النوايا، النية تحتاج إلى عمل، النية وحدها هل يترتب عليها الأجر أم لا؟ أنا أضرب لك مثال الصحابة أتوا إلى النبي r فقالوا يا رسول الله «ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، يتصدقون ولا نتصدق، يحجون ولا نحج»، وفي بعض الروايات «يعتقون ولا نعتق»، فذكروا أنهم يفعلون بعض الخير، ولكن بعض الخير يعجزون عنه لأنها مسألة نفقات، ، هنا هم ينون عمل الخير والتقرب إلى الله U بمثل عمل هؤلاء، فلو كان معهم مال كانوا تصدقوا وكانوا حجوا، وكانوا اعتقوا، النبي r في هذا الحديث قال: «ألا أخبركم بما تدركون به من سبقكم ولا يسبقكم من بعدكم إلا أن يأتي بمثل ما عملتم، قال: تسبحون وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثة وثلاثين» السؤال هنا :
    لماذا لم يكتف النبي r بقولهم أنت تؤجرون بنيتاكم إنما دلهم على عمل ؟، لماذا لم يقل لهم أن نيتكم الصالحة توازي هذا العمل الذي يفعلونه.
    الحديث الآخر «إنما الدنيا لأربعة نفر» ذكر فيها أن أحدهم كان عنده مالا وعلم والثاني كان عنده علم وليس عنده مال، قال لو أن لي مال مثل لفلان لعملت مثلما قال النبي r فهما في الأجر سواء، الله ما هما في الأجر سواء وفي حديث أهل الدثور دلهم على عمل ولم يقل في الأجر سواء حتى أنهم لم رجعوا بعد ذلك قالوا «قد علم أهل الدثور بما فعلنا ففعلوا مثلنا قال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» لم يقل لهم فعلتم عملت ما عليكم تأخذون مثل أجرهم، لماذا دلهم على عمل ولم يكتفي بمجرد النية؟
    مايستفاد منن الحديث؟
    الفائدة الأولى: أهمية النية الصالحة، وعظم فضلها حيث أن جميع الأعمال مدارها على النية.
    الفائدة الثانية: مدار الثواب في الأعمال عند الله مرتبط بالنية الصالحة، وليس مجرد الفعل، ومن هنا لم ينتفع المنافقون بأعمالهم، وذلك لذهاب نيتهم الصالحة أو نقصانها.
    الفائدة الثالثة: من فوائد النية أنها تميز العبادة من العادة، وتميز العبادات بعضها من بعض.
    الفائدة الرابعة: بالنية الصالحة تتحول المباحات إلى مستحبات يثاب عليها الإنسان، مباحات مثل النوم، تنام لتتقوى على قيام الليل ، أو تنام لتستطيع القيام لصلاة الفجر،ففي هذه الحالة، صار نومي كله أجر كما قال معاذ ( إني لاحتسب نومتي كما احتسب قومتي)، فبالنية الصالحة تتحول المباحات إلى مستحبات يثاب عليها الإنسان.
    الفائدة الخامسة: بعض الناس عندما تدعوه للصلاة ،يتعلل بأن أهم شيء النية فهذه نية فاسدة ، إنما النية الممدوحة التي ترتبط بالعمل، ولذلك ابن القيم له تعبير جميل جدا يقول: ( النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء) النية روح، والعمل كالجسد الذي إذا فارق الروح فموات، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث، فالنية روح ولابد للنية من عمل.
    الفائدة السادسة: من أساليب التعليم ذكر قاعدة ثم ذكر مثال يوضحها فذكر الأمثلة لابد منه في التعليم.
    الفائدة السابعة: قول ابن المبارك رب عمل كبير تصغره النية، وقد تفسده، يعني مثل الرجل الذي هاجر من أجل ، المرأة ، ولذلك أريد أن أنبهكم أن الله U مطلع على النوايا التي في القلوب فانتبه، أنت جئت تطلب العلم لله لا لدنيا تصيبها ولا لامرأة تنكحها، فلا تكن مهاجر امرأة معينة ، إنما كن مهاجر إيه لله ورسوله.
    الفائدة الثامنة: أشد ملهيات الدنيا ومنقصات الدين الشهوة، ولذلك قال النبي r «لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا، أَو امْرأَة» فخص المرأة.
    الفائدة التاسعة: الوساوس والخواطر التي ترد على النية لا تؤثر عليها ما لم تغير أصل النية، مثاله: عقد نية لله جاء له وساوس وهو يعمل العمل فإذا دفعها كان في جهادًا لله U ولا تضره هذه الوساوس، فالوساوس والخواطر والواردات التي ترد على النية لا تؤثر عليها ما لم تغير أصل النية، فأصل النية لله U مثلما من قام يصلي وهو في الصلاة دخل داخل فحسن صلاته أو زاد في ورد القراءة،فطالما أنت ترد هذا الوساوس أنت في جهادا شرعي تؤجر عليه، ولكن يضر الوسواس إذا استرسلت معه وحسن صلاته أو أطال في القراءة من أجل هذا الداخل ،يأتي الوسواس يوقف صلاته أو ركوعه وسجوده من أجل ذلك.
    مسألة هامة:الوساوس التي تأتي أحيانًا في الصلاة النية محلها القلب إنما الأعمال بالنيات، .
    قاعدة هامة: (النية تتبع العلم فمن علم فقد نوى)، مثلا: غدا أول يوم في رمضان فاشترى السحور وتسحر كي يصوم الغد، فقد نوى، جاء الآن ليصلي العشاء فيقول : النية شرط للصلاة لابد أن أدقق المسألة ، وأحدد اتجاهي،ففي هذه الحالة إنما هي وساوس، لابد أن يتركها هذ،إنما يقدم على عمله ويعلم أن الله يطلع على قلبه والنية محلها القلب والجهر بالنية بدعة كما هو معلوم عند أهل العلم.
    هذا الحديث والحديث الآتي هما أطول يعني حديثين في الأربعين فاعذرونا هذه المرة والمرة القادمة إن شاء الله U بعد ذلك المسألة ستكون يسيرة إن شاء الله تبارك وتعالى.
    نسألكم الدعاء ( أختكم أم محمد الظن)
    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
    انتهي الدرس الأول
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    http://www.islamup.com/download.php?id=136456

    تفريغ الأربعين النووية من الدرس الأول للثاني عشر
    http://iti.s146.com/catplay.php?catsmktba=40
    الرابط الصوتي لشرح كتاب الاربعين النووية بمعهد ابن تيمية الشرعي
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأربعون النووية
    الدرس[13]
    إن الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أعمالنا وسيئات أعمالنا، فإنها من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    الحديث الثالث عشر:روى البخاري ومسلم في صحيحهما أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ tعَنْ النَّبِيِّ rقَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
    مر معنا قول أبي داود في أن هذه الأحاديث الأربعة ومن جملتها الحديث الذي معنا تكفي للإنسان في دينه، قال أن هذه الأربعة ومنها هذا الحديث عليها مدار العلم.
    راوي الحديث: أنس بن مالك بن النضر وكنيته أبو حمزة المدني الأنصاري،كُني بأبي حمزة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو الذي كناه لأنه قطف بقلة حمزة وهي الحريفة التي في طعمها لذع، نوع من أنواع البقل اجتناها أنس بن مالك فسماه النبي r بأبي حمزة، وهذا من هدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قد يربط أحيان الكنى بأشياء، يعني يذهب إلى علي بن أبي طالب وهو في المسجد فيراه قد عُفِر فيقول: قم يا أبا تراب، فهذه الموقف لا تُنسى، فالذي كناه هو النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.وكلمة (حَمُزَ) هذا الفعل يدل على حدة في الشيء،ولذلك يقال للرجل الذكي الفؤاد حميز، وفي قصيدة الشماخ الذي باع قوسه ، وفي القلب من اللوم حامز، لوم شديد في القلب على أنه باعها.
    أم أنس بن مالك هي أم سُليم بنت مِلحان، واسمها الغُميصاء ويقال الرُّميصاء ويقال لها أيضا سهلة، وقيل غير ذلك، والأشهر هو الغُميصاء، خالته أم حرام بنت مِلحان الأنصارية ولها صُحبة أيضا، قدم أنس المدينة وهو ابن عشر سنين، وتوفي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وله عشرون سنة، لأنه خدم النبي r طيلة مكث النبي r في المدينة وهي عشر سنوات.
    من مناقبه:خدمته للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذه أعلى منقبة أنه يخدم النبي r، وكذلك من أعلى المناقب أن يكون المرء أيضا خادما لسنته بعد موته -صلى الله عليه وآله وسلم- والذي يقول أنه صادق في الود والحب للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأنه لو كان موجودًا لخدمه هنا السنة، فإذا كان هذا الود نافعا وكان صحيحا وصريحا فهذه سنته فاخدمها تكون قد خدمت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، فخدمه طيلة حياته في المدينة، ودعا له النبي r بالرزق والبركة، فقال: «اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له» يقول أنس: فو الله إن مالي لكثير، وأن ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو المائة اليوم، يعني نسله رأى من ولده وولد ولده ما زاد عن مائة نفس، وبورك له كما سنرى في ماله، وبورك له أيضا t في عمره فقد مات وقد نيف على المائة يعني وصل إلى المائة وبعض أهل العلم يقول زاد بسنة أو سنتين.
    وفاته:توفي t سنة إحدى وتسعين، وقيل اثنتي وقيل ثلاث وغسله محمد بن سيرين رحمه الله تعالى، وقد بلغ أنس المائة عام.
    حبه لطلبة العلم:كان t يحب طلبة العلم ويقربهم ويقول لهم، (: لأنتم أحب إلي من عِدّتِكم من ولد أنس إلا أن يكون في الخير أمثالكم) وهذا النظر هو نظر شرعي أنه ما يحب فلان ويحب فلان لقرابته، قد يكون بعض الناس أقرب إلينا من أقاربنا، لماذا؟ لقربه وطاعته من محبوبات الله U ومراضيه.
    يقول النبي r: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
    لَا يُؤْمِنُ: أي إيمانا كاملا.أَحَدُكُمْ: المقصود به هنا جميع المسلمين.لِأَخِيهِ: أي لأخيه في الإسلام وليس المراد به الأخ في النسب، وإنما المراد بقوة الدين.
    النبي r يقول: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ» هنا الفعل يؤمن منفي، أي أن النبي r نفى الإيمان على من لم يتصف بهذه الصفة، قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ». والإيمان المنفي في هذا الحديث هو الإيمان الكامل كمال وجوب، الإيمان الكامل إما أن يكون واجبا، أو يكون مستحبا،المنفيات في هذه الأحاديث في السنة تدل على نفي الإيمان الواجب؛ ولذلك ورد في بعض روايات هذا الحديث «لا يستكمل العبد الإيمان» فالإيمان هنا المراد به الإيمان الواجب، فلا نقول أن الإنسان يكفر إذا لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن الإيمان المنفي هنا هو الإيمان الركن أو الأصل، إنما هنا الإيمان الواجب؛ لأن هناك صفة أو خصلة من خصال الإيمان الواجبة افتقدها هذا العبد.
    فائدة:إذن إذا رأيت نصًا من نصوص السنة تنفي الإيمان عن أحد من المسلمين في حين أن هناك نصوص أخرى تقول أنه مسلم فساعتها الذي نُفِىَ هنا هو الإيمان الكامل كمال وجوب، أو الإيمان الواجب، ودل ذلك أيضا على أن هذه الخَصلة واجبة، ولذلك نُفيت عنه، يقول النبي r: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فنفى عن الزاني الإيمان، ووردت أحاديث «وإن زنى وإن سرق» فإنه مؤمن، فكيف نجمع بين هذه الأحاديث، وهذه الأحاديث؟ يكون الحديث الذي فيه النفي المقصود به نفي الإيمان الواجب، وأنه ترك واجبًا أو فعل محرمًا، فساعتها يُنفى عنه الإيمان.
    يقول ابن حجر: والمراد بالنفي كمال الإيمان، الإيمان المقصود به الواجب، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم، أي في كلام العرب، وفي كلام أهل العلم، وفي السنة، كقولهم فلان ليس بإنسان ،لأنه افتقد صفة، قد يكون جبار مثلا، أو طاغية، أو باغيا، فتقول هو ليس بإنسان لا يستحق أن يوصف بالإنسان، فنفينا عنه الحقيقة ولم ننفي عنه الأصل، فنقول نفينا هنا عنه الإيمان الواجب مع أنه مازال في الإسلام ولكن دل هذا على أنه فقد واجبُا أو ارتكب محرمًا.ولذلك ترجم البخاري رحمه الله على هذا الحديث في صحيحه بقوله( باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه،) قال البخاري من الإيمان ولم يقل الإيمان، يعني هذه الصفة من صفات الإيمان، وهذه الخصلة من خصال الإيمان الواجبة، ابن مندة أيضا رحمه الله ترجم على هذا الحديث بقوله : (ذكر الخصال التي إذا فعلها المسلم ازداد إيمانا) ولذلك تلاحظ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»تجد أنه قال (لأخيه)إذن قبل أن يحصل المسلم هذه الصفة وهي محبته لأخيه من الخير ما يحب لنفسه كان عقد الإخوة موجود، ولذلك قال لأخيه ، والإخوة الإيمانية منعقدة بالإسلام، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، فإذا عُقدت بالإسلام دل ذلك على أن هذه الصفة وإن لم تأت بعد فعقد الإخوة موجود، وعقد الإسلام بينهم موجود؛ ولذلك في بعض طرق هذا الحديث قال: «حتى يحب لأخيه المسلم»، إذن الإخوة على الإسلام موجود بينهما.
    يتفرع على هذا الكلام «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» أن نقرر اعتقاد أهل السنة وهو أن الإيمان قولٌ وفعل يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، يقول الإمام أحمد: (نحن نقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص إذا زنا وشرب الخمر نقص إيمانه) لم يقل زال إيمانه؛ إنما ينقص الإيمان، الذي يقول بزوال الإيمان هم الخوارج الحرورية الذين يقولون أن الإيمان كل لا يتجزأ إذا زال بعضه زال كله، فيكفرون بالكبيرة ويحكمون على صاحبها بالكفر في الدنيا والخلود في النار في الآخرة والعياذ بالله، وكذلك أيضا المعتزلة، يقولون أن صاحب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، فوضعوه في منزلة بين المنزلتين، ثم هو في النار يتفق مع كلام الخوارج في المآل وهو أنه في النار، في الآخرة يتفق مع الخوارج في مآل فاعل الكبيرة أنه في النار، أما اعتقاد أهل السنة والجماعة أن فاعل الكبيرة بترك الواجب أو بفعل المحرم أنه فاسق ولكن فاسق ملي، (فاسق ملي) أي مازال مسلما، ولكن فسق أي خرج عن طاعة ربه في هذه الجزئية، وهو في الآخرة إن مات من غير توبة هو في المشيئة إن شاء الله رحمه بفضله وإن شاء عذبه بعذابه.
    والإمام البخاري رحمه الله تعالى أيضا يقرر: هذا الاعتقاد في صحيحه يقول: (وهو قول وفعل أي الإيمان يعني يزيد وينقص) قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]. وقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13].
    يقول ابن رجب: (والمقصود أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أن يحب المرء لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، فإذا زال ذلك عنه، فقد نقص إيمانه بذلك)، إذن ننبته أن هذه الخصلة وهي أنك تحب لأخيك ما تحب لنفسك، خصلة واجبة، الإيمان يزيد بها، وإذا انتفت نقص الإيمان بها، فلتحافظ على إيمانك بأن تتحلى بهذا الخلق، إذن لابد أن تحذر نواقض هذه المسألة حتى لا ينقص إيمانك والعياذ بالله
    قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ» قلنا لا يؤمن أحدكم المقصود به هنا جميع المسلمين من الذكور والإناث، هنا قال النبي r قال: «لا يؤمن أحدكم بلفظ الذكور» ولكن نقول أن هذا ذُكر للتغليب، والتغليب هذه مسألة معلومة عند العرب أنهم كانوا يغلبون الذكر على الأنثى في الكلام، إذا جمعوا يغلبون التذكير على التأنيث أو إذا أرادوا كذا ذكروا الأشهر مثلا، الشمس والقمر، العرب تقول على الشمس والقمر( القمران ) لأن القمر مذكر فيقولون القمران، مثلا (فلأبويه) وهنا أتى بلفظ الأب وهو مذكر مع أن المقصود به الأب والأم، هذا من باب التغليب، فيُغلب لفظ الذكورة على الأنوثة، ولا يخص الذكور عن الإناث في هذه المسائل إلا بدليل خاص يأتي دليل يقول أن هذه المسألة خاصة بالرجال، هذه المسألة خاصة بالنساء؛ إنما إذا ذكر لفظ كهذا لفظ التذكير، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدخل فيه المؤمن والمؤمنة، إنما إذا خصص اللفظ بشيء يخص الرجال دل على التخصيص وهنا لم يدل دليل فيدخل في ذلك الذكور والإناث، وهذا كما قدمت حكمٌ عام في أحكام الشريعة إلا أن يأتي الدليل بالتفريق، ولذلك عند أدلة أخرى تعضد هذه المسألة مثل (النساء شقائق الرجال،) بعض أهل العلم وهو رواية عند الإمام أحمد في قول النبي r«سووا بين أولادكم» بعضهم قال بالتسوية بين الذكر والأنثى، وأن كلمة ولد هنا تطلق على الذكر والأنثى من الأولاد، وقول النبي r «الوالد باب من أبواب الجنة» المقصود بالوالد والوالدة أيضا أنهما بابان من أبواب الجنة.
    قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ» وقلنا هنا أن الإخوة هنا إخوة الإيمان؛ ولذلك في رواية قلنا لأخيه المسلم، يدل على أن الإخوة هي الإيمانية والمخاطب بهذا الحديث أمة الإجابة، وهم أهل الإسلام فيخرج غير المؤمنين من هذا الخطاب، يعني لا «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ» أي المسلم، فلو كان له أخ كافر هل يشترط أن يحب له ما يحب لنفسه؟ نقول أن الظاهر لا، وإن كان بعض أهل العلم كالإمام النووي قال أن هذه اللفظة لأخيه قد تُحمل على العموم، ويحب لأخيه الكافر ما أحبه لنفسه من إسلام، وأن يكون طائعا لله U، فيحب للكافر أن يسلم، ويحب للمسلم أن يدوم إسلامه وأن يثبت عليه، ولكن ظاهر الحديث يرجح القول الأول وأنه لأخيه المسلم.
    قال: «مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» أي من الخير؛ لأنه ورد في بعض الطرق «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب من الخير» لأن بعض الناس قد يكون متهور وعنده شيء في عقله ويحب لنفسه الشر، نقول له لا هنا قف، إنما المسألة يحب لأخيه من الخير، فما هو الخير؟
    ابن حجر في شرحه للحديث يقول: (الخير كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية وتخرج المنهيات)؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، يعني لا يتناول المنهيات.
    والمحبة: أن يحب لأخيه: أي المحبة إرادة ما يعتقده خيرا، إذن الخير عندنا عبارة عن طاعات، مباحات دينية ودنيوية، تخرج المكروهات، وتخرج المنهيات؛ لأنه لا يطلق عليها اسم الخير، مثلا: والعياذ بالله رجل يحب شرب الخمر، يقول يا عم الشيخ أنا ملتزم بهذا الحديث، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وأنا أحب أن أشرب الخمر فأحب لكل المسلمين أن يشربوها، هل الحديث سائغ بالنسبة له؟ نقول لا الحديث مقيد بالخير، أنت إذا أحببت المنهي أو أحببت الشر هذا دليل على ضعف إيمانك، ودليل على أنك قد صرت عبدا لهذه الأشياء والعياذ بالله، فإذن فلننتبه أن محبتك لأخيك ما تحب لنفسك في الخير،ويضاف إلى هذا المعنى أن يبغض لأخيه ما يبغضه لنفسه من الشر، نلاحظ أن النبي r قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» أين قولنا أنه أيضا لابد أن يبغض لأخيه ما يبغضه لنفسه من الشر؟
    نقول أن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه؛ ولذلك في مسائل الإيمان نقول أن البغض القلبي للكفار هذا أمر عقدي؛ لأنك حينما تقول لا إله إلا الله لابد أن تبغض من يقول ثالث ثلاثة، ومن يقول المسيح ابن الله، وعزير ابن الله هذا أمر اعتقادي، لا تقل أنني أحب كلمة التوحيد وفي نفس الوقت لا مانع عندك والعياذ بالله من الكلمة الأخرى، هذا كلام ،متناقض لأن محبة شيء تدل على بغضك للشيء الآخر ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4]. هذا هو المقصد أن حب الشيء يستلزم نقيض ضده أو يستلزم بغض نقيضه فلابد أن تعي هذه المسألة، العقدية.
    معاملة أهل الكتاب وهذا الكلام، المعاملات داخلة في قوله ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 90]. فلابد من العدل ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: 29]. فالأمر الذي فيه عدل وفيه قسط هذا أُمرنا به حتى مع لا أقول مع أهل الكتاب حتى مع الحيوان وسيأتي معنا أحاديث النبي r التي تدل على ذلك، فإذن ننتبه مسألة البغض للكفر لا تعني أنني لا أستطيع أن أتعايش مع الآخر، أو أن أجاريه أعامله في تجارة، بيع، شراء، إجارة كل هذا لا ينافي هذا، الأمر القلبي غير الأمر التعاملي الظاهر، فلننتبه.فإذن على المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، وأن يبغض لأخيه ما يبغضه لنفسه من الشر.لماذا لم يذكر النبي r مسألة البغض للشر؟ نقول لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه.
    يقول النووي رحمه الله: (والشخص متى لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه كان حسودا) ولذلك بعض أهل العلم اختلف في تعريف الحسد، بعضهم قال مثلا: (أن الحسد هو تمنى زوال النعمة من الغير،) ولكن ابن تيمية رحمه الله له تعريف أبلغ وقال: (الحسد قد لا يكون بتمني زوال النعمة من الغير بل بكراهة نعمة الله على أخيه، سواء تمنى أن تزول أو لا تزول، ) فمجرد أن يبغض هذه النعمة، ليس عنده أن تزول أو لا تزول هذا حسد وهذا دليل على أن القلب ليس صالحا بل أن الحسد من صفات اليهود والعياذ بالله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ ليه؟ ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: 109]. فلننتبه ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]. لا تحسد أحدًا على نعمة الله U عليه، بل عليك إذا كانت نعمة أخروية حفظا لكتاب الله، طلب علما، أن تفرح بأخيك حتى ولو كان هذا الأخ أفضل منك، لماذا تفرح به؟ أفرح به لأنه قريب إلى ربه، ولأن الله U يحب هذا الأمر في هذا الشخص، فأنا أحب ما في هذا الشخص لمحبة الله له فتجتمع محبتك مع محبة الله U وتتوافقان في شيء واحد، وهذا ما يسميه ابن تيمية (بالاتحاد عند أهل السنة والجماعة) أن تتحد الإرادات أن يتحد المقصود، الله يحبه وأنا أحبه، لماذا تحبه؟ لأن الله U يحب ذلك، ولذلك الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه يتمنى أن هذا الأخ الذي له لو أنه صار داعية مشهورا يبلغ العلم في كل الدنيا، لماذا؟ لأن هذا محبوبٌ لله، يتمنى من أخيه أن يقيم الليل كله لا يفتر عن القيام، أن يصوم النهار كله لا يفتر عن الصيام، يحتاج من أخيه إلى مثل هذه الأمور ويحبها فيه لمحبة الله U لها.
    فإذن الذي لا يرضى أو يكره نعمة الله U على غيره هو حاسد؛ ولذلك يقولون في المثل يعطوا الحلق لمن ليس له أذن، وهذا فيه والعياذ بالله افتئات على الله U واتهاما لله U بأنه ليس بحكيم، يقول يعطي الحلق لمن ليس له أذن، هل أنت الذي لك أذن، يعني أنت مستحق، نحن بين خيارين كلاهما مر، إما أن يقول هذا ليس مستحق أو ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]. أهم يقسمون رحمة ربك، وبين الخيار الآخر وهو أن هذا الشخص يقول إنما أوتيته على علم، أي على علم بأن الله علم أني استحق ذلك فأعطاني، يكون بين لهجة إبليس ولهجة قارون وكلاهما صنوان مع الاختلاف في كمية الشر، فلننتبه، فما أجمل هذا الهدي النبوي أن يحب كل منا لأخيه ما يحبه لنفسه من الطاعات يتمنى لو أنه حفظ كتاب الله كاملا صحيحا وحفظه كل مسلم فيؤجر بهذه النية؛ ولذلك كان من الأشياء التي ينبغي أن تُتعلم أن هناك موسم للعمرة وهناك موسم للحج فإذا لم يكتب لك العمرة والحج فلا مانع أن تصف قدميك وترفع يديك لله U تقول اللهم ارزق كل مسلم عمرة وحج، فمن سافر إلى العمرة كان دعاءك سببا من أسباب وصوله إليها فأجرت على ذلك، وكان حجه بسبب أيضا من أسباب دعاءك ومحبتك لذلك فتؤجر على الحج وأنت لم تحج لهذه الملايين من المسلمين، هذا المعنى من المعاني الجميلة.ولذلك في بعض الأحاديث وإن كان في إسناده مقال لبعض أهل العلم الذي يقول (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)، ما أجمل هذا التآلف للقلوب قبل التآلف للأبدان، أن تتآلف مع إخوانك وتتحد هذه القلوب على محبة الخير للجميع.
    يقول: «مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» الذي لا يحب لأخيه كما قلت هذا حسود، وأيضا يقع في معضلة كبيرة جدا وأنه قد وقع في حرام شديد كما قدمت، تخيل خصلة من الخصال ينفى عن صاحبها الإيمان، في حديث مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي r قال: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»
    إذن هذه الأحاديث تدعونا إلى أن يكون أفراح المسلمين فرح لك، وأن يكون أحزان المسلمين وأتراحهم حزنا لك، أن يكون المؤمنون كما وصف النبي r مثل الجسد الواحد ذو القلب الواحد، ذو القلب يفرح للجسد جميعا ويطرح أيضا لألم الجسد جميعا، فنصير بذلك فعلا أمة واحدة، يدا واحدة هنا يتألف ويكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، فإذا أحببت لأخيك ما تحب لنفسك دل ذلك على كمال سلامة صدرك من الغل والحسد فإن الحاسد يكره أن يفوقه أحد في الخير، هذا الحاسد يكره، ولذلك مثلا درجات الامتحان في المعهد بعض الناس تألم من أن بعض إخوانه صعد عليه أو تفوق عليه، نقول إن كان تألمك للتقصير فهذا شيء جيد وعليك أن تنافس نفسك كما قدمنا وتبذل، وأما أن كان ألمك لأنك لم تكن أنت الأول فهذا ألم الحاسد، لابد أن نراجع تلك القلوب، بل نفرح لفلان بأنه تفوق، ولفلان بأنه حصل على درجة عالية أو أهل لمنصب من المناصب الدينية.فإذن الحاسد يكره أن يفوقه أحد في الخير أو يساويه فيه، والإيمان يقتضي خلاف ذلك وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء.
    يقول ابن عباس: (إني لأمر على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم،) إذا علم آية ود أن كل الناس يعلمون هذه الآية، وود أن كل الناس يعلمون هذا العلم، لأن هذا محبوب لله U، فقدموا محبوب الله U على محبوب أنفسهم.
    يقول الشافعي :ورحم الله الشافعي وطيب ثراه، الشافعي هذا قصة حياته عجيبة من عجائب الزمان وأسأل الله U أن يمن علينا وأن يكون هناك مرة نتكلم فيها عن الشافعي ونتكلم عن أحمد ونتكلم عن مالك وعن أبي حنيفة وعن الأئمة الأعلام ونتكلم عن تلامذتهم من المصريين ليس عصبية ولكن لأبين لك كيف كان طلب العلم، وكيف كانت مصر حاضرة العالم الإسلامي صدرت هذا العلم للعالم كله.
    يقول الشافعي: (وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلي شيء)،هذه المحبة التي أرادها أن الناس يتعلمون هذا العلم ولكن لا ينسب للشافعي شيء، وهذا كان حال بعض أهل العلم كان يسطر كتب بأسماء وهمية ليس باسمه، سواء وافقنا هذا المسلك صحيح أم لا، إنما كان يقول أن هذا أدعى للإخلاص، ، أنه يود أن ينتشر هذا العلم، وأن يتعلم الناس، وأن يتعبدوا لربهم، ولكن لا ليقال فلان هذا الذي كتب الكتاب، ولي عشرة مجلدات في السوق، وأنا فعلت كذا، ولي رسالتين في كذا، وحاصل على الجائزة الأولى في كذا أبدا إنما هذا هو هدي أهل العلم من الصالحين والصادقين، أنهم ودوا لو تعلم الناس هذا العلم ولو أنه لم ينسب إليهم.
    كيف نوفق بين ذلك وبين حب المنافسة والتنافس وقول الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُو نَ﴾ نقول التنافس في الخير جائز ولكن مع وجود هذا القيد أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك من الخير، تحب لأخيك أن يكون مثلك أو أن يكون مساويا لك في الخير، كذلك أيضا أن تبرأ من العلو والافتخار، يعني المنافسة ليست للعلو وليست للافتخار أبدا، فإذا انتفت المنافسة عن العلو والافتخار فهي منافسة جائزة ولا بأس بها ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
    أسلم طرق المنافسة :أن تنافس نفسك، أن تقول أنا سأسابق نفسي كنت اقرأ جزءا سأقرأ جزءا ونصف، كنت أقيم الليل بركعتين، أقيمه بأربع ركعات وهكذا تنافس نفسك في الخير لأننا كما أذكر كلمة شيخ الإسلام دائما وأن كانت الغبطة التي هي محبة ما عند الغير مع تمني بقاءها وإن كانت الغبطة مباحة ولكن تركها أولى.
    تأتي عندنا أيضا مسألة في هذا الحديث وهي مسألة الإيثار، ونقول أن الإيثار درجة عالية جدا من درجات أهل الإيمان، قال تعالى: ﴿وَيؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌوَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]. قال ﴿وَيؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ فدل على أن الإيثار ضد الشح، فما هو الإيثار؟ وما هو الشح؟
    الإيثار: ترك ما هو محتاج إليه، أن تكون محتاجا إلى شيء مثلا من طعام مثلا وتؤثر غيرك عليه رجاء الثواب من الله U، القصة المشهورة جدا، هي قصة ضيف النبي r الرجل والمرأة الذي عجب الله U أو ضحك لهما والقصة مشهورة حينما أتى الضيف فقال النبي r من يضيف ضيف رسول الله r فقال الرجل أنا، فأخذه إلى البيت، ما عندك؟ قالت ما عندي إلا طعام الأولاد، فأطفأت السراج وأنامت الأطفال ثم جلسا يأكلان مع الضيف ويشعران الضيف أنهما يأكلان معه، الطعام ما يكفي فآثر هذا الضيف بهذا الطعام على الأولاد وعلى أنفسهما فضحك الله U من فعلهما وتعجب من فعلهما وهذا يدلنا على أن الله U يعلم السر وأخفى، وأن كل شيء يفعله المرء فإن الله به عليم، فإذا آثرت غيرك فأعلم أن الله U يراك ومطلع عليك، ويجازيك على هذا الإيثار بفضله ومنه سبحانه وتعالى،إذن الإيثار أن تترك ما أنت محتاج إليه.الشح: هو الحرص على ما ليس بيده، .
    إذن ما الفرق بين البخل والشح؟نقول أن البخل ثمرة الشح، والشح يأمر بالبخل كما قال النبي r في صحيح مسلم وعند الإمام أحمد «إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» الشح آمر إذا تملك من الإنسان فإنه يصير هو المسيطر عليه فيأمره بالبخل بألا يعطي حق المال، ويأمره بالقطيعة قطيعة الرحم ويأمره بكذا كأنه ملك متسلط على هذا العبد والعياذ بالله فإذن إياكم والشح؛ ولذلك كان النبي r كثيرا ما يدعوا بهذا الدعاء «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من ضلع الدين وقهر الرجال».
    هنا تجد أن النبي r قد جمع في الحديث بين كل اثنين في التعوذ، فقال: وأعوذ بك من الجبن والبخل، ما العلاقة بين الجبن والبخل؟ هي علاقة واحدة وهو أن البخل هو أن يمنع فضل ماله أن يبذله، والجبن أن يمنع نفسه أو فضل نفسه عن بذلها لكي يستفيد منه الآخرون، فالجبن والبخيل صنوان أيضا شجرة واحدة، ولكن كل فرع له معنى غير المعنى الآخر؛ ولذلك جمع النبي r بينهما، ولذلك القدامى من المصنفين كانوا يصنفون في كتب الجهاد يصنفون بابا في الحث على الصدقة؛ ولذلك تتعجب ما العلاقة بين الصدقة والجهاد؟
    يقول أهل العلم: الذي بخل عن بذل درهمه يكون ببخله عن بذل نفسه أولى ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الذين حصلوا على مطلوبهم وفروا من مرغوبهم، ولذلك أيضا أيها الإخوة حاولوا أن تتصدقوا ولو بالقليل؛ لأن هذا يجعل هناك موازين للقلب لعدم تعلقه بالمال، ويقوي القلب، من الأشياء التي تقوي القلب وتعطي عزم للقلب الصدقة.
    مسألة أخرى: هل يجوز الإيثار في القرب في الأمور التعبدية التي فيها قرب لله U هل يجوز أن تؤثر غيرك بهذه القربة؟ نقول لا يجوز أن تبذل قربة لغيرك وتؤثره على نفسك، مثلا الوقوف في الصف الأول كمن يقدم عزيز عليه مكانه في الصف الأول نقول لا إيثار في القرب، يقول ابن القيم : ( وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك، ووقتك، ومالك مع الله فلا تؤثر به أحدا فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم).
    السيوطي في الأشباه والنظائر يقول : (لأن الغرض من العبادات التعظيم، فمن آثر بالتعظيم فقد ترك إجلال الإله) ما هو الغرض من الصف الأول، والصلاة، والأذان، والإقامة وهذا الكلام، الغرض منها تعظيم الله U لماذا أنا أتيت للصف الأول وحريص على أن أقف في الصف الأول لأكون أقرب إلى الله U هذا من باب التعظيم لله U، وإجلال الله U، يقول فإذا آثرت غيرك على نفسك بهذا التعظيم فقد ترك إجلال الإله سبحانه وتعالى، فإذا لو كان هناك صف أول لا تؤثر أحدا إذا وقفت في الصف الأول إلا في مسألة سنذكرها ونقول خلاف أهل العلم فيها.
    كذلك أيضا الإيثار بالأذان والإقامة، وقف عند الأذان يؤذن وهو ليس إماما راتبا والمسجد ليس له مؤذن راتب فوقف يؤذن ثم رأى أحد ما يدخل المسجد قال له تعالى أذن مكاني، نقول لا لا تؤثره بالقرب، كذلك أيضا يضرب بعض أهل العلم أمثلة بأنه يؤثره بماء الطهارة، نحن في مكان الماء الموجود على قدر الوضوء فيقول له توضأ أنت بها وأنا أتيمم، نقول لا لا إيثار في القرب، كذلك في مسألة ستر العورة معه ما يستر به عورته فيعطيه للغير ولا يستر هو عورته ،حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، نقول لا إيثار في القرب؛ لأن الفقهاء قالوا لأن الإيثار في القرب مكروه أو حرام، ومن كلام ابن القيم والسيوطي نستشف أنه محرم ولا يجوز.
    قلنا بعض أهل العلم يقول في مسألة الصف الأول أنه قد يؤثر غيره على نفسه لمعنى شرعي آخر وليس لمجرد الإيثار، فيه معنى شرعي أبلغ ، قالوا لو أن هناك صبي مميز واقف في الصف الأول خلف الإمام أو رجل عامي يقف في الصف خلف الإمام، قالوا لو رجع هذا العامي وقدم أحد أهل العلم وهو من حفظة كتاب الله U كان خيرا له، واستدلوا بقول النبي r «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» هذا له مخرج ولكن أنا أقول أن هذا الحديث له احتمال آخر، «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» النبي r يقول: « يا أهل الأحلام ويا أهل النهى بادروا بالقدوم إلى الصلاة حتى تكونوا أول من وقف خلفي» وليس معناه أننا إذا لم نرى أهل الأحلام والنهى ، نردهم إلى آخر الصف ويأتي أهل الأحلام والنهى بعد نصف ساعة متأخرين نترك لهم مكانا يصلون فيه.
    مسألة الصراع على الصف الأول: وهذه المسألة كنت أظنها عندنا في مصر إلا أني وجدت المشايخ حتى في السعودية الشيخ الشنقيطي كثيرا ما يتكلم عن هذه المسألة مسألة الصراع والمصارعة على الصف الأول وخاصة في أيام رمضان والاعتكاف أقول يا أخي الفاضل أنت إذا أتيت إلى الصف الأول ثم قمت إلى حاجتك إلى دورة المياه ورجعت فوجدت أحد الناس قد سيطر على المكان ، وقال لن أرجع ،فلا تسحبه وتشده بقوة لأنه وقف مكانك، إنما أرجع إلى الخلف والله U يعلمك سواء كنت واقفا في الصف الأول أو الأخير ويعطيك أجر وقوفك في الصف الأول أبشر يا أخي، الله U لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنت محسن والله U يعطيك هذا الأجر.
    كمسألة تقبيل الحجر الأسود مثلا ، بعضنا قد رأى ذلك النساء تصارع على تقبيل الحجر، لماذا تصارعين؟ لماذا هذا الزحام وهذا التقاتل، وهذا العراك على مثل هذه المسألة؟ عراك على الصلاة مثلا في الروضة ، لماذا هذا العراك وهذا التناحر؟ نقول الله U يعلم ما في قلبك لو وقفت في آخر الصفوف حتى لا تزاحم إخوانك وهذا الزحام وهذه المصارعة من المحرمات التي لا تنبغي أن تكون في المسجد هذا الأمر أيها الإخوة الله U يعلمه ويثيبك ويأجرك ولكن عليك أن تكون رقيقا مع إخوانك هادئ النفس.
    نقول أيضا تأتي بعض الأسئلة في مسألة الإيثار، يقول: هل إعطاء الإجابة لأخواني في الامتحان من التعاون والإيثار لأنني أحب له ما أحب لنفسي، ، نقول هذا ليس من الإيثار بل هو من سوء الإحسان إلى الأخ، لأنك تعوده الخيانة، فإياكم والتعمق هذا والتفلسف ، نقول أن هذا الأمر فعلا من تعويد الآخر على الخيانة، وإعطاء الشيء لغير مستحقه وهذه ليست من الحكمة بل هي من الظلم البين والعياذ بالله، كما أن النبي r قال: «من غشنا فليس منا».
    كذلك أيضا نستفيد أننا نستوصي بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء كما قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى فتحب لأخيك ما تحب لنفسك من أن تصيب كبد الحقيقة، لا يتمنى أحدنا لأخيه أن يخطئ أو يزل أو إذا ناظره في مسألة أن يكون الحق معه؛ إنما يتمنى أن الحق يظهر سواء كان معه أو مع أخيه؛ إنما لا يتمنى عثرات الإخوان ويتمنى زلات هؤلاء الناس، أنا أعرف من هذا الصنف من يجلس ليستمع إلى محاضرات المشايخ حتى يقع على البعض الأخطاء فيتنمر بها إن البغات بأرضنا يستنسر وهذا الذي يعني تحصرم قبل أن يتذبب هذا الذي يريد أن يقع عليه ؟؟؟ نقول هذا فعل الغربان، الغراب من الحيوانات التي تقتل حلا وحرما ولا تقع إلا على دود الأرض، فإياك أن تقع أنت أيضا على الدود وتخفي الحسنات، إنما تتمنى أن يقع الحق على لسان هذا المتكلم، وأن يبلغ هذا الحق الآفاق، وأن يتعبد الناس لله U بذلك، والله الذي لا إله إلا هو لو طبق هذه الأحاديث، حديث «الدين النصيحة» «أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك» هذه لو طبقت في واقعنا الدعوي لاسترحنا من كثيرا جدا من المسائل لاسترحنا في كثيرا جدا من الأزمات النفسية، لماذا فلان قدم؟ ولماذا فلان هو الذي يخطب؟ ولماذا فلان هو الذي يقول الدرس؟ ولماذا فلان هو الإمام؟
    لو أننا أحببنا لأخينا ما نحب لأنفسنا، أن يكون إمامنا يقتدى به كما أحب أن يكون إماما يقتدى به لاسترحنا مما في قلوبنا من الغل والحسد والضغينة والبغضاء التي هي والعياذ بالله أزمة من الأزمات التي تفصم الصف الإسلامي، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. النزاع يكون على من سيكون الإمام في رمضان، على من سيكون الذي سيعطي الدرس، على من سيلقي الخطبة كل يعطي الخطبة لا بأس، فلان يخطب لا بأس، وأنا أدعوا الله U له أن يوفقه، وأن يسدده، وأن يجري الحق على قلبه وعلى لسانه، وأن يقول ما أقوله وزيادة حتى ينتفع المسلمون، إذا كان هذا هو حالنا والله ستجد هذا المجتمع المتراحم، هذا المجتمع المتآلف بفضل الله U.
    هذه الأحاديث الثلاثة عشر أتمنى أن تجلسوا معها في رمضان، تجلس معها تقول ما ينبغي علي أن أسلكه وأن أعمل به، تتعلم الحديث تقرأه وتعرف معناه، ثم تحاول أن تبادر بالعمل به بإذن الله تبارك وتعالى.
    أسئلة الدرس:
    س: ذكر الإمام النووي الإخوة في الكافر، فهل يجوز هذه اللفظة مع الكافر؟
    ج: مقصد الإمام النووي الإخوة في النسب، قال: لأخيه أي الكافر أخوه نسبا، وليس أخوه في الدين أو الديانة.
    س: هل يجوز الإيثار في الإمامة ؟
    ج: النبي r يقول: «المؤذن مؤتمن والإمام ضامن» فالإمام ضامن لمن خلفه، ففيها شيء من الكلفة والمشقة فلو أنه تركها لغيره كان أولى، ولذلك أنا قدمت أن أهل العلم ينصون على الأذان، وينصون على الإقامة، ينصون على مسائل من القرب ليست هي مسألة الإمامة، ولذلك أنا أقول لك كما قال النبي r لأبي ذر: «إني لأراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا توليني مال يتيم» فيعني دعك من هذا الأمر.
    س: ما حكم الخروج إلى ميدان التحرير في الجمعة القادمة، أفادكم الله وجزاكم الله خير؟
    ج: نود من أخواننا لو انعقد الصف الإسلامي كل مشايخ الصف الإسلامي كما ترون في البيان الصادر على الخروج لميدان التحرير فأنا أرى أن المسألة لابد فيها من المشاركة الفعلية، وأنا أقول ليس الخروج فقط إلى ميدان التحرير، ولكن من الآن أن ندعو الله U ونجأر إليه، أن لا يكون ذلك ابتلاء لنا، وأن القرار الذي أُخذ سيكون فيه مثلا بعض المشقة وبعض الشيء أو بعض الأشياء التي يخاف من عاقبتها، فمن الآن علينا أن نلجأ إلى الله بالدعاء، أن ندعو الله U، وأن يكون هذا اليوم الجمعة إن تيسر لك الذهاب فاذهب، إن لم يتيسر لك الذهاب لعارض ، فأنا أقول لك لا تحرم إخوانك من نصرتك بالدعاء، بتلاوة القرآن، بالدعاء والجأر إلى الله U بالدعاء أن يوفقهم، وأن يسددهم، وأن يبعد عنهم كيد الكائدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه وتعالى.
    أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
    انتهى الدرس الثالث عشر نسألكم الدعاء أختكم أم محمد الظن
    http://www.islamup.com/download.php?id=137390
    الدرس الثالث عشر كملف ورد

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأربعون النووية
    الدرس [14]
    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فإنه من يهده الله تعالى فهو المهتدى، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    وصلنا بفضل من الله ومنه إلى الحديث الرابع عشر:
    عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».
    راوي الحديث: فقد تقدم معنا في الحديث الرابع تقدمت ترجمته موجزة، .
    أهمية هذا الحديث : قد سبق لنا أيضا أن ذكرنا قول ابن مهدي وابن المدني أن هذا الحديث ضمن أربعة أحاديث عدها أهل العلم من الأحاديث الأصول التي تدور عليها باقي الأحاديث، وهذا الحديث في حقيقة الأمر يبين لنا إكرام الإسلام للإنسان، وكيف أنه رفع الحرج عنه بأن جعل لهذه العقوبات التي هي نتيجة أو بسبب هذه الأفعال الشنيعة جعل له مخرجا نفسيا، ورفع الحرج من الأمور الأصيلة ومن القواعد المتينة عندنا في شريعتنا.
    المعاني الغريبة: « الثَّيِّبُ ».: والثيب من ليس بكرا بل سبق له الزواج وهو بالغ عاقل،والمراد بالزواج النكاح الصحيح ولو مرة يعني لو أنه تزوج ولو مرة واحدة، ويطلق هذا اللفظ الثيب على الذكر وعلى الأنثى، وإن كان إطلاقه على المرأة أكثر.
    وقوله: «لَا وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، »: أي تقتل النفس التي قتلت النفس الأخرى بغير حق عمدا فإنها تقتل بها أيضا.
    يقول النبي r: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» لا يحل أي يحرم، والنبي r لم يقل لا تقتلوا أو لا تسفكوا دم المسلم، إنما قال r: لا يحل بصيغة النفي، وليس بصيغة النهي، والعلماء يقولون أن النفي أبلغ من النهي في هذه الصيغ، قالوا لأن النفي يشتمل على النهي،إذا قيل لك لا يحل لك أن تفعل كذا بمعنى لا تفعله أيضا، يعني إذا قلنا لا يحل لك أكل الميتة معناه لا تأكلها،إذن هذا النفي متضمنٌ للنهي.
    فلماذا ذكر النبي r النفي ولم يذكر النهي صراحة؟ قلنا لأن النفي أبلغ، لأن النفي عبارة عن نهي وزيادة، ما هي الزيادة؟قالوا أن النفي يدل على أن هذه حقيقة مستقرة عندنا في الشرع كأنه نفاها أن تكون موجودة في شرعنا أصلا، يقول لا يحل دم امرئ مسلم أي في شرعنا في ديننا بمعنى أن هذه الصورة صورة غير موجودة عندنا في الإسلام، بعكس إذا قال لا تفعل كذا، لا تفعل كذا هذا نهي من نواهيه، من نواهي الإسلام، إنما لا يحل لك أن تفعل كذا هذا معناه أنه زيادة عن النهي يقول أن الصورة المتقررة عندنا والمتأكدة أن هذه الصورة منتفية عندنا أن تكون حلال في ديننا.قلنا أتى بالنفي لأنه أبلغ من النهي، لأن النفي فيه معنى النهي وزيادة كأنه صار حقيقة ماضية أنه لا يحل بحيث أن النهي عنه قد تقرر وإنما ينفى وجوده في الشريعة أصلا، قال الله U ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ حرمت هذه صيغة من صيغ النفي أن يكون هناك نكاحا للأمهات وهو مشتمل على النهي أيضا فهذا أبلغ، كأنه حقيقة مستقرة.
    قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ».: ما الذي لا يحل؟ هل شربه؟ هل أكله؟
    قال: لا يحل سفك أو إراقة دم المسلم، لماذا جئنا هنا بمضاف يعني لماذا قلنا إراقة وقلنا سفك؟ نقول لأن الأعيان لا حكم لها بالنسبة للمكلف، إنما المكلف الحكم الشرعي مرتبط بفعله يعني فعلك نقول أن هذا الفعل حرام، هذا الفعل حلال، هذا الفعل واجب، هذا الفعل مباح، هذا الفعل مندوب، إذن الحكم الشرعي يتعلق بأفعال المكلفين، فما الذي يحرم؟ الذي يحرم هو فعلك أنت أي سفكك لدم غيرك أو إراقتك لدم غيرك.
    كما معنا في الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ حرمت عليكم أمهاتكم ماذا نعني بها؟ أي حرم عليكم نكاح الأمهات، إذن هنا المحرم هو فعلك أن تنكح أنت فهذا هو المحرم الذي أنصب عليه الفعل.
    نلحظ أيضا أن النبي r قال: «لا يحل دم امرئ مسلم» قال هنا دم امرئ مسلم هل المقصود هو قتل المسلم وإزهاق روحه وسفك دمه بأي وسيلة، أم أن المقصود هو إسالة الدم وسفكه خاصة؟، نقول أن المقصود هو إزهاق روح المسلم بأي طريقة من الطرق وإنما ذكر الدم، لأن الدم هو الغالب على من قتل غيره أن يسفك دمه لو أنه خنقه أو سمه هل نقول هذا يحل بدليل أن النبي r قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ».وهو لم ينزل منه قطرة دم إنما خنقه حتى مات يعني أطعمه سما حتى مات فيقول أنا لم أتي مع النهي الذي يخص الدم ينفع، هذا فقه عجيب، إنما نقول لا أن المقصود هو إزهاق النفس بأي وسيلة من الوسائل وذكرت كلمة الدم هنا على الغالب فقط، لأن الغالب في القتل أنه يكون بإراقة الدم.
    كذلك أيضا نستفيد من تعبير النبي r أو من قول النبي r لا يحل دم امرئ مسلم أننا نستفيد هنا عمومين.
    العموم الأول: وهو النهي عن إراقة الدم كله قل أو كثر، تلاحظون هنا أن كلمة دم نكرة وأتت في سياق النفي والقاعدة عند الأصوليين تقول أن النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام تفيد العموم وهذه تفيدك جدا في الاستدلال في مسائل التوحيد، الاستدلال في مسائل الفقه، فهم النصوص الشرعية على وجهها هذه القواعد التي هي أصول للفهم للفظ القرآني وللفظ النبوي وللفظ العربي أيضا هذه تساعدك.
    فإذا قلنا لا يحل دم امرئ مسلم،فكل دم المسلم قل هذا الدم أو كثر، لماذا قلت ذلك؟ نقول لأن كلمة دم نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هذه في التوحيد كي أخبرك تستدل بها في أي مكان ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ شيئا هنا كلمة نكرة أتت في سياق النهي، ولا تشركوا نهي، فشيئا هنا نكرة فتفيد العموم، أي ولا تشركوا به أي شيء سواء كان ملك أو نبيا مرسلا، أو حجر أو صنم أو أي شيء،إذن أفادت العموم وهنا عموم آخر حتى نضيف فائدة ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ يقولون أن الفعل المضارع فيه مصدر مستكن،فالفعل يشتمل على حدث وزمن، صح ، إذا قلت ضرب محمد أخاه، ماذا نستفيد من الفعل ضرب؟ نستفيد الحدث الضرب، ونستفيد أنه حدث في الزمن الماضي أنه قبل زمن التكلم وقع الضرب.ونقول أيضا يضرب محمد أخاه، يضرب هذا فعل مضارع فيه حدث وهو الضرب الذي هو المصدر، وفيه الزمن وهو الحال والاستقبال، أنه يضربه وأنا أتكلم ومازال يضربه، إذن الفعل فيه مصدر، والمصدر هذا نكرة أيضا، فقول الله U ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ شركا، أي لا تشركوا لا شركا أكبر ولا شركا أصغر، ولا رياء، فهنا العمومات هذا تعطيك فرصة في الفهم.
    «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ».معناه أي دم بل كل الدم حرام، «كل المسلم على المسلم حرام دمه» أي كل دمه، وهنا أيضا نستفيد العموم الآخر أنه لا يحل السفك ولا الإراقة بأي طريقة من طرق الإزهاق أو القتل أو الخنق أو غيرها.
    يقول: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ »: كلمة امرئ هذه بمعنى الشخص وتطلق على الشخص الذكر نقول لا يحل دم امرئ، ونقول أيضا أن الشخص الذكر يطلق عليه كلمة المرء ووردت في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]. وأما المرأة فنقول عنها امرأة ونقول مرأة ونقول مرة، وكلمة مرة لغة عربية ولكن العرف الآن صار كلمة مستقبحة فيه فلا داعي لذكرها أيضا، إنما نقول أنها من اللغة ككلمة نسوان هذه أيضا من اللغة العربية الفصيحة.
    فإذن نقول «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ ».هذا للشخص الذكر، والمرأة يطلق عليها امرأة ومرأة ومرة، النبي r قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ ».فهل يحل دم النساء؟ واحد يستدل يقول الحديث «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ».وأنا لم أقتل ذكرا إنما قتلت امرأة هل هذا يصح؟ نقول هذا لا يصح لأن الذي يعلم السياق القرآني، ويعلم الحديث النبوي، ويعلم لغة العرب، أن اللغة قد تذكر الضد وتريد ضده أيضا، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81]. أي والبرد، يعني هنا ذكر شيء وأراد أيضا ضده، فنقول لا يحل دم امرئ أي ودم امرأة أيضا.
    إذن المرأة تدخل أيضا معنا هنا في الحكم، وتدخل في معنى الحديث كما قدمت أن السياق العربي يحتمل ذلك، لماذا ذكر الرجل دون المرأة؟ نقول لأن الذكر هو الأصل ولأنه أشرف فيذكر الأصل والأشرف ويراد غيره، يعني الآيات القرآنية التي تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا الواو واو جماعة الذكور، ولكن المراد هنا أيضا النساء، لأن النبي r يقول: «النساء شقائق الرجال».
    قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ »: مر معنا قبل ذلك بما يصير المرء مسلما، فنقول أن كلمة مسلم قيد الحديث أخرج ما عدا المسلم، فغير المسلم يحل دمه ولكن بتفاصيل عند أهل العلم، فالمسألة ليست على عمومها إنما بتفاصيل موجودة عند أهل العلم فنقول مثلا أن غير المسلم كالكافر الحربي المحارب للمسلمين هذا الكافر الحربي يجوز قتله مطلقا إن كان بالغا، عاقلا، ذكرا، حرا، فالكافر الحربي يجوز قتله مطلقا بشرط أن يكون هذا الكافر ذكر، فلو كان أنثى نقتلها، لا النبي r نهى عن قتل النساء حتى لو كانت في بلاد الكفار الذين يحاربوننا، كذلك أيضا البالغ فلا يقتل من هو دون البلوغ، وقصة بني قريظة معلومة، وأن يكون عاقلا يعني لا يقتل مجنون، وأن يكون حرا، فهذه الشروط في الكافر الحربي إذا وجدت يقتل مطلقا بخلاف الضاد ذلك يعني ألا يكون بالغا أو عاقلا ألا يكون ذكرا ألا يكون حرا، لكن بشرط إذا لم يقاتلوا، يعني المرأة الحربية لا تقتل إلا إذا قاتلت يعني المجندات اليهوديات هذه في حربنا معهم تقتل هذه المجندة، لماذا؟ لأنها حربية تحارب وتقاتل، النبي r لما نهى عن قتل النساء قال: «ما كانت هذه لتقاتل» يعني هذه المرأة لا تقاتل لماذا تقاتلونها؟ فإذن لا تقتل هذه المرأة ولا يقتل الزمنى ولا الشيخ الكبير، ولا الأعمى، ولا غيره من هذه الأمور المعلومة عند الفقهاء، إنما إذا قاتل هؤلاء يقتلون أيضا ويجوز قتلهم.
    قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ».والشريعة تنهى أشد النهي عن قتل أو سفك الدم ولذلك يقول النبي r كما عند الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم» ما يُفعل بالمسلمين الآن من تقتيل هذا أمر شديد الخطورة، يقول النبي r: «لزوال الدنيا أهون» الدنيا لا تساوي شيئا، عبد الله بن عمر t يقول: في شأن الكعبة( إنك لكريمة عند الله U وإن شرف المسلم أكبر منك،) المسلم يعني تخيل لو أن الكعبة نقضت وقالوا إما أن ننقض الكعبة وإما أن نسفك دم فلان من المسلمين أيهما أهون؟ لا نقض الكعبة أهون، مع عظم ما في قلوب المؤمنين من محبة للبيت، الله U أودع في قلوب المسلمين حنين لهذا البيت، أسأل الله لي ولكم وللمسلمين الحج والعمرة في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
    إذن هذا سفك الدم، طبعا بعض الكفار لهم أحكام أخرى كالذمي مثلا الذي يعطي الجزية أو المعاهد أو المستأمن هذه كلهم أيضا لا يقتلون إلا بشروط معلومة عند الفقهاء، ولذلك نقول أن مسألة سفك الدم ليست بالمسألة الهينة، ولذلك بعض الجماعات قديما التي كانت تنتوي أو تمتثل هذا المنهج كانت بعيدة عن الإسلام، يصفون الإسلاميين دائما بأنهم سفاكوا دماء، نقول هذا ليس عندنا بل شرعنا أتى بعصمة الدم وأوضح أن هذا الدم له ثمن، وهذا الإنسان إنسان مكرم، هذا الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وأنزل له كتبه، وخلق من أجله الجنة والنار، هذا الإنسان مكرم لا يسفك دمه إلا بالحق، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151].
    يقول: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍِ»: فنقول أن المسلم معصوم الدم والعصمة ملازمة له لا ترفع إلا إذا وقع ما يرفعها عنه، لا يحل دم امرئ مسلم إلا، فالأصل هو عصمة دم المسلم، ونقول إذا كان هذا هو الأصل فهذا هو اليقين، والقاعدة تقول: (اليقين لا يزول بالشك)، أو( الشك لا يزيل اليقين)، فإذا تيقنا أن فلان مسلم، إذن تيقنا من عصمة دمه، أما خروجه عن العصمة هذا أمر يحتاج إلى نظر من أهل العلم، أو من الحاكم المسلم العادل أن ينظر في شأن فلان فإذا وجد الشروط ووجد أن الموانع قد انتفت عنه، وأنه خرج من هذه العصمة فساعتها يحل له أن يقتله.قال«لَا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ».: وثلاث هنا حذفت التاء لكي تعلم أن التمييز مؤنث أي ثلاث خصال، أي لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال ومعنى ذلك أنه لا تزول العصمة اللازمة للمسلم الثابتة له يقينا إلا بإحدى هذه الثلاث التي مصلحتها وإبقاؤها أعلى من سفك دمه، ولذلك سنرى في الحديث أن هذه الثلاث التي ذكرت من الكليات، يعني ذكر الثيب الزاني وهذا فيه حفظ الأنساب، وذكر النفس بالنفس، وهذه فيها حفظ النفس، وذكر التارك لدينه المفارق للجماعة وفيه حفظ الديانة، تلاحظون أن هذه الثلاثة من الضروريات التي أتت الشريعة للحفاظ عليها، وفي الحفاظ عليها حفاظ على كليات قد يهدر معها بعض هذه الدماء التي انتهكت هذه الكليات.فلا «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث أي يحرم إراقة الدم وسفك الدم إلا بهذه الثلاث التي يعني تذهب بعصمة هذا المسلم، .
    من الذي يحل له، أي من الذي يقيم هذا الحد على هذا المسلم الذي أضاع عصمة دمه بهذه الثلاث؟
    الفقهاء يقولون أن الذي يباح له ذلك هو الإمام أو نائب الإمام، وفي حالة النفس بالنفس يسلط الولي على دم القاتل، أنه إما أن يقبل الدية أو أن يعفو عنه أو أن يريد قتل القود فساعتها يقيم أيضا هذا الإمام هذا الحد عليه أو نائب الإمام، إنما لا يجوز لآحاد الناس أن يقيم ذلك من قبل نفسه، يعني واحد يأتي على رجل فيقول هذا كافر خلاص لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وهذا تارك لدينه فيذهب فيقتله أو النفس بالنفس يقول هذا الرجل قتل فلانا فيحل دمه فيذهب هو فيقتله فيتبين له أنه ليس هو القاتل، فإذا تركنا المسألة لآحاد الناس ما الذي يقع؟ يقع من الفوضى ما يعني تخرب به البلاد والعباد، فإذن الذي يقيم ذلك هو الإمام أو نائب الإمام، طبعا الإمام العادل المقسط أو نائبه.
    فإذا وجد زمان ليس فيه إمام ولا نائب إمام؟ نقول المسألة تقدر بقدرها، فإذا كانت مجموعة لها قوة ولها شوكة وهذا لن يحدث مضرة أو مفسدة أكثر من مفسدة إقامتها للحدود ساعتها قد يقيمون الحدود لأن المسلمين جميعا مطالبين بإقامة الحدود ابتداء، إذا وجدت الدولة ووجد الإمام الذي يقيم الحد هو الذي يقيم الحد، في حالة بلد كبلادنا ، نقول أنه لا مجال في أيدينا لعجزنا عن إقامة هذه الحدود، وإقامة الحدود الآن إذا أقامها بعض الأفراد هذا فيه مفسدة تكون أعظم من إقامة الحد في حد نفسه، لأن بعض الشباب يقول لك هذا دين ربنا ولابد أن يقام فيبدأ يقيم الحد، فنقول إقامة الحد هذه ،ستكون هنا مفسدتها أعلى من مصلحتها.
    يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: هل فقط هذه الثلاث التي تبيح دم المسلم؟
    بعض أهل العلم يقول: أن الاستثناء هنا استثناء إضافي ولا يفيد الحصر يعني أن الحصر هذا حصر في ثلاثة غير مقصور عليه بمعنى أن هناك حالات أخرى قد يباح فيها دم المسلم وذكر منها الساحر والذي ينكح المحارم، واللوطي، ومن أتى بهيمة وتارك الصلاة على قول بعض أهل العلم.
    إذن قالوا أن الاستثناء هنا إضافي، بعض أهل العلم قالوا لا الاستثناء على حقيقته وأنه محصور في هذه الثلاثة التي تعود وهذه الأمور التي ذكرت تعود إلى هذه الثلاثة، فقالوا هذه الثلاثة كما ذكرنا حفظ الديانة، وحفظ النفس، وكذلك أيضا حفظ العرض والنسب، فقالوا هذه الأمور التي ذكرت السحر النكاح المحارم اللواط من أتى بهيمة تارك الصلاة وغير هؤلاء إنما تعود إلى هذه الثلاثة أيضا فيكون الاستثناء هنا حقيقي والحصر موجود في هذا الحديث.
    ذكر أول هذه الأمور قال: « الثَّيِّبُ الزَّانِي، ».ذكرنا أن الثيب هو المسلم العاقل البالغ الذي حصل منه وطئ في نكاح صحيح، ذكرنا قبل ذلك أنه ولو مرة، يعني واحد تزوج بامرأة وماتت هذه المرأة ماتت بعد أن دخل بها ووطئها نقول هنا صار محصنا وثيب، إذا زنا عوقب معاقبة الثيب الزاني بأنه يحل دمه برجمه حتى الموت ، فلابد أن يكون في نكاح صحيح، فقد يكون رجل وطأ ولكن ليس في نكاح صحيح كأن زنا قبل ذلك والعياذ بالله يعني واحد زنا بامرأة فزنا بعد ذلك فهل زناه الثاني والعياذ بالله يعامل معاملة الثيب أم أنه مازال بكرا؟ نقول أن الثيب ما وطأ في نكاح صحيح أما هذا فزاني والعياذ بالله فلا يعاقب إلا معاقبة البكر الزاني.
    قال النبي r: « الثَّيِّبُ الزَّانِي، »: لم يقل الزاني الذي أحصن لماذا لم يقل ذلك؟ لأن النبي r أراد أن يقول أن حل دمه إنما هو بسبب أنه ثيب لا بسبب زناه، لأن الوصف بالزنا قد يكون للبكر وقد يكون للثيب، فالزنا ليس هو الذي أحل دمه، الذي أحل دمه أنه ثيب الثيوبة هذا الوصف المؤثر ثم أنه زنا بعد وصفه بهذا الوصف، فلذلك أحل دمه، والمراد بحل الدم طبعا كما قدمنا أنه يرجم بالحجارة حتى الموت، وهذا الحكم وهو الرجم للزاني المحصن ورد في السنة وأجمعت عليه الأمة، وفعله النبي r وفعله الصحابة أيضا من بعده.
    آية الرجم كانت مما نزل من القرآن والدليل على ذلك حديث رواه البخاري ومسلم من حديث عمر أنه خطب الناس على منبر رسول الله r فقال: « إن الله تعالى أنزل آية الرجم فقرأناها ووعيناها وحفظناها ورجم النبي r ورجمنا بعده، وقال: إني لأخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق ثابت على من زنا إذا أحصن إذا كانت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف».إذن عمر t في محضر من الصحابة وفي خطبة يقول أن آية الرجم نزلت في القرآن، أين هي؟ نقول أن آية الرجم مما ابتليت به الأمة بأن تنسخ لفظًا ولا تنسخ حكمًا بل فعلها النبي r كما قدمت وسأبين وفعلها الصحابة وأجمعت الأمة على أن الزاني المحصن الذي هو بالغ عاقل وأن يكون قد فعل ذلك أو كان ثيبا بنكاح صحيح وزنا بعد هذا النكاح الصحيح أي بعد إحصانه، فنقول أن هذه الآية كانت موجودة ولكنها نسخت لفظا وبقيت حكما، وهذا عمر يقرر ذلك بمحضر من الصحابة بل فعل ذلك أيضا النبي r، ولكن الحديث الذي ذكرت فيه الآية يعني بعض أهل العلم قال أن الآية التي وردت ووردت أيضا في بعض رواية الأحاديث «الشيخوالشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالاًمنالله واللهعزيزٌ حكيم» وردت في رواية عند النسائي في الكبرى، والإمام أحمد، ابن حبان، والحاكم، ووردت عند عبد الرزاق في مصنفه، ولكن هذا الحديث الذي وردت فيه هذه الآية حديث ضعيف ضعفه الشيخ الحويني حفظه الله تعالى وأطال في عمره ضعفه سندا، وأيضا من ناحية المتن، فالمتن فيه ركاكة يعني تخيل القرآن ببلاغته وفصاحته وهذه الآية التي يقولون أنها آية الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالا من الله لا تستشعر أنها يعني لغة القرآن، ولا تستشعر أنه هذا الكلام الجزل الفصل، ولذلك المتن هذا حتى هذه الآية فيها نكارة.الأمر الآخر: أنه علق في الآية الحكم بالشيخ والشيخة، والصحيح هو تعليق الحكم بالإحصان، فإذن هذه الآية أيضا فيها نكارة من هذا الباب.
    النبي r كما قدمت رجم ورجم خمسة رجم ماعز والغامدية، ورجم اليهوديين، ورجم أو قال لأنيس عامله أن يرجم المرأة التي زنت مع العسيف في الحديث «وأغدو يا أنيسعلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» إذن هؤلاء خمسة رجمهم النبي -صلى الله عليه آله وسلم.
    هل يجمع بين الرجم والجلد للثيب الزاني؟
    مسألة خلاف بين أهل العلم : القول الأول:بعضهم يقول لا لا نجمع وهو مذهب مشهور من مذهب أحمد وكثير من أهل العلم قالوا لأن النبي r رجم خمسة ولم يجلد أحد منهم، وكذلك أيضا يقولون أن الرجم والجلد عقوبتان اجتمعتا بسبب واحد والرجم أغلظها فيكتفا بالأغلظ عن الأدنى فقالوا ذلك.
    القول الثاني عند أهل العلم: وهو رواية عند الإمام أحمد أنه يجمع بين الجلد والرجم، قالوا بحديث مسلم حديث عبادة بن الصامت أن النبي r قال: «خذوا عني مناسككم، خذوا عني مناسككم، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» فجمع بين الجلد والرجم، وإن كان بعض أهل العلم ذهب إلى أن هذا الحكم بالجلد مع الرجم منسوخ، وأن الرجم هو الثابت كالبيهقي وغيره من أهل العلم، وإن كان الأظهر أن الرجم والجلد يجمع بينهما، و هناك قول ثالث: أن هذا يرجع للإمام، إن رأى الإمام أن هذا الزاني يكتفي معه بالرجم فقط ، إنما إذا أراد أن ينكل به أكثر وأن جريمته أعلى من غيره، وأن العقوبة تستحق التنكيل به جمع له بين الجلد والرجم، نسأل الله لنا ولكم العافية.
    قال: « ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ».قلنا وقتل النفس عمدا عدوان لا خطأ ولا بحق، أن يقتل النفس بالنفس فهنا يستحق أيضا أن يقتل، من الذي يقتله؟ الإمام أو نائبه، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45].
    النفس بالنفس هل كل نفس بكل نفس؟ ظاهر الحديث كذلك، ولكن وردت بعض المقيدات أيضا في السنة لهذا العموم، ولذلك يقول أهل العلم يشترط لقتل النفس بالنفس المكافأة بين القاتل والمقتول في الإسلام والحرية، يعني لابد أن يكون هناك القاتل والمقتول هناك تكافأ إسلام وإسلام، أن يقتل الكافر بالمسلم لأن الإسلام أعلى، فهنا تكافأ وزيادة فيشترط التكافؤ في الديانة في الإسلام، ويشترط التكافؤ في الحرية، لقول النبي r كما عند البخاري ومسلم «لا يقتل مسلم بكافر» لماذا لا يقتل مسلم بكافر؟ لأن ليس هناك تكافأ كيف نجعل من هو شر البرية يساوي من هو خير البرية، ولذلك الصحيح من كلام أهل العلم أنه لا يقتل المسلم بالذمي واختلف في المعاهد، فالذمي الذي هو من أهل الكتاب الذي يعطي الجزية عن يد وهو صاغر إذا قتله مسلم لا يقتل به، لماذا؟ لأنه لا يقتل مسلم بكافر وليس هناك تكافأ بينهما.
    كذلك الشرط الآخر المكافأة في الحرية لا يقتل حر بعبد، قال تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178]. وهذا الشرط هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، أما أصحاب الرأي كأبي حنيفة ومن تبعه يذهبون إلى أن الحر يقتل بالعبد، وأن المسلم يقتل بالذمي.
    هل يقتل الرجل بالمرأة؟طبعا للعموم النفس بالنفس والمكافأة في الديانة الإسلام والحرية فساعتها يقتل المسلم الذكر بالمرأة، ويقتل الكبير بالصغير يعني يقتل الرجل بالطفل يقتل الرجل بالطفل إذا قتله عامدا لا خطأ ولا بحق فساعتها يقتل به، لأن النبي r ورد عنه كما عند أبي داود والنسائي وابن ماجة وحسنه الألباني قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» طبعا نذكر مسألة سريعا وهي مسألة قتل الوالد بالولد، هل يقتل الوالد بالولد؟ خلاف بين أهل العلم: إذا قتل الوالد ولده عمدا هل يقتل به أم لا؟القول الأول :أنه لا يقتل به، قالوا: لأنه سببا في إيجاد فرعه، فلا يكون فرعه سببا في إعدامه، يعني الوالد سبب في الولد فكيف نقول أن الولد سبب في إعدام والده، يعني كيف الفرع يعود على الأصل بالإعدام، وقالوا أن هناك حديث رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني «لا يقتل الوالد بالولد».
    القول الثاني: وهو أنه يقتل الوالد بالولد إذا علمنا أنه قتله عمدا، قالوا: لماذا؟ قالوا: أولا: لعموم الأدلة النفس بالنفس، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.الأمر الثاني: قالوا الحديث الذي استدل به الفريق الأول ضعيف، فضعفه حديث «لا يقتل الوالد بالولد» وقالوا أن العلة التي عللوا بها علة عليلة يعني في التعليل في الأول قالوا لأنه سبب في إيجاد فرعه فلا يكون فرعه سببا في إعدامه، قالوا لن نقتله بسبب فرعه هل لأنه أنجب نقتله، لا، نحن نقتله بسبب قتله وليس بسبب فرعه، فقالوا أن التعليل بأن الفرع والأصل وأن الفرع لا يكون علة في القضاء أو الإعدام للأصل هذه علة عليلة، قالوا أن الوالد إذا قتل الولد ثم قتل به فليس الولد هو السبب في إعدامه، بل السبب في إعدامه فعل الوالد القاتل، هو الذي جني على نفسه، وقالوا إن الذي فعله هذا الوالد من أشد قطيعة الرحم، لا يتخيل يعني لو افترضنا صحة الحديث كما صححه الشيخ الألباني وقالوا: «لا يقتل الوالد بالولد» لأنه لا يتصور أصلا أن يقتل والد ولده عامدًا، لأن الله جعل الرحمة في قلب الوالد لولده، بعض الأحاديث وإن كانت ضعيفة «الوالد مجبنة مبخلة» لأن الأب إذا أنجب له ولد صار بخيلا يدخر لأولاده ، وصار جبانا أموت وأترك الأولاد لمن، فصار عنده من الجبن وعنده من البخل بسبب ولده، فيقل هذا الوالد ولده هذا أمر عجيب مخالف للفطر أصلا، فقالوا أن هذا من أشد قطيعة الرحم فكيف نعامل هذا القاطع الظالم المعتدى بالرفق واللين، إنما يعامل لينزجر غيره، طبعا هذا القول الأخير رجحه الشيخ العثمين رحمة الله عليه، أن الوالد يقتل بولده إذا قتل ولده متعمدا.
    قال الأمر الثالث: التارك لدينه المفارق للجماعة، التارك لدينه هل المقصود بالدين هنا دين الإسلام أم التارك لدينه أي دين؟ يعني لو انتقل يهودي إلى النصرانية هل يقتل لأنه تارك لدينه؟ قال بذلك بعض أهل العلم، إنما غلبة الظن أن التارك لدينه هنا مع ذكر قوله مسلم أن هذا هو دين الإسلام، والتارك لدينه أي المرتد والعياذ بالله ودلت على ذلك أحاديث كثيرة منها حديث البخاري ومسلم «من بدل دينه فاقتلوه» فالذي يبدل دينه يقتل، ولذلك قال بعدها « الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».
    فسرت لفظة المفارق للجماعة بتفسيرين:
    التفسير الأول: أنها بيان لقول النبي r التارك لدينه، فالتارك لدينه معناه المفارق لما اجتمع عليه المسلمون من أمر دينهم فيكون هذا بارتداده والعياذ بالله، أي أنه لما ارتد صار مفارقا للجماعة، و الجماعة هنا المقصود بها ،المنهج، الإسلام، ولذلك لما نقول السلفية جماعة أم ليست بجماعة؟ نقول ما المقصود بالجماعة؟
    إن قصدت المنهج فنقول السلفية جماعة، إن قصدت أننا كمجموعة من السلفيين لنا إمام نبايعه، فهذه جماعة مبتدعة، وضحت المسألة، يعني يقول أنتم لست جماعة، نقول لا نحن جماعة، لماذا جماعة؟ باجتماعنا على منهج، فقد يكون الإنسان سلفي وهو يجلس في غابات أفريقيا، قد يكون إنسان سلفي ونحن لم نراه طوال عمرنا، لماذا؟ لأنه التف حول ، ولذلك سمي أهل السنة والجماعة ، أهل السنة لأنهم الذين أخذوا بالسنة وتعصبوا لها، وبالجماعة لاجتماعهم على هذه السنة، فيكون التارك لدينه أي المرتد المفارق لجماعة المسلمين، وتكون المفارقة للجماعة تقع بالاعتقاد، لأن كل ما يسمى ردة سيكون مفارقة للجماعة، فتكون مفارقة بالاعتقاد، وتكون مفارقة بالقول، وتكون مفارقة بالفعل،أليس بهذه الأشياء يصير المسلم كافرا، إذا اعتقد اعتقاد كفري.
    مثلا من يعتقد أن النصارى على حق وأنهم مؤمنون وإذا قيل له ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]. لم يقنع بالآية ولم يعمل بها، نقول هذا كافر باعتقاده مفارق لجماعة المسلمين باعتقاده، الذي قال بفعله كمن سب الله ورسوله ودينه والعياذ بالله هذا كافر نوعا وعينا، بقوله لا أقول باعتقاده، إنما بقوله، وهذا الصحيح من كلام أهل العلم، بفعله أن يسجد لصنم، فقلنا لماذا تسجد؟ قال تعظيما له أعبده لكي اتخذ ذلك زلفى وقربة عند الله U، فقد يكفر الإنسان ويرتد أما باعتقاده، وأما بقوله، وأما بفعله، وهذا فيه رد على من يقول أنه لا يكفر إلا المستحل، نقول لهم يا جماعة من حكم بغير ما أنزل الله تشريعا عاما كفر، لا أقول في جزئية من مسائل الحكم وغير ذلك.
    يقول يا عم الشيخ لا يكفر إلا المستحل أقول له طيب الذي سب الله ورسوله كافر ولا لا؟ الذي يقول أن من سب الله ورسوله لا يكفر إلا باستحلاله هذا قول المرجئة فليراجع كل واحد منا يعني نفسه ويراجع هؤلاء أصحاب هذه الأقوال أنفسهم.
    المفارقة للجماعة أيضا التي يحل بها القتل أيضا ذكر بعض أهل العلم أنه الخروج على الإمام العادل، المسلم، الذي يقيم شرع الله U، هذا يخرج عليه بالسيف، ويخرج عليه لكي يهدر دمه مع أن المسلمين قد اجتمعوا على هذا الإمام، فقال النبي r: «من أتاكم وأمركم جميعا على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائنا من كان» وقد أجمع أهل العلم على أن من ارتد عن الإسلام وأصر على كفره بعد الاستتابة أنه يقتل لحديث النبي r عند البخاري «من بدل دينه فاقتلوه».
    مسألة الاستتابة هل يستتاب ولا لا؟
    المسألة الصحيح أنها ترجع إلى اجتهاد الحاكم، فإن رأى أنه من المصلحة استتابة هؤلاء استتابهم، إن لم يرى أن من المصلحة أنه لا يستتيبهم لعموم الأحاديث الواردة «من بدل دينه فاقتلوه» وحديث النفس بالنفس الذي معنا.
    الفوائد:1-الأصل عصمة دم المسلم وأن دم المسلم لا يباح بالشبهات، وأن من ثبتت عصمته بيقين لا تزول هذه العصمة بالشك، إنما تزول بيقين مثله.
    2- فيه أن الثلاثة المذكورة في الحديث تبيح الدم الزنا بعد الإحصان، وقتل النفس بغير حق، والردة عن دين الله U.
    3-فيه بيان عظم هذه الذنوب على وجه الخصوص، لأنها استثنيت من القاعدة وأبيح لأجلها الدم، وقلنا أن هذه الثلاثة هي من الضروريات التي أتت الشرائع جميعا بحفظها.نقول أن الشريعة أتت بحفظ الأعراض، وبحفظ النفس، وبحفظ الدين.
    س: مسألة الدعاء على الظالم المسلم بالموت ولو مات يأثم الداعي أم لا؟
    ج: والله أن كان هذا الداعي مظلوما فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، فلو أنه دعا على ظالمه أن يقتله الله أو أن يعني يدمره الله U فهذا لا بأس به.
    أسأل الله U أن ينجي المسلمين المستضعفين من الظلمة في كل مكان وأن يعجل بثبات هذا الدين وقيام شرعه.
    أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
    انتهى الدرس الرابع عشر أختكم أم محمد الظن
    http://www.islamup.com/download.php?id=137420
    الدرس ملف ورد

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأربعون النووية
    الدرس[15]
    الحمد للهِ الَّذِي أتقَنَ بحكمتِهِ مَا فَطرَ وبنَى، وشرعَ الشرائعَ رحمةً، وحِكْمةً طريقاً وسنَناً، وأمرنَا بطاعتِه لا لحَاجتِهِ بلْ لَنَا، يغفرُ الذنوبَ لكلِّ مَنْ تابَ إلى ربَّه ودَنا، ويُجزلُ العطَايَا لمَنْ كان مُحسناً ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أحْمده على فضائلهِ سِرّاً وعلَناً، وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً أرْجو بها الفوزَ بدارِ النَّعيمِ والْهنَا، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولهُ الَّذِي رفَعَه فوقَ السموات فدَنَا، وعلى أصحابه الكرام الأمَنَاء، وآلِهِ وسلَّم تسليمًا.
    وصلنا بفضل من الله ومنه إلى الحديث الخامس عشر في هذه السلسلة المباركة.
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَt أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». رواه البخاري ومسلم.
    راوي الحديث: فهو الصحابي المبارك أبو هريرة t وقد تقدمت ترجمته في الحديث التاسع، وهذا الحديث أيها الإخوة كما ترون أصلا من أصول الآداب العظيمة وهو أدب من الآداب العظيمة التي نحتاجها وبخاصة في هذه الأيام التي غابت عنا فيها مثل هذه الآداب.
    يقول r: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ» وهذا دليل على أن هذه الأمور والخصال المذكورة أنها من خلال الإيمان، وفيه دليل أيضا لأهل السنة والجماعة أن الأعمال تدخل في الإيمان، وهذه المسألة وهي مسألة دخول الأعمال في الإيمان مسألة مجمع عليها نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم كالشافعي، وأبي ثور، وابن رجب وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
    قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]. يعني صلاتكم فسمى الصلاة إيمانا، والنبي r يتوجه بهذه الأوامر العطرة النبوية إلى أهل الإيمان الذين يؤمنون بالله U ويؤمنون باليوم الآخر، وذلك لأنه لا تنفع مع الكفر طاعة وقربة، فمن شروط قبول العمل الصالح الإيمان، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54]. وكذلك فإن أهل الإيمان هم من ينتظر منهم الاستجابة للشريعة، والمبادرة إلى الخيرات.
    قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ »: اليوم الآخر هو يوم القيامة وما فيه من البعث والجزاء والصراط والميزان والحوض والجنة والنار، وغير ذلك، ومعنى الكلام أي يا من تؤمن بالله المعبود، وتؤمن باليوم الآخر الذي تجازى فيه على تلك العبادات فأعمل صالحا رجاء الجزاء عليها يوم القيامة من الله U.
    ومن هذه الأعمال الصالحة التي هي من خصال وخلال الإيمان هذه الخصال المذكورة، ونلاحظ أيضا أن الحديث هنا يشير إلى نقطة الانطلاق في العمل الصالح، وأن هذه النقطة إنما تكون من إيمان الإنسان بالله U وبأنه مستحق للعبادة وحده لا شريك له، ومن الإيمان باليوم الآخر حيث يحاسب المرء على أفعاله وأعماله أن خير فخير وإن شر فشر.
    يقول: « فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، »أي فليتكلم بالخير أو يسكت عما ليس بخير وقد بين الله U في كتابه الخير قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]. فقال لا خير فنفى الخيرية عن مناجاة الناس إلا في هذه الثلاثة ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.
    والمعروف كما يعرفه أهل العلم ما عرف حسنه في الشريعة، فمن أمر به فهذا لا شك أنه إن فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله U وابتغاء رضوان الله سبحانه فإنه سبحانه وتعالى يجزيه عليه جزاء عظيما.
    قال: « فَلْيَقُلْ خَيْرًا »والخير كما يقول أهل العلم ينقسم إلى قسمين:
    1-القسم الأول: فهو قول خير في نفسه ويمثلون له بذكر الله U بالتسبيح والتحميد، بقراءة القرآن، بتعليم العلم، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، فهذا في نفسه خير، والخير أيضا من أقسامه القول الذي هو خيرا لغيره، فالقول هنا ليس خيرا في نفسه إنما خير في المراد منه كأن يتكلم بكلام عادي لإدخال سرور على أخيه أو ضيفه، ومن هنا يتبين لنا في هذه النصيحة النبوية والأمر النبوي العظيم يتبين لنا خطورة الكلمة،فبها يدخل المرء الإسلام ويخرج منه بأخرى، وفي مسند أحمد وعند الترمذي وابن ماجة من حديث النبي r «وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» وعند البخاري عن أبي هريرة t عن النبي r قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم» وهذه الكلمة تكلم في المراد منها أهل العلم وخلاصة أقوالهم: أنها كلمة ينطق بها الإنسان تكون سببا في جلب الضرر إليه أو إلى غيره سواء كان ذلك أمام سلطان جائر أو غيره، وسواء قل الضرر أو كثر، وسواء كانت كفرا أم فحشا وبذاءة، وأسوأ كلمة ينطق بها المرء كلمة الكفر، ومضادةالشريعة ومحاربتها أيضا.
    ما يستفاد من الحديث:1-الحث على حفظ اللسان وطهارته فينبغي على من أراد أن ينطق بكلمة أن يتدبرها فإن ظهرت فيها مصلحة تكلم وإلا فأمسك.
    2-وينبغي أيضا للإنسان أن يتعلم الصمت قبل النطق، والتفكير قبل التعبير، وأن يكون فقيه نفس فيما يأتي ويدع من الكلام والعبارات، وليس كل ما يعلم يقال في كل وقت.
    3-أنه ليس هناك كلام يستوي قوله والصمت عنه إما أن يكون خيرا فيكون مأمورا به وأما أن يكون غير خيرا فيكون مأمورا بالصمت عنه، ولذلك قال r «فليقل خيرا أو ليصمت» إما أن يقول الخير وإما أن يسكت عما ليس بخير.
    وهنا نلاحظ أن النبي r قال: « فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ،»، إذن إذا لم يكن خير فعليه أن يصمت، نلاحظ أن الخير إما أن يكون واجبا وإما أن يكون مستحبًا، بقي لنا أن الصمت يشمل على باقي التقسيمة الاصطلاحية للأفعال التكليفية قال: فليقل خيرا إما واجبا وإما مستحبا أو ليصمت ، عن الباقي عن الشر، عن المحرم، وعن المكروه، وعن المباح.
    لماذا الصمت عن المباح؟
    نقول لأنه ربما جر إلى المكروه أو المحرم وعلى تقديري أنه لا يجر إليهما ففيه ضياع للوقت فيما لا يعني فيحصل له بذلك حسرةٌ في القيامة وأسف عليه وهو نوع عقوبة كما يقول ابن رجب رحمه الله تعالى وغيره، فعند أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة t عن النبي r قال: «ما من قوم يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة» وصححه الألباني، وفي رواية عن الترمذي «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم r إلا كان عليهم تِرَةً فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» والترة: النقص والمراد يكون عليهم نقصا أو حسرة وندامة.
    يقول ابن رجب رحمه الله: (فمن هنا يعلم أن ما ليس بخير من الكلام فالسكوت عنه أفضل من التكلم به، اللهم إلا ما تدعوا إليه الحاجة مما لابد منه).
    قال رجل لسلمان: ( أوصني، قال: لا تتكلم، قال: ما يستطيع من عاش في الناس ألا يتكلم، قال: فإن تكلمت فتكلم بحق أو أسكت).
    وقال ابن مسعود: (والله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض أحقّ بطول سجنٍ من اللسان).وقال وهب بن منبه: (أجمعت الحكماء على أن رأس الحكمة الصمت.)
    أيهما أفضل الكلام أم السكوت؟
    فنقول: في مسألة الأفضلية تحتاج إلى تحقيق وتفصيل فنقول أن الكلام أفضل حيث كان مطلوبا، فليقل خيرا، فإن كان خيرا فهو مطلوب، والسكوت أفضل حيث كان الكلام مضرا، ويدخل في الضرر كما قدمنا الكلام المباح، لأن فيه تفويتا لمصلحة العبد من الحفاظ على وقته.
    كيف يكتسب المرء الصمت؟
    نقول: بالتمرين والترويض فكما يتعلم الإنسان الكلام يتعلم الصمت أيضا.
    ذكرنا أن الصمت يكون عن المباح فهل يعكر على هذا الكلام بعض الأشياء المباحة كطلب الطعام ونحو ذلك؟
    نقول لا فإن فيه الخير من وجه والشر من وجه آخر على حسب نية المتكلم ومراده، إذا لو نوى بالطعام العون على الطاعات أُجر على ذلك بلا شك، بخلاف ما لو نوى القدرة على المعصية فإذا طلبه مجردا عن النية فاتته فرصة الثواب وكفاه عقوبة أن يمر بعض عمره بلا فائدة، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
    قال r: «ما كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»فليكرم: الكرم كلمة تشمل الصفات المحمودة التي يحسن اجتماعها في الشيء، ومعنى فليكرم جاره أي أن تسعى في تحقيق صفات الكمال التي تتطلبها المجاورة، ولذلك وردت بعض روايات الحديث تدل على هذا الكرم المطلوب للمجاورة ففي رواية قال r: «فلا يؤذي جاره» وفي رواية «فليحسن إلى جاره» وفي رواية «فليحفظ جاره» فهذه الروايات مفسرة لطبيعة إكرام الجار، فاجتمع في هذا الإكرام، الحفظ، والإحسان، وكفى الأذى عنه.
    ما معنى أن تكرم جارك؟ نقول أن تحفظه وأن تحسن إليه، وأن تكف الأذى عنه، أما حفظه فيكون في ماله، وولده، وعرضه، وأن يكف عنه ما يزعجه، وألا يمنعه مما له فيه مصلحة ولا يضره، ففي البخاري عن أبي شريح عن النبي r قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه» والبوائق جمع بائقة وهي الغائلة والداهية والفتك، ونلاحظ أن النبي r نفى الإيمان عمن يؤذي جاره، فدل ذلك على أن كف الأذى عنه أمر واجب، فإن الإيمان لا ينفى إلا بأمر واجب من واجباته.
    ما هو حد الجوار؟قال طائفة من السلف وهذا مروي عن عائشة والأوزاعي: حد الجوار أربعون دارا، وقيل مستدار أربعين دارا من كل جانب، وهذا مروي الزهري، وعن علي من يسمع النداء فهو جار، وقيل من صلى معك الصبح في المسجد فهو جار، فمسألة الجوار مسألة عظيمة تحتاج منا إلى وقفات كبيرة جدا، ولذلك عظم الشرع أمر الجار، في مسألة كفى الأذى عظم الشرع أيضا الذنب الذي يقع على الجار من جاره ففي حديث المقداد بن الأسود t قال قال رسول الله r: «ما تقولون في الزنا قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله r: لأن يزني الرجل بعشر نسوة؛ أيسر عليه - يعني أيسر في العقوبة-من أن يزني بامرأة جاره قال: فما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرام حرمها الله ورسوله، فهي حرام. قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات؛ أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره» لماذا؟ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية القبح، ولذلك كانت عقوبته أشد وفعله أفحش جراما.
    وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود t عن النبي r «أنه سئل أي الذنب أعظم، قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قيل:ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك تخاف أنيطعم معك، قيل: ثم أي ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك»وحليلة الجار المقصود بها الزوجة، حديث المقداد رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو في مسند أحمد وصححه الألباني.
    ولذلك كانت العرب حتى في الجاهلية ترعى هذه الحرمة فانظر إلى قول عنترة وهو يقول:
    وأغض طرفي إن بدت لي جارتي



    حتى يواري جارتي مأواها


    هذا الخلق العربي الذي جاء الإسلام ليتمم مكارم الأخلاق ويحث على مكارم الأخلاق.
    قال r: « فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». وهنا إكرام الضيف أيضا بأن يشتمل على الصفات المحمودة صفات الكمال التي تنبغي أن تكون للضيف، وكما قلنا في بداية الحديث أن قاعدة الانطلاق للعمل الصالح إنما هو في الإيمان بالله U واليوم الآخر، هنا تظهر جلية جدا في مسألة إكرام الضيف؛ وذلك لأن إكرام الضيف مخالف لطبائع النفس في الحرص على المال والشح به، والسعي في كنزه وجمعه، والبخل في وضعه في وجوه الإنفاق، فيحتاج المرء إلى وازع إيماني قوي، وباعث من الترغيب والترهيب يدفعه إلى مخالفة طبائع النفس فيسهل التغلب على الحرص والشح بمساعدته.
    و الضيافة من سنن الأنبياء: قال سعيد بن المسيب: كان إبراهيم الخليل أول من أضاف الضيف، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما من لم يضف فليس من محمدا r، ولا من إبراهيم u.
    مدة الضيافة: فهي ثلاثة أيام فما زاد على ذلك فهو صدقة، وجائزة الضيف يوما وليلة، ففي الحديث، حديث أبي شريح العدوي «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه».
    نلاحظ أن عندنا ثلاث مراحل مع الضيف:
    الأولى: الجائزة، ومعنى الجائزة أن تتحفه في اليوم الأول وتتكلف له على قدر وجدك.واليوم الثاني:: قدم له ما يحضر.والثالث: إذا جاوز الثلاث كان مخيرا بين أن يتم على وتيرته وبين أن يمسك وجعله النبي r كالصدقة النافلة،.
    وينبغي للضيف إن علم أن المضيف لا يجد ما يقريه به بعد الثلاث أن يرحل عنه، ففي صحيح البخاري أن النبي r قال: «لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه» وعند مسلم «ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه، قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: يقيم عنده ولا شيء له يقريه به» أن هذا الضيف يقيم عند المضيف حتى يضيق عليه فربما دعاه ضيق صدره به إلى ما يأثم به في قول أو في فعل، بل نقول أيضا لو علم الضيف أنهم لا يضيفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم، وأن الصبية يتأذون بذلك لم يجز النزول عندهم أصلا، عملا بحديث البخاري السابق، وهو حديث أنه لا يدخل عنده حتى يحرجه «لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه» فالحرج مرفوع منهي عنه، والضرر يزال عن النفس والغير.
    هل يتعارض هذا الكلام مع حديث الأنصاري الذي استضاف ضيف رسول الله r وآثر على نفسه ونزل فيه قول الله تعالى: ﴿وَيؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. نقول لا تعارض فمقام هذا الأنصاري مقام فضل وإحسان وليس بواجب.
    نستخلص من ذلك: أن الضيافة نفقة واجبة ولا تجب إلا على من عنده فضلا عن قوته وقوت عياله كنفقة الأقارب وزكاة الفطر.
    من آداب الضيافة: 1-التعجيل بالقرى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] والعجل الحنيذ أي النضيج المشوي، وانظر إلى قوله: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ لترى سرعة مجيئه بهذا العجل وتقديمه لأضيافه، ولأن عدم التعجيل قد يرمي صاحبه بالبخل أو يظن فيه عدم العناية بالضيف.
    2-ومن آداب الضيافة أيضا: طلاقة الوجه وطيب الكلام وخدمة الضيف بالنفس، سئل الأوزاعي ما إكرامُ الضيف؟ قال: طلاقةُ الوَجْهِ، وطيبُ الكلام.
    3-وأيضا من هذه الآداب: إظهار السعادة والسرور بالضيف، وصدق المعاملة، وصدق المعاملة يعني المقصود به عدم إظهار عكس الواقع يعني المضيف الغني لا يعني يظهر أنه فقير حتى لا يعطي ضيفه ما يستحقه، وكذلك أيضا الفقير لا يتكلف فوق حاجته ليبين لضيفه أنه غني، إنما المهم أن يقابله بالبشر والترحاب حتى تصير هناك ألفة بينهم.
    4-ومنها أيضا: الإحسان في الوداع كالإحسان في الاستقبال، فإن يحسن إليه في وداعه، ويطمئن عليه في طريق عودته حتى يبلغ منزله، ويشعره بسروره لو عاد ثانية، ولا يشعر الضيف بالملل والضجر من ضيافته.
    اسأل الله العلي العظيم أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، واسأله سبحانه أن يحسن أخلاقنا على وفق هدي وسنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
    أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
    انتهى الدرس الخامس عشر أختكم أم محمد الظن
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    http://www.islamup.com/download.php?id=137474
    الدرس الخامس عشر كملف ورد
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    http://www.islamup.com/download.php?id=137477
    الملف من الدرس الأول للخامس عشر
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي السادس عشر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأربعون النووية
    الدرس[16]
    الحمد للهِ الَّذِي أتقَنَ بحكمتِهِ مَا فَطرَ وبنَى، وشرعَ الشرائعَ رحمةً، وحِكْمةً طريقاً وسنَناً، وأمرنَا بطاعتِه لا لحَاجتِهِ بلْ لَنَا، يغفرُ الذنوبَ لكلِّ مَنْ تابَ إلى ربَّه ودَنا، ويُجزلُ العطَايَا لمَنْ كان مُحسناً ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا﴾ أحْمده على فضائلهِ سِرّاً وعلَناً، وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً أرْجو بها الفوزَ بدارِ النَّعيمِ والْهنَا، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولهُ الَّذِي رفَعَه فوقَ السموات فدَنَا، وعلى آله وأصحابه ومن تبعه من الكرام الأمَنَاء، وسلَّم تسليمًا.
    وصلنا بفضل من الله ومنه إلى الحديث السادس عشر.
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t «أَنْ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وآله وسلم- أَوْصِنِي. قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لَا تَغْضَبْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
    راوي الحديث: فهو أبو هريرة t وقد مرت معنا ترجمته في الحديث التاسع، هذا الحديث على وجازته كما ترون وصية وجيزة الألفاظ إلا أنها كثيرة المعاني، هذه الوصية النبوية على وجازتها وقلة ألفاظها إلا أنها جامعة لفوائد جليلة ومعاني كثيرة، فإن الغضب الذي نهى النبي r عنه هو جماع الشر، والتحرز منه، جماع الخير.
    قال الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد إمام المالكية بالمغرب في زمنه قال: جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث فذكر منها هذا الحديث، العلماء يقولون أن الغضب هو عدو العقل، وهو كالذئب للشاة قلما يتمكن منه إلا اغتاله، هذا هو الغضب ولذلك أتت هذه الوصية الجامعة لكل خير الناهية عن كل شر في مسألة الغضب.
    هذا الصحابي لم يذكر لنا اسمه أبو هريرة قال أن رجلا، من هو هذا الرجل؟ لم يذكره t، المهم أنه أتى إلى النبي r فقال: أوصني، أوصني: بمعنى أرشدني إلى ما ينفعني ويقربني إلى الله، ولذلك يقولون أن الوصية هي العهد بالشيء على جهة الاهتمام به، ولذلك يقولون فلان الفلاني أوصى بكذا، أي عهد إلى من بعده بكلام على جهة أن يهتموا به ويفعلوه.
    فهذا الصحابي يقول للنبي r أوصني، دلني على الخير، أرشدني إلى ما ينفعني، فقال له: لا تغضب، قال: فردد مرارًا، ردد مرارًا يعني كرر السؤال، قال: أوصني، قال لا تغضب، كأنه قال: أوصني، قال لا تغضب، قال: أوصني، قال لا تغضب، فرددها مرارًا.
    « قَالَ: لَا تَغْضَبْ، » في الحقيقة أن تعريف المشاعر إنما يصعب جدا، إنما يعرف العلماء المشاعر الإنسانية بما يترتب عليها، يعني يقولون أن الغضب هو ثورة أو ثوران دم القلب وغليانه عند توجه مكروها إلى الشخص، ويلازمه إرادة الانتقام، يعرفون الغضب يعني ثوران دم القلب هذا مترتب على الغضب، وغليانه كل هذه عبارة عن وصف لما يحدث للغاضب، إنما إذا قلنا ما الغضب؟قلما نأتي على هذه المعنويات والمشاعر ونقول،لو قلنا ما هو الحب؟ لا نستطيع أن نعطي تعريفا مانعا جامعا لهذه الأشياء.
    يقول: «أَنْ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وآله وسلم- أَوْصِنِي.» ، هنا فائدة ففيه الحرص على سؤال أهل العلم والتعلم مع حسن السؤال ووجازته، فكما يقول أهل العلم حسن السؤال نصف الإجابة، ويقولون حسن السؤال هو نصف العلم، لأن العلم هو سؤالا وجواب، فإذا أحسن السائل سؤاله أتى الجواب على أحسن ما يكون، فيقولون أن الحسن السؤال هو نصف العلم، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
    فإذن نستفيد من هنا أن الإنسان يسأل عما يفيده خيرا، ويدفع عنه شرا، يسأل لا يتكبر ولا يتعاظم، ولا يدفعه يعني الحياء المذموم في الحقيقة الذي هو بمعنى العجز يدفعه ألا يسأل عما ينفعه.
    قال: « قَالَ: لَا تَغْضَبْ» هنا نهى النبي r عن الغضب، ويرد علينا سؤال وهو كيف ينهى النبي r عن الغضب وهو أمر جبلي خُلق الإنسان عليه،إذا قلنا أن الغضب الطبيعي الذي هو قد جبل عليه الإنسان كيف النبي r يقول لا تغضب، والغضب هذا أمر جبلي وطبيعي.
    نقول أن الإسلام هو دين الأخلاق الفاضلة النبي r صح عنه كما في حديث أبي هريرة أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» والحديث صححه الألباني رحمه الله تعالى، فالإسلام جاء ليوجه هذه المشاعر الإنسانية الجبلية إلى التي هي أقوم، فالغضب وإن كان أمرا جبليًا فإن الإنسان يستطيع بفضل الله U ثم بالأخذ بالسبل الشرعية في ترويضه لصالحه، ولذلك لو قلنا أن الغضب سبع أنت بفضل الله U كما سأبين كيف تروض هذا الغضب بفضل الله U ثم باتخاذ الأسباب الشرعية يستطيع الإنسان أن يقوم ذلك،.
    والنبي r حينما قال له لا تغضب، إنما عني بذلك أو أراد من ذلك أمرين:
    الأمر الأول: البعد عن سوابق الغضب وأسبابه، عندما يقول لك لا تغضب معناها ابتعد عن أسباب الغضب، لا تأتيها، لأنك نهيت عن الغضب فما يؤدي إلى الغضب أنت أيضا منهي عنه، فما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب، وما لا يتم ترك المكروه إلا به فهو مستحب أي يستحب له فعل ذلك حتى يترك المكروه يجب عليه فعل ذلك حتى يترك المحرم، وهذه قاعدة معلومة عند أهل العلم.
    إذن الاحتمال الأول هو أنه نهي عن أسباب الغضب وسوابقه، يقول له ابتعد عن هذه الأسباب والسوابق، ويلزم ذلك الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم، والحلم، والسخاء، واحتمال الأذى وكفه، كل هذا أيضا من الأمور التي يؤمر بها المرء حتى يتجنب الغضب فلا يأتيه، يبقى هذا المراد الأول من قول النبي r لا تغضب معناه ابتعد عن سوابق الغضب وأسبابه.
    الاحتمال الثاني: أن المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حدث لك، أي تحكم في لواحقه وتبعاته.
    إذن عندنا سوابق وأسباب للغضب، وعندنا ما يترتب على الغضب من قول أو فعل، فالنبي r يقول: لا تغضب أي ابتعد عن أسباب الغضب، وكذلك أيضا عليك إذا غضبت ألا تنساق مع هذا الغضب إلى قول أو فعل يجرك إلى حرام أو إلى مكروه والعياذ بالله، الأمر واضح.
    لا تغضب معناه أنك تروض نفسك أنك لا تأتي أسباب الغضب، وكذلك أيضا تبتعد عن أن تتابع الغضب في أن تقول قولا أو أن تفعل فعلا محرما والعياذ بالله.
    يشهد لهذا الكلام الحديث الذي رواه مسلم من حديث ابن مسعود t أن النبي r قال: «ما تعدون الصرعة فيكم» الصرعة بضم الصاد، الصرعة بمعنى الرجل الذي يصرع الناس، قلنا: «الذي لا يصرعه الرجال، قال: ليس بذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب»إذن هو غضب، ولكن ما الذي غضب؟ تحكم في تبعات الغضب، كظم غيظه، ملك نفسه هذا هو القوي، ولذلك إذا شتمك أحد فلم ترد عليه ولم تجبه اعلم أنك قوي، لأن من السهل جدا ومن الأمور السهلة عند الناس أنه ويجهل فوق جهل الجاهلين، شتمه وسبه يسبه أيضا، إنما من هو القوي؟ القوي الذي يتحكم في مشاعره، مشاعر الغضب يتحاكم فيها، الغضب لا يسوقه، إنما هو يضع الغضب حيث ينتفع به وفقط، إنما لا يضع الغضب في موضع يجر عليه شر والعياذ بالله، فالشريعة المطهرة جاءت بهذا الهدي النبوي ليقوم ذلك الأمر الجبلي، والطبع الحيواني، نقول الغضب قد يكون فيه إفراط وفيه تفريط، الشريعة تأتي فتقول لا ضع الغضب في موضعه كما سأبين الآن، أنك لابد من وضع الغضب في موضعه، طالما أنه أمر جبلي فأصرفه إلى حيث مرضاة الله U، إنما لا يفرط فيه حتى يخرج عن سياسة العقل والدين، وكذلك لا يفرط أيضا في الغضب حتى يكون جبلة لا يغار وليس عنده يعني حياء شرعي من الله U.
    ما هي فوائد ترك الغضب؟ يعني إذا كان النبي r نهى هذا الرجل بهذه الوصية الجامعة عن الغضب، فالغضب لتركه فوائد منها:
    1-أن ترك الغضب دلالة على حسن خلق صاحبه، قيل لابن المبارك اجمع لنا حسن الخلق في كلمة واحدة قال: ترك الغضب، كذلك فإن الغضب يورث الأمراض النفسية والبدنية والروحانية، فالغضب من مداخل الشيطان الكبرى ومكائده العظمى، لأن الشيطان يلعب بالغضبان كما يلعب الأطفال بالكرة، والمشاهدة أكبر دليل على ذلك.
    يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: ( قال ومن آثار هذا الغضب في الظاهر، وهذا الأمر البدني أهو، قال: تغير اللون، وشدة ارتعاد الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق، وتحمر الأحداق، وتنقلب المناخر، وتستحيل الخلقة، ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته، واستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن).
    الغضب شر مستطير والعياذ بالله، ناهيك بقى عن الأمراض البدنية التي هي كل مرجعها إلى مسألة الغضب، أمراض ضغط الدم، أمراض السكر، وغيرها لهذا الغضب، فلابد من ضبط هذه المسألة، .
    2-نقول أيضا الغضب مقدمة للتشرذم والتفرق، فالغضب هو سبيل ميسر وسهل للتدابر والتشاحن والبغضاء، ورب رجل هلك في لحظة غضب أو طلق امرأته، وهدم أسرته في وقت غضب، يعني هذا الأمر كثير انتشاره، يأتي يقول أنا حلفت عليها بالطلاق أو قلت لها أنت طالق، لماذا؟ يقول كنت غضبان، هل الغضب الذي دفعك إلى هذا؟ الغضب أنت الذي انسقت خلفه ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57]. أنت الذي ظلمت نفسك، لأنك انسقت مع غضبك، والنبي r نهاك عن هذا فقال: «لا تغضب» نهاك عن لواحق هذا الغضب الذي وقعت فيه.
    كذلك فإن المصالح المترتبة على ترك الغضب يتعذر إحصاؤها، لو قلنا أعدد المصالح المترتب على تركك للغضب ستجد مصالح كثيرة جدا، يعني يقول المناوي رحمه الله ومن تأمل المفاسد التي تترتب على الغضب عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة واستجلاب المصلحة مما يتعذر إحصاؤها، يعني يكفيك في يعني فوائد ومصالح كظم الغيظ وترك الغضب حديث النبي r الذي رواه أحمد والترمذي من حديث أنس أن النبي r قال: «من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء» والحديث حسنه الألباني رحمه الله تعالى، فهذه منزلة عظيمة جدا أن تخير من الحور العين، بعض الروايات أيضا الحسنة أن النبي r قال: «من كظم غيظاً وهو قادر على أن إنفاذه، ملأ الله قلبه يوم القيامة رجاء، »ولذلك هذه دلالة على قوة كما قدمت قوة الشخصية.
    هل الغضب مذموم بكل حال؟ نقول أبدا إنما كما قلت خلقه الله U في الإنسان ليضعه في موضعه فيأتي له بخير، إنما لو أنه أفرط في هذا الغضب أو أنه قصر عن الغضب الطبيعي اللازم في بعض المواقف الشرعية فإنه بذلك يكون مذموما، فنقول أن هناك غضب محمود، كالغضب لله U، وذلك لدفع الاعتداء غيرة على الأعراض، يغار على عرضه، يدفع عنه، كذلك عند مشاهدة المنكرات غيرة لدين الله U، قال تعالى: ﴿ولَا تَأْخُذْكُم بهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2]هنا الغضب إذا وضع في هذا المحل لتنفيذ هذا الحكم الشرعي كان غضبًا محمودا لصيانة الدين، وحفظ بيضته،فهذا غضب محمود، في البخاري ومسلم وكان لا ينتقم لنفسه r، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء -صلى الله عليه وآله وسلم- وكان أحيانا يغضب على بعض أصحابه لتضرر الناس في دينهم بهم، لما شكي إليه أن إماما يطيل الصلاة حتى ترك بعض الناس الصلاة، قال: «يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة» وقال لمعاذ t «أفتان أنت يا معاذ» مع أن معاذ هذا هو إمام العلماء وقدوتهم الذي يتقدم العلماء يوم القيامة برتوة وكان أعلم الأمة بالحلال والحرام، ومع ذلك يغار النبي r على دين الله فيقول: «أفتان أنت يا معاذ» فهذه هي الغيرة المطلوبة لدين الله U، ولذلك أحيان يفقد الإنسان هذا الغضب المحمود، كأن يمر إنسان على معازف مثلا أو على بعض المنكرات التي يراها ولا يغضب لله U، لا يغضب من أجل دين الله U، نقول أن هناك خلل في الشخصية، الأمر الطبيعي أنه إذا رأى هذه المنكرات غضب، فار دمه، أخذته هذه الثورة والحمية لدين الله U، ولذلك إذا لم تكن موجودة فحاول أن تغيظ قلبك برؤية هذه المنكرات.
    عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما يقول لأبيه يا أبتي لوددت أن اقرض بالمقاريض ولا يعصى الله U، هذا هو المطلوب، هذه هي الغيرة، أنه يغار أن يرى حرمات الله U تنتهك، ولكن كما قدمت أن هذا الغضب لابد أن يكون بلا إفراط ولا تفريط، يعني مثلا الإنسان يغضب لحرمات الله U نعم، ولكن أيضا لا يخرجه هذا الغضب عن سياسة الدين والعقل،مثلا تخيل لو أنك غرت أن حكم شرع الله U يطبق الآن،فامتلأت غيظا من تأخر التحاكم بشرع الله U فقال سأخرج غاضبا لله U وأقيم شرعه هذا الغضب قد يؤدي إلى مفاسد دينية أعظم من المصالح التي قد تترتب على إقامة هذا الشرع الآن في هذا المحيط الذي نعيش فيه، فنقول المقصد هو التوسط أن تضع الغضب حيث وضعته الشريعة، ولذلك لو استعرنا كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية.يقول: (ومن عقائد أهل السنة والجماعة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على وفق الشريعة)، فقد نستعير هذه الكلمة الآن ونقول نحن نغضب ولكن على وفق الشريعة، حتى تكون منضبطا بالشرع ليست مسألة عصبية وليست حمية، وليست وطنية ولا غيرها، إنما تكون مضبوطة بشرع الله U حتى تكون محمودة.
    وهناك غضب مكروه: وهو الحاصل عند فوات الحظوظ المباحة كغضبه على خادمه حين يخالفه أو يكسر أنيته هذا يسموه الغضب المكروه، وكان النبي r لا يغضب هذا الغضب، فأنس t يحكى وكان خادما للنبي r يقول: لم يقل له حتى كلمة أف من فعلا فعله، قال: ولا قال لشيء فعلته لما فعلته، ولا لشيء لم يفعله ألا فعلت، يعني ما كان يعني يعنفه على شيء تركه أو على شيء فعله، وكان إذا عاتب أنس بعض نسائه، نساء النبي r قال لهم: «دعوه فلو قضي أن يكون كان» هذا الغضب المحمود ترك هذا الغضب المكروه،فهذا غضب مكروه لحظوظ الدنيا.
    ولذلك أنبه على مسألة تربوية وهي: أن بعض الأطفال مثلا في البيت قد يكسر بعض الأشياء، تثور ثائرة الأم والأب يقوم على الولد كأن هذا الولد عدو محارب، فيقوم عليه ضربا، فإذا قلت له لماذا تضرب هذا الولد؟ يقول أؤدبه حتى لا يفعل ذلك مرة أخرى، نقول هذا الضرب محرم، لماذا محرم؟ لأنه ضرب انتقام وليس ضرب تربية، لماذا تضربه الآن أنت لا تربيه أنت تعنفه على أنه كسر هذا الشيء، فنقول هذا لم يكن من هدي النبي r ولا من أسلوب التربية السليم، نعم قد يكون الولد بعد ذلك سيلتزم، هو يخشى أن يكسر شيئا، ولكنك صنعت ولدا باهت الشخصية، عاجز، سيكون سلبيا فيما بعد، ولذلك أنا عارف أن الجيل الذي أمامي الآن وتربيتنا أيضا كانت بهذا المنوال كل شيء عيب، لا تفعل هذا، لا يترك للولد شيء حتى يمارس حريته الانفعالية فيصاب بالإحباط والكبت، يكون سلبيا، نرى هذا الجيل الذي لا يتحرك لدين الله U، ينتظر من يحركه، ينتظر من يسوسه، إنما هو لا يتحرك بدافع شخصي، لماذا هذا؟ كان هذا بسبب العزوف عن هذا الهدي النبوي في التربية والتعليم، كذلك أيضا التربية والتنشئة الخاطئة لهذا الجيل، فنقول قتل الشخصية أشد جرما من قتل الشخص نفسه، يعني لو أنه قتله أماته كان أهون أن يقتل شخصيته فيظهر بهذه الصورة الباهتة والعياذ بالله.
    كذلك أيضا هناك الغضب المحرم المذموم: وهو الصادر على وجه الفخر والتكبر والمباهاة، وهذا الغضب منشأه أيضا من الكبر والمباهاة والفخر، والتعلق بالحظوظ الدنيوية في ذلك، والغضب المذموم أيضا يعرف بأنه الغضب الذي يفضي إلى ما لا يرضاه الله U من قول أو فعل.
    تقول عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين «وما انتقم رسول الله r لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم» ولذلك كان مراد النبي r موافقا لمراد الله حبا، وبغضا، وانتقاما، ولذلك النبي r يقول: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان» فهل يا ترى نحن نحب لله، ونكره لله، ونعطي لله، ونمنع لله، إذا كنا كذلك فقد استكملنا الإيمان، المسألة تحتاج فعلا إلى تدريب وتعويد، أنك إذا غضبت تسأل نفسك لماذا غضبت هل لله؟ أم لنفسي؟ إذا كان لنفسك فدع هذا فإنه أفضل لك، واكظم غيظك حتى تحصل فوائد كظم الغيظ، الله U يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]، فالكاظمين الغيظ هم المتقون لله U، المحسنون في أفعالهم.فإذن أكظم غيظك ولكن لله U.
    ما هي الأسباب المعينة على ترك الغضب؟
    1- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: أن تلجأ إلى الله U وتحتمي به سبحانه وتعالى من هذا الغضب، ففي البخاري ومسلم( أنه قد استب رجلان عند النبي r فجعل أحدهم يغضب ويحمر وجهه وتنتفع أوداجه فنظر إليه النبي r فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقام إلى الرجل ممن سمع النبي r فقال: هل تدري ما قال رسول الله r أنفا، قال: لا، قال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الرجل أمجنون تراني، فلو أنه قالها لانصرف عنه هذا الشيطان الرجيم) الذي يؤجج هذه النار في قلبه والعياذ بالله.
    2-كذلك من الأسباب المعينة تذكر عظم ثواب كظم الغيظ، تستشعر الأجر الذي سيترتب على ذلك ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ كما قلنا في الآية قال بعدها ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
    3-كذلك من الأسباب المعينة أن يسكت، والدليل على ذلك مر معنا في الحديث الماضي في قوله r «فليقل خيرا أو ليصمت» أما حديث «إذا غضبت فاسكت» هذا الحديث رواه أحمد وهو ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم وهو معروف بأنه ضعيف.
    4-منها أيضا أن يجلس أو يضجع فعند أحمد وأبي داود من حديث أبي ذر أن النبي r قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضجع» هذا الحديث ،الصحيح أنه ضعيف لعلل فيه، هناك علل خفية في هذا الحديث وإن كان ظاهر إسناد أحمد الصحة، ولكن فيه علة خفية هي الانقطاع والإرسال، والاختلاف على أحد رواته، هذا الحديث صححه الشيخ الألباني ورجع عنه، كي لا يقول أحد أن الشيخ صححه، نقول أنه صححه نعم ولكن رجع عنه الشيخ في السلسلة الضعيفة وقال إنني كنت قد صححته وأرى الآن الرجوع عنه، أحب ذلك من أحب، وكره من كره، المراد هو رضا الله U.
    الإنسان القائم أقرب إلى الانفعال من الجالس، تغيير الحركة يغير الدورة الدموية كما يقول علماء التربية، فلو غير حركة الدورة الدموية هدأ منها هذا أيضا يساعده على كظم غيظه وعلى ترك الغضب، وإن كان الحديث ضعيف.
    5-كذلك مما يساعده أن تتفكر في قبح منظره أو في قبح منظر الغاضب عند غضبه من انتفاخ الأوداج احمرار العين، ارتفاع الصوت، ارتعاد الأطراف، كل هذا يعني زوال العقل أحيانا، كل هذا يجعل الإنسان يسكن غضبه.
    6-كذلك أيضا من الأمور التدريب ورياضة النفس، يعني أذكر أن الإمام الغزالي حكى عن بعض الناس في زمانه أنه كان غضوبا جدا وأراد أن يدع هذه الحساسية وهذا الغضب جانبا، ماذا فعل؟ أتى برجل استأجره ليسبه على رؤوس الناس كل يوم، ليس معني ذلك أن تفعل هذا ولكن الإمام الغزالي كان غرضه أنه أحيانا العلة والنجاسة قد تكون متكاثفة فيبدأ يزيلها بما أخف ضررا منها حتى ينتهي إلى الفاضل هذا غرضه وكلامه، يعني تخيل أنا أذكر فقط أن هذا حدث فعلا أنه كان يأتي يسبه يعطيه أجر ليسبه على رؤوس الناس، مرة في مرة الإمام الغزالي حتى ضرب به المثل في الحلم، فإذن المسألة بالتدريب إن شاء الله تأتي.
    7-كذلك أيضا الدعاء لله U وقال ربكم ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. نسأل الله لي ولكم وللمسلمين أن يرزقنا الحلم والأناة.
    8-كذلك أيضا من الأمور المساعدة إعطاء البدن حقه من النوم والراحة وعدم الإرهاق، فمن الملاحظ أن كثيرا من الناس إذا بحثنا عن سبب غضبهم نجده الإرهاق والتعب، وقلة النوم والجوع، قال r: «وإن لجسدك عليك حقا» فأي شيء يجعله ينفعل فنقول له أن لبدنك ليك حقا.
    النبي r قصر الجواب مع تكرير السائل له على قول لا تغضب، أهل العلم يقولون لعموم نفع هذه الوصية لعموم المسلمين، النبي r كان يأتيه أحد الناس يسأله أوصني يقول لا تغضب، يأتيه آخر أوصني لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله، أوصني يقول مثلا صل رحمك، أوصني افعل كذا وكذا، تنويع الوصية حتى إذا ذكرت هذه الوصايا كان فيها اجتماعا لوصايا الخير كلها، فيه زيادة لهذا الحديث عند أحمد قال الرجل: ففكرت حين قال النبي r ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله.
    وكذلك أيضا قد يكون النبي r علم أن السائل يحتاج إلى هذه الوصية فعلم أنه غضوب مثلا، فأتاه فسأله فقال له لا تغضب، يعني لو أتاني أحد يقول أوصني وأنا أعلم أنه قاطع للرحم، أقول صل رحمك، يقول أوصني وصية أخرى، أقول صل رحمك، وأكرر عليه الوصية حتى يهتم بها، إنسان مثلا مقصر في شيء من الأشياء نقول له نوصيه به هذا وضع الدواء في المكان المناسب، كل إنسان يحتاج إلى دواء معين إلى خصلة لو تركها لانتفع نقول له افعل هذه الخصلة فهي أنفع لك.
    يقول سفيان الثوري والفضيل بن عياض وغيرهما: (أفضل الأعمال الحلم عند الغضب والصبر عند الطمع)، وقال جعفر ؟: ( الغضب مفتاح كل شر)، وكان ابن عون: لا يغضب، فإذا أغضبه إنسان قال: (بارك الله فيك،)
    من أروع القصص عن الحلم: قصة معن بن زائدة مع الأعرابي، معن بن زائدة هذا ولاه الخليفة المنصور أحد الأنصار،فكان حليما جدًا، فقال بعض الناس للإعرابي سنعطيك مائة بعير في مقابل أن تغضب معن بن زائدة،فدخل الأعرابي عليه يقول الأعرابي لمعن:

    أتذكر إذ لحافك جلد شاة



    وإذ نعلاك من جلد البعير؟




    فقال له معن: أذكر ذلك ولن أنساه.
    فقال الأعرابي:
    فسبحان الذي أعطاك ملكا



    وعلمك الجلوس على السرير


    فقال معن: إن الله يعز من يشاء ويذل من يشاء.
    فقال الأعرابي:
    فلست مسلما إن عشت دهرا



    على معن بتسليم الأمير


    يعني لن أسلمك عليك بسلام الأمير، لا أعطيك هذا الأمر.
    فقال معن: السلام خير وليس في تركه ضير.
    فقال الأعرابي:
    سأرحل عن بلاد أنت فيها



    ولو جار الزمان على الفقير





    فقال معن: إن جاورتنا فمرحبا بالإقامة، وإن جاوزتنا فمصحوبا بالسلامة.
    فقال الأعرابي:
    فجد لي يا بن ناقصة بمال



    فإني قد عزمت على المسير

    فقال معن: أعطوه ألف دينار تخفف عنه مشاق الأسفار، فأخذها وقال:
    قليل ما أتيت به وإني



    لأطمع منك بالمال الكثير


    فثن قد أتاك الملك عفوا



    بلا عقل ولا رأي منير


    فقال معن: أعطوه ألفا ثانية كي يكون عنا راضيا.
    فتقدم الأعرابي إليه وقبل الأرض بين يديه وقال:
    سألت الله أن يبقيك دهرا



    فمالك في البرية من نظير


    فمنك الجود والإفضال حقا



    وفضل يديك كالبحر الغزير


    ولنا تعقيب على فمالك في البرية من نظير لا النبي r كان أجود الناس -صلى الله عليه وآله وسلم-
    فقال معن: أعطيناه على هجونا ألفين فليعطى أربعة على مدحنا.
    فقال الأعرابي: ما بعثني على ما فعلت إلا مائة بعير جعلت لي على إغضابك.
    فقال له الأمير: لا تثريب عليك ووصله بمائتي بعيرا نصفها للرهان، والنصف الآخر له.
    و مما يضرب به الحلم الكبير الأحنف بن قيس: والأحنف كان عجيبة من عجائب الزمان، الأحنف بن قيس هذا كان أعور العين، وكان أحول مع العور، وكان محدودب الظهر، وكان عنده حنف في ساقيه، اعوجاج في الساقين، وكان أسود شديد السواد، وكان قصيرًا، تخيل كل هذه الأوصاف ولكن ساد قومه بسبب الحلم.
    يقولون الأحنف بن قيس أتاه رجل من السفهاء فضربه على وجهه بالقلم، قال: ما الذي حملك على ما فعلت؟
    قال: حملني قومي على أن أضرب الأحنف بن قيس لأغضبه، قال: لست أنا الأحنف هذا هو الأحنف، وأشار إلى فارس مغوار غضوب، فذهب إليه هذا الرجل فضربه على وجهه فأمسك به ثم قطع له لسانه، يقولون أيضا الأحنف بن قيس هذا سبه رجل وجدع له في السب يا ابن كذا، ويا أمك كذا، سب شديد جدا، حتى وصل إلى قريته فوقف على باب القرية وقال يا هذا هل تبقى في نفسك شيئا من شتمي، فإن كان فاشتمني سرا حتى لا يسمع بك قومي فيضربوك، .
    ولعلي حكيت لكم أن الأحنف سئل ممن تعلمت هذا الحلم الكبير؟ قال: من سيد بني تميم، من سيد قومي، قال: وكيف كان؟ قال: سأذكر لكم موقفًا كان جالسا في مجلس مع كبار القوم وكان محتبيا ،يقص على القوم قصة، فأتى أحد أولاده وقال: يا أبتي قد قتل ابن فلان ولدك، فما فك حبوته، وقال لابنه: غسله فإذا كفنته فادعوني لكي أصلي عليه، ثم قال: يا بني أعطي أمك مائة بعير دية القتل الخطأ، وقد عفوت عن ابن فلان، أنا والله لما تتعجب في القصة، الرجل هذا فعلا فعل قمة العقل، لماذا؟ لأن الذي قتل طفل صغير صح، والذي قتل هذا قتل خطأ، فغاية ما هناك أن نجلس في مجلس ونقول أن هذا الطفل الذي قتل يستحق الدية صح، وهذا الولد لن يقاد به لن يقتل به شرعا، فالمشكلة في الآخر ستكون قاصرة على الدية، والولد مات لا يستطيع أن يرده مرة أخرى، ولكن أقول هذا بالتعلم، الصبر، بالتعلم الحلم، وتشرب الحلم، وكظم الغيظ حتى نصل إلى هذا الخلق.
    ولذلك شعارنا هذا الأسبوع وأنا معكم وأسأل الله U أن يعينني ويعينكم شعارنا هذا الأسبوع لا تغضب، نجرب أنا أريد معك أن يكون معك نوتة صغيرة كلما غضبت قيد أنك غضبت بسبب كذا، ثم نرى كما مرة غضبنا وكم مرة استطعنا فعلا أن نكظم الغضب والغيظ.
    أسأل الله العلي العظيم أن يثبتنا على هذا الخلق، على الحلم، وأن نترك هذا الغضب الذي كدر علينا حياتنا وأصابنا بأمراض بدنية، وأمراض نفسية وغيرها من الأمراض.
    أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
    انتهى الدرس السادس عشر أختكم أم محمد الظن

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    http://www.islamup.com/download.php?id=137954
    السادس عشر كملف ورد
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأربعون النووية
    الدرس [17]
    إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فإنها من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    وصلنا بفضل من الله ومنه إلى الحديث السابع عشر:
    عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ t عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
    هذا الحديث من الأحاديث الجامعة قال النووي رحمه الله: هذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام، وهذا الكلام أيضا نقل عن ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، قال: هذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد كثيرة.
    راوي الحديث: كنيته أبو يعلى واسمه شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر النجاري الأنصاري، وشداد أبو يعلى صحابي شهد بدر، وهو ابن أخي حسان بن ثابت، .
    قال أبو الدرداء: إن من الناس من يؤتى علمًا ولا يؤتى حلمًا وأن أبا يعلى قد أوتي علما وحلما، بل سماه أبو الدرداء t بالفقيه فقال: إن فقيه هذه الأمة شداد ابن أوس.
    توفي t: ببيت المقدس سنة ثماني وخمسين من الهجرة، وله من العمر خمس وسبعون سنة رضي الله عنه وأرضاه، وجمعنا وإياكم وإياه مع النبي r في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأسأل الله العلي العظيم أن يرزقنا فقها، وأن يرزقنا حلما، وعلما كما رزقهم، أنه ولي ذلك ومولاه والقادر عليه.
    يقول عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ t عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء» كتب: بمعنى أوجب وفرض وطلب طلبا محتما، .
    قال: : «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ »: الإحسان: مصدر أحسن، ومعنى أحسن أتى بالشيء حسنا، والمراد منه تحسين الأعمال المشروعة بإيقاعها على الوجه المرضي على سنة صاحب الشريعة، أي أن العمل يكون مما يبتغى به مرضاة الله U، ووفق شرع الله U، وعلى هدي النبي r هنا نسمي هذا العمل بالحسن.
    قال: « عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، »: سيأتي معنا أن الظاهر أن كلمة على كل شيء أي في كل شيء.«فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» بالكسر.
    «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» بالكسر أيضا، القتلة والذبحة: أي هيئة وطريقة القتل والذبح، الهيئة، ولذلك يسمون هذه المصادر، مصادر الهيئة،يقولون هي مصدر يدل على هيئة الفعل، ولذلك يقولون فلان حسن الجلسة، الجلسة أي هيئة الجلوس، هنا أيضا يقول القتلة أي هيئة القتل، وصفة القتل، الذبحة: هيئة الذبح، فالنبي r أمرنا بالإحسان في القتلة والذبحة.
    قال: «وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ» يحد أي يشحذ شفرته، والشفرة المقصود بها السكين وما يقوم مقامه شرعا.
    «وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» الذبيحة المقصود بها المذبوح، فذبيحة على وجه فعيلة بمعنى مفعول، فنقول ذبيحة بمعنى مذبوح، أنها هذه الشاة التي ستذبح.
    يقول الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: : «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ » ، أي في كل شيء، يعني أن الإحسان ليس خاصا بشيء معين من الحياة، بل هو في جميع الحياة.ثم ضرب أمثلة فقال: «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» ما ما لفرق بين أحسنوا القتلة والذبحة، ؟
    قال: الفرق بينهما أن المقتول لا يحل بالقتل كما لو أراد إنسان أن يقتل كلباً مؤذياً، فنقول: أحسن القتلة. وكذا إذا أراد أن يقتل ثعباناً فنقول: أحسن القتلة، وإذا ذبح فنقول: أحسن الذبحة، وهذا فيما يؤكل، فالمقتول لا يؤكل، المذبوح هو الذي يؤكل إذا ذبح بالشروط التي سنذكرها على وفق الشريعة، أي يحسن الذبحة بكل ما يكون فيه الإحسان، ولهذا قال: «وَليُحدّ أحدكم شَفْرَته» أي السكين، وحدُّها يعني حكها حتى تكون قوية القطع، أي يحكها بالمبرد أو بالحجر أو بغيرهما حتى تكون حادة يحصل بها الذبح بسرعة. قال: «وَلْيُرِحْ ذَبِيْحَتَهُ» اللام للأمر، أي وليرح ذبيحته عند الذبح بحيث يمر السكين بقوة وسرعة.
    من فوائد هذا الحديث:
    1-قال: رأفة الله عزّ وجل بالعباد، وأنه كتب الإحسان على كل شيء، ويدخل في ذلك الإحسان إلى شخص تدله على الطريق.« الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ » أن تحسن وأن تأتي بالأحسن في كل ما تأتيه من فعل في حياتك.
    يقول إذا أردت أن تدل إنسان على طريق، يجب أن تحسن فتدله على الطريق الصحيح، وكذا إطعام الطعام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما ذكره النبي r من القتل والذبح مجرد أمثلة، ولذلك «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ» بعض أهل العلم يدخل فيها قتل الآدمي الذي يجوز قتله سواء كان قصاصا أو حدا أو تعذيرا على قول، فيقول أحسن إليه بالقتلة بأن يضربه بالسيف فتزهق روحه دون أن يتعذب، نقول ولكن هذا الحديث الظاهر أن النبي r ضرب المثل بالحيوان هذا هو الظاهر، «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» ثم ذكر «وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».
    2-قال: الحث على الإحسان في كل شيء، لأن الله تعالى كتب ذلك أي شرعه شرعاً مؤكداً.
    3-: أنك إذا قتلت شيئاً يباح قتله فأحسن القتلة، وضرب الشيخ مثلاً بقتل الكلب، قال: لو أنك عندك كلب مؤذي وأردت أن تقتله وتتخلص من هذا الكلب، كيف اقتله هل أضع في عنقه ثقلا ثم أضعه في الماء فيخنق ويموت؟ طيب أضربه بالرصاص، طيب أصعقه بالكهرباء، بأي قتلة أقتله؟
    نقول: «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ» فيقول الأفضل الصعق بالكهرباء، الشيخ هنا يرجح الصعق بالكهرباء، يقول: لأن الصعق بالكهرباء لا يحس المقتول بأي ألم ولكن تخرج روحه بسرعة من غير أن يشعر، فيكون هذا أسهل شيء، يقول إذا قتلت فانتقي أحسن هذه القتلة المريحة للمقتول، التي لا تعذبه به، والتي لا يتأذى ويتألم ألما شديدا بها، يقول: ويستثنى من ذلك القصاص، ففي القصاص يُفعل بالجاني كما فُعِل بالمقتول، قال: ودليل ذلك قصة اليهودي الذي رضّ رأس الجارية، فأمر النبي r أن يُرَضَّ رأسه بين حجرين، يعني هنا الأسهل أن يضرب بالسيف، ولكن هنا المماثلة في القتل هذا هو الإحسان، هذا هو العدل المأمور به شرعا، أنه رض رأس الجارية، رضها بمعنى دقها بحجر هشمها بحجر، فيوضع أيضا بين حجرين ويدق بين هذين الحجرين كما فعل بالجارية.
    يقول: أن الله عزّ وجل له الأمر وإليه الحكم، لقوله: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ» وكتابة الله تعالى نوعان: كتابة قدرية، وكتابة شرعية.
    الكتابة القدرية يقول: لابد أن تقع، كتب الله شيئا في اللوح المحفوظ كتب أن يقع هذا الشيء قدرا، فيقع هذا الشيء سواء أحبه الله U أو لم يحبه، ولذلك الكتابة القدرية متعلقة بالمشيئة والإرادة، ما أراده الله U وما شاءه كتبه في اللوح المحفوظ ويقع هذا الشيء.
    الكتابة الشرعية: هي الكتابة التي شرعها الله U وهي متعلقة بمحبته، ولكن هذه الكتابة قد تقع من بني آدم وقد لا تقع، الكتابة هنا بمعنى الأمر والوصية، أنه أمرنا أن نفعل ذلك، يعني مثلا ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. أي كتبها الله U أن تكون في أوقات معينة، ولكن من بني آدم من لا يصلي، إذن هذه الكتابة قد لا تقع، بمعنى أن الله أمره ولكنه لم يستجيب لها، أما الكتابة القدرية فهي التي تقع.
    مثال الكتابة القدرية الكونية: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105] فهذه كتابة قدرية أن ميراث الأرض يكون لعباد الله U، لمن يعبدوه، لمن كانوا في عبادته صالحين هؤلاء يرثون الأرض.
    مثال الكتابة الشرعية قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216] كتب عليكم أي فرض وطلب منكم طلبا محتما، طيب أي الكتابتين في الحديث الذي معنا «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» كتابة قدرية ولا كتابة شرعية؟
    يحتمل الأمران، تحتمل أنها كتابة قدرية كونية، وأن الله U ألهم عباده الإحسان، وقدر أن الأشياء تمشي على الإحسان، ويحتمل أنها كتابة شرعية، الأظهر أنها كتابة شرعية، لماذا الأظهر أنها كتابة شرعية؟ لأن النبي r ذكر في آخر الحديث فعلا يتعلق بفعل المكلفين، «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» هذه أوامر للمكلفين وليحد وليرح، هذه أوامر للمكلفين، فإذن الظاهر أن الكتابة هنا كتابة شرعية.
    الشيخ يعلق على قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ يقول أن الضميرهو (وَهُوَ كُرْهٌ) أي القتال وليس الكتابة، قد يكون الأمر صعب على النفس، ولكن لما كتبه الله وأمر به تفعله النفس ولو مكرهه، يقول: لأن الصحابة رضي الله عنهم لا يمكن أن يكرهوا فريضة الله لكن يكرهوا القتل ويقاتلون فيقتلون ويقتلون، ما أحد يكره الأمر من الله U، لا يكره قدر الله وكتابته، إنما قد يكون الفعل فيه كره للنفس لما فيه من الأشياء المؤلمة لها، ولذلك أنا أنصح بعض الناس مثلا يريد أن يتزوج على زوجته، فتقول له أنا لا أرضى أن تتزوج علي، يقول: لا ترضى بحكم الله.
    نقول يا أخي فرق بين بغضها وكرهها أن يتزوج عليها زوجها بأخرى، وبين أنها كارهة أن الله أباح التعدد، واضح الفرق، يعني التعدد مباح، من ينكر أن التعدد المباح هذا والعياذ بالله قد يكفر أو يكفر لأنه أنكر مجمعا عليه، وكذلك أيضا كذب القرآن ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]. على الإباحة، فإذن نقول أنها لا تكره أمر الله U، ولكن تكره ما سيقع عليها من عنت ومشقة في نفسها، العبء النفسي الذي تتحمله هذه، فلابد أن نفرق بين الأمرين.
    ولذلك قال الشيخ: وفرق بين أن يكره الإنسان حكم الله، أو أن يكره المحكوم به
    ومن الكتابة الشرعية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ [البقرة: 183] كتب بمعنى فرض عليكم الصيام.
    5-يقول: أن الإحسان شامل في كل شيء،يمكن فيه الإحسان لقوله: «إِنَّ الله كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كِلِّ شَيء» وعلى هنا بمعنى في أو بمعنى اللام أي كتب الإحسان لكل شيء.
    6-قال حسن تعليم النبي r بضرب الأمثال، لأن الأمثلة تقرّب المعنى وذلك في قوله: «إِذَا قَتَلتُمْ، إِذَا ذَبَحْتُمْ» فضرب المثال كيف يكون الإحسان الذي كتبه الله U.
    7-وجوب إحسان القِتلة، لأن هذا وصف للهيئة لا للفعل، وإحسان القتلة على القول الراجح هو إتباع الشرع فيها سواء كانت أصعب أو أسهل، وعلى هذا التقدير لا يرد علينا مسألة رجم الزاني الثيّب، ربما يسال سائل ويقول: إذا قتلتم فأحسنوا، كيف يكون الإحسان في رجل ثيب زنا ترجمونه بالحجارة بهذا المنظر حتى يموت؟
    نقول الإحسان أن نفعل الأحسن، وما هو الأحسن؟ الأحسن موافقة الشريعة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]. فالأحسن هو ما حكم به، فإذا قلنا في أمر قد فرضه الله U أيهما أحسن؟ نقول الأحسن ما شرعه الله U به حتى ولو كان أصعب في التنفيذ على النفس.
    8-قال: أن نحسن الذبحة، بأن نذبحها على الوجه المشروع، والذبح لابد فيه من شروط، طبعا الشيخ سيذكر شروط في الذابح، وشروط في الآلة، ويذكر أيضا بعض الشروط الأخرى.
    شروط الذابح:
    1-قال: أهلية الذابح، أن يكون الذابح أهلا كفئا، لأن يذبح، بأن يكون مسلماً أو كتابياً، يعني الذي سيذبح لابد أن يكون في ديانته إما أن يكون مسلما أو كتابيا أي يهودي أو نصراني، بعض الفقهاء يذكر شرطا قبل هذا وهو أن يكون الذابح عاقل، فيقولون إن ذبح من لا يعقل كالصغير والمجنون، والسكران، أنه لا يصح منه الذبح، .
    2- أن يكون مسلما أو كتابيا، فإن كان وثنياً لم تحل ذبيحته، لأن ذبح المجوسي والوثني ميتة حتى وإن سمى وإن أنهر الدم أتى بباقي الشروط ولكن ذبحه ميتة لا تحل لنا أن نأكل منها، وكذلك كما قلت الوثني والمرتد.
    الشيخ يقول: وعلى هذا فتارك الصلاة لا تحل ذبيحته، لأنه ليس مسلماً ولا كتابياً، هذا لأن الشيخ يرجح أن تارك الصلاة يكفر، والمسألة فيها خلاف طبعا، الجمهور على أنه يعني يكفر كفر دون كفر، والقول الآخر أنه يكفر كفر يخرج عن الملة، فإذا كنا نرجح أنه لا يكفر، وكفره كفر دون كفر فذبيحته يحل لنا أن نأكل منها.
    يقول بأن يكون مسلما، طيب لو كانت مسلمة؟ امرأة تذبح نأكل ولا لا؟ نأكل وهذا نقل الإجماع عليه ابن المنذر قال: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي) أي المميز الذي يعرف ما يأتي، من بعض البدع النسوية أنهم يقولون أن المرأة الحائض لا تذبح، الفقهاء لم يشترطوا أن تكون طاهرة من الحيض، إنما يحل للمرأة أن تذبح وهي حائض.
    فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أن ذبيحة الكتابي حلال؟
    الجواب: قول الله U: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: طعامهم ما ذبحوه، والكتابي هو اليهودي أو النصراني.
    تنبيه: إذا قلنا تحل ذبيحة الكتابي بشرط أن يكون ذبحه ونحره وقيامه بالتذكية على المعروف في دينه، لأن الله U لا يبح إلا الطيب، فإذا خالف أهل الكتاب الذبح على الطريقة التي عهدوا عليها في دينهم فإننا لا نأكل من ذبيحتهم، ما الدليل على ذلك؟
    الدليل سيأتي معنا في الآلة وهو قول النبي r في الاستثناء «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظِّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَة» قال أن الأظافر هذه مدى من الحبشة، من هم الحبشة؟ ما هي ديانتهم؟ النصارى، كان عندهم كنائس؟ كان عندهم كنائس، يبقى إذن هم نصارى أهل كتاب، ومع ذلك لما ذبحوا بالأظافر كان الواحد منهم يطيل أظافره ثم يأتي على الذبيحة ويقوم يذبحها، يستخدمها كمدي، فقال النبي r: أن هؤلاء الحبشة يستعملون الأظافر مدى ولذلك لا تحل ذبيحتهم.
    فإذن قال: مدى الحبشة، فلم يقل فمدى النصارى، صحيح ولا لا، إنما قال مدى الحبشة لأنهم بدلوا، فلما بدلوا لم تحل لنا ذبيحتهم، فانتبهوا يا أخوة، يعني لا يقول لنا أحد أن مثلا في أوروبا يقتلون بالصعق الكهربائي، فتأتي الذبيحة وهي مصعوقة بالكهرباء أو مضروبة على رأسه فيقول لنا كلوا، لماذا نأكل؟ يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهذا طعام أهل الكتاب؟ نقول لا طعام أهل الكتاب بشرط أن يكونوا يذبحون على الطريقة المعروفة، أما أن يذبحوا بطريقة فيها قتل أو تردية أو غيرها، هذا لا يحل أصلا أن نأكل منه، ولذلك انتبهوا إلى مسألة اللحوم المستوردة، اللحوم المستوردة التي ثبت أن هناك جهات شرعية تقوم عليها، كما أخبرنا البعض أن اللحم البرازيلي اللي هو بعض أنواع اللحم البرازيلي تأتي وقد علم أن جهات شرعية قامت على مسألة الذبح فيه، أما اللحوم المستوردة الهندية لا نأكل منها، لماذا لا نأكل منها؟ لأنهم ليس أهل الكتاب، الهنود ليس أهل كتاب، لو أن الذي يذبح هناك هنديا مسلما لقلنا جاز لأنه أهل للذبح، أما إذا كان الهنود الذين يذبحون هم عبدة بوذا والسيخ، وعبدة البقر وغيره فهذا لا يؤكل لأنه ليس أهلا للذبح، فلننتبه إلى مثل هذه الجزئية.
    قال: أن تكون الآلة مما يباح الذبح بها، وهي: كل ما أنهر الدم من حديد أو فضة أو ذهب أو حصى أو قصب أو أي شيء لقول النبي r: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» أَنْهَرَ الدَّمَ بمعنى أساله، فلو أن إنساناً ذبح بحجر له حد وأنهر الدم، فالذبيحة حلال، إلا أنه يستثنى شيئان: السن، والظفر، وعلل النبي r هذا بقوله: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظِّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَة» أي سكاكين الحبشة.
    العلة في استثناء السن والظفر من الذبح: العلة الأولى: قال: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظمٌ»، ولذلك حمل جماهير أهل العلم على أن العظم لا يحل به الذبح،لأن العظام طعام إخواننا من الجن، فإذا استعملناه أتى عليه الدماء فتلوث بهذه الدماء، والنبي r كما يقول الشيخ وعدهم وعد وفد الجن بقوله «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما» فإذا أكلت دجاجة مثلا ، الجن المسلم يأتي على العظم يقول بسم الله، فيعود هذا العظم أوفر ما كان لحما، فلو قائل قائل كيف يرجع أوفر ما كان عظما؟
    الشيخ يقول فنقول له: أتؤمن بالله ورسوله؟ فسيقول: نعم، نقول: هكذا قال النبي r، وعليك أن تؤمن بذلك، سواء رأيت أم لم ترَى، وإلا أشياء كثيرة نؤمن بها لا نراها، كما في مناظرة المؤمن الموحد مع الملحد، قال: هل لك عقل؟ قال: نعم، قال: هل تراه؟ هل تشمه؟ هل تلمسه؟ فإذا كنت لا تؤمن إلا بالحواس واللمس والشم وهذه الجوارح، فإذن يعني لابد أن توقن أنك لست عاقلا.
    يقول أيضا الشيخ: عالم الجن عالم غيبي، ولهذا أخبر النبي r عن الرجل الذي لم يصل الصبح أنه: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ»،وهنا البول على حقيقته، ولكن ما هو بول الشيطان؟ هذا ما يسأل عنه، إنما نصدق بقول النبي r «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ»، إذًا يستثنى مما ينهر الدم كل عظم.
    أما الظفر: فقد علل النبي r بأنه مُدى الحبشة، أي سكاكينها، ونحن منهيون أن نتشبه بالأعاجم، والحبشة أعاجم حيث دخلت عليهم العربية بعد الفتوحات الإسلامية.فإذا قال قائل: لو وجدنا سكاكين لا يستعملها إلا الحبشة فهل تحل التذكية بها؟فالجواب: نعم.
    فإذا قال قائل: كيف تقولون العبرة بعموم العلة ؟ أنتم قلتم أَمَّا السِّنُّ فقلتم كل عظم لا يحل به الذبح، فإذا قلنا وأما الظفر فمدى الحبشة، فكل مدى الحبشة حتى ولو استعملوا سكينا من حديد فلا تستعملونها؟
    يقول الشيخ الجواب: أن أظفار الحبشة متصلة بالبدن، وجعلها مدى يستلزم أن لا تقص ولا تقلم، وهذا خلاف الفطرة، لأن الإنسان إذا عرف أن أظافره ستكون مدى سيبقيها، لأنه ربما يحتاجها، فتبين الفرق، وهذا تحذير من النبي r عن مشابهة الأعاجم، وعن اتخاذ الأظافر.
    إذن الذي يطيل بعض الأظافر ويقول استعمله في مهنتي نقول لا، لماذا؟ لا تتشبه بالأعاجم، وهذا خلاف الفطرة خلاف السنة.
    يقول: انهار الدم أي إسالته، ويكون انهار الدم بقطع الودجين، والودجين مثنى الودج، والودج: هما العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم، وهذان العرقان متصلان بالقلب فإذا قطعا انهال الدم بكثرة وغزارة، ثم ماتت الذبيحة بسرعة، ولذلك تلاحظ أن هذين العرقين بجوار الحلقوم، ولذلك يطلق على الودجان الأخوان، يعني الأخ وأخوه يقولون عليهما الودجان أيضا، الدليل قول النبي r: «مَا أَنهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» فاشترط انهار الدم.
    هل يشترط مع قطع الودجين قطع الحلقوم والمريء؟ ما هو الحلقوم وما هو المريء؟ الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب، هل يلزم ويشترط قطع الودجين مع الحلقوم والمريء لأن في الرقبة أربعة أشياء ودجان، والحلقوم، ومريء.
    يقول الشيخ: قطع الأربعة لاشك أنه أولى وأطهر وأذكى، لكن لو اقتصر على قطع الودجين فالصحيح أن الذبيحة حلال، ولو اقتصر على قطع المريء والحلقوم فالصحيح أنها حرام، هناك رواية عن الإمام أنه تحل الذبيحة بقطع الحلقوم والمريء فقط، وبعض أهل العلم يشترط قطع الثلاثة، الودجان والمريء أو الحلقوم، والبعض يشترط ثلاثة من هؤلاء الأربعة على الإطلاق، لو قطع الودجين والحلقوم أو قطع الودجين والمريء، قطع الحلقوم والمريء وودج من أحدهم يقولون أن الذبيحة تحل.
    الشيخ يقول: لأن النبي r نهى عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح ولا تفرى أوداجها، طبعا ورد هذا في حديث عند أبي داود حسنه بعض أهل العلم وضعفه الشيخ الألباني، والزيادة التي هي وهي حتى عند الذي حسنه هي التي تذبح ولا تفرى أوداجها وتترك حتى تموت هذه الزيادة مدرجة في الحديث ليست من كلام النبي r حتى عند من حسنه، عند الحاكم بن المبارك يقول: والشريطة أن يخرج الروح منه بشرط من غير قطع الحلقوم.
    إذن ابن المبارك يقول إن الشريطة هي ألا تقطع حلقومها، فإن قطعت، ولذلك الإمام أحمد في الرواية وهي المشهورة في المذهب أنه لو قطع الحلقوم والمريء أبيحت الذبيحة، ولكن الشيخ يرجح أنه لابد من قطع الودجين، ونقول أنه أبرأ، يعني الواحد يحرص أنه يقطع الودجين، ويقطع الحلقوم والمريء، لأن هذا أزكى، وأطهر، وأولى.
    وهل يشترط أن يكون قطع الحلقوم من نصف الرقبة، أو من أسفلها، أومن أعلاها؟ المهم أن ينهر الدم يقطع في أي جزء في الرقبة ، ولا يشترط في أي مكان.
    يقول الشرط الذي بعد ذلك: ذكر اسم الله عند الذبح، لقول النبي r: «مَا أَنهرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» فإذا كان إنهار الدم شرطاً فكذلك التسمية شرط، بل إن الله تعالى أكد هذا بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121]، يقول: ذبح إنسان ذبيحة ولم يسمّي فالذبيحة حرام، يعني هذا إذا تعمد المسألة فيها اتفاق بين أهل العلم أنه إن تعمد أن يذبح بغير ذكر اسم الله إن هذه الذبيحة ميتة، وأن هذه الذبيحة لا يحل أكلها.
    إذا نسي أن يسمي، قال: فإذا نسي أن يسمي إنها حرام، لأن الشرط لا يسقط بالنسيان بدليل أن الرجل لو صلى محدثاً ناسياً فصلاته غير صحيحة، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وأطلق بالنسبة للذابح.
    إذن هذا الذي نسي أن يسمي على الذبيحة نسأله هل سميت؟ يقول: لا ما سميت، نقول لا تأكل لأن الله U قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وهنا أطلق الله U وعمم فيدخل فيه الناسي أيضا، مذهب الحنابلة أن الناسي ذبيحته حلال، يقولون لأن الله U قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والناسي لا يسمى فاسقا هذا معفوا عنه فلا يسمى فاسقا فيؤكل، ولكن الصحيح والراجح ما ذكره الشيخ، أن النسيان على الذبيحة يجعلها ميتة فلا يحل أكلها.
    فإذا قال قائل: فهمنا أن التسمية شرط، وأنه لو تركها سهواً أو نسياناً أو عمداً فالذبيحة حرام، لكن ماذا تقولون في قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] نقول الشيخ الذي يتكلم: نحن لا نؤاخذ هذا الذي ذبح الذبيحة ونسي أن يسمّي، ونقول: ليس عليه إثم، لكن بقي الآكل إذا جاء يريد أن يأكل من هذه وسأل: أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فيقال له: لم يذكر اسم الله عليها، إذاً لا يأكل، لكن لو فرض أن هذا أكل من هذه الذبيحة ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه.
    يتساءل الشيخ مرة أخرى يقول: إذا قلتم إن هذه البعير الذي يساوي ألف ريال بأنها حرام لمَّا نسي أن يسمي عليها فإنه يلزم منه أن تفسدوا أموال الناس؟ يقول نحن لم نُضع المال، لأن كل شيء يترك بأمر الله فتركه ليس إضاعة، بل هو طاعة لله U، ألسنا نطيع الله ونعطي الزكاة وهي ربع عشر أموالنا، فلو كان عند الرجل أربعون مليوناً فزكاته مليون، فما دمنا تركنا هذه الذبيحة التي لم يسمّ الله عليها فإننا لم نضع المال في الواقع، بل وضعناه في حلِّه ومَحلِّه
    يقول: إذا حرمناه من الذبيحة هذه المرة فلا يمكن أن ينسى بعد ذلك أبداً، بل يمكن أن يسمي عشر مرات، .
    ولهذا اعترض بعض الناس على قطع يد السارق وقال: إننا لو قطعنا يد السارق لكان نصف الشعب أقطع؟ فنقول له: أنت الآن أقررت بأن نصف شعبك سُرَّاقٌ، ونقول له: لو قطعت سارقاً واحداً لانتهى آلاف السرّاق، فهذا الرجل الذي نسي التسمية وقلنا له: الذبيحة حرام لن ينسى في المستقبل ولدينا آية محكمة قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
    قال: يستثنى من قولنا: أن يقطع الودجين وهما في الرقبة ما ليس مقدوراً عليه من الحيوان، فالذي ليس مقدوراً عليه يحل بطعنه في أي موضع كان من بدنه، ولذلك الحالة الأولى تسمى ذبح ونحر، أما الحالة المستثنى أن يضرب في أي جزء من بدنه حتى يسيل ويقتل بهذا الدم الذي سال يسمى العقر.
    قال: فلو ندّ لنا بعير، ند: هرب، قال: وعجزنا عن إدراكه ورميناه بالرصاص وأصابت الرصاصة بطنه وخرقت قلبه ومات، فإنه يكون حلالاً لأنه غير مقدور عليه، ولكن يسمى طبعا مع هذه الرصاصة، وكذلك لو سقط في بئر ولم نتمكن من النزول إليه لنحره ورميناه وأصابت الرصاصة أي مكان من بدنه فمات فهو حلال.
    ولكن يشترط شرط: أن يكون رأس الحيوان ليس في الماء، ، لماذا رأسه فوق الماء؟ لأنك هنا اشتبه علينا حاذر ومبيح، المبيح أننا عقرناه فسال منه الدم ويموت بهذا النذر، ولكن الحاذر أنه قد يموت ماله؟ مخنوق، وهذا المخنوق لا يحل قتله.
    فالقاعدة تقول: أننا عند الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل، وقد تكلمنا عن هذه القاعدة قبل ذلك أنه إذا أرسل كلبه ووجد معه كلبا آخر قال: فلا تأكل فأنك لا تدري أكلبك الذي قتل أم كلب غيرك، وكذلك إذا رمى طائرا فوقع في الماء، يقول: فأنك لا تدري أسهمك الذي قتل أم الماء.
    فنقول أن القاعدة في اللحوم أن الأصل في اللحوم والأبضاع الفروج الحرمة، يعني الأصل في باقي الأشياء الإباحة، الأصل في اللحم ،الحرمة وليس الإباحة، ولذلك نحن نقول هناك شروط للذابح حتى تحل الذبيحة، أي أنها كانت حراما، هناك شروط في العقد حتى يحل وطء المرأة، ولذلك نقول أن اللحوم والفروج الأصل فيها أنها لا تحل إلا بالطريق الذي أباحه الله U.
    ومن فوائد هذا الحديث:
    *-وجوب حد الشفرة، لأن ذلك أسهل للذبيحة، تقال الشَفرَة والشُفرة كلاهما صحيح، ومعنى إحدادها: أن يمسحها بشيء يجعلها حادة، فإن ذبح بشفرة كالّة أي ليست بجيدة ولكن قطع ما يجب قطعه فالذبيحة حلال لكنه آثم حيث لم يحد الشفرة.
    هل يحد الشفرة أمام الذبيحة؟ قال: لا يحد الشفرة أمامها لأن النبي r أمر أن تحد الشِفار، وأن توارى عن البهائم،أي تغطى.
    هذا الحديث فيه خلاف أيضا بين أهل العلم بعضهم حسنه وضعفه ابن حجر رحمه الله تعالى، وصححه الشيخ الألباني بعدما ضعفه، الشيخ الألباني ضعفه عند ابن ماجة، ثم صححه في صحيح الترغيب وصححه أيضا في السلسلة الصحيحة، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه على المسند، فإذن نخلص أنه يواري الشفرة ولا يذبح إحدى البهائم أمام أختها، يعني لا يأتي بذبيحتين ويبدأ يقتلهم أمام الآخرة، ولأنه إذا حدها أمامها فهي تعرف، ولهذا أحياناً إذا حد الشفرة أمام الذبيحة هربت خوفاً من الذبح وعجزوا عنها.
    *وجوب إراحة الذبيحة وذلك بسرعة الذبح، لأنه أريح لها،.
    هل نجعل قوائمها الأربع مطلقة، أو نمسك بها؟
    قال: نجعلها مطلقة ونضع الرِّجل على صفحة العنق لئلا تقوم، وتبقى الأرجل والأيدي مطلقة، فهذا أريح للذبيحة من وجه، وأشد إفراغاً للدم من وجه آخر، لأنه مع الحركة والاضطراب يخرج الدم، وما يفعله بعض الناس الآن من كونهم إذا أضجعوا الشاة وأرادوا الذبح بركوا عليها وأمسكوا بيديها ورجليها، فهذا تعذيب لها، وبعضهم يأخذ بيدها اليسرى ويلويها من وراء العنق، وهذا أشد، فنقول: ضع رجلك على صفحة العنق واذبح ودعها تتحرك وتضطرب مع بقاء رجلك على صفحة العنق حتى تموت.
    فإن قال قائل: هل من إراحتها ما يفعله بعض الناس بأن يكسر عنقها قبل أن تموت من أجل سرعة الموت؟
    نقول: لا يجوز هذا، لأن في كسر عنقها إيلاماً شديداً لها، ونحن لسنا في حاجة إلى هذا الإيلام، بل ننتظر حتى يخرج الدم، وإذا خرج الدم انتهى كل شيء.
    إذا أراد الإنسان أن يؤدب أهله، أو ولده فليؤدب بإحسان،ولهذا قال النبي r في حجة الوداع: «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَن لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدَاً تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضرِبُوهُنَّ ضَرْبَاً غَيْرَ مُبَرِّحٍ»، والضرب الغير مبرح، غير الشديد ولا القوي، .
    فما معنى أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه؟ الصحيح من كلام أهل العلم أن معناها أي لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له رجلا أجنبيا أو امرأة أو أحدا من محارم الزوجة، النهي يتناول جميع ذلك، يعني المرأة لا تدخل بيت الرجل أحدا يكرهه،ولو كان حتى محرما لها.فنقول:حتى في التأديب إذا أدبت فأحسن التأديب ولا تؤدّب بعنف، وبعض الناس يؤدّب بعنف يظن أن ذلك أنفع، سبق لنا أن تكلمنا على مسألة ضرب الأولاد وقلنا أن ضرب الأولاد أو ضرب الزوجة للمخالفة ليس من باب الأدب إنما من باب الانتقام ،r يتساءل كيف يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يأتيها، يعني المسألة النفسية إزاي هذا الكلام، يعني مسألة عجيبة نفسيا، ولذلك هو إذا أدب يؤدب للأدب إنما لا يؤدب للانتقام.
    ويذكر كما قال الثوري الثوي في الأهل قليل، الثوي المقام في الأهل قليل، كم ستعيش مع امرأتك؟ كم ستعيشين مع زوجك؟ والله سنوات معدودة تمر كلمحة برق أو كغمضة عين، ثم يكون الانتقال، يكون أبو فلان الله يرحمه، وأم فلان رحمها الله، فالإنسان يتذكر كل هذا فيعلم أنه راع ومسئول، وهي راعية ومسئولة، فيكون الأدب من أجل الأدب والتأديب، لا يضرب الولد من أجل الضرب، بعضنا يستشعر قوته على ولده، .
    قال بعض الناس: وبعض الناس يؤدّب بعنف يظن أن ذلك أنفع، وليس كذلك، الإخوة المحفظون بعضهم في الكتاتيب يضرب الأولاد ضربا مبرحا، وأنا أقول لابد من الاعتناء بعقلية الولد، الولد هذا ما حجم عقليته، بعض الأولاد يستطيع أن يحفظ صفحة، البعض يستطيع أن يحفظ نصف، البعض يستطيع أن يحفظ سطرا، فالذي يستطيع أن يحفظ سطر لا أكلفه بحفظ الصفحة وأضربه على ذلك، ولذلك أنا اسأل الإخوة دائما هل حفظ القرآن واجب أم مستحب؟ غير الفاتحة، الفاتحة واجب لتصح بها الصلاة، إنما حفظ باقي القرآن مستحب في حق هؤلاء حتى الذين تضربهم، لو قلنا أنه واجب كفائي فهو ليس في حق هذا بعينه واجبا، لأن بعض الأمة يقوم به بفضل الله U، فنقول : لا تضربه ولا تعنفه، ولذلك لو أنك عندك ولد يحفظ خمسة أجزاء أو جزء أو ثلاثة بنفسية متزنة أفضل للأمة ألف مرة من ولد يحفظ القرآن كله ولكن شخصيته باهتة غير متزنة، ينبغي أن نراعي ذلك.
    الصحابة لم يكن كلهم حافظي لكتاب الله، إنما كان بعضهم شجاعا يقاتل ويجاهد، وبعضهم كان قائما على الصدقة لأنه أمين، وبعضهم كذا، فالصحيح أننا نوجد الشخصيات المتزنة التي تعلم ما يجب لها، وما ينبغي أن تفعله، وما يجب أن تتقيه من محارم الله، ثم بعد ذلك فروض الكفايات يقوم به بحسب استطاعته، إنما لا نريد أن كل الناس يكونوا علماء ومشايخ هذا الأفضل والأحسن ونتمناه، ولكن هذا لا يكون، إنما طائفة تنفر لطلب العلم، وطائفة تتعلم الصناعات مع قيامه بالواجبات العينية، طائفة تقوم بالجهاد مع علمه بالمسائل العينية، هذه يحدث اتزان، إنما بدون ذلك تخرج شخصية غير متزنة.
    وليس هكذا بل اضرب ضرباً لا تسرف فيه، ولكن الأفضل ألا يضرب، لأن النبي r لما أباح بالضرب فضرب سبعون بيتا سبعون رجل ضرب سبعين امرأة في المدينة، فقال النبي r: «ليس أولئك بخياركم» إنما الرجل المتزن تعرفه بكلامه يصرف بيته بكلامه،ولهذا قال العلماء في كتاب الجنايات: لو أنه ضرب ولده ضرباً أسرف فيه ومات ضمنه، أما إذا أدّبه تأديباً عادياً بدون عنف ثم مات فلا ضمان عليه، أما المرأة الإمام النووي في شرحه على الحديث في مسلم يقول: فإن ضربها الضرب المأذون فيه، فماتت منه،قال: وجبت ديتها على عاقلة القاتل أو الضارب، ووجبت الكفارة في ماله.
    فإذن ننتبه أن المسألة فيها أحكام ، لابد أن يكون محسنا في ضربه، مؤدبا يعلم أن ذلك يعني شرع من الله U.
    أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
    إن شاء الله من المرة القادمة تأتون بالشرح الكبير على الأربعين النووية للشيخ العثيمين،الذي قرأنا منه اليوم و أتمنى أن تتواصلوا معي، كنا نسير في الأحاديث الأولى بطريقة معينة، كنت أجمع أقوال أهل العلم تقريبا التي تحت يدي أذكرها لكم وأجمع بينها، بعض الناس اشتكت فقلت أغير في الطريقة لليسر ، فإن وافقتم على الطريقة ،استمرت معنا بفضل الله U، ولكن أنا أريد التواصل حتى أعلم كل شيء لأن المقصد هو الإفادة والإجازة.؟
    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
    انتهى الدرس السابع عشر أختكم أم محمد الظن

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأربعون النووية
    الدرس[18]
    الحمد للهِ الَّذِي أتقَنَ بحكمتِهِ مَا فَطرَ وبنَى، وشرعَ الشرائعَ رحمةً، وحِكْمةً طريقاً وسنَناً، وأمرنَا بطاعتِه لا لحَاجتِهِ بلْ لَنَا، يُجزلُ العطَايَا لمَنْ كان مُحسناً ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا﴾ أحْمده على فضائلهِ سِرّاً وعلَناً، وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً أرْجو بها الفوزَ بدارِ النَّعيمِ والْهنَا، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولهُ الَّذِي رفَعَه فوقَ السموات فدَنَا، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الكرام الأمَنَاء، وسلَّم تسليمًا. وصلنا بفضل الله ومنه إلى الحديث الثامن عشر.
    عَنْ أَبِي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- قَالَ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
    رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
    معنا في هذا الحديث راويان: الراوي الأول: وهو أبو ذر جندب بن جنادة t.والراوي الثاني: هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل t، عن رسول الله r قال: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
    يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: هذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله، وحقوق عباده، وصية جامعة لحقوق الله U ولحقوق عباده، بل نضيف أيضا ولحقوق الشخص نفسه، فتلاحظون أن الحديث قسم إلى ثلاث فقرات:
    الأولى: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت» وهذا هو حق الله تعالى.
    الثانية: «وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» وهذا حق المكلف.
    الثالثة: فهي في قوله: «وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» وهذا هو حق العباد، فهي وصية جامعة مانعة من كلام النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
    الراوي الأول: وهو أبو ذر t واسمه جندب بن جنادة على المشهور، وجُنْدَبِ تنطق (جُندَب وجُندِب وجُندُب) مثلثة الدال وينتهي نسبه إلى غفار، ولذلك يقولون أبو ذر الغفاري.إذن كنيته أبو ذر، واسمه جُندُب، أما أبو ذر فهي كنيته التي اشتهر بها، .
    سبب تسميته بهذه الكنية أبو ذر:1-، قيل لأن له ولد يسمى ذر فكني به، 2-وقيل أنه وزن رغيفا مخبوزا ووضعه فعلا الذر وستره، الذر ي هو أصغر النمل، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7].وإن كان بعض أهل العلم قال: أنه الذر الذي يتطاير في أشعة الشمس، ولكن الأشهر أنه الذر الذي هو أصغر النمل، فإذن هذا الرغيف المخبوز ستره الذر أي أصغر النمل.
    ثم وزنه فلم يزد شيئا، فقال: انظروا إلى هذا لم يظهر في ميزان الدنيا، أي هذا الذر الصغير لم يظهر في موازين الدنيا، وإن ميزان الآخرة ليطيش بواحدة منها، فقيل له أبو ذر، أي نسبت إليه هذه المقالة واشتهر بها.
    قال عنه النبي r :فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجة، وصححه الألباني قال: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر».
    وقال علي t قال: وعاء ملأ علما، ثم أوكى عليه، _أقفل عليه،_ فلم يخرج منه شيء حتى قبض t.
    من كلماته: أنه ذكر السير إلى الآخرة ثم قال: (خذوا ما يصلحكم، قالوا: و ما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يوما شديدا حره لطول النشور، وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور).
    وفاته t :فمات سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وصلى عليه ابن مسعود t.
    الراوي الثاني معنا: هو معاذ بن جبل، والجبل يطلق على سيد القوم وعالمهم، كنيته كما تعلمون أبو عبد الرحمن،أسلم وعمره ثماني عشرة سنة، شهد العقبة الأولى مع السبعين النقباء، وشهد بدر والمشاهد كلها، حفظ القرآن كاملا في حياة النبي r، بعثه النبي r سفيرا إلى اليمن بعد غزوة تبوك.
    في مسند الإمام أحمد أيضا وعند الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني عن أنس t قال، قال رسول الله r: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل».
    قال ابن مسعود: إن معاذ بن جبل كان أمة قانتا لله حنيفا، فقيل له: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا، يعني الآية كده ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: 120]. وهو قال: أن معاذ بن جبل كان أمة، فقالوا له: تصحيح الآية هكذا، قال: ما نسيت هل تدري ما الأمة وما القانت؟فقلت الله ورسوله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله U ولرسوله r، وكان معاذ بن جبل يعلم الناس الخير، وكان مطيعا لله U ورسوله r.
    وفاته فتوفي t :بطاعون عمواس بالشام سنة ثمانية عشر للهجرة، توفي عن عمر ثلاث وثلاثين سنة، وقيل: ثمانية وثلاثون سنة، يعني أسلم وهو عنده ثمانية عشرة سنة وتوفي وهو عنده ثلاثة وثلاثين وكان أعلم الأمة بالحلال والحرام.
    لماذا كان أعلم الأمة بالحلال والأمة؟ ما هي الدافع لهذه الشخصية البراقة؟
    أقول لكم يقول: لما طعنا ولداه في طاعون عمواس قال لهم: كيف تجدانكما؟ قال: يا أبانا ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]، قال: وأنا ستجدانني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا، ثم طعن هو بعد ذلك، قال لمن عنده: أصبحنا، قالوا: لم نصبح، قال: أصبحنا، قالوا: قد أصبحت، قال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، مرحبا بالموت مرحبا زائرا مغبٌ، والمغب هو بعيد الزيارة، حبيبٌ جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، إنك لتعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر).
    بهذه الأشياء يصنع طالب العلم الذي يؤمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمدٍ نبيا، ويوقن باليوم الآخر، هذا هو الفيصل، هو الهدف والتصور لهذه الحياة، لذلك تصنع كطالب علم، أما أن يكون طالب العلم وهو أيضا طالب للدنيا، فالدنيا والآخرة ضرتان إذا أحب أحدهما أضرت بالأخرى.
    يقول النبي r: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت» يقول الشيخ العثيمين رحمه الله: قوله r «اتَّقِ اللهَ»: أي اتخذ وقاية من عذاب الله عز وجل، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه اجعل لنفسك ساترا يحميك ويقيك ، من غضب الله U وسخطه، ومن عقابه، ومن لوازم ذلك من ناره، وذلك كيف تتقي الله؟
    خلاصة التقوى قال: بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فمن هو المتقي؟ الذي يفعل الأمر ويجتنب النهي ولا يتعدى حدود الله U إلى ما حرم الله U.
    قال: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ» يقول: حيث: ظرف مكان، أي أي مكان كنت سواء في العلانية أو في السر، وسواء في البيت أو في السوق، وسواء عندك أناس أو ليس عندك أناس.
    فإذا قلت أين اتقي الله هل وأنا وسط أخواني في المسجد حتى يقال ما شاء الله ما هذا السمت وهذا الدل ما هذه التقوى التي تظهر على وجهك، لا لا أبدا، إنما تقوى الله في كل مكان، ولذلك قال: «حيثما كنت» وحيثما هذه كلمة مركبة من كلمتين من حيث التي هي ظرف المكان، وما الزائدة الحرفية فصارتا كلمة واحدة حيثما، وهي لما ركبت صارت اسم شرط جازم يجزم فعلين، ولذلك ستلاحظ أن النبي r قال: «اتق الله» لو نظرت عندك في الكتاب سترى أن الياء حذفت من التقي، لماذا؟ لأنها جزمت، والفعل الذي أخره حرف علة جزمه بحذف حرف العلة، فتقول اتق، يقول: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا» (أتبع) فعل أمر، (والسيئة) مفعول أول، و(الحسنة) مفعول ثان.
    «تَمْحُهَا» هذا هو جواب الأمر، أتبع السيئة الحسنة، أيه اللي يحصل؟ «تَمْحُهَا» ، ولهذا جزمت، لأن جواب الأمر يكون مجزوماً، ولو لم تكن مجزومة لقيل: تمحوها، انظر إلى كلمة تمحها وإلى كلمة تمحوها، الفعل تمحوا لما جزم أيضا وقلنا أن الفعل الذي آخره حرف علة حينما يجزم، ما الذي يفعل به؟ يحذف حرف العلة، فقال تمحها.
    والمعنى: إذا فعلت سيئة فأتبعها بحسنة، فهذه الحسنة تمحو السيئة، تمحو السيئة أي تزيلها وتذهبها، فكلمة تمحو بمعنى تزيل وتذهب.
    واختلف العلماء - رحمهم الله - هل المراد بالحسنة التي تتبع السيئة هي التوبة، فكأنه قال: إذا أسأت فتب، أو المراد العموم؟
    يقول الشيخ: الصواب: الثاني، أن الحسنة تمحو السيئة وإن لم تكن توبة، دليل هذا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ [هود: 114].
    ولما سأل النبي r رجل وقال: إنه أصاب من امرأة ما يصيب الرجل من امرأته إلا الزنا، وكان قد صلى معهم الفجر، فقال r: أصليت معنا صلاة الفجر؟ قال: نعم، فتلا عليه الآية:﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾، وهذا يدل على أن الحسنة تمحو السيئة وإن لم تكن هي التوبة.
    «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا» فبين النتيجة هي أنها تمحوها،السيئة سميت سيئة، لأنها تسيء صاحبها في الدنيا والآخرة، ومن جرب علم أن السيئة مصابها عظيم في الدنيا والآخرة، فتجد ضيق الصدر، وقلة التوفيق، وانطماس البصيرة، وقلة الرزق، وقلة من العلم، كل ذلك بسبب هذه الذنوب والمعاصي أجارنا الله وإياكم منه بمنه وكرمه.
    تعقيب على مسألة تكفير الحسنات للسيئات: قال النبي r: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا» أي اجعل الحسنة تتبع السيئة أي تتلوها حتى تمحوها، ما المقصود بالحسنة؟ وما المقصود بالسيئة؟ إذا كان المقصود بالحسنة التوبة فالمقصود بالسيئة التي تمحى الصغائر والكبائر، فإن التوبة تمحو الصغائر والكبائر، إذا قلنا أن الحسنة هي التوبة، وقلنا أتبع السيئة التوبة تمحوها، فالتوبة تمحو الصغائر والكبائر، وإن قلنا أن الحسنة هنا أعم من التوبة فتشمل صالح الأعمال كفعل الفرائض والنوافل كانت السيئة المقصودة هي الصغائر دون الكبائر،إذا كانت الحسنة هي التوبة كانت السيئة التي تمحى الصغائر والكبائر، وإذا كانت الحسنة التي تتبع السيئة أعم من التوبة يعني فعل الفرائض كما سأبين، صوم رمضان إلى رمضان، العمرة إلى العمرة كلها كفارات ولكن تكفر ماذا؟ الصغائر دون الكبائر، لأن الكبائر لا تكفر إلا بتوبة، هذه قاعدة مهمة أن الكبائر لا تكفر إلا بتوبة أو عقوبة في الدنيا أو الآخرة، لأنها لو كفرت بفعل الفرائض لم يبقى لأحد ذنب يدخل به النار، ،ولذلك ثبت في أحاديث الشافعة أن هناك قوم من هذه الأمة يعرفون بآثار السجود وتأكل النار أجسادهم إلا مواضع السجود، فلو كانت هذه وهم لم يأتوا شركا، لأنهم سيخرجوا من النار، لو كان فعل الصلاة أي الفرائض مكفرا للكبائر ما دخلوا النار، ولذلك أنا أقول لو أنها كفرت بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار، وهو قول المرجئة وهو باطل، وحكى ابن عبد البر الإجماع على بطلان هذا القول.
    دليل ما فصلناه :هذا الحديث الذي رواه مسلم وغيره أن النبي r قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن - بشرط- ما اجتنبت الكبائر» ولذلك قلنا أن هذه الحسنات الماحيات أيضا تمحو الصغائر دون الكبائر،فصيام يوم عرفة يكفر سنتين وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة،صغائر دون الكبائر.
    ولكن إن لم يوجد عنده صغائر ،وكان عنده كبائر خففت من عقوبتها، إنما لابد للكبائر من توبة، إذن هذه الأمور مكفرات ما لم تكن كبائر أو صغائر يصر صاحبها عليها، لأنه لا كبيرة مع التوبة ولا مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، إنما الصغائر بالإصرار تصير كبيرة، كذلك أيضا الصغائر بالمفاخرة وبالجهر تكون كبيرة، .
    الشيخ هنا استدل بحديث وهو الرجل الذي أصاب من امرأة ما يصيب الرجل من امرأة إلا الزنا فصلى مع النبي r صلاة فقال: إن الحسنات يذهبن السيئات.
    يقول النووي رحمه الله: أن هذا الشخص ارتكب ما دون الحد وهو من الصغائر التي تكفرها الصلاة، طالما كفرتها الصلاة النبي r قال: الصلوات الخمس أو الفرائض الخمس وفي آخر الحديث قال: «إلا ما اجتنبت الكبائر» يقول: وهو من الصغيرة التي تكفرها الصلاة، ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له لكنها هي كبيرة يعاقب عليها بالنار مثلا لم تسقط بالصلاة، وقال هناك دليل آخر رواه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله r فقال:«بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا»، إلى آخر الحديث، ثم قال: «فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا» هذه كلها كبائر ، السرقة والزنا وغير ذلك كبائر والعياذ بالله، نسأل الله لنا ولكم العافية.
    قال: «ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر» هذا معناه أنهم مصلون أيضا، ويصومون رمضان، ولكن جعلهم النبي r في مشيئة الله U، وذلك لأنهم ماتوا ولم يتوبوا من الكبائر، فإذن هذا يجعلنا يعني نستشعر هذه المسألة وأن مسألة التقوى مسألة حتمية، وأن اتباع السيئة الحسنة تمحوها، والإنسان يتوب في كل لحظة من لحظات حياته هذا أمر ضروري، ولذلك قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. أي لن تحصل مطلوبك ولن تفر من مرهوبك إلا أن تتوب إلى الله U.
    كذلك أيضا قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 13]، قال بعض السلف: من لم يتب كل صباح ومساء كان من الظالمين، فلننتبه إلى هذه المسألة الخطيرة.
    «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»: أي عامل الناس بخلق حسن.والخُلُق: هو الصفة الباطنة في الإنسان، الخلق ما يسمي بالطبع السجية، السلوك، ولذلك يعرفه بعضهم كالغزالي رحمه الله يقولون: هو ملكة للنفس تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير فكر وروية.يقال هذا الإنسان طيب بطبعه، خلوقا بطبعه، طلق الوجه بطبعه، هذا خلق، إنما لو الأمر احتاج إلى روية فإنما لا يكون خلق إنما تكون عادة تكتسب بإذن الله تعالى.
    قال: والخَلْقُ: هو الصفة الظاهرة، والمعنى عامل الناس بالأخلاق الحسنة بالقول وبالفعل.
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    فما هو الخلق الحسن؟قال بعضهم: الخلق الحسن كف الأذى، وبذل الندى، والصبر على الأذى - أي على أذى الغير - والوجه الطلق.إذن عندنا الخلق الحسن يشتمل على ذلك الخلق، كف الأذى: أي أن تكف أذاك عن غيرك، لا توصل إلى غيرك أذى.وبذل الندى: أي العطاء والصبر على الأذى: أي أن يصيبك غيرك بأذى فتصبر لا تكافئه وتكظم غيظك.والوجه الطلق: أي طلاقة الوجه.
    قال: وضابط ذلك ما ذكره الله U في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ ﴾ [الأعراف: 199] أي خذ ما عفا وسهل من الناس، ولا ترد من الناس أن يأتوك على ما تحب لأن هذا أمر مستحيل، لكن خذ ما تيسر﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:199 ].لأن بعض الناس يتمنى أن يعامل معاملة الملوك خذ العفو، أي ما سهل ويعني طاب من أخلاق الناس فقط، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ لا نجهل فوق جهل الجاهلين، إنما نعرض عنهم.وإياك ومراقبة الناس فإن من أكبر الهموم مراقبة الناس، ولذلك يقول الشاعر:
    ومن راقب الناس مات غما



    وفاز باللذة الجسور


    يقول النبي r كما في حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد وصححه الألباني: «أكمل المؤمنين إيمان أحسنهم خلقا» وقال كما في حديث أسامة بن شريك قال قالوا يا رسول الله: «ما أفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: الخلق الحسن» وعن أبي أمامة حديث رواه أبو داود وحسنه الألباني «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» وقال النبي r: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
    هل الخلق الحسن جِبْلِيٌّ أو يحصل بالكسب؟جبلي يعني طبع الله الإنسان عليه، طبعه وجبره عليه.يقول الشيخ: الجواب: بعضه جبلي، وبعضه يحصل بالكسب، قال النبي r لأشجّ عبد قيس: «إِنَّ فِيْكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ» اسأل الله لنا ولكم أن يرزقنا الحلم والأناة.قال: يا رسول الله أخلقين تخلّقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ قال: «بَلْ جَبَلَكَ اللهُ عَلَيْهِمَا» قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب، ونسأل الله أن يجبلنا على ما يحب، وأن يحسن أخلاقنا، قال: فالخلق الحسن يكون طبيعياً بمعنى أن الإنسان يمنّ الله عليه من الأصل بخلق حسن، ويكون بالكسب بمعنى أن الإنسان يمرّن نفسه على الخلق الحسن حتى يكون ذا خلق حسن.
    والعجيب أن الخلق الحسن يُكسِب الإنسان الراحة والطمأنينة وعدم القلق، لأنه مطمئن من نفسه في معاملة غيره.
    الخلق يأتي إن شاء الله أيضا بالتمرين كما مر معنا الكلام قبل ذلك في خلق الغضب وكيف يمرن الإنسان نفسه على تركه.
    الأربعون النووية في ظني أنا والله الشخصي لو أن الإنسان تعلمها وعرف معانيها وتخلق بها والله لكفته، يكفي أن تقابل الله U بهذه الأربعين يكفيك لو أنك حفظتها وعملت بها وتعلمتها،كلها أصول جامعة لما بعدها، ولذلك النشاز الذي يظهر أحيانا في سلوكيات الأخوة بسبب غيابنا عن هذه المعاني، .
    من فوائد هذا الحديث:
    1-وجوب تقوى الله U حيثما كان الإنسان، لقوله: «اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ» وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه سواء كنت في العلانية أو في السر.
    أيهما أفضل: أن يكون في السر أو في العلانية؟
    في هذا تفصيل: إذا كان إظهارك للتقوى يحصل به التأسّي والإتباع لما أنت عليه فهنا إعلانها أحسن وأفضل، ولهذا مدح الله الذين ينفقون سرّاً وعلانية، وقال النبي r: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ».
    أما إذا كان لا يحصل بالإظهار فائدة فالإسرار أفضل، لقول النبي r فيمن يظلّهم الله في ظله: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ».
    أيهما أفضل فعل الأمور المأمور بها علانية أم سرا؟
    إذا كان يتأسى بك الغير ولا يدخل عجب ولا رياء إلى قلبك فالإعلان أفضل، إذا كان ستحصل المفسدة أعلى من المصلحة فالإسرار أفضل، لأن بعض الناس يتباهى فالإنسان لا يغتر، لأن كما قدمنا الإخلاص شرط وركن من أركان قبول العمل.
    هل الأفضل في ترك المعاصي إعلانه أم إسراره؟
    يقال فيه ما قيل في الأوامر، فمثلاً إذا كان الإنسان يريد أن يدخل في عمل فقيل له: إنه يشتمل على محرم كالأمور الربوية فتركه جهاراً، فذلك أفضل لأنه يُتأسّى به، وأما إذا كان الأمر لا يتعدى إلى الغير ولا ينتفع به فالإسرار أفضل.
    فإن قال قائل: قوله r: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ» هل يشمل فعل الأوامر في أماكن غير لائقة كالمراحيض مثلاً؟
    أنا والله استعجبت تعجبت يعني من هذا السؤال يعني إنسان يتقي الله أيفعل أوامره ويترك المحرمات في أي مكان، طيب المرحاض ما يتصور فيه؟ هو فعل المأمور الذي أمره النبي r والانتهاء عن المحظور.
    مثلا لو قلنا من المحظورات استقبال القبلة يبقى لا يستقبل القبلة، لو قلنا من المحظورات أنه يمس ذكره بيمينه ،فلا يمس ذكره بيمينه ، يتقي الله عز وجل حتى لو كان في هذه الأماكن.قال: لا تفعل الأوامر في هذه الأماكن، ولكن انوِ بقلبك أنك مطيع لله U ممتثل لأمره مجتنب لنهيه.
    وهذا يكون أيضا بالفعل، ليست النية بالقلب فقط إنما يكون بالفعل كما قدمنا بأنه يترك المحظور في هذه الأماكن، ومن المحظورات في هذه الأماكن ألا يكتب على أبواب دورات المياه ، فالمسألة هذه تحتاج إلى تناصح يعني.
    إن الحسنات يذهبن السيئات لقوله: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا»، وقلنا على التفصيل الذي ذكرناه، فضل الله U على العباد وذلك لأننا لو رجعنا إلى العدل لكانت الحسنة لا تمحو السيئة أي بالموازنة، وظاهر الحديث العموم.
    هل يُشترط أن ينوي بهذه الحسنة أنه يمحو السيئة التي فعل؟
    ظاهر الحديث: لا، وأن مجرد فعل الحسنات يذهب السيئات، وهذا من نعمة الله U على العباد ومن مقتضى كون رحمته سبقت غضبه.
    الحث على مخالقة الناس بالخلق الحسن، لقوله: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
    فإن قيل: معاملة الناس بالحزم والقوة والجفاء أحياناً هل ينافي هذا الحديث أو لا؟
    الجواب: لا ينافيه، خذوا قاعدة ذكرناها قبل ذلك ضمنا في كلامنا أنك إذا فعلت الشيء على الوجه الشرعي فإنك قد تكون فعلت أحسن الأحوال فيه، تكلمنا في مسألة رجم الزاني، وقلنا إذا شغبوا علينا وقالوا: «وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» وهذه ليست أحسن القتلات وإلا لكم أن تقتلوه بالسيف وهذا أنفع له وأذهب لروحه سريعا لماذا تؤلمونه بالحجارة؟
    قلنا الجواب: أنه الحسن هو ما وافق الشرع، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ فلا أحد يحكم أحسن من حكم الله U، فإذا نقول أيضا أن ما وافق الشرع هو الحسن وهو الأحسن.
    نقول: لا ينافيه لأن لكل مقام مقال، فإذا كانت المصلحة في الغلظة والشدة فعليك بها، وإذا كان الأمر بالعكس فعليك باللين والرفق، وإذا دار الأمر بين اللين والرفق أو الشدة والعنف فعليك باللين والرفق، لأن النبي r قال: «إِنَّ اللهَ رَفِيْقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ».
    إذا كان الأمر يحتاج إلى الغلظة فالأحسن الغلظة، إذا كان الأمر يحتاج إلى الرفق فالأفضل والأحسن الرفق، إذا أشكل عليك الأمر هل الرفق أم الغلظة إذن الرفق يقدم.
    يقول: ولقد جرت أشياء كثيرة تدل على فائدة الرفق ومن ذلك: (مرّ يهودي بالنبي r فقال: السام عليك يا محمد - والسام يعني الموت - فقالت عائشة رضي الله عنها: عليك السام واللعنة - جزاءً وفاقاً وزيادة أيضاً - فنهاها النبي r وقال: «إِنَّ اللهَ رَفِيْقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكَتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ»
    نأخذ من هذا الحديث فائدة مسلكية في حياتنا اليوم وهي: أن بعض إخواننا إذا رأى رأيا مخالفا لما يظنه في رأيه صوابا، مثلا مسألة الأحزاب البعض يرى أن دخول الأحزاب الآن بعضهم يرى ضرورة شرعية، والبعض يرى أنها ليست من الضرورات الشرعية فما هو الواجب حيال هذه المسائل؟
    الواجب: اتق الله حيثما كنت، وخالق الناس بخلق حسن، كيف يكون خلقا حسنا مع من يغضب الله U ورسوله وليس خلقا حسنا مع من يطيع الله U ورسوله، مسألة الزجر بالهجر أيها الأخوة إنما تشرع حيال المصلحة إذا كان الزجر سيأتي بالمصلحة، اضرب لكم مثلا: لو أن إنسان على بدعة أو على معصية إنسان يدخن السجائر في الشارع هل ألقي عليه السلام أم لا؟
    أقول لك إذا كنت صاحب وجاهة فلم تسلم عليه وسينتهي عن شربه إذا لم تسلم عليه وهذه تؤثر في نفسيته فينتهي، أقول لك هنا يجب عليك أن تزجره بالهجر ويشرع الهجر الشرعي، أما إذا كان ليس هناك فائدة مررت عليه أو لم تمر عليه لا فائدة نقول: سلم عليه فاستفيد بأجر السلام ويكون ذلك بنية أن يكون لك مدخل إلى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، إنما تجد الآن حرب مشتعلة، لماذا كل هذه الحرب؟ فقولنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب.
    نحن أولى كإخوة على درجة من الالتزام وننتمي بفضل الله ومنه إلى التيار السلفي أن نكون كلنا على قلب رجل واحد، إخواننا اجتهدوا فاخطئوا فهم مأجورون في اعتقادنا، ونحن أصبنا فنحن مأجورون أيضا بفضل الله U، إنما أن يسفه بعضنا بعض، وأن نقول عن من يقول مثلا بهذا القول أنه ضال مضل أو أنه مبتدع في مسألة اجتهادية تحتاج إلى فتوى من مجامع فقهية فهذا ما لا يكون، فالإنسان يرفع لسانه، ويرفع يده عن إخوانه، إذا لم تساعد أخوانك في معروف وخير، فكف لسانك عنهم هذا من تقوى الله U.
    كذلك باب التناصح مفتوح، تعالى فتناقش معهم مناقشة علمية، إنما التشغيب ومثل هذا أقول كل سيحاسب ستكتب شهادتهم ويسألون.
    أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
    انتهى الدرس الثامن عشر أختكم أم محمد الظن
    http://www.islamup.com/download.php?id=139279
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأربعون النووية
    الدرس[19]
    الحمد للهِ الَّذِي أتقَنَ بحكمتِهِ مَا فَطرَ وبنَى، وشرعَ الشرائعَ رحمةً، وحِكْمةً طريقاً وسنَناً، وأمرنَا بطاعتِه لا لحَاجتِهِ بلْ لَنَا، يغفرُ الذنوبَ لكلِّ عبدًا تابَ إلى ربَّه ودَنا، ويُجزلُ العطَايَا لمَنْ كان مُحسناً ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا﴾أحْمده على فضائلهِ سِرّاً وعلَناً، وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً أرْجو بها الفوزَ بدارِ النَّعيمِ والْهنَا، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولهُ الَّذِي رفَعَه فوقَ السموات فدَنَا، وعلى آله وأصحابه الكرام الأمناء وسلم تسليما.
    وصلنا بفضل من الله ومنه إلى الحديث التاسع عشر.
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «كُنْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ r يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: أحْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، أحْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك؛ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
    وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: «احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامك، تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفُك فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك، وَمَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا».
    راوي الحديث : كنيته أبو العباس واسمه عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ما أشهره وما أعرفه شخصا ونسبا.
    مولده:ولد t في الشعب وبنو هاشم محصورون قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، توفى النبي r وهو ابن ثلاثة عشرة سنة، وقيل ابن خمس عشرة سنة وصححه أحمد، .
    علمه :هو حَبر الأمة وسمي البحر لغزارة علمه، دعا له النبي r فقال: «اللهم فقه في الدين» وهذه رواية البخاري ومسلم وفي بعض الروايات «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» وروى البخاري ومسلم عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ضمني إليه رسول الله r وقال: اللهم علمه الحكمة» .
    سئل ابن عباس أنى أصبت هذا العلم، كيف حصلت هذا العلم؟ فقال: بلسان سؤول، وقلب عقول.
    وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
    عبادته: روى ابن أبي مُليكة قال: (صحبت ابن عباس رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة فكان إذا نزل قام شطر الليل يرتل ويكثر في ذلك التسبيح،) لكي نعلم أن هذا هو العلم، العلم الذي يدفع إلى العبادة، وليس العالم هو العاري عن العبادة، ولذلك في أحاديث تفضيل العالم على العابد لا يظن ظان أن النبي r لما قال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدانكم أو كفضل القمر ليلة البدر على الكواكب» أنه قصد العالم العاري من العبادة، والعابد العاري من العلم،إنما لغلبة العلم على العالم عرف به، إنما هو عابد أيضا، ولكثرة العبادة على العابد عرف به وإلا فإن عنده من العلم ما يصحح به عبادته وإلا كان فاسقًا غير صالح.
    وكان t معظما جدا لحرمات الله U، وهذا أيضا هو العلم، لا يقال للعالم عالم حتى يخشى الله U، وحتى يظهر ذلك في قوله وفي فعله في سكناته وفي حركاته فيعرف بذلك العالم، ولذلك الله U يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فالعلم هو الخشية، والخشية خوف مقرون بعلم، فإذا خفت الله U وعظمت حرمات الله U فهذا دليل على علمك، ودليل على تقواك ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
    قال طاووس: (ما رأيت أحد أشد تعظيمًا لحرمات الله U من ابن عباس والله لو أشاء إذا ذكرته أن أبكي لبكيت من شدة حرصه t على تعظيم حرمات الله).
    أصيب t في آخر عمره بفقد بصره فأنشد فقال:
    إن يأخذ الله من عيني نورها




    ففي لساني وقلبي منهما نور



    قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل



    وفي فمي صارما كالسيف مأثور


    قلبي ذكي أي :الطاهر، ولذلك الذكي يطلق على من أتى بالذم فتاب منه هذا يسمى ذكي أيضا، أي قلب تواب رجاع.
    ما هو الفرق بين الذكي والذاكي؟
    الذاكي الذي لم يصب ذنبا، إنما الذكي من أصاب فتاب.
    وفاته:توفي t بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى وسبعين سنة، وصلى عليه محمد بن الحنفية، أي محمد بن علي بن أبي طالب، وسمي نسبة إلى قبيلة أمه حتى يُميز بين أبناء علي من فاطمة وأبناء علي من غيرها، علي لم يتزوج على فاطمة في حياتها ولكن بعدما ماتت تزوج بأربعة من النساء من الحرائر وكان له سبعة عشرة ذرية أتى منها بأبناء غير أولئك، كان من أبناء علي العباس و عمر، و أبا بكر، هذا علي وهؤلاء هم الصحابة رضي الله عنهم.
    سنة وفاته:علي t توفي سنة أربعين من الهجرة ابن حجر في ترجمته يقول: وأجمع أهل العلم على أنه لم يكن على الأرض أفضل من علي حين مات، فسبحان الله رضي الله عنهم أجمعين.
    محمد بن الحنفية صلى على ابن عباس وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة.
    هذا الحديث مهم جدًا، يقول ابن الجوزي في أهميته: تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش فو أسفا من الجهل به وقلة التفهم لمعناه.
    حتى أن ابن رجب رحمه الله تعالى أفرده بكتاب مستقل أسماه نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي r لابن عباس،.
    يقول ابن عباس «كُنْتُ خَلْفَ النبي r،» يقول العثيمين: «كُنْتُ خَلْفَ النبي» يحتمل أنه راكب معه ويحتمل أنه يمشي خلفه، وأياً كان فالمهم أنه أوصاه بهذه الوصايا العظيمة.
    في بعض روايات وطرق هذا الحديث كنت رديف النبي r فهذا يرجح أنه كان خلفه على الدابة، ولذلك كثير من أهل العلم يأتون على حديث ابن عباس على حديث معاذ t «كنت رديف النبي» فيقولون فيه جواز الإرداف على الدابة، ولكن بشرط أن تتحمل الدابة ولا يشق ذلك عليها، هذا الإسلام، هذا الإسلام لمن لا يعرف الإسلام.
    يقول: «يَا غُلامُ» والغلام أصله من الاغتلام، والاغتلام هو شبق الشهوة، ويطلق على الرجل مجازا باعتبار ما كان فيه وقيل الغلام هو الصبي من حين يفطم حتى تسع سنين أو عشر سنين، وقيل هو: الطار الشارب أو من حين يولد إلى أن يشب، المهم أنه من حين يولد إلى أن يصير شابا يسمى غلام.
    والغلام الرجل حتى يشب أو الرجل حتى يبلغ، تقابله في النساء الجارية، يعني حديث وكان النبي r عنده جاريتان يلعبان، هذه الجارية المراد بها ، المرأة التي لم تبلغ كي لا يجوز متجوز الغناء للكبار بهذه الحجة، وأن المرأة تغني، نقول كذبتم فالجارية هي البنت التي لم تبلغ، البنت الصغيرة.
    فيقول: يا غلام: لأن ابن عباس كان صغيراً، فإن النبي r توفي وابن عباس قد ناهز الاحتلام يعني من الخامسة عشر إلى السادسة عشر أو أقل، و قلنا أن النبي r مات وابن عباس عنده ثلاث عشرة سنة.
    قال: «إني أُعَلمُكَ كَلِمَاتٍ» انظر إلى هدي النبي r في هذا التلطف العجيب، تلاحظون أن الكلمات هذه بلفظ الأمر احفظ، فاستعن، تعرف، كلها أوامر ومع ذلك النبي r يقول له : أعلمك، فأنت إذا أردت أن تنصح أخ لك لا تقل له افعل أو إني أمرك أن تفعل كذا، إنما قل له أريد أن أعلمك شيء، هنا ينتبه لهذا الوعظ وهذا التلطف وينشرح له صدره، ويقبل عليك بقلبه.
    قال: قال ذلك من أجل أن ينتبه لها «إني أُعَلمُكَ كَلِمَاتٍ» وكلمات منونة قيل للتعظيم أنها كلمات عظيمة، تلاحظون أيضا أن النبي r لم يبدأ معه في الموعظة مباشرة يا غلام أحفظ الله، إنما قال «يا غلام إني أعلمك كلماتٍ» وهذا أبلغ لأن ينتبه لها ابن عباس ويتشوف إلى معرفتها ويتشوق إليها، يصير عنده شوق «إني أُعَلمُكَ كَلِمَاتٍ» يتساءل بينه وبين نفسه ما هذه الكلمات؟ فيقبل على تعليم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ولذلك يقولون: ( الموصول بعد الطلب أعز من المساق بلا تعب)،. أي أن الشيء الذي يبذل فيه الجهد يكون الإنسان أحرص عليه بخلاق ما حصل بدون تعب.
    فيقول: «إني أُعَلمُكَ كَلِمَات اِحْفَظِ اللهَ يَحفَظكَ» و كلمات جمع كلمة، والكلمة هي الجملة التامة الكلمة تطلق في اللغة والقرآن والحديث على الجمل التامة، فما موضوع ؟
    كلامنا لفظ مفيد كاستقم



    واسم وفعل ثم حرف الكلم





    نقول الاسم والفعل والحرف يقولون: الاسم كلمة، الحرف الذي سيق لمعنى كلمة، والفعل كلمة يقصدون بذلك عند النحاة، وصار مصطلح النحاة أغلب عند الناس، يعني لو قلت كلمة يظن البعض أنها كلمة مفردة، إنما الكلمة لا تطلق لا في اللغة ولا في القرآن ولا في الحديث إلا على الجملة التامة، ولذلك قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: 100] كلمة، والنبي r يقول لعمه «يا عمي قول كلمة» وهي جملة تامة هي كلمة التوحيد جملة تامة، ويقول النبي r كما في صحيح مسلم «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ، قول لَبِيدٍ: أَلاَ كُلّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللّهَ بَاطِلُ» فسماها كلمة.
    قال: «اِحْفَظِ اللهَ يَحفَظكَ» قال: هذه كلمة عظيمة جليلة احفظ تعني احفظ حدوده وشريعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه وكذلك بأن تتعلم من دينه ما تقوم به عبادتك ومعاملاتك وتدعو به إلى الله U، .
    كيف نحفظ دينه؟ قال: بفعل أوامره، والأمر إما أنه أمر واجب وإما أمر مستحب واجتناب نواهيه، والنهي إما أن يكون نهيا جازما فيفيد الحرمة وإما نهيا غير جازم فلا يفيد إلا الكراهة.
    إذن حفظ الله U يكون على درجتين، يكون على درجة الوجوب حفظ الحقوق الواجبة، ويكون أيضا بحفظ الواجبات الواجبة والأمور المستحبة، ويكون بترك المحرم ويكون بترك المكروه،عندنا في الحفظ درجتان، درجة السابقين بالخيرات، ودرجة المقتصدين، المقتصد الذي يفعل الواجب ويترك المحرم.
    السابق بالخيرات: الذي أتى بالواجب وانتهى عن المحرم وترك المحرم وفعل المستحب وترك المكروه أيضا.
    فإذن حفظ الله يتفاضل فيه الناس فكلما حفظت الله U حفظك الله كما سيبين الشيخ.
    قال: « يَحْفَظْك». أي في دينك وأهلك ومالك ونفسك لأن الله سبحانه وتعالى يجزي المحسنين بإحسانه وأهم هذه الأشياء أن يحفظك في دينك ويسلمك من الزيغ والضلال، لأن الإنسان كلما اهتدى زاده الله U هدى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]، وعُلِمَ من هذا أن من لم يحفظ الله فإنه لا يستحق أن يحفظه الله U وفي هذا الترغيب على حفظ حدود الله U.
    قال: «احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تجَاهَكْ» ونقول في قوله: احْفَظِ اللهَ كما قلنا في الأولى، ومعنى « تَجِدهُ تجَاهَكْ» وأمامك معناهما واحد يعني تجد الله U أمامك يدلك على كل خير ويقربك إليه ويهديك إليه ويذود عنك كل شر ولا سيما إذا حفظت الله بالاستعانة به فإن الإنسان إذا استعان بالله U، استعان به أي طلب العون منه.وتوكل عليه.
    ما معنى توكل عليه؟
    توكل عليه أي اعتمد على الله U في جلب منافعه ودفع المضار عنه مع أخذه بالأسباب الشرعية، يأخذ بالأسباب ومع ذلك يعلم أن هذه الأسباب لا تضر ولا تنفع إلا إن يشاء الله U فيستعين بالله ويتوكل عليه سبحانه وتعالى، ولذلك الاستعانة بالله U تثمر التوكل في قلب العبد، ولذلك من أعظم العبوديات الاستعانة، والاستعانة والتوكل شطر الدين، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].
    قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64].أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، حسبك يعني كافيك، فالله U يكفيك ما تريد، ولكن بشرط أن تتوكل عليه، وأن تستعين به U، وأن تعلم أنك إذا استعنت به فإنك مكفي بإذن الله U، ولذلك تحقيق هذه المرتبة تحقيق للخير العميم لهذا الإنسان، يبقى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حسبك وحسب من اتبعك الله U.
    قال: فإذا كان الله حسب الإنسان فإنه لن يناله سوء ولهذا قال: «أحْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تجَاهَكَ».
    قال «إذَا سَألْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ» إذا سألت حاجة فلا تسأل إلا الله U ولا تسأل المخلوق شيئاً وإذا قدر أنك سألت المخلوق ما يقدر عليه فاعلم أنه سبب من الأسباب وأن المسبب هو الله U لو شاء لمنعه من إعطائك سؤالك فاعتمد على الله تعالى.
    إذن ننبته أن الخلق حتى الذين بيدهم بعض أمور الناس أن هذا من الله U فلا تعتمد على أحد، ولذلك ما أحسن وأروع هذه الآية ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى﴾على من﴿عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58]. فالكل يموت، والله U لا يموت، و الأمر كله بيد وليس بيد فلان ولا علان مهما بلغ منصبه ومهما بلغت رتبته، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
    فمن الناس،من عنده اعتماد على الأسباب ، والاعتماد علي السبب ،يسبب نقص التوحيد والعياذ بالله وقد ينقضه من أساسه والعياذ بالله.
    قال: «وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ» فإذا أردت العون وطلبت العون من أحد فلا تطلب العون إلا من الله U، لأنه هو الذي بيده ملكوت السموات والأرض، ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: 63]. مقاليد أي: المفاتيح والخزائن سبحانه وتعالى، وهو يعينك إذا شاء وإذا أخلصت الاستعانة بالله وتوكلت عليه أعانك وإذا استعنت بمخلوق فيما يقدر عليه فاعتقد أنه سبب، وأن الله هو الذي سخره لك، وفي هاتين الجملتين دليل على أنه من نقص التوحيد أن الإنسان يسأل غير الله، ولهذا تكره المسألة لغير الله U في قليل أو كثير، والله سبحانه وتعالى إذا أراد عونك يسر لك العون سواء كان بأسباب معلومة أو غير معلومة.
    نقول: وإذا استعنت طلبت العون فاطلب العون من الله U فيما لا يقدر عليه إلا الله أو فيما يقدر عليه بعض الناس أيضا هذا كماله، ولكن إذا أردت أن تطلب العون من شخص فيما يقدر عليه فهذا جائز بشرط أن تعتقد أن هذا الشخص مجرد سبب، تقول يا فلان مثلا ناولني هذا الكتاب، أنت الآن تستعين به فهذا لا بأس به، ولكن بشرط أن تعتقد أنه سبب وأنه لا يملك ضرا ولا نفعا، أما إذا اعتقد أن هذا السبب يملك الضر والنفع بنفسه والعياذ بالله فهذا لا شك أنه قدح في توحيد هذا الشخص والعياذ بالله.
    أما بالنسبة للمسألة السؤال نقول أن هناك سؤال «وإذا سألت فاسأل الله» يخرج منها سؤال العالم عن العلم، «وإذا سألت فاسأل الله» هنا يقول له «إذا سألت فاسأل الله» إنما نقول أن سؤال العالم عن العلم يخرج أصلا من المسألة هذه لأن النبي r: «إنما العلم بالتعلم» ومر معنا قول ابن عباس: لسان سؤول فالعلم لا يحصل إلا بالمسألة، وقال النبي r: «هلا سألوا» لما أفتوا الرجل الذي كان به شجة في رأسه فمات قال: «فإنما شفاء العي السؤال» شفاء الجهل ما هو؟ السؤال، فهو خارج من ذلك.
    إنما المقصد: الأفضل أنك لا تسأل، ولذلك في حديث عوف بن مالك عند مسلم أن النبي r عاهده بعض أصحابه ألا يسألون أحد شيئا، قال عوف بن مالك فرأيت بعضا منهم يسقط سوطه أي عصاه فلا يقل لأحد ناولنيه، لأنه عاهد النبي r أن لا يسأل أحد شيئا، فإذا أردت أن تسأل عن العلم فاسأل، إنما إذا سألت حاجة لك فاسأل الله U.
    أذكر أن بعض أهل العلم ممن خلص قلبه لله U كان في المسجد فقال له أحد الملوك وكان حاضرا هل لك حاجة؟ فقال: أما ها هنا فلا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]. وأنا لا أسأل في المسجد أحد، ولذلك إذا سألك المال قل نخرج وأعطيناك في الخارج، أما في الداخل ما نعطيك حتى نعوده أن لا يسأل مع الله أحدا.
    فقال له: أما هنا فلا فلما خرج قال قد خرجنا، قال: أما في ملكه فلا أيضا، لأنك لا تملك شيئا وهذه عارية مستردة.
    قال: والله سبحانه وتعالى إذا أراد عونك يسر لك العون سواء كان بأسباب معلومة أو غير معلومة، ولذلك الله U قد أعطى المتقين أنه يرزقهم بسبب وبغير سبب ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3]. فالله قد يعني اشترط ذلك على نفسه، أنك إذا اتقيت الله U بغير أسباب رزقك،
    فنقول الأخذ بالأسباب هذا من الشرع، وترك الأسباب بالكلية هذا قدح في الشريعة فعلا، لأن الشريعة دلتنا على الأخذ بالأسباب، والمؤمن يوازن كما قدمت، يأخذ بالسبب ويعلم أنه سبب لا ينفع ولا يضر، ويتوكل على الله U ويعلم أن نفعه بيد مولاه، ودفع الضر عنه بيد الله أيضا.
    قال: مع ذلك لا يجوز لك إذا أعانك الله على يد أحد أن تنسى المسبب وهو الله U، لأن هذا من كفران النعمة، أن تنسب النعمة إلى غير المنعم الحقيقي سبحانه وتعالى، ينسبها إلى فلان أو علان.
    كذلك أيضا في مجال التعليم والدرس انتبهوا أن استفادة الفوائد هذه من الله U قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. فمن الذي يزدك علما؟ إياك أن تقول هذا باجتهادي وبمذاكرتي وسهر الساعات أبدا، أبدا والله البعض قد يسهر الساعات ولا يفهم.
    الشيخ العثيمين يحكي أن أحد الطلاب عندهم كان يحفظ كتاب الفروع لابن مفلح، أنت عارفين كتاب الفروع، كتاب كبير من كتب الحنابلة وعباراته صعبة كان يحفظه حفظا، قال: كانت إذا اختلفت النسخ بيدي الطلبة أتوا إلى هذا الأخ فصححوا النسخ عليه ومع ذلك كان لا يفهم كلمة فيه فكانوا يلقبونه بحمار الفروع، لأنه حافظ ولكن ما يفهم شيء فالفهم هذا من الله U، قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ إياك، إياك والله أن تظن أن بفهمك وذكائك وعلمك واجتهادك وحفظك للمنظومات والقواعد أنك بهذا تصير شيئا، إنما أعلم أن هذا فضل المنعم سبحانه وتعالى فرد النعمة إلى ربك سبحانه وتعالى وأنسبها إليه.
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    قال: «وَاعْلَم أَنَّ الأُمّة لو اجْتَمَعَت عَلَى أن يَنفَعُوكَ بِشيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَك» الأمة كلها من أولها إلى آخرها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وعلى هذا فإن نفع الخلق الذي يأتي للإنسان فهو من الله في الحقيقة، لأنه هو الذي كتبه لك وهذا حث لنا على أن نعتمد على الله U ونعلم أن الأمة لا يجلبون خيراً إلا بإذن الله U.
    «وإِن اِجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشيءٍ لَمْ يَضروك إلا بشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ» وعلى هذا فإن نالك ضرر من أحد فاعلم أن الله قد كتبه عليك فارض بقضاء الله وبقدره، ولا حرج أن تحاول أن تدفع الضر عنك، لأن الله U: يقول ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]،أي إذا أردت أن تعاقب فعاقب بمثل ما عوقبت به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]، وهذا فيه حث على أعلى المراتب وهي الصبر والعفو، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، ولذلك هنا قال «إلا بشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ».
    من أروع اللفتات التي قرأتها في قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51]. يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته يقول: ولم يقل كتب الله علينا، لأن الله لا يقدر شيئا على عبده وإن كرهه العبد وتألم به إلا كان خيرا له، «عجبا لأمر المؤمن أن أصابه خير فشكر فكان خير له، وإن أصابته ضراء فصبر فكان خيرا له»
    «رُفعَت الأَقْلامُ، وَجَفّت الصُّحُفُ» يعني أن ما كتبه الله U قد انتهى فالأقلام رفعت والصحف جفت ولا تبديل لكلمات الله.
    يقول: وفي رواية غير الترمذي: «احفظِ اللهَ تَجدهُ أمامك» وهذا بمعنى «احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعرِفُكَ في الشّدةِ» يعني قم بحق الله U في حال الرخاء، الرخاء في زمان السعة في العيش والصحة، والفكر خلوه من الهم والغم والكرب ساعتها تعرف إلى الله U، اغتنم صحتك قبل سقمك، تعرف إلى ربك في هذا الوقت حتى إذا أتى الوقت الآخر فإن الله U يكون معك يؤيدك وينصرك ويؤازرك سبحانه وتعالى.
    قال: يَعرِفكَ في الشّدةِ إذا زالت عنك الصحة وزال عنك الغنى واشتدت حاجتك عرفك بما سبق لك أو بما سبق فعل الخير الذي تعرفت به إلى الله U.
    «وَاعْلَم أَنَّ مَا أَخطَأَكَ لَمْ يَكُن ليُصيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَم يَكُن ليُخطِئُكَ» أي ما وقع عليك فلن يمكن دفعه، وما لم يحصل لك فلا يمكن جلبه، ويحتمل أن المعنى، يعني أن ما قدر الله U أن يصيبك فإنه لا يخطئك، بل ولابد أن يقع لأن الله قدره.
    وأن ما كتب الله U أن يخطئك فلن يصيبك أبداً، فالأمر كله بيد الله، وهذا يؤدي إلى أن يعتمد الإنسان على ربه اعتماداً كاملاً، وفي الحقيقة لن يدرك الإنسان لذة الحياة فيطمئن قلبه وينشرح صدره إلا بجنة الرضا هذه أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه، فاته أمر من الأمور خلاص انتهت القضية هذا ما كتب لي لو كتب لقدر وأتى، أصابه شيء من الضر أو المرض والألم يقول والله قدر علي لعلم الله أن هذا خيرا لي ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].
    ثم قال: «أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ» فهذا فيه حث للمسلمين على الصبر، لأنه إذا كان النصر مع الصبر فإن الإنسان يصبر من أجل أن ينال النصر.
    أركان الصبر الثلاثة:
    1- صبرا على الطاعة.2- وصبر عن المعصية.3- وصبر على أقداره المؤلمة.
    لأن العدو يصيب الإنسان من كل جهة فقد يشعر الإنسان أنه لن يطيق عدوه فيتحسر ويدع الجهاد، وقد يشرع في الجهاد ولكن إذا أصابه الأذى استحسر وتوقف، وقد يستمر ولكنه يصيبه الألم من عدوه فهذا أيضاً يجب أن يصبر، قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140]، والقرح هو الألم والجرح، والقراءة الأخرى ﴿ إن يمسسكم قُرح فقد مس القوم قُرح مثله﴾
    وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء: 104] فإذا صبر الإنسان وصابر ورابط فإن الله سبحانه ينصره.
    وقوله: «وَاعْلَمْ أَن الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» الفرج انكشاف الشدة والكرب، فكلما اكتربت الأمور فإن الفرج قريب، لأن الله U يقول في كتابه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء﴾ [النمل: 62] فبعد كل عسر يسر بل إن العسر محفوف بيسرين، يسر سابق ويسر لاحق قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: 5- 6]، قال ابن عباس t «لَن يَغلُبَ عسرٌ يُسرَين».
    في الحقيقة هذا الأثر إنما روي عن الحسن ولكن روي مرسلا فهو مرسل ضعيف «لَن يَغلُبَ عسرٌ يُسرَين» مرسل عن الحسن وقتادة وهو مرسلا ضعيف، كما تعلمون في مسألة قبول المرسل، إنما معناه صحيح يعني لن يغلب فعلا عسر يسرين، لأن الله U عرف العسر ونكر اليسر، فالتنكير دلالة على أن الأول غير الثاني، أما العسر فهو الأمر المعهود الواحد.
    من فوائد هذا الحديث:
    1-ملاطفة النبي r لمن هو دونه حيث قال: «يَا غُلام إني أُعَلِمُكَ كَلِماتٍ».
    2-أنه ينبغي لمن ألقي كلاماً ذا أهمية أن يقدم له ما يوجب لفت الانتباه، حيث قال: «يَا غُلاَمُ إني أُعَلِمُكَ كَلِماتٍ».
    3-أن من حفظ الله حفظه الله لقوله: «احفَظ الله يَحفَظكَ»، وكما ترون أنها جملة شرطية إذا وقع فعل الشرط وقع جوابه بإذن الله U.
    4-أن من أضاع الله - أي أضاع دين الله - فإن الله يضيعه ولا يحفظه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19] نسو الله أي تركوا دينه، وتركوا ذكره وهداه. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
    5-أن من حفظ الله U هداه ودله على ما فيه الخير، وأن من لازم حفظ الله له أن يمنع عنه الشر، يعني إذا دله الله على الخير وحفظه الله كان من لازم ذلك أن يدفع عنه الشر، لأن الله U هو الذي يكشف السوء، ويجيب المضطر سبحانه وتعالى.
    6-أن الإنسان إذا احتاج إلى معونة فليستعن بالله، ولا مانع أن يستعين بغير الله ممن يمكنه أن يعينه أي فيما يقدر عليه، كما ضبطنا المسألة أنه فيما يقدر عليه هذا الرجل الذي سئل أن يستعين به، لقول النبي r: «وتُعينَ الرجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحمِلَهُ عَليها أَو تَرْفَعَ لَهُ عَليها مَتَاعَهُ صَدَقَة»، .
    7-أن الأمة لن تستطيع أن تنفع أحداً إلا إذا كان الله قد كتبه له، ولن يستطيعوا أن يضروا أحداً إلا أن يكون الله تعالى قد كتب ذلك عليه، وهذا ما أحوجنا إليه في هذه الأيام أولئك المرجفون الذين يخوفوننا من أمريكا، ويخوفوننا من إسرائيل نقول: ﴿لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51] ولو اجتمع الجن والإنس على أن يضرونا فلن يملكوا أن يضرونا إلا بشيء قد كتب وقدر، ولذلك نقول لهم موتوا بغيظكم، فنور الله تام، ودينه قائم، وسيكون بفضل الله U.
    8-أنه يجب على المرء أن يكون معلقاً رجاءه بالله U، يجب أن نكثر من الدعاء، يجب أن تنكسر القلوب وتخشع بين يدي الله U، يجب أن نعلم أنه هو الملك الذي يؤتي ملكه من يشاء، يجب أن نعلم أنه بيده الخزائن لم يغض ما في يمينه منذ أن خلق السموات والأرض، الله U هو الملك الذي يسأل سبحانه وتعالى، اللهم زدنا بسطة في علمنا، وأجسامنا، وأنزل البركة علينا وعلى ديارنا وعلى المسلمين يا رب العالمين.
    9-أن كل شيء مكتوب منتهى منه، فقد ثبت عن النبي r «أن الله U كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» وهو حديث صحيح رواه مسلم والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو.
    في الرواية الأخرى أن الإنسان إذا تعرف إلى الله U بطاعته في الصحة والرخاء عرفه الله تعالى في حال الشدة فلطف به وأعانه وأزال شدته.
    والمراد بقوله: يعرفك هنا في الحديث أي يجازيك، ولكن هل يوصف الله U بأنه عارف،؟نقول لا، لأن المعرفة تطلق على العلم وعلى الظن، ولذلك لا يوصف الله بأنه عارف إنما نقول الله عالم،.
    10_أن الإنسان إذا كان قد كتب الله عليه شيئاً فإنه لا يخطئه، وأن الله U إذا لم يكتب عليه شيئاً فإنه لا يصيبه.
    11_البشارة العظيمة للصابرين، وأن النصر مقارن للصبر.
    12_أيضا فيه البشارة العظيمة أيضاً بأن تفريج الكربات وإزالة الشدائد مقرون بالكرب، ولذلك النبي r هنا يقول : وأن الفرج مع الكرب، فانتبه أن هذا مقرون بالكرب ، ولكن من يعلم ذلك، من يتيقن من ذلك، ولذلك في الحديث وإن كان فيه مقال ولكن حسنه لغيره الشيخ الألباني في الصحيحةأن النبي r قال: «ضحك ربنا U من قنوط عباده وقرب غيره» غيره يعني تغير حالهم من حال إلى حال، فقال أبو رزين: أو يضحك الرب U؟ قال: نعم، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرا.
    ولذلك حتى في حديث النبي r حديث المصاب بالمرض قال: «حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة» فهذا مريض ولكن يمشي على الأرض، ولذلك والله حل كل ذلك الرجاء في الله U، الله U عند حسن ظن عبده به، ولذلك يعني علل نفسك إذا أصبت بهم أو كرب أو غم أو ضيق علم نفسك بأنه سيأتي الفرج،
    عسى فرج أن يكون عسى



    نعلل نفسنا بعسى


    إذا حصلت هما يقطع النفس



    فأقرب ما يكون العبد من فرج إذا يأسا


    حينما تيأس من أسبابك وتستيئس أنك أتيك شيء اعلم أن هذا هو النصر، وأن هذا هو الفرج.
    13_البشارة العظيمة أن الإنسان إذا أصابه العسر فلينتظر اليسر، ولذلك اعلم أن الفقر يتبعه الغنى، وأن المرض يتبعه العافية، كما أن أيضا العكس بالعكس، فاعلم أن هذه الدنيا وأنها دول كما قال الأعشى:
    شباب وشيب وافتقار وصحة



    فلله هذا الدهر كيف ترددا


    يقول: كيف يتردد هذا الدهر ما بين كل هذا؟، نقول يا أعشى أن الله U قد كتب ذلك في دهره في الأيام أنها يوم لنا ويوم علينا، ويوم نُساء ويوم نُسر، وهذه هي الدنيا فأقبلها على ما هي عليه وأرضى بها حتى تسعد، ولذلك يقول عمر: لم ندرك حسن عيشنا إلا بالصبر، فإياك أن تظن أنك تسعد بدون صبر، فلابد من الصبر حتى تسعد.
    قال: إذا أصابه العسر فلينتظر اليسر وقد ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: 5- 6] فإذا عسرت بك الأمور فالتجئ إلى الله U منتظراً تيسيره مصدقاً بوعده، ولذلك عندنا دعاء الهم والغم، عندنا دعاء الكرب أنا أنصح نفسي وأنصحكم بملازمته حتى تنشرح القلوب وتسعد الصدور بإذن الله U.
    14_تسلية العبد عند حصول المصيبة، وفوات المحبوب على أحد المعنيين في قوله: «وَاعْلَم أن مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُن لِيُخطِئكَ، وَمَا أخطأَكَ لَمْ يَكُن لِيصيبَك» فالجملة الأولى تسلية في حصول المكروه، والثانية تسلية في فوات المحبوب، ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: 153]. لا تحزن على ما أصابك، لا تحزن، لا يصيبك الحزن الذي يقعدك عن عبادة ربك، وعن الفرح بنعمة الإسلام عليك.
    اسأل الله أن يشرح صدورنا، وأن يفرج همومنا وغمومنا، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، وذهاب أحزاننا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
    انتهى الدرس التاسع عشر أختكم أم محمد الظن
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    http://www.islamup.com/download.php?id=140386
    الدرس التاسع عشر ملف ورد
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,054

    افتراضي رد: صفحة تفريغ الأربعين النووية لمعهد ابن تيمية تحت إشراف الشيخ أبي إسحاق الحويني

    http://www.islamup.com/download.php?id=140388
    الاربعون من الاول للتاسع عشر
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •