والجاحظ المرح اللعوب ، يغوص للدر الفريد
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: والجاحظ المرح اللعوب ، يغوص للدر الفريد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    89

    افتراضي والجاحظ المرح اللعوب ، يغوص للدر الفريد

    وهذا كتاب من أسير كتب النادرة البحر ، أبو عثمان عمرو ابن بحر ، يظن كثير ممن سمع به ولم يقرأه ، أنه إنما يتلو قصة وراء قصة وحادثة وراء حادثة في أخبار البخلاء ، وأنه مجرد أقاصيص فكاهية .
    والحق أن هذا هو ظاهر الكتاب ؛ أما باطنه فهوأصول في علم البخل وفلسفته ، وتصوير لآراء كثير من البخلاء وعقولهم ومعالجة لنفسيات البخلاء وميولهم وأهواءهم ،و" ذكر لنوادر البخلاء ، واحتجاج الأشحاء ولم سموا البخل صلاحاً ، والشح اقتصاداً ، ولم حاموا على المنع ، ونسبوه إلى الحزم ، ولم نصبوا للمواساة ، وقرنوها بالتضييع ، ولم جعلوا الجود سرفاً ، والأثرة جهلاً ، ولم زهدوا في الحمد ، وقل احتفالهم بالذم ، ولم استضعفوا من هش للذكر ، وارتاح للبذل ، ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل إلى ثناء ، ولا ينحرف عن هجاء ؛ ولم احتجوا بظلف العيش على لينه ، وبحلوه على مره ؛ ولم لم يستحيوا من رفض الطيبات في رحالهم ، مع استهتارهم بها في رحال غيرهم ، ولم تتايعوا في البخل ؛ ولم اختاروا ما يوجب ذلك الاسم ، مع أنفتهم من ذلك الاسم ؛ ولم رغبوا في الكسب ، مع زهدهم في الإنفاق ؛ ولم عملوا في الغنى ، عمل الخائف من زوال الغنى ، ولم يفعلوا في الغنى ، عمل الراجي لدوام الغنى ، ولم وفروا نصيب الخوف ، وبخسوا نصيب الرجاء ، مع طول السلامة وشمول العافية ، والمعافى أكثر من المبتلى ، وليست الحوائج أقل من الفوائد. فكيف يدعوا إلى السعادة من خص نفسه بالشقوة ، بل كيف ينتحل نصيحة العامة من بدأ بغش الخاصة ؟ ولم احتجوا مع شدة عقولهم بما أجمعت الأمة على تقبيحه ، ولم فخروا مع اتساع معرفتهم بما أطبقوا على تهجينه ؟ وكيف يفطن عند الاعتلال له ، ويتغلغل عند الاحتجاج عنه إلى الغابات البعيدة ، والمعاني اللطيفة ، ولا يفطن لظاهر قبحه ، وشناعة اسمه ، وخمول ذكره ، وسوء أثره على أهله ؟ وكيف وهو الذي يجمع له بين الكد وقلة المرفق ، وبين السهر وخشونة المضجع ، وبين طول الاغتراب وطول قلة الانتفاع ، ومع علمه لأن وارثه أعدى له من عدوه ، وأنه أحق بما له من وليه ؟ أو ليس لو أظهر الجهل والغباوة ، وانتحل الغفلة والحماقة ، ثم احتج بتلك المعاني الشداد ، وبالألفاظ الحسان ، وجودة الاختصار ، وبتقريب المعنى ، وبسهولة المخرج ، وإصابة الموضع ، لكان ما ظهر من معانيه وبيانه ، مكذباً لما ظهر من جهله ونقصانه ؟ ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض ، ويعيا عن القريب الجليل" ...
    وهكذا في تشقيقات مذهلة وتفريعات غريبة ، كساها من رشيق لفظه وناصع أسلوبه وحلو تنسيقه ما يجعلك في متاع من أول الكتب إلى آخره .
    والعجيب أنه أملى كتابه وهو مفلوج ، ذو شق مائل ولعاب سائل ، ومع هذا الحالة من الألم الممض والذهن المكدود تأتي صوره حية نابضة ناطقة لأنه لم يبعثهم من بطون التاريخ بل جاء بهم من بيئته واستمدهم من خلطائه الذي عاشرهم ، حتى إنه اعتذر لهم في أول الكتاب اعتذاراً ظريفاً بقول " وهذا كتاب لا أغرك منه ، ولا أستر عنك عيبه ، لأنه لا يجوز أن يكمل لما تريده ، ولا يجوز أن يوفى حقه كما ينبغي له " !
    يا ترى ما سبب هذا الاعتذار ؟ اسمع الجواب :
    " لأن هاهنا أحاديث ليس يتوفر أبداً حسنها إلا بأن تعرف أهلها ، وحتى تتصل بمستحقها ، وبمعادنها واللائقين بها. وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها سقوط نصف الملحة ، وذهاب شطر النادرة "
    ثم تكلم بكلام بعيد الغور عن ظاهرة كيف أن الكلام يَنْفَق عند الناس بسبب صاحبه ، وإذا أعدت الكلام ورددت النظر فيه لم تجد فيه تلك الرنة وذاك الطعم " ولو أن رجلاً ألزق نادرة بأبي الحارث جمين ، والهيثم بن مطهر ، وبمزيد ، وابن الأحمر ،( أناس شهروا بالظرف في عصر الجاحظ ) ثم كانت باردة ، لجرت على أحسن ما يكون .
    ولو ولد نادرة حارة في نفسها ، مليحة في معناها ، ثم أضافها إلى صالح بن حنين ، وإلى ابن النواء ، وإلى بعض البغضاء ، لعادت باردة، ولصارت فاترة، فإن الفاتر شر من البارد.
    وكما أنك لو ولدت كلاماً في الزهد ، وموعظة للناس ، ثم قلت : هذا من كلام بكر بن عبد الله المزني ، وعامر بن عبد قيس العنبري ، ومورق العجلي ، ويزيد الرقاشي ، لتضاعف حسنه ، ولأحدث له ذلك النسب نضارة ورفعة لم تكن له. ولو قلت : قالها أبو كعب الصوفي ، أو عبد المؤمن ، أو أبي نواس الشاعر ، أو حسين الخليع ، لما كان لها إلا مالها في نفسها. وبالحرى أن تغلط في مقدارها، فتبخس من حقها "
    ثم أخي
    اقرأ هذا النص العالي ، الذي يحلو في النفس ويعذب في السمع ، وقل لي بربك لو أردت أن تقف على مثل هذا الكلام بمثل هذا النظم المحبوك والوشي المسبوك ، أكنت ستبحث عنه في كتاب البخلاء !؟
    " وأنا أزعم أن البكاء صالحٌ للطبائع ، ومحمودُ المغَبَّة ، إذا وافقَ الموضع ، ولم يجاوز المقدار، ولم يَعْدِل عن الجهة ، ودليلٌ على الرقة والبعد من القسوة ، وربما عُدَّ من الوفاء ، وشِدَّة الوَجْدِ على الأولياء ، وهو من أعظم ما تَقَرَّب به العابدون ، واستَرْحَمَ به الخائفون.
    وقال بعضُ الحكماء لرجل اشتد جزَعُه من بكاء صبي له: لا تجزع، فإنه أفتح لجُرْمِه ، وأَصَحُ لبصره.
    وضرب عامر بن قيس بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة لا تندى! وقيل لصفوان بن محرز عند طول بكائه وتذكر أحزانه : إن طول البكاء يورث العمى ؛ فقال: ذلك لها شهادة ، فبكى حتى عمى.
    وقد مدح بالبكاء ناس كثير: منهم يحيى البَكَّاء، وهيثم البكاء. وكان صفوان بن محرز يسمى البكاء.
    وإذا كان البكاء الذي ما دام صاحبه فيه ؛ فإنه في بلاء - وربما أعمى البصر، وأفسد الدماغ ، ودل على السُخْف ، وقضى على صاحبه بالهَلَع ، وشُبِّه بالأَمَة اللَّكْعَاء، وبالحدث الضرع – كذلك ، فما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور ، إلى أن ينقطع عنه سببه ؟ ولو كان الضحك قبيحاً من الضاحك ، وقبيحاً من المضحك ، لما قيل للزَهْرَة والحَبْرَة والحُلُي والقصر المَبْنِي : كأنه يضحك ضحكاً.
    وقد قال الله جل ذكره: " وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا " . فوضع الضحك بحذاء الحياة ، ووضع البكاء بحذاء الموت. وإنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح، ولا يمن على خلقه بالنقص. وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيماً ، ومن مصلحة الطباع كبيراً ، وهو شيء في أصل الطباع ، وفي أساس التركيب.
    لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي ، وقد تطيب نفسه به ، وعليه ينبت شحمه ، ويكثر دمه الذي هو علة سروره ، ومادة قوته.
    ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمى أولادها بالضَحَّاك وببَِسَّام وبطَلْق وبطَلِيق. وقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم ومزح. وضحك الصالحون ومزحوا. وإذا مدحوا قالوا: هو ضحوك السن ، وبسام العشيات ، وهش إلى الضيف ، وذو أريحية واهتزاز. وإذا ذموا قالوا: هو عبوس ، وهو كالح ، وهو قطوب ، وهو شتيم المحيا ، وهو مكفهر أبداً ، وهو كريه ، ومقبض الوجه ، وحامض الوجه ؛ وكأنما وجهه بالخل منضوح !
    وللمزح موضع ، وله مقدار، متى جازها أحد ، وقصر عنهما أحد ، صار الفاضل خطلاً ، والتقصير نقصاً. فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر. ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جداً، والضحك وقاراً "
    أظنك نسيت سؤالي ، واستدرجك أبو عثمان نحو بيانه وبرهانه !
    ولكن لا عجب فالجاحظ هو الذي يكتب والجاحظ هو الذي يصور ...
    وأخيرا فالكتاب ليس بالهين اللين فلك فيه ثلاثة أشياء ، كما ضمنها لك أبو عثمان وهي : " تبين حجة طريفة ، أو تعرف حيلة لطيفة ، أو استفادة نادرة عجيبة. وأنت في ضحك منه إذا شئت ، وفي لهو إذا مللت الجد" .
    وأظن أني لست بحاجة إلى إذكارك بأن العقيدة ليست مما ضمنها لك ، وإذا ضمنها فليست ممن تأخذ منه ، وإذ تصدى وأخذ ينثرها في كتابه ففر منها فرارك من الأسد ..
    تولاك الله بحفظه ، وأعانك على شكره ، ووفقك لطاعته ، وجعلك من الفائزين برحمته
    وأَحمَدُ سمَّاني كَبِيرِي وقَلَّمَا ** فَعَلْتُ سِوَى ما أَسْتَحِقُ بِهِ الذَمَّا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: والجاحظ المرح اللعوب ، يغوص للدر الفريد

    هكذا كل كتب الجاحظ كل منها يدور حول قضية مركزية وإن ظن الظان غير ذلك
    بارك الله فيك أخي الكريم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •