سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 3 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 123

الموضوع: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    153

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بارك الله فيك

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    461

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ما شاء الله أخي و اصل بارك الله فيك

    جزيت الجنة
    قياس الحياة ليس في طول بقائها و لكن في قوة عطائه

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

    أحسن الله إليكم و أجزل لكم الثواب

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة الفجر

    مكية و آياتها ثلاثون آية

    ( و الفجر ) أقسم الله تعالى الفجر , الذي هو آخر الليل و مقدمة النهار , لما في إدبار الليل و إقبال النهار , من الآيات الدالة عل كمال قدرة الله تعالى . و أنه وحده المدبر لجميع الأمور , الذي لا نبغي العبادة إلا له , و يقع في الفجر صلاة فاضلة معظمة , يحسن أن يقسم الله بها . و جائز أن يكون قد أراد تعالى فجر يوم معين , فعن مسروق و مجاهد و محمد بن كعب أن المراد به هو فجر يوم النحر خاصة , و هو خاتمة الليالي العشر .

    ( و ليال عشر ) هي العشر الأول من شهر ذي الحجة , و فيها الأضحى , و الوقوف بعرفة , الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان , فما رُئِي الشيطان أحقر و لا أدحر منه في يوم عرفة , لما يرى من تَنَزُّل الأملاك و الرحمة من الله لعباده , و يقع فيها كثير من أفعال الحج و العمرة , و هذه أشياء معظمة , مستحقة لأن يقسم الله بها . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام "- يعني عشر ذي الحجة - قالوا : و لا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : " و لا الجهاد في سبيل الله , إلا رجلا خرج بنفسه و ماله , ثم لم يرجع من ذلك بشيء " . رواه البخاري .

    ( و الشفع و الوتر ) قال ابن جرير : و الصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذِكره أقسم بالشفع و الوتر , و لم يخصص نوعا من الشفع و لا من الوتر , دون نوع , بخبر و لا عقل , و كل شفع و وتر , فهو مما أقسم به . مما قاله أهل التأويل أنه داخل في قسمه هذا , لعموم قسمه بذلك .

    ( و الليل إذا يسر ) مقبلا أو مدبرا فهو بمعنى و الليل إذا سار و السير يكون صاحبه ذاهبا أو آيبا .

    ( هل في ذلك قسم لذي حجر ) أي : لذي عقل و لب و حجا و دين , و إنما سمي العقل حجرا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال و الأقوال . قال ابن جرير : أي : هل فيما أقسمت به من هذه الأمور مقنع لذي حجر . و إنما عُني بذلك : أن في هذا القسم مكتفى لمن عقل عن ربه , مما هو أغلظ منه في الأقسام .

    ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد ) ألم تعلم علما يقينيّا كيف عذب ربك عادا , فيعذب هؤلاء أيضا , لاشتراكهم فيما يوجبه من جحود الحق و المعاصي . و عاد قبيلة من العرب البائدة , و تلقب بإرم أيضا , كانوا متمردين عتاة جبارين , خارجين عن طاعته مكذبين لرسله , جاحدين لكتبه , فذكر تعالى كيف أهلكهم و دمرهم , و جعلهم أحاديث و عبر , و هؤلاء عاد الأولى هم أولاد عاد بن إرم بن عَوص بن سام بن نوح , قاله ابن إسحاق و هم الذين بعث الله فيهم رسوله هودا عليه السلام , فكذبوه و خالفوه , فأنجاه الله من بين أظهرهم و من آمن معه منهم , و أهلكهم بريح صرصر عاتية " سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية , فهل ترى لهم من باقية " . و قد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع , ليعتبر بمصرعهم المؤمنون .

    ( ذات العماد ) كانوا يسكنون بيوت الشَّعر التي ترفع بالأعمدة الشداد لأنهم ينتجعون الغيوث و ينتقلون إلى الكلأ حيث كان , ثم يرجعون إلى منازلهم في الأحقاف في حضر موت .

    ( التي لم يُخلق مثلها في البلاد ) أي في العِظم و البطش و الأيدي , فقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة و أقواهم بطشا , و لهذا ذكَّرهم هود عليه السلام بتلك النعمة و أرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال : " و اذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح و زادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تُفلحون " . و قال تعالى " فأمّا عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق و قالوا من أشدُّ منّا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة " .

    ( و ثمود ) هم قوم صالح عليه السلام .

    ( الذين جابوا الصخر بالواد ) أي قطعوا صخر الجبال , واتخذوا فيها بيوتا لهم و مساكن تقيهم برد الشتاء القارص و حر الصيف اللافح , قال تعالى " و كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين " , و المراد بالواد واديهم الذي كان بين جبلين من جبالهم التي ينحتون منها البيوت و هو وادي القرى .

    ( و فرعون ذي الأوتاد ) أي الجنود الذين يشدون له أمره , أو هي أوتاد يشد بها من يعذّبه إذ كان له أربعة أوتاد إذا أراد قتل من كفر به و خرج عن طاعته قيد كل يد بوتد و كل رجل بوتد و يقتله , أو هي القوى و العَدد و العُدد التي تم له بها ملكه , و رسخ بطشه و سلطانه .

    ( الذين طغوا في البلاد ) هذا الوصف عائد إلى عاد و ثمود و فرعون و من تبعهم , فإنهم طغوا في بلاد الله , و آذوا عباد الله , في دينهم و دنياهم , و لهذا قال " فأكثروا فيها الفساد "

    ( فأكثروا فيها الفساد ) و العمل بالكفر و شُعبه , من جميع أجناس المعاصي , و سعوا في محاربة الرسل و صد الناس عن سبيل الله , فلما بلغوا من العتو ما هو موجب لهلاكهم أرسل الله عليهم من عذابه ذنوبا و سوط عذاب .

    ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) أي : أنزل عليهم رجزا من السماء , و أحل بهم عقوبة لا يَرُدُّها عن القوم المجرمين , بما طغوا في البلاد و أفسدوا فيها , و قد بيّن تعالى إهلاكهم مفصلا في غير ما سورة و آية , فأهلك عاد بالريح الصرصر , و ثمود بالصيحة العاتية , و فرعون بالغرق في البحر .

    ( إن ربك لبالمرصاد ) أي لهؤلاء الذين قصّ نبأ هلاكهم , و لكل جبار عات و طاغية ظالم , فالله تعالى يرصد خلقه فيما يعملون و يجازي كلا بسعيه في الدنيا و الآخرى , و سيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله , و يقابل كلا بما يستحقه , و هو المنزه عن الظلم و الجور .

    ( فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعّمه فيقول ربي أكرمني ) فأما الإنسان إذا ما ابتلاه الله تعالى فأكرمه بالمال و الولد و الجاه و نعمه بالأرزاق و الخيرات ليختبره في ذلك , فيعتقد أن ذلك من الله إكراما له , فيقول مفاخرا , ربي فضلني على غيري لمالي من فضائل و مزايا لم تكن لهؤلاء الفقراء , و الأمر ليس كذلك , بل هو ابتلاء و امتحان كما قال تعالى " أيحسبون أنّما نمدُّهم به من مال و بنين , نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " .

    ( و أمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) و أما إذا اختبره و ضيّق عليه رزقه لينظر تعالى هل يصبر العبد المختبر أو يجزع , فيقول ربي أهانن أي أذلني فأفقرني .

    ( كلاّ ) أي ليس كل من نعّمته في الدنيا فهو كريم عليّ , و لا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لديّ , فإن الله يعطي المال من يحب و من لا يحب , و يضيق على من يحب و من لا يحب , و إنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين , إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك , و إذا كان فقيرا بأن يصبر , فيثيبه الله على ذلك الثواب الجزيل , و إن كان ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل .

    ( بل لا تكرمون اليتيم ) الذي فقد أباه و كاسبه , و احتاج إلى جبر خاطره و الإحسان إليه . فأنتم لا تكرمونه بل تهينونه , و هذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم و عدم الرغبة في الخير .

    ( و لا تحضون على طعام المسكين ) لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء و المساكين , و يحث بعضهم على بعض في ذلك .
    و ذلك لأجل الشح على الدنيا و محبتها الشديدة المتمكنة من القلوب و لهذا قال تعالى " و تأكلون التراث أكلا لمّا و تحبون المال حبّا جمّا " .
    قال الإمام : و إنما ذكر التحاض على الطعام , و لم يكتف بالإطعام فيقول " و لم تطعموا المسكين " ليصرح لك بالبيان الجليّ أن أفراد الأمة متكافلون و إنه يجب أن يكون لبعضهم على بعض عطف بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر , مع إلتزام كلّ لما يأمر به , و ابتعاده عما ينهى عنه .

    ( و تأكلون التراث ) أي الميراث .

    ( أكلاً لمّا ) أي : من أي جهة حصل لهم , من حلال أو حرام . قال بكر بن عبد الله : اللمّ : الإعتداء في الميراث , يأكل ميراثه و ميراث غيره .

    ( و تحبون المال حبّا جمّا ) أي جمعه و كنزه , حبّا كثيرا شديدا , و هذا كقوله تعالى " بل تؤثرون الحياة الدنيا و الآخرة خير و أبقى " , " كلا بل تحبون العاجلة و تذرون الآخرة " .

    ( كلاّ ) ردع لهم عن ذلك , و إنكار لفعلهم . و ما بعده وعيد عليه بالإخبار عن ندمهم و تحسرهم حين لا ينفعهم الندم .

    ( إذا دكت الأرض دكّا دكّا ) أي حركت حركة شديدة و زلزلت زلزالا قويا , و سويت الأرض و الجبال , فلم يبقى عليها شاخص البتّة .

    ( و جاء ربك ) لفصل القضاء بين خلقه , و ذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلى الله عليه و سلم , بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد , فكلهم يقول : لست بصاحب ذاكم , حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه و سلم فيقول : " أنا لها , أنا لها " فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك , و هي أول الشفاعات , و هي المقام المحمود , فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء .

    ( و الملك صفا صفا ) و تجيء الملائكة الكرام , أهل السماوات كلهم , صفا بعد صف , كل سماء يجيء ملائكتها صفا , يحيطون بمن دونهم من الخلق , و هذه الصفوف صفوف خضوع و ذل للملك الجبار .

    ( و جيء يومئذ بجهنم ) تقودها الملائكة بالسلاسل , قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يُؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام , مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " . رواه مسلم .

    ( يومئذ يتذكر الإنسان ) ما قدمه من خير و شر .

    ( و أنّى له الذكرى ) أي : و كيف تنفعه الذكرى ؟ فقد فات أوانها , و ذهب زمانها .

    ثم يقول متحسرا على ما فرط في جنب الله ( ياليتني قدمت لحياتي ) يعني : يندم على ما كان سلف منه من المعاصي – إن كان عاصيا – و يود لو كان ازداد من الطاعات – إن كان طائعا – كما روى الإمام أحمد بن حنبل عن محمد بن أبي عَميرة – و كان من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم – قال : " لو أن عبدًا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرمًا في طاعة الله , لََحَقِرَهُ يوم القيامة , و لودَّ أنه يُردَّ إلى الدنيا كيْما يزداد من الأجر و الثواب " . إسناده صحيح .
    و في الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها و كمالها , و في تتميم لذَّتها , هي الحياة في دار القرار , فإنها دار الخلد و البقاء .

    ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ) أي : ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه .

    ( و لا يوثق وثاقه أحد ) أي : و ليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم , عز و جل , فإنهم يقرنون بسلاسل من نار , و يسحبون على وجوههم في الحميم , ثم في النار يسجرون , فهذا جزاء المجرمين من الخلائق الظالمين .

    و أما من اطمأن إلى الله و آمن به و صدق رسله , فيقال له :
    ( يا أيتها النفس المطمئنة ) إلى صادق وعد الله ووعيده في كتابه و على لسان رسوله فآمنت و اتقت و تخلت عن الشرك و الشر فكانت مطمئنة بالإيمان و ذكر الله قريرة العين بحب الله و رسوله و ما وعدها الرحمن .

    ( إرجعي إلى ربك ) إلى جواره و ثوابه و ما أعد لعباده في جنته .

    ( راضية مرضية ) راضية عن الله , و عن ما أكرمها به من الثواب , و الله قد رضي عنها .

    ( فادخلي في عبادي ) أي في جملة عبادي الصالحين الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون .

    ( و ادخلي جنتي ) و هذا يقال لها عند الإحتضار , و في يوم القيامة , كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره و عند قيامه من قبره , و كذلك ها هنا .

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة الغاشية

    مكية و آياتها ست و عشرون آية

    ( هل أتاك حديث الغاشية ) هذا خطاب من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم يقول فيه هل أتاك نبأ الغاشية – و هي من أسماء يوم القيامة – و خبرها العظيم وحديثها المهيل المخيف , إن لم يكن أتاك , فقد أتاك الأن , إنه حديث القيامة التي تغشى الناس بأهوالها و صعوبة مواقفها و اشتداد أحوالها , و إليك عرضا سريعا لبعض ما يجري فيها :

    ( وجوه يومئذ خاشعة ) من الذل و الفضيحة و الخزي , و هي وجوه أهل الكفر بالحق و الجحود له .
    و ذكر الوجوه هنا كناية عن أصحابها إذ يطلق الوجه و يراد به الذات .

    ( عاملة ناصبة ) تاعبة في العذاب من جر السلاسل و الأغلال , و تكليف أشق الأعمال .

    ( تصلى نارا حامية ) أي تدخل نارا متناهية في الحرارة , تحيط بهم من كل مكان .

    ( تسقى من عين آنية ) أي بلغت غايتها في شدة الحر , قال تعالى " و إن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه " فهذا شرابهم .

    ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) و هو من جنس الشوك , قبيح اللون خبيث الطعم منتن الريح , ترعاه الإبل مادام رطبا , فإذا يبس تحامته , و هو سم قاتل . قال ابن جرير : الضريع عند العرب نبت يقال له الشِبْرِق , و تسميه أهل الحجاز الضريع , إذا يبس .
    و لا منافاة بين هذه الآية و آية " و لا طعام إلاّ من غسلين " لأن العذاب ألوان , و المعذبون طبقات , فمنهم أكلة الزقوم , و منهم أكلة الغسلين , و منهم أكلة الضريع .

    ( لا يسمن و لا يغني من جوع ) لا يحصل به مقصود , و لا يندفع به محذور , فلا يخصب بدن , و لا يسكن داعية النفس و لا نهمها من أجله .

    هذه حال من كفر و فجر , كفر بالله و بآياته و لقائه و رسوله , أو فجر عن طاعة الله و رسوله فترك الفرائض و غشي المحارم .

    ( وجوه يومئذ ناعمة ) أي : قد جرت عليهم نضرة النعيم , فنضرت أبدانهم , و استنارت وجوههم , و سروا غاية السرور .

    ( لسعيها راضية ) أي : راضية بما قدمته في الدنيا من الأعمال الصالحة , و الإحسان إلى عباد الله , إذ وجدت ثوابه مدخرا مضاعفا , فحمدت عقباه , و حصل لها كل ما تتمناه .

    ( في جنة عالية ) عالية في محالها و منازلها , فمحلها في أعلى عليين , و منازلها مساكن عالية , لها غرف و من فوق الغرف غرف مبنية يشرفون منها على ما أعد الله لهم من الكرامة .

    ( لا تسمع فيها لاغية ) أي : لا تسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو و باطل , فضلا عن الكلام المحرم , بل كلامهم كلام حسن نافع مشتمل على ذكر الله تعالى , و ذكر نعمه المتواترة عليهم , و على الآداب المستحسنة بين المتعاشرين الذي يسر القلوب , و يشرح الصدور .

    ( فيها عين جارية ) أي : لا انقطاع لها .
    و ليس المراد بها عينا واحدة , و إنما هذا إسم جنس , يعني : فيها عيون جاريات يفجرونها و يصرفونها كيف شاؤوا , و أنَّى أرادوا .

    ( فيها سرر مرفوعة ) و السرر جمع سرير . و هي المجالس المرتفعة في ذاتها , و بما عليها من الفرش اللينة الوطيئة , إذا جلسوا عليها رأوا جميع ما خولوه من النعيم و الملك .

    ( و أكواب موضوعة ) أي : أوانٍ ممتلئة من أنواع الأشربة اللذيذة , قد وضعت بين أيديهم , و أعدت لهم , و صارت تحت طلبهم و اختيارهم , يطوف بها عليهم الولدان المخلدون . و الكوب هو إناء لا أُذن له .

    ( و نمارق مصفوفة ) وسائد من الحرير و الإستبرق و غيرهما مما لا يعلمه إلا الله , قد صُفت للجلوس و الإتكاء عليها , و قد أريحوا عن أن يضعوها , و يَصُفُّوها بأنفسهم .

    ( و زرابي مبثوثة ) أي : البسط الحسان , مملوءة بها مجالسهم , مفروشة هنا و هناك لمن أراد الجلوس عليها .

    يقول الله تعالى حثًّا للذين لا يصدقون الرسول صلى الله عليه و سلم , و لغيرهم من الناس , أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده :

    ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) فإنها خَلق عجيب , و تركيبها غريب , فإنها في غاية القوة و الشدة , و هي مع ذلك تلين للحمل الثقيل , و تنقاد للقائد الضعيف , و تصبر على الجوع و العطش , و تكتفي بما يتيسر لها من شوك و شجر و غير ذلك , مما لا يكاد يرعاه سائر البهائم , و تؤِكل , و ينتفع بوبرها , و يشرب لبنها . و قد نبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل .

    ( و إلى السماء كيف رفعت ) أي : كيف رفعها الله عز و جل , عن الأرض هذا الرفع العظيم , بغير عمد يدعمها و لا سند يسندها . و كيف رفعت كواكبها رفعا سحيق المدى , و أمسك كل منها في مداره إمساكا لا يختل سيره و لا يفسد نظامه .

    ( و إلى الجبال كيف نصبت ) أي : جعلت منصوبة قائمة ثابتة راسية , بهيئة باهرة , حصل بها استقرار الأرض و ثباتها عن الإضطراب بأهلها , و جعل فيها ما جعل من المنافع و المعادن .

    ( و إلى الأرض كيف سطحت ) أي بسطت و مهدت , حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق , فمدت مدًا واسعًا , و سهلت غاية التسهيل . ليستقروا على ظهرها , و يتمكنوا من حرثها و غرسها , و البنيان فيها , و سلوك الطرق الموصلة إلى أنواع المقاصد فيها .
    و اعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة , قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها , كما دل على ذلك النقل و العقل و الحس و المشاهد , كما هو مذكور معروف عند أكثر الناس , خصوصا في هذه الأزمنة , التي وقف الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد , فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا , الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر . و أما جسم الأرض الذي هو في غاية الكبر و السعة , فيكون كرويا مسطحا , و لا يتنافى الأمران , كما يعرف ذلك أرباب الخبرة .

    ففي هذه الآيات -" أفلا ينظرون .... سطحت "- نبّه الله تعالى البدوي على الإستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه , و السماء التي فوق رأسه , و الجبل الذي تجاهه , و الأرض التي تحته , على قدرة خالق ذلك و صانعه , و أنه الرب العظيم الخالق المتصرف المالك , و أنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه . قال الزمخشري : و المعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق , حتى لا ينكروا اقتداره على البعث , فيسمعوا إنذار الرسول صلى الله عليه و سلم و يؤمنوا و يستعدوا للقائه .

    ( فذكّر إنما أنت مذكّر , لست عليهم بمسيطر ) أي فذكّر – يا محمد – الناس بما أرسلت به إليهم , فإنما عليك البلاغ و علينا الحساب , و لهذا قال " لست عليهم بمسيطر " أي لم تبعث مسيطرا عليهم , مسلطا موكّلا بأعمالهم , فإذا قمت بما عليك , فلا عليك بعد ذلك لوم , قال تعالى " و ما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد " .
    قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله , فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها , و حسباهم على الله عز و جل " , ثم قرأ " فذكّر إنما أنت مذكّر , لست عليهم بمسيطر " رواه مسلم .

    ( إلا من تولى و كفر ) أي : تولى عن العمل بأركانه , و كفر بالحق بجنانه و لسانه , و هذه كقوله تعالى " فلا صدق و لا صلى , و لكن كذّب و تولّى "

    ( فيعذّبه الله العذاب الأكبر ) أي : الشديد الدائم , و هو عذاب الآخرة

    ( إنّ إلينا إيابهم ) أي رجوعهم إلينا لا إلى غيرنا , بالموت و البعث .

    ( ثم إنّ علينا حسابهم ) أي : نحن نحاسبهم على أعمالهم و نجازيهم بها , إن خيرا فخير , و إن شرا فشر . لذا فلا يضرك يا رسولنا إعراضهم و لا توليهم , و حسبك تذكيرهم فمن اهتدى نجا و نجاته لنفسه , و من ضلّ فإنما يضل عليها إذ عاقبة ضلاله و هي الخسران التام عائدة عليه .

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة الأعلى

    مكية و آياتها تسع عشرة آية

    ( سبح اسم ربك الأعلى ) أي نزه ربك عما يصفه به المشركون من الولد و الشريك و نحوهما , كقوله " سبحان ربك ربّ العزّة عمّا يصفون " . و الأعلى صفة للرب تبارك و تعالى دالة على علوه على خلقه فالخلق كله تحته و هو قاهر له و حاكم فيه .

    ( الذي خلق فسوّى ) أي أوجد من العدم المخلوقات و سوّى خلقها كل مخلوق في أحسن الهيئات , فعدل أجزاءه و سوّى بينها فلا تفاوت فيها , و يدل هذا على أنه صادر عن عالم , و إنه صنعة حكيم كما قال الزمخشري .

    ( و الذي قدر فهدى ) أي قدّر الأشياء في كتاب المقادير من خير و غيره و هدى كل مخلوق إلى ما قدره له أو عليه فهو طالب له حتى يدركه في زمانه و مكانه و على الصورة التي قدر عليها . قال صلى الله عليه و سلم : " إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات و الأرض بخمسين ألف سنة , و كان عرشه على الماء " رواه مسلم .

    ( و الذي أخرج المرعى ) أي : أنزل من السماء ماء فأنبت به أنواع النبات و العشب الكثير , فرتع فيها الناس و البهائم و كل حيوان .

    ( فجعله غثاء أحوى ) أي جعله بعد خضرته و نضرته جافا يابسا تطير به الريح , و " أحوى " أي أسود , لأن النبات إذا يبس تغيّر إلى " الحوّة " و هي السواد .

    هذه خمس آيات , الآية الأولى تضمنت الأمر بتنزيه إسم الله , و الأربع بعدها في التعريف به سبحانه و تعالى حتى يعظم إسمه و تعظيم ذاته و تنزه عن الشريك و الصحابة و الولد .

    ( سنقرئك فلا تنسى ) قال الزمخشري : بشره الله بإعطاء آية بينة , و هي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي , و هو أميّ لا يكتب و لا يقرأ , فيحفظه و لا ينساه .
    و هذه بشارة كبيرة لعبده و رسوله محمد صلى الله عليه و سلم , أن الله سيعلمه علما لا ينساه . قال الرازي : هذه آية تدل على المعجزة من وجهين : - إحداهما : إنه كان رجلا أميّا فحفظه لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة و لا تكرار و لا كتبة , خارق للعادة , فيكون معجزا . – ثانيهما : إن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة , فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة سيقع في المستقبل , و قد وقع , فكان هذا إخبارا عن الغيب , فيكون معجزا .

    ( إلا ما شاء الله ) مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة , مثل قوله تعالى " ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها ألم تعلم بأن الله على كل شيء قدير "

    ( إنه يعلم الجهر و ما يخفى ) أي : يعلم ما يجهر به العباد و ما يخفونه من أقوالهم و أفعالهم , لا يخفى عليه من ذلك شيء .

    ( و نيسرك لليسرى ) أي نسهل عليك أفعال الخير و أقواله , و نشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا , لا اعوجاج فيه و لا حرج و لا عسر .

    ( فذكّر إن نفعت الذكرى ) أي ذكّر بشرع الله و آياته مادامت الذكرى مقبولة , و الموعظة مسموعة , سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه .
    و مفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى , بأن كان التذكير يزيد في الشر , أو ينقص من الخير , لم تكن الذكرى مأمورا بها , بل منهيا عنها , فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين : منتفعون و غير منتفعين .

    فأما المنتفعون , فقد ذكرهم الله بقوله ( سيذّكر من يخشى ) أي سيذكّر و يتعظ من يخشى عقاب الله لإيمانه به و معرفته له .

    و أما غير المنتفعين فذكرهم بقوله ( و يتجنّبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ) أي يدخل النار الكبرى نار يوم القيامة .

    ( ثم لا يموت فيها و لا يحيى ) أي لا يموت فيستريح و لا يحيا حياة تنفعه , بل هي مضرة عليه , لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب , و أنواع النكال . قال الله تعالى " لا يُقضى عليهم فيموتوا و لا يُخفف عنهم من عذابها " , و قال صلى الله عليه و سلم " أما أهل النار الذي هم أهلها , فإنهم لا يموتون فيها و لا يحيون ... " رواه مسلم .

    ( قد أفلح من تزكى ) أي فاز و ظفر من تطهر من دنس الشرك و المعاصي , و عمل بما أمره الله به .

    ( و ذكر اسم ربه فصلى ) أي : إتصف بذكر الله , و انصبغ به قلبه , فأوجب له ذلك العمل بما يرضي الله , خصوصا الصلاة , التي هي ميزان الإيمان .

    ( بل تؤثرون الحياة الدنيا ) أي تقدمونها على الآخرة , و تختارون نعيمها المنغص المكدر الزائل على الآخرة .

    ( و الآخرة خير و أبقى ) أي : ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا و أبقى , فإن الدنيا دنيّة فانية , و الآخرة شريفة باقية , فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى , و يهتم بما يزول عنه قريبا , و يترك الإهتمام بدار البقاء و الخلد ؟!

    ( إن هذا لفي الصحف الأولى , صحف إبراهيم و موسى ) أي إن قوله تعالى " قد أفلح من تزكى " إلى قوله " خير و أبقى " مذكور في كل من صحف إبراهيم و كانت له عشر صحف و لموسى التوراة .

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة الطارق

    مكية و آياتها سبع عشرة آية

    ( والسماء و الطارق ) هذا قسم إلهي – قال العلماء : افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم و تشويق إليه – حيث أقسم تعالى بالسماء و ما جعل فيها من الكواكب النيرة .

    ( و ما أدراك ما الطارق ) تفخيم من شأنه بالإستفهام عنه الدال على تهويله و تعظيمه . ثم فسره بقوله " و النجم الثاقب " .

    ( النجم الثاقب ) قال قتادة و غيره : إنما سمي النجم طارقا , لأنه إنما يرى بالليل و يختفي بالنهار , و يؤيده ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري " نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا " , أي : يأتيهم فجأة بالليل . و " الثاقب " : أي المضيء . كأنه يثقب ظلمة الليل و ينفذ فيه , فيبصر بنوره و يهتدي به . و قال السدي : يثقب الشياطين إذا أرسل عليها . و قال عكرمة : هو مضيء و محرق للشياطين .

    و المقسم عليه هو قوله تعالى ( إن كل نفس لّمّا عليها حافظ ) أي أن كل نفس عليها حافظ – أي مهيمن عليها رقيب , و هو الله تعالى كما في آية " و كان الله على كل شيء رّقيبا " – يحفظ أعمالها فيحصى عليها ما تكسب من خير أو شر لتحاسب عليها و تجزي بها و هذا إثبات للبعث الآخر بطريقة الكناية .

    ( فلينظر الإنسان مّما خلق ) فليتدبر خلقته و مبدأه و من أي شيء خلقه . و هذا تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خُلق منه , و إرشاد له إلى الإعتراف بالمعاد , لأن من قدر على البَدَاءة فهو قادر على الإعادة بطريق أولى , كما قال " و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه " .

    ( خُلق من ماء دافق ) يعني : المني , يخرج دفقا من الرجل و من المرأة فيتولد منهما الولد بإذن الله عز و جل .

    ( يخرج من بين الصلب و التّرائب ) قال الإمام : الصلب هو كل عظم من الظهر فيه فقار . و يعبر عنه في كلام العامة بسلسلة الظهر . و قد يطلق بمعنى الظهر نفسه إطلاقا لإسم الجزء على الكل , و الترائب موضع القلادة من الصدر .
    قال بعض علماء الطب : الترائب جمع تريبة و هي عظام الصدر في الذكر و الأنثى . و يغلب إستعمالها في موضع القلادة من الأنثى .
    قال الإمام : و معنى الآية أن المنيّ باعتبار أصله و هو الدم , يخرج من شيء ممتد بين الصلب – أي فقرات الظهر في الرجل – و الترائب أي عظام صدره . و ذلك الشيء الممتد بينهما هو الأبهر " الأورطي " و هو أكبر شريان في الجسم يخرج من القلب خلف الترائب و يمتد إلى آخر الصلب تقريبا . و منه تخرج عدة شرايين عظيمة , و منها شريانان طويلان يخرجان منه بعد شرياني الكليتين , و ينزلان إلى أسفل البطن حتى يصلا إلى الخصيتين , فيغذيانهما . و من دمهما يتكون المنيّ في الخصيتين و يسميان شرياني الخصيتين , أو الشريانين المنويين فلذا قال تعالى عن المنيّ " يخرج من بين الصلب و الترائب " لأنه يخرج من مكان بينهما و هو الأورطي أو الأبهر . و هذه الآية على هذا التفسير , تعتبر من معجزات القرآن العلمية .

    ( إنه على رجعه لقادر ) فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق , يخرج من هذا الموضع الصعب , قادر على رجعه في الآخرة , و إعادته للبعث و النشور و الجزاء .

    ( يوم تبلى السرائر ) أي تظهر و تعرف خفيات الضمائر , و يبقى السر علانية و المكنون مشهورا , فيظهر برّ الأبرار , و فجور الفجار . و قد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " يرفع لكل غادر لواء في إسته , يقال : هذه غَدْرة فلان بن فلان " .

    ( فما له من قوة و لا ناصر ) أي ليس لهذا الكافر و المكذب بالبعث و الحياة الثانية ما له قوة يدفع بها عن نفسه عذاب ربّه و لا ناصر ينصره فيخلصه من العذاب .

    ثم أقسم الله تعالى قسما ثانيا على صحة القرآن فقال :

    ( و السماء ذات الرجع ) أي المطر , يسمى رجعا لأنه تعالى يرجعه وقتا فوقتا إلى العباد , و لولاه لهلكوا و هلكت مواشيهم .

    ( و الأرض ذات الصدع ) أي و الأرض ذات التشقق عن النبات و الزروع المختلفة .

    ( إنه لقول فصل ) أي إن القرآن حق و صدق , بيّن واضح , و حكم عدل في كل مختلف فيه من الحق و الباطل .

    ( و ما هو بالهزل ) أي و ليس القرآن باللعب الباطل , بل هو الحق من الله الذي لا باطل معه .

    ( إنهم يكيدون كيدا ) أي إن المكذبين بالقرآن و الجاحدين لحقه يمكرون مكرا لإبطال أمر الله و إطفاء نوره .

    ( و أكيد كيدا ) أي و أنا أمكر بهم و أكيد لهم كيدا , لإظهار الحق , و لو كره الكافرون . و لدفع ما جاؤوا به من الباطل , و يعلم بهذا مَنِ الغالب , فإن الآدمي أضعف و أحقر من أن يغالب القوي العليم في كيده .

    ( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) أي لا تستعجل لهم عقابهم و أنظرهم قليلا , و سترى ماذا أحل بهم من العذاب و النكال و العقوبة و الهلاك – كما قال تعالى " نمتّعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ " - , فقد كتبنا في كتاب عندنا " لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز " .
    و قد أنجز الله وعده لرسوله و المؤمنين فلم يمض إلاّ سنوات قلائل , و لم يبق في مكة من سلطان إلا الله , و لا معبود يعبد إلا الله .

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    60

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    جزاك الله خيراً أتمنى الزيادة من مثل هذه المواضيع القيمة

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    بارك الله فيكم أخي الكريم و أحسن إليكم

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة البروج

    مكية و آياتها إثنتان و عشرون آية

    ( والسماء و البروج ) هذا قسم من أعظم الأقسام إذ أقسم تعالى فيه بالسماء ذات المنازل المشتملة على منازل الشمس و القمر , و الكواكب المنتظمة في سيرها , على أكمل ترتيب و نظام دال على كمال قدرة الله تعالى و رحمته , و سعة علمه و حكمته . قال ابن جرير : هي منازل الشمس و القمر , و هي إثنا عشر برجا , تسير الشمس في كل واحد منها شهرا , و يسير القمر في كل واحد يومين و ثلثا , فذلك ثمانية و عشرون منزلا , و يستتر ليلتين .

    ( و اليوم الموعود ) و هو يوم القيامة , الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه , و يضم فيه أولهم و آخرهم , و قاصيهم و دانيهم , ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون .

    ( و شاهد و مشهود ) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " اليوم الموعود يوم القيامة و اليوم المشهود يوم عرفة و الشاهد يوم الجمعة " حسنه الإمام الألباني .

    و المقسم عليه , ما تضمنه هذا القسم من آيات الله الباهرة , و حِكمه الطاهرة , و رحمته الواسعة , و قيل : إن المقسم عليه قوله " قتل أصحاب الأخدود " .

    ( قتل أصحاب الأخدود ) أي لعن أصحاب الأخدود و الدعاء عليهم بالهلاك , و الأخدود حفرة في الأرض مستطيلة .
    و هذا خبر عن قوم من الكفار عَمَدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله , عز و جل , فقهروهم و أرادوهم أن يرجعوا عن دينهم , فأبوا عليهم , فحفروا لهم في الأرض أخدودا و أججوا فيه نار , و أعدوا لها و قودا يسعرونها به , ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم , فقذفوهم فيها , و لهذا قال تعالى " قتل أصحاب الأخدود , النّار ذات الوقود , إذ هم عليها قعود , و هم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود " .

    ( النار ذات الوقود ) النار ذات الحَطب الجزل الموقد به .

    ( إذ هم عليها قعود ) أي على حافات الأخدود قاعدين يتشفون من المؤمنين .

    ( و هم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ) و هم على ما يفعلون بالمؤمنين من الإلقاء في النار و الإرتداد عن الإسلام حضور يشاهدون احتراق الأجساد الحية و ما تفعل بها النيران , لا يرقّون لهم , و هذا من أعظم ما يكون من التجبر و قساوة القلب , لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله و معاندتها , و محاربة أهلها و تعذيبهم بهذا العذاب , الذي تنفطر منه القلوب , و حضورهم إياهم عند إلقائهم فيها .

    ( و ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) أي و ما عابوا عنهم شيئا سوى إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه , المنيع الحميد في جميع أفعاله و أقواله و شرعه و قدره , و إن كان قد قدّر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به , فهو العزيز الحميد , و إن خفي سبب ذلك على كثير من الناس .

    ( الذي له ملك السماوات و الأرض ) من تمام الصفة أنه المالك لجميع السماوات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما , ليس لغيره ملك في شيء معه .

    ( و الله على كل شيء شهيد ) أي على كل شيء من أفاعيل هؤلاء الفجرة أصحاب الأخدود و غيرهم , شاهد شهودا لا يخفى عليه منه مثقال ذرة , و هو مجازيهم عليه .
    أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله , أن يبطش بهم العزيز المقتدر , أو ما علموا أنهم جميعهم مماليك لله , ليس لأحد على أحد سلطة , من دون إذن المالك ؟ أو خفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم , مجازٍ لهم على فعالهم ؟ كلا إن الكافر في غرور , و الظالم في جهل و عمى عن سواء السبيل .

    ( إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات ) أي فتنوهم عن دينهم فأحرقوهم بالنار , و الآية عامة ليست خاصة بأصحاب الأخدود , و لا بكفار قريش , و إنما عامة في كل من يفتن المؤمنين و المؤمنات في دينهم فيصرفهم عنه بأنواع من التعذيب , و جزاؤهم ما ذكر في الآية و هو عذاب جهنم و عذاب الحريق , إلا من تاب قبل موته .

    ( ثم لم يتوبوا ) بعد فتنتهم للمؤمنين و المؤمنات , لم يتوبوا عن كفرهم و فتنتهم , و لم يقلعوا عما فعلوا , و يندموا على ما أسلفوا .
    قال الحسن البصري : أنظروا إلى هذا الكرم و الجود , هم قتلوا أولياءه و أهل طاعته , و هو يدعوهم إلى التوبة و المغفرة .

    ( فلهم عذاب جهنم و لهم عذاب الحريق ) أي العذاب الشديد المحرق , و ذلك أن الجزاء من جنس العمل .

    ( إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات ) أي من هؤلاء المفتونين و غيرهم ( لهم ) أي في نشأتهم الأخرى ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) أنهار من الماء و اللبن و الخمر و العسل ( ذلك الفوز الكبير) أي التام الذي لا فوز مثله , لأنه نجاة من النار أولا و دخول الجنة ثانيا , قال تعالى " فمن زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " .

    لما ذكر تعالى ما توعد به الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات من أجل إيمانهم أخبر رسوله – صلى الله عليه و سلم – معرّضا بمشركي قومه و طغاتهم الذين آذوا المؤمنين في مكة من أجل إيمانهم أخبره بقوله :
    ( إن بطش ربك لشديد ) أي إن عقوبته لأهل الجرائم و الذنوب العظام لقوية شديدة , فإنه تعالى ذو القوة المتين .

    ( إنه هو يُبدئ و يُعيد ) أي من قوته و قدرته التامة يبدئ الخلق ثم يعيده كما بدأه , بلا ممانع و لا مدافع . قال الإمام : " و هو في كل يوم يبدئ الخلق من نبات و حيوان و غيرهما , ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى , ثم هو يعيد الناس في اليوم الآخر على النحو الذي يعلمه " . و الذي يبدئ و يعيد لا يكون بطشه إلا قويا شديدا .

    ( و هو الغفور الودود )
    " الغفور " الذي يغفر الذنوب جميعا لمن تاب – و لو كان الذنب من أي شيء كان – و يعفو عن السيئات لمن استغفره و أناب .
    " الودود " أي المحب لمن أطاعه و أخلص له .
    و في اقتران الودود بالغفور سر لطيف , حيث يدل ذلك على أن أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله و أنابوا , غفر لهم ذنوبهم و أحبهم , فلا يقال : بل تُغفر ذنوبهم , و لا يَرجع إليهم الود , كما قاله بعض الغالطين .

    ( ذو العرش المجيد ) أي : صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق . فمن عظمته أنه وسع السماوات و الأرض و الكرسي , فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة , بالنسبة لسائر الأرض , و خص الله العرش بالذكر , لعظمته , و لأنه أخص المخلوقات بالقرب منه تعالى , و هذا على قراءة الجر , يكون " المجيد " نعتا للعرش , و أما على قراءة الرفع , فإنّ "المجيد" نعت لله - و كلاهما معنى صحيح - , و المجد سعة الأوصاف و عظمتها .

    ( فعّال لما يريد ) أي لا يريد شيئا إلا فعله , فلا يحول بينه و بين مراده شيء , لأنه لا معقب لحكمه , و لا يسأل عما يفعل , لعظمته و قهره و حكمته و عدله .

    ( هل أتاك حديث الجنود , فرعون و ثمود ) أي : هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس , و أنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد , لما طغوا و بغوا و كفروا و عصوا ؟ نعم قد أتاك , قال ابن جرير : " قد أتاك ذلك , و علمته , فاصبر لأذى قومك إياك , لما نالوك به من مكروه , كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي , و لا يثنينّك عن تبليغهم رسالتي , كما لم يثن الذين أرسلوا إلا هؤلاء , فإن عاقبة من لم يصدقك و يؤمن بك منهم , إلى عطب و هلاك , كالذي كان من هؤلاء الجنود " .
    فالجملة تقرير لقوله " إن بطش ربك لشديد " أي : إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما , أخذ عزيز مقتدر .

    ( بل الذين كفروا في تكذيب ) أي : لا يزالون مستمرين على التكذيب و العناد , لا تنفع فيهم الآيات , و لا تُجدي لديهم العظات , لأنه تكذيب ناشئ من الكبر و الحسد و الجهل فلذا هم لم يؤمنوا بعد .

    ( و الله من ورائهم مُّحيط ) أي : هم في قبضته و تحت قهره و سلطانه لا يخفى عليه منهم شيء , و لا يحول بينه و بينهم أحد , فمتى ما أراد أخذهم فعل .

    ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) يرد بهذا على المشركين الذين قالوا في القرآن إنه سحر و شعر و أساطير الأولين فقال : ليس هو كما قالوا و ادّعوا و إنما هو قرآن مجيد بالغ الغاية في المجد و الشرف و السمو و العلو في ألفاظه و معانيه , و ما يحمل من هدي و تشريع و أنه في مناعته لا تصل إليه أيدي الخلق بالتحريف و التبديل إذ هو في لوح محفوظ من التغيير و الزيادة و النقص , محفوظ من الشياطين فلا تمسه و لا تقربه , و هذا يدل على جلالة القرآن و جزالته , و رفعة قدره عند الله تعالى .
    و اللوح المحفوظ هو الذي أثبت الله فيه كل شيء , و هو في الملأ الأعلى .

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة الإنشقاق

    و تسمى كذلك سورة إذا السماء انشقت , و هي مكية و آياتها خمس و عشرون آية .

    يقول تعالى مبينا لما يكون في يوم القيامة من تغيير الأجرام العظام :

    ( إذا السماء انشقت ) أي انصدعت و تقطعت , و تمايز بعضها من بعض , و انتثرت نجومها , و خسف بشمسها و قمرها .

    ( و أذنت لربّها ) أي : استمعت لربها و أطاعت أمره فيما أمرها به من الإنشقاق .

    ( و حقّت ) أي : و حق لها أن تطيع أمره , لأنه العظيم الذي لا يُمَانَع و لا يغالب , بل قد قهر كل شيء و ذل له كلّ شيء .

    ( و إذا الأرض مدت ) أي بُسطت ووسعت و جعلت مستوية , و ذلك بنسف جبالها و آكامها , حتى صارت تسع أهل الموقف على كثرتهم .

    ( و ألقت ما فيها ) أي ما في جوفها من الكنوز و الأموات .

    ( و تخلّت ) حتى لم يبق شيء في باطنها .

    ( و أذنت لربّها و حقّت ) أي : انقادت له في التخلية , و حق لها ذلك , و إعادة الآية للتنبيه على أن ذلك تحت سلطان الجلال الإلهيّ و قهره و مشيئته .

    ( يا أيها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه ) قال ابن جرير : " أي إنك عامل إلى ربك عملا فملاقيه به , خيرا كان أو شرا " . ثم تلاقي الله يوم القيامة , فلاتعدم منه جزاء بالفضل إن كنت سعيدا , أو بالعدل إن كنت شقيا . و لهذا ذكر تفصيل الجزاء بعد هذه الآية . و المعنى المراد به في الآية : فليكن عملك مما ينجيك من سخطه , و يوجب لك رضاه , و لا يكن مما يسخطه عليك فتهلك .

    ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) و هم من آمن و عمل صالحا و اتصف بما وصف به الأبرار , في غير ما آية .

    ( فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) قال ابن جرير : بأن ينظر في أعماله فيغفر له سيئها و يجازي على حسنها . فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في بعض صلاته : " اللهم حاسبني حسابا يسيرا " . فلما انصرف قلت : يا رسول الله , ما الحساب اليسير ؟ قال : " أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه , إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلَك " قال ابن كثير صحيح على شرط مسلم . " قلت ( عبد الحي) : قال الشيخ شعيب الأرنؤوط و رفاقه في تحقيق مسند الإمام أحمد حديث صحيح دون قوله : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول في صلاته اللهم حاسبني حسابا يسيرا ( 24215/40 )" .
    و عنها أيضا قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من نوقش الحساب عذب " قالت : فقلت : أليس قال الله : " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " قال : " ليس ذاك الحساب , و لكن ذلك العَرْض , من نوقش الحساب يوم القيامة عذب " رواه البخاري و مسلم .

    ( و ينقلب إلى أهله مسرورا ) و يرجع إلى أهله – و هم الحور العين و النساء المؤمنات و الذرية الصالحة , أو قومه ممن يجانسه و يقارنه من أصحاب اليمين – فرحان مغتبطا بما أعطاه الله عز و جل .

    ( و أما من أوتي كتابه وراء ظهره ) أي : أعطي كتاب عمله بشماله – حيث تغل اليمنى مع عنقه – من وراء ظهره , و هو على هيئة المغضوب عليه .

    ( فسوف يدعو ثبورا ) أي يُنادي بالهلاك – و هو أن يقول : واثبوراه ! و واويلاه ! – من الخزي و الفضيحة , و ما يجد في كتابه من الأعمال التي قدمها و لم يتب منها .

    ( و يصلى سعيرا ) أي يدخل نارا مستعرة شديدة الإلتهاب تحيط به من كل جانب و يقلب على عذابها حتى ينضح فيها لحمه المرة بعد المرة و أبداً و العياذ بالله .

    ( إنه كان في أهله مسرورا ) لا يخاف الله و لا يرجو الدار الآخرة يعمل ما يشاء و يترك ما يشاء , لا يفكر في العواقب . منعما مستريحا من التفكر في الحق و الدعاء إليه و الصبر عليه . لا يهمه إلا أجوفاه , بطراً بالنعم , ناسيا لمولاه .

    ( إنّه ظنّ أن لا يحور ) أي لن يرجع إلى ربه , أو إلى الحياة بالبعث , لاعتقاده أنه يحيى و يموت و لا يهلكه إلا الدهر . فلم يكُ يرجو ثوابا و لا يخشى عقابا و لا يُبالي ما ركب من المآثم , على خلاف ما قيل عن المؤمنين " إنّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين " " إنّي ظننت أنّي ملاق حسابيه " .

    ( بلى ) أي ليحورن و ليرجعن إلى ربه حيّا كما كان قبل مماته , و يجازيه على أعماله خيرها و شرها .

    ( إنّ ربه كان به بصيرا ) أي عليما خبيرا , لا يخفى عليه من أمره شيء , و نتيجة لذلك تمّ له هذا الحساب و العقاب .

    ( فلا أقسم بالشّفق ) قال ابن جرير : " أقسم الله بالنهار مدبرا , و بالليل مقبلا " . و الشفق هو الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة , قال صلى الله عليه و سلم : " وقت المغرب مالم يغب الشفق " . رواه مسلم .

    ( و الليل و ما وسق ) أي و ما جمع من كل ذي روح من سابح في ماء و طائر في السماء و سارح في الغبراء , لأنه إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه .

    ( و القمر إذا اتسق ) أي اجتمع و تم نوره و صار كاملا و ذلك في الليالي البيض .

    و جواب القسم قوله تعالى ( لتركبنّ طبقا عن طبق ) أي حالا بعد حال الموت الحياة , ثم العرض ثم الحساب , ثم الجزاء فهي أحوال و أهوال فليس الأمر كما تتصورون من أنه موت و لا غير .

    ( فما لهم لا يؤمنون ) أي ما للناس لا يؤمنون , أي شيء منعهم من الإيمان بالله و رسوله و الدار الآخرة مع كثرة الآيات و قوة الحجج و سطوع البراهين .

    ( و إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) أي : لا يخضعون للقرآن , و لا ينقادون لأوامره و نواهيه .

    ( بل الذين كفروا يكذبون ) أي : يعاندون الحق بعدما تبين , فلا يستغرب عدم إيمانهم و عدم انقيادهم للقرآن , فإن المكذب بالحق عنادا , لا حيلة فيه . قال الإمام : لا تظن أن قرع القرآن لم يكسر أغلاق قلوبهم , و لم يبلغ صوته أعماق ضمائرهم , بلى , قد أبلغ و أقنع فيما بلغ , و لكن العناد هو الذي يمنعهم عن الإيمان , و يصدهم عن الإذعان , فليس منشأ التكذيب قصور الدليل . و إنما هو تقصير المستدل و إعراضه عن هدايته .

    ( و الله أعلم بما يوعون ) أي : بما يسرون في صدورهم من حقية التنزيل , و إن أخفوه عنادا , أو بما يضمرون من البغي و المكر , فسيجزيهم عليه و لذا قال ( فبشرهم بعذاب أليم ) أي : فأخبرهم – يا محمد – بأن الله عز و جل قد أعد لهم عذابا أليما جزاء على تكذيبهم و إعراضهم و بغيهم .
    و سميت البشارة بشارة , لأنها تؤثر في البشرة سرورا أو غما .

    ( إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) هذا استثناء منقطع , يعني : لكن الذين آمنوا بقلوبهم , و عملوا الصالحات بجوارحهم لهم أجر في الدار الآخرة غير منقوص و لا مقطوع , بل هو أجر دائم مما لا عين رأت , و لا أذن سمعت , و لا خطر على قلب بشر .

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة المطففين

    مدنية الأوائل مكية الأواخر و آياتها ست و ثلاثون آية

    قال ابن عباس : " لما قدم نبي الله صلى الله عليه و سلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا , فأنزل الله " و يل للمطففين " , فحسَّنوا الكيل بعد ذلك " صححه الألباني .
    و قال أحد الأنصار رضي الله عنه : كُنَّا أسوأ الناس كيلا , حتى إنه ليكون لأحدنا مكيالان مكيال يشتري به و آخر يبيع به و ما إن نزلت فينا ويل للمطففين حتى أصبحنا أحسن كيلا ووزنا . قال الفرّاء : فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا .

    ( ويل للمطففين ) يتوعد الله تعالى المطففين بالخسار و الهلاك . و التطفيف ها هنا : هو البَخْس في المكيال و الميزان , إما بالإزدياد إن اقتضى من الناس , و إما بالنقصان إن قضاهم .

    ( إذا اكتالوا على الناس يستوفون ) إذا اشتروا من الناس يأخذون كيلهم وافيا و زائدا , على إيهام أن بذلك تمام الكيل . و إذا فعلوا ذلك في الكيل الذي هو أجلّ مقدارا , ففي الوزن بطريق الأولى .

    ( و إذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون ) أي كالوا للناس أو وزنوا لهم , ينقصونهم حقهم الواجب لهم – و هو الوفاء و التمام – سواء بمكيال و ميزان ناقصين , أو بعدم ملء المكيال و الميزان , أو نحو ذلك .

    فهذا سرقة لأموال الناس في الأخذ و الدفع , و لو في القليل , لأن من دَنُؤَت نفسه إلى القليل دل على فساد طويته و خبث ملكته , و أنه لا يقعده عن التوثب إلى الكثير إلا عجز أو رقابة .
    و قد أمرنا الله تعالى بالوفاء بالكيل و الميزان فقال " و أوفوا الكيل إذا كلتم و زنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير و أحسن تأويلا " , و قال " و أوفوا الكيل و الميزان بالقسط لا تكلّف نفسا إلاّ وسعها " , و قال " و أقيموا الوزن القسط و لا تُخسروا الميزان " . و أهلك الله قوم شعيب و دمّرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال و الميزان .

    ( ألا يظن أولئك أنّهم مبعوثون ليوم عظيم ) أما يخاف أولئك من البعث و القيام بين يديّ من يعلم السرائر و الضمائر , في يوم عظيم الهول كثير الفزع , جليل الخطب , من خسر فيه أدخل نارًا حامية ؟ .

    ( يوم يقوم النّاس لرب العالمين ) يقومون حفاة عراة غُرْلاً – قلت " عبد الحي " : أي غير مختونين - , في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم , و يغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى و الحواس عنه .
    عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ( يوم يقوم النّاس لرب العالمين ) حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " رواه البخاري و مسلم .
    و روى الإمام أحمد عن ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " ( يوم يقوم النّاس لرب العالمين ) لعظمة الرحمن عز وجل يوم القيامة , حتى إن العرق ليُلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم " قال الشيخ أحمد شاكر إسناده صحيح .
    و عن المقداد بن الأسود الكندي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " إذا كان يوم القيامة أُدْنِيَت الشمس من العباد , حتى تكون قيدَ ميل أو ميلين , قال : فتصهرهم الشمس , فيكونون في العرق كقدر أعمالهم , منهم من يأخذه إلى عقبيه , و منهم من يأخذه إلى ركبتيه , و منهم من يأخذه إلى حَقْوَيه , و منهم من يلجمه إلجاما " رواه مسلم .

    فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر , و إلا فلو آمنوا به , و عرفوا أنهم يقومون بين يدي الله , يحاسبهم على القليل و الكثير , لأقلعوا عن ذلك و تابوا منه .

    ( كلاّ ) ردع عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب و ضعف اعتقادهم به .

    ( إنّ كتاب الفُجّار ) و هذا شامل لكل فاجر من أنواع الكفرة و المنافقين و الفاسقين , و الكتاب ما كتب فيه من عملهم السيء و أحصي عليهم .

    ( لفي سجّين ) موضع في أسفل الخلق به أرواح الكافرين و الظالمين و كتب أعمالهم . و هو سجن مقيم و عذاب أليم . قال القاشانيّ : " لفي سجّين " في مرتبة من الوجود مسجون أهلها في حبوس ضيقة مظلمة أذلاء أخساء في أسفل مراتب الطبيعة و دركاتها . و هو ديوان أعمال أهل الشرّ .

    ( و ما أدراك ما سجين ) أي و ما أعلمك يا رسولنا ما سجين . و الإستفهام للتهويل و تفخيم من شأن سجين .

    ( كتاب مرقوم ) أي مسطور بيّن الكتابة , مذكور فيه أعمالهم الخبيثة . و هو كتاب مفروغ منه , لا يزاد فيه أحد و لا ينقص منه أحد .

    ( ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين ) أي العذاب الأليم بوادي الويل يوم القيامة للمكذبين بالله و آياته و لقائه , المكذبين بيوم الجزاء و الحساب . و فيه إشعار بأن المطففين ممن يتناولهم هذا الوصف , لأن إصرارهم على التعدي و الإجترام يدل على عدم الظن بالبعث .

    ( و ما يكذب به إلا كل معتد أثيم ) و ما يكذب بيوم الجزاء و الحساب إلا كل معتد ظالم متجاوز للحد بالإفراط في أفعاله بالبغي و العدوان , مبالغ في ارتكاب أفانين الإثم و أنواع المعاصي .

    ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) هذا بيان لذلك المعتدي الأثيم و هو أنه إذا قُرئت عليه آيات الله تذكيراً له و تعليمًا ردًّها بقوله أساطير الأولين أي هذه الحكايات من ترهات المتقدمين و أخبار الأمم الغابرين , ليس من عند الله تكبُّرا و عنادًا .

    ( كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسون ) أي : ليس الأمر كما زعموا و لا كما قالوا , إن هذا القرآن أساطير الأولين , بل هو كلام الله ووحيه و تنزيله على رسوله صلى الله عليه و سلم , و إنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرَّين – قال الحسن البصري : هو الذنب على الذنب , حتى يعمى القلب , فيموت . و كذا قال مجاهد و قتادة , و ابن زيد , و غيرهم – الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب و الخطايا . قال النبي صلى الله عليه و سلم : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكت في قلبه نكتة , فإن هو نزع و استغفر و تاب صُقل قلبه . فإن عاد زيد فيها حتى يعلو قلبه , فهو الران الذي قال الله تعالى ( كلاّ بل ران على قلوبهم مّا كانوا يكسبون ) " صححه الألباني .

    ( كلاّ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) أي ردعا لهم و زجرا عن أقوالهم الباطلة و أعمالهم الفاسدة , أو بمعنى حق , إنهم محجوبون عن رؤية ربهم و خالقهم . قال ابن جرير : أي فلا يرونه و لا يرون شيئا من كرامته , فهم محجوبون عن رؤيته و عن كرامته . و تخصيص الحجب بهؤلاء يقتضي أن غيرهم غير محجوب فيرى الله تعالى و يرى كرامته . قال الإمام الشافعي : في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ . قال ابن كثير : و هذا الذي قاله الإمام الشافعي , رحمه الله , في غاية الحسن , و هو استدلال بمفهوم هذه الآية , كما دل عليه منطوق قوله ( وجوه يومئذ ناضرة , على ربها ناظرة ) . و كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة , رؤية بالأبصار في عَرَصات القيامة , و في روضات الجنات الفاخرة .

    ( ثم إنهم لصالوا الجحيم ) ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران , مصطلون بحرها معذبون بأنواع العذاب فيها .

    ( ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ) ثم يقال لهم على وجه التقريع و التوبيخ , و التصغير و التحقير " هذا " أي العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون حتى واصلتم كفركم و إجرامكم فحل بكم هذا الذي أنتم فيه الآن فذوقوا فلن تزدادوا إلا عذابا .

    لما ذكر الله تعالى أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة و أضيقها , ذكر أن كتاب الأبرار في أعلاها و أوسعها و أفسحها , فقال تعالى :

    ( إن كتاب الأبرار لفي عليين ) أي حقا إن كتاب أعمال هؤلاء الأبرار الذين كانوا لربهم طائعين - بأداء فرائضه و اجتناب نواهيه - في أعلى الجنة . قال القاشانيّ : أي ما كتب من صور أعمال السعداء و هيآت نفوسهم النورانية و ملكاتهم الفاضلة , في عليين . و هو مقابل للسجين , في علوه و ارتفاع درجته , و كونه ديوان أعمال أهل الخير .

    ( و ما أدراك ما عليون ) إستفهام للتفخيم و التعظيم بشأن عليين , إذ هو في أعلى مرتبة و أسمى منزلة .

    ( كتاب مرقوم ) أي محل شريف رقم بصور أعمالهم .

    ( يشهده المقربون ) أي يحضره المقربون من حضرة ذي الجلال , من الملائكة , و أرواح الأنبياء , و الصديقين و الشهداء , و ينوِّه الله بذكرهم في الملأ الأعلى .

    ( إن الأبرار لفي نعيم ) إن الأبرار – و هم أهل الطاعة و الصدق فيها , و هم أصحاب الكتب المودعة في عليين – لفي نعيم – و هو إسم جامع لنعيم القلب و الروح و البدن – عظيم دائم , و جنات فيها فضل عميم .

    ( على الأرائك ) أي على السرر المزينة بالفرش الحسان .

    ( ينظرون ) في ملكهم و ما أعطاهم الله من الخير و الفضل الذي لا ينقضي و لا يبيد , و ينظرون إلى وجه ربهم الكريم .

    ( تعرف في وجوههم نضر النعيم ) أي : تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم بهاء النعيم و نضارته و رونقه , فإن توالي اللذة و السرور , يكسب الوجه نورًا و حسنا و بهجة .

    ( يُسقون من رحيق ) يسقون من خمر من الجنة , صافية لا دنس فيها و لا غش . و الرحيق : من أسماء الخمر .

    ( مختوم ) أي : خُتم على أوانيه تكريما له لصيانته عن أن تمسه الأيدي على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم و يصان .

    ( ختامه مسك ) آخر هذا الشراب يفوح برائحة المسك الأذفر فهي طيبة الرائحة للغاية . قال ابن عباس : طيب الله لهم الخمر , فكان آخر شيء جعل فيها مسك , خُتم بمسك . و القصد لذة القطع بذكاء الرائحة و أرجها , على خلاف خمر الدنيا الخبيثة الطعم و الرائحة .

    ( و في ذلك ) أي النعيم المقيم , الذي لا يعلم مقداره و حسنه إلا الله .

    ( فليتنافس المتنافسون ) أي : يتسابقوا في المبادرة إليه و الأعمال الموصلة إليه , فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس , و أحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال .

    ( و مزاجه من تسنيم ) أي إن ذلك الرحيق يمزج لأصحاب اليمين بماء تسمى التسنيم .

    ( عينا يشرب بها المقربون ) هذا التسنيم يشربه المقربون صرفا أي خالصا بدون مزج , فهو أعلى أشربة الجنة على الإطلاق , لذلك كانت خالصة للمقربين , الذين هم أعلى الخلق منزلة , و ممزوجة بالرحيق و غيره من الأشربة اللذيذة لأصحاب اليمين .

    ( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون , و إذا مروا بهم يتغامزون ) يخبر تعالى عن المجرمين – الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك و المعاصي – أنهم كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين و يستهزؤون بهم , و يضحكون منهم , و يتغامزون بهم عند مرورهم عليهم , احتقارا لهم و ازدراء , لأنهم آمنوا بالله وحده و بما أوحاه إلى رسوله صلوات الله عليه , و نبذوا ما أَلْفَوْا عليه آباءهم . قال السيوطي : و في هذا دلالة على تحريم السخرية بالمؤمنين , و الضحك منهم , و التغامز عليهم .

    ( و إذا انقلبوا إلى أهلهم إنقلبوا فاكهين ) أي : رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم , مسرورين مغتبطين , متلذذين بالسخرية و حكاية ما يعيبون به أهل الإيمان , أو ما هم فيه من الشرك و الطغيان و التنعم الدنيا . و هذا من أعظم ما يكون من الإغترار أنهم جمعوا بين الإساءة و الأمن في الدنيا , حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله و عهد , أنهم من أهل السعادة , و قد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى , و أن المؤمنين ضالون , افتراء على الله , و تجروا على القول عليه بلا علم .

    ( و إذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ) أي : و إذا رأى أولئك المجرمون المؤمنين أشاروا إليهم و قالوا " إن هؤلاء لضالون " بتركهم دينهم و اعتناق دين محمد الجديد في نظرهم .

    ( و ما أرسلوا عليهم حافظين ) أي : و ما أرسلوا وكلاء على المؤمنين ملزمين بحفظ أعمالهم , حتى يحرصوا على رميهم بالضلال , و ما هذا منهم إلا تعنت و عناد و تلاعب , ليس له مستند و لا برهان , و لهذا كان جزاؤهم في الآخرة من جنس عملهم .

    ( فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ) أي : يوم القيامة يضحكون حين يرونهم في غمرات العذاب يقلبون , و ضحكهم من الكفار ضحك المسرور بما نزل بعدوّه من الهوان و الصغار , بعد العزة و الكبر .

    ( على الأرائك ينظرون ) على السرر المزينة ينظرون إلى ما أوتوا من النعيم , و ما حل بالمجرمين من عذاب الجحيم .

    ( هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون ) أي : هل جوزي الكفار على ما كانو يقابلون به المؤمنين من الإستهزاء و التنقيص أم لا ؟ نعم قد جوزوا أوفر الجزاء و أتمه و أكمله .

    و نظير هذه الآيات قوله تعالى " إخسئوا فيها و لا تكلمون , إنّه كان فريق من عبادي يقولون ربنّا آمنا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الراحمين , فاتخذتموهم سِخريا حتى أنسوكم ذِكري و كنتم منهم تضحكون , إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون " .

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة الإنفطار

    مكية و آياتها تسع عشرة آية

    ( إذا السماء انفطرت ) أي انشقت كما في آية " و يوم تشقّق السّماء بالغمام " .

    ( و إذا الكواكب انتثرت ) أي انفضّت و تساقطت .

    ( و إذا البحار فجّرت ) أي : اختلط ماؤها بعضه ببعض ملحها بعذبها لانكسار ذلك الحاجز الذي كان يفصلهما عن بعضهما لزلزلة الأرض إيذانا بخراب العالم .

    ( و إذا القبور بُعثرت ) إنقلب باطنها ظاهرها و أخرج ما فيها من الأموات .

    ( علمت نفس ما قدّمت و أخرت ) أي علمت كل نفس مكلفة ما قدمت من أعمال حسنة أو سيئة , و ما أخرت من أعمال لحقتها بعدها وذلك ما سنته من سنن الهدى أو سنن الضلالة . و هذا العلم يحصل للنفس أولا مجملا و ذلك عند ابيضاض الوجوه و اسودادها , و يحصل لها مفصلا عندما تقرأ كتاب أعمالها .

    ( يا أيّها الإنسان ما غرّك بربك الكريم ) أي : أي شيء خدعك و جرّأك على الكفر بربك الكريم و عصيانه بالفسق عن أمره و الخروج عن طاعته . و هو القادر على مؤاخذتك و الضرب على يديك ساعة ما كفرت به أو عصيته .
    قال ابن القيّم : .. و إنّما غرَّه بربه الغَرور , و هو الشيطان , و نفسه الأمّارة بالسوء , و جهله و هواه . و أتى سبحانه بلفظ " الكريم " , و هو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الإغترار به و لا إهمال حقه .

    ( الذي خلقك فسواك فعدلك ) أي : جعلك سويّا معتدل القامة منتصبها , في أحسن الهيئات و الأشكال .

    ( في أي صورة ما شاء ركبك ) إن شاء بيضك أو سودك , طولك أو قصرك , جعلك ذكرا أو أنثى , إنسانا أو حيوانا , قردا أو خنزيرا , هل هناك من يصرفه عما أراد ذلك ؟ و الجواب لا أحد . إذا كيف يسوغ لك الكفر به و عصيانه و الخروج عن طاعته .

    ( كلاّ بل تكذبون بالدين ) كلاّ ما غركم كرم الله و لاحلمه , بل الذي جرأكم على الكفر و الظلم و الإجرام , تكذيب في قلوبكم بالمعاد و الجزاء و الحساب .

    ( و إن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) و إن عليكم لملائكة حفظَة كراما يحفظون عليكم أعمالكم و يحصونها لكم و يكتبونها في صحائفكم . يعلمون ما تفعلون – و دخل في هذا أفعال القلوب , و أفعال الجوارح – في السر و العلن , فاللائق بكم أن تكرموهم و تجلوهم و تحترموهم .

    ( إن الأبرار لفي نعيم ) قال ابن جرير : أي إن الذين برّوا بأداء فرائض الله , و اجتناب معاصيه , لفي نعيم الجنان ينعمون فيها .

    ( و إن الفجار لفي جحيم ) إن الذين قصروا في حقوق الله و حقوق عباده , الذين فجرت قلوبهم , ففجر أعمالهم , لفي عذاب أليم في دار الدنيا و دار البرزخ و في دار القرار .

    ( يصلونها يوم الدين ) يعذبون بها أشد العذاب و ذلك يوم الجزاء على الأعمال . قال القرطبي : يصيبهم حرها و لهيبها و هذا قطعا بعد دخولها .

    ( و ما هم عنها بغائبين ) أي : لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة , و لا يخفف عنهم من عذابها , و لا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة , و لو يوما واحدا .

    ( و ما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين ) ففي هذا تهويل و تفخيم لأمر ذلك اليوم و تعظيم لشأنه .

    ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا و الأمر يومئذ لله ) أي : لا يقدر أحد على نفع أحد و لا خَلاصه مما هو فيه , إلا أن يأذن الله لمن يشاء و يرضى . و نذكر ها هنا حديث : " يا بني هاشم , أنقذوا أنفسكم من النار , لا أملك لكم من الله شيئا " رواه مسلم . و لهذا قال " الأمر يومئذ لله " , كقوله " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار " , و كقوله " الملك يومئذ الحق للرحمن " , و كقوله " مالك يوم الدين " . قال الرازي : و هو وعيد عظيم , من حيث إنه عرّفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر و الطاعة يومئذ , دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا , من مال وولد و أعوان و شفعاء .

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة التكوير

    و تسمى سورة " إذا الشمس كورت " و هي مكية و آيها تسع و عشرون .

    قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنّه رأي عين فليقرأ " إذا الشّمس كورت " و " إذا السّماء انفطرت " و " إذا السماء انشقت " صححه الألباني

    ( إذا الشمس كورت ) أي أُزيلت من مكانها , و ألقيت عن فلكها , و مُحي ضوؤها . قال ابن جرير : التكوير جمع الشيء بعضه إلى بعض , و منه تكوير العمامة و جمع الثياب بعضها إلى بعض , فمعنى قوله " كوّرت " : جمع بعضها إلى بعض , ثم لفت فرمى بها , و إذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها . قال صلى الله عليه و سلم : " الشمس و القمر يكوران يوم القيامة " رواه البخاري .

    ( و إذا النجوم انكدرت ) أي تغيرت و تناثرت و تساقطت من أفلاكها على الأرض .

    ( و إذا الجبال سيّرت ) أي زالت عن أماكنها و نُسفت من أثر الرجفة و الزلزال الذي قطع أوصالها .

    ( و إذا العشار عطّلت ) أي تركت مهملة لا راعي لها و لا طالب , لما أصاب أهلها من الهول و الفزع . و العشار جمع عُشَراء و هي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر ثم لا يزال إسمها كذلك حتى تضع , و خصها , لأنها أنفس أموال العرب إذ ذاك عندهم , على ما هو في معناها من كل نفيس .

    ( و إذا الوحوش حشرت ) أي جمعت من كل جانب و اختلطت , لما دهم أوكارها و مكامنها من الزلزال و التخريب , فتخرج هائمة مذعورة من أثر زلزال الأرض و تقطع أوصالها .

    ( و إذا البحار سجّرت ) أي أوقدت فصارت – على عظمها – نارًا تتوقد .

    ( و إذا النفوس زوّجت ) أي قرنت بأجسادها – بعد خلق الأجساد لها – ثم قرن كل صاحب عمل مع نظيره , فجمع الأبرار مع الأبرار , و الفجار مع الفجار , و زوج المؤمنون بالحور العين , و الكافرون بالشياطين , و هذا كقوله تعالى " و سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا " " و سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا " " احشروا الذين ظلموا و أزواجهم " .

    ( و إذا الموءودة سئلت , بأي ذنب قتلت ) يوم القيامة تسأل الموؤودة على أي ذنب قتلت , ليكون ذلك توبيخا و تقريعا و تهديدا لقاتلها , فإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا ؟! و قال ابن عباس " و إذا الموءودة سئلت " أي : سألت , و كذا قال أبو الضحى : " سألت " أي : طلبت بدمها . و عن السدي و قتادة مثله .
    و عن حسناء إبنة معاوية الصُّريمية , عن عمها قال : قلت يا رسول الله , من في الجنة ؟ قال : " النبي في الجنة , و الشهيد في الجنة , و المولود في الجنة , و الموؤودة في الجنة " صححه الألباني .
    و الموؤودة هي المقتولة الصغيرة التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات , و خشية العار و الفقر , أو لنذرهم إياهم للآلهة , أو يقولون إن الإناث بنات الله , فألحقوا البنات بالله فهو أحق بها منا .
    و كان للعرب تفنن في الوأد , فمنهم من إذا صارت بنته سداسية يقول لأمها : طيّبيها و زيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها , و قد حفر لها بئرا في الصحراء , فيبلغ بها البئر فيقول لها : انظري فيها , ثم يدفعها من خلفها و يهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض . و منهم من كان إذا قربت امرأته من الوضع , حفر حفرة لتتمخّض على رأس الحفرة , فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة , و إن ولدت إبنا حبسته .
    و قد اشتهر صعصعة بن ناجية بن عقال , جد الفرزدق بن غالب , بأنه كان ممن فدى الموءودات في الجاهلية , و نهى عن قتلهن . قيل إنه أحيا ألف موءودة , و قيل دون ذلك .
    فالوأد كان عادة من أشنع العوائد في الجاهلية , مما يدل على نهاية القسوة و تمام الجفاء و الغلظة . قال الإمام : أنظر إلى هذه القسوة و غلظ القلب و قتل البنات البريئات بغير ذنب سوى خوف الفقر و العار , كيف استبدلت بالرحمة و الرأفة بعد أن خالط الإسلام قلوب العرب ؟ فما أعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها بمحوه هذه العادة القبيحة .

    ( و إذا الصحف نشرت ) قال ابن جرير : " أي صحف أعمال العباد نشرت لهم , بعد أن كانت مطوية على ما فيها مكتوب من الحسنات و السيئات " , فآخذ هذا كتابه بيمينه , و آخذ ذاك كتابه بشماله , أو من وراء ظهره .

    ( و إذا السماء كشطت ) أي نزعت من أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة عند سلخها .

    ( و إذا الجحيم سعّرت ) أي : أوقد عليها فاستعرت , و التهبت إلتهابا لم يكن لها قبل ذلك . قال قتادة : و إنما يسعرها غضب الله و خطايا بني آدم .

    ( و إذا الجنة أزلفت ) أي قرّبت لأهلها ليدخلوها .

    ( علمت نفس ما أحضرت ) أي : إذ وقعت هذه الأمور , علمت كل نفس عند ذلك , ما قدمت من خير فتصير به إلى الجنة , أو شر فتصير به إلى النار , أي تبيّن لها عند ذلك ما كانت جاهلة به , و ما الذي كان فيه صلاحها من غيره .

    ( فلاأقسم بالخنس , الجواري الكنس ) قال الشيخ عبد العظيم بدوي : الخُنَّس هي النجوم تخنس – أي تختفي و تغيب عن الأنظار نهارا – بالنهار , و تظهر بالليل . " الجواري الكنّس " التي تجري في بروجها و منازلها و مواقعها طول الليل ثم تغيب مع طلوع الفجر .

    ( و الليل إذا عسعس ) أي أدبر و لم يبق إلا اليسير , و ذلك وقت السحر .

    ( و الصبح إذا تنفس ) قال ابن جرير : يعني وضَوْءُ النهار إذا أقبل و تبيّن .

    و جواب القسم قوله تعالى ( إنّه لقول رسول كريم ) يعني : إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم , أي : ملك شريف حَسَن الخلق , بهي المنظر , و هو جبريل عليه الصلاة و السلام .
    فالله تعالى قد أقسم بأعظم قسم على أن القرآن نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه و سلم , و ما يقول محمد صلى الله عليه و سلم هو كلام الله ووحيه صدقا و حقا .

    ( ذي قوّة ) أي على تحمل أعباء الرسالة , و على كل ما يؤمر به .
    و من قوته أنه قلب ديار قوم لوط بهم فأهلكهم . فهو شديد الخَلْق , شديد البطش و الفعل .

    ( عند ذي العرش مكين ) أي جبريل عليه السلام مقرب عند الله تعالى , له منزلة رفيعة , و خصيصة من الله اختصه بها . قال أبو صالح في قوله " عند ذي العرش مكين " قال : جبريل يدخل في سبعين حجابا من نور بغير إذن .
    فجبريل عليه السلام له مكانة و منزلة فوق منازل الملائكة كلهم .

    ( مُطاع ثَمَّ ) له وجاهة , و هو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى , قال قتادة : " مطاع ثمّ " أي : في السماوات , يعني : ليس هو من أفناء الملائكة , بل هو من السادة و الأشراف , مُعْتَنى به , انتخب لهذه الرسالة العظيمة .

    ( أمين ) صفة لجبريل بالأمانة , و هذا عظيم جدا أن الرب عز و جل يزكي عبده و رسوله الملكي جبريل عليه السلام .
    و هذا كله يدل على شرف القرآن عند الله تعالى , فإنه بعث به هذا الملك الكريم , الموصوف بتلك الصفات الكاملة . و العادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات , و أشرف الرسائل .

    ( و ما صاحبكم بمجنون ) أي : محمد صلى الله عليه و سلم ليس ممن يتكلم عن جِنَّة و يهذي هذيان المجانين " بل جاء بالحقّ و صدّق المرسلين " و هذا نفي لما كان يبهته به أعداؤه , صلى الله عليه و سلم , حسدا و لؤما . قال الشهاب : و في قوله " صاحبكم " تكذيب لهم بألطف وجه . إذ هو إيماء إلى أنه نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن , فأنتم أعرف به و بأنه أتم الخلق عقلا و أرجحهم نبلا و أكملهم و أصفاهم ذهنا . فلا يسند له الجنون إلا من هو مركب من الحمق و الجنون .

    ( و لقد رآه بالأفق المبين ) أي : رأى محمد صلى الله عليه و سلم جبريل عليه السلام بالأفق البيِّن – الذي هو أعلى ما يلوح للبصر – على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح و قد سدّ الأفق كله . و هي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء , و هي المذكورة في قوله تعالى " علّمه شديد القوى , ذو مرّة فاستوى , و هو بالأفق الأعلى , ثُمّ دنا فتدلّى , فكان قاب قوسين أو أدنى , فأوحى إلى عبده ما أوحى " .

    ( و ما هو على الغيب بضنين ) و ما هو على ما أوحاه الله إليه بمتهم يزيد فيه أو ينقص أو يكتم بعضه , بل هو صلى الله عليه و سلم أمين أهل السماء و الأرض , الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين . فلم يبخل بشيء منه , بل بلَّغه و نشره و بذله لكل من أراده .

    ( و ما هو بقول شيطان رجيم ) و ما هذا القرآن بقول شيطان رجيم . و هو نفي لقولهم إنه كهانة , قال تعالى " و ما تنزّلت به الشياطين و ما ينبغي لهم و ما يستطيعون " .

    ( فأين تذهبون ) ينكر عليهم مسلكهم الشائن في تكذيب رسوله محمد صلى الله عليه و سلم و إتهامه بالسحر , و القرآن بالشعر و الكهانة و الأساطير .

    ( إن هو إلاّ ذكر للعالمين ) أي هذا القرآن ذكر لجميع الناس , يتذكّرون به خالقهم و رازقهم و محييهم و مميتهم , و ما له عليهم من حق العبادة وواجب الشكر , و يتعضون به فيخافون ربهم فلا يعصونه بترك فرائض عليهم و لا بارتكاب ما حرمه عليهم .

    ( لمن شاء منكم أن يستقيم ) أي : من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن , فإنه منجاة له و هداية , لا هداية فيما سواه .

    ( و ما تشاءون إلا أن يشاء ربّ العالمين ) أي و ما تشاءون شيئا من فعالكم , إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم , و إقداركم عليها , و التخلية بينكم و بينها . و فائدة هذا الإخبار , و هو الإعلام بالإفتقار إلى الله تعالى , و أنه لا قدرة للعبد على ما لم يقدره الله عز و جل , فهو خاضع لسلطان مشيئته , مقهور تحت تدبيره و إرادته .

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة عبس

    و تسمى سورة الصاخبة , و هي مكية و آيها اثنتان و أربعون .

    ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش , و قد طمع في إسلامه , فبينما هو يخاطبه و يناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم – و كان ممن أسلم قديما – فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن شيء و يلح عليه , وَوَدَّ النبي صلى الله عليه و سلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل , طمعا و رغبة في هدايته . و عبس في وجه ابن أم مكتوم و أعرض عنه , و أقبل على الآخر , فأنزل الله عز و جل " عبس و تولى " .
    فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( أنزلت " عبس و تولى " في إبن أم مكتوم الأعمى , أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل يقول : أرشدني . قالت : و عند رسول الله صلى الله عليه و سلم من عظماء المشركين . قالت : فجعل النبي صلى الله عليه و سلم يُعرض عنه و يقبل على الآخر , و يقول : أترى بما أقول بأسا ؟ فيقول : لا , ففي هذا أنزل ) قال الشيخ الألباني صحيح الإسناد .
    و إبن أم مكتوم هذا إسمه عبد الله , قال الشهاب : و هو مكيّ قرشيّ من المهاجرين الأولين , و كان النبي صلى الله عليه و سلم يستخلفه على المدينة في أكثر غزواته , و كان ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها .

    ( عبس و تولى ) أي النبي صلى الله عليه و سلم , و معنى عبس قطب ما بين عيينه كراهية لما نَابه و حصل له مما أزعجه , " و تولى " أعرض عنه .

    ( أن جاءه الأعمى ) أي لأجل أن جاء عبد الله بن أم مكتوم فقطعه عما هو مشغول به من دعوة بعض أشراف قريش للإسلام .

    ( و ما يدريك لعله يزّكى ) أي يريد زكاة نفسه و تطهير روحه بما يتعلمه منك .

    ( أو يذّكر فتنفه الذكر ) أي يعتبر و يتعظ فتنفعه موعظتك .

    ( أمّا من استغنى ) أي بماله و قوته و شرف قومه عن سماع القرآن و الهداية و الموعظة .

    ( فأنت له تصدّى ) أي تتعرض له مُقبلا عليه رجاء أن يسلم و يهتدي .

    ( و ما عليك ألاّ يزّكى ) أي و ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام , إنْ عليك إلا البلاغ . قال الرازي : أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم , إلى أن تعرض عمن أسلم , للإشتغال بدعوتهم .

    ( و أمّا من جاءك يسعى و هو يخشى ) جاءك مسرعا يجري وراءك يناديك بأحبّ الأسماء إليك يا رسول الله , و الحال أنه يخشى الله تعالى و يخاف عقابه فلذا هو يطلب ما يزكي به نفسه ليقيها العقاب و العذاب .

    ( فأنت عنه تلهى ) أي تُعرض و تتشاغل بغيره .

    و من هاهنا أمر الله عز و جل رسوله صلى الله عليه و سلم ألا يخص بالإنذار أحد , بل يساوي فيه بين الشريف و الضعيف , و الفقير و الغني , و السادة و العبيد , و الرجال و النساء , و الصغار و الكبار . ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم , و له الحكمة البالغة و الحجة الدامغة .
    قال السيوطي في الإكليل : في هذه الآيات حث على الترحيب بالفقراء و الإقبال عليهم في مجالس العلم و قضاء حوائجهم , و عدم إيثار الأغنياء عليهم . قال الزمخشري : لقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا , فقد روي عن سفيان الثوري رحمه الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء .

    ( كلاّ ) لا تفعل مثل هذا مرة أخرى .

    ( إنّها تذكرة ) أي هذه الآيات و ما تحمل من عتاب حبيب إلى حبيب موعظة , يجب الإتعاظ بها و العمل بموجبها .

    ( فمن شاء ذكره ) أي عَمِل بهذا الوحي و التنزيل كقوله تعالى " و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر " .

    ( في صحف مكرمة , مرفوعة مطهرة ) صحف آيات التنزيل و سوره معظمة و موقرة عند الله تعالى , مرفوعة القدر و الرتبة , مطهرة من الدنس و الزيادة و النقص , و منزهة عن مس الشياطين لها .

    ( بأيدي سفرة , كرام بررة ) بأيدي ملائكة , خُلقهم كريم حسن شريف , و أخلاقهم و أفعالهم بارة طاهرة كاملة .
    و من هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله و أقواله على السداد و الرشاد .

    ( قتل الإنسان ) لعن الإنسان – الكافر – و هذا الجنس الإنسان المكذب , لكثرة تكذيبه بلا مستند , بل بمجرد الإستبعاد و عدم العلم .

    ( ما أكفره ) أي ما حمله على الكفر و الكبر .

    قال الرازي : " قتل الإنسان " تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب . و قوله " ما أكفره " تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح و المنكرات .

    ( من أي شيء خلقه ) أي من أي شيء حقير مهين خلقه ؟ و هذا تحقيرا له .

    ( من نطفة خلقه ) خلقه الله من ماء مهين , من نطفة قذرة .
    أمن كان هذا حاله يليق به أن يكفر و يتكبر و يستغني عن الله ؟ فلينظر إلى مبدئه و منتهاه و ما بينهما . مبدأه نطفة مذرة و آخره جيفة قذرة , و هو بينهما حامل عذرة . كيف يكفر و كيف يتكبر ؟

    ( فقدّره ) أي أطوارا نطفة فعلقة فمضغة , ثم هيأه لما يصلح له و يليق به من الأعضاء و الأشكال , فسواه بشرا سويا . و كذلك قدّر أجله و رزقه و عمله و شقي أو سعيد .

    ( ثم السبيل يسّره ) ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه – اختاره ابن جرير - , أو يكون المعنى : يسر له الأسباب الدينية و الدنيوية , و هداه السبيل و بيّنه و امتحنه بالأمر و النهي قال تعالى " إنا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إمّا كفورا " و هذا رجحه ابن كثير .

    ( ثم أماته فأقبره ) أي أكرمه بالدفن , فهيأ له من يقبره , و لم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض .

    ( ثم إذا شاء أنشره ) أي بعثه بعد موته للجزاء .

    ( كلاّ لمّا يقض ما أمره ) فيها قولان للعلماء : الأول : أن الإنسان لم يقض ما أمره الله به , فهو مُقَصِر في حق الله , لأنه مهما اجتهد في طاعة الله فهو مقصر في حق مولاه – قاله الشيخ عبد العظيم بدوي - . الثاني : أن الله تعالى لن يقوم بالبعث و النشور الآن حتى تنقضي المدة , و يفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى له أنه سيوجد منهم , و يخرج إلى الدنيا , و قد أمر به تعالى كونا و قدرا , فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق و أعادهم كما بدأهم . و هذا اختاره ابن كثير .

    ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) أي فإن لم يشهد خلق ذاته , و عمي عن الآيات في نفسه , و أصر على جحوده توحيدَ ربه , فلينظر إلى طعامه و مأكله الذي هو أقرب الأشياء لديه . ماذا صنعنا في إحداثه و تهيئته لأن يكون غذاء صالحا لعله يذكر فيشكر . و كذلك فيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظاما بالية و ترابا متمزقا .

    ( إنا صببنا الماء صبّا ) أنزلنا المطر من السماء على الأرض بكثرة .

    ( ثم شققنا الأرض شقّا ) أي صدعناها بالنبات , حيث أسكنّا المطر فيها فدخل في تُخُومها و تخلّل في أجزاء الحبِّ المودَع فيها , فنبت و ارتفع و ظهر على وجه الأرض .

    ( فأنبتنا فيها ) أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة , و الأقوات الشهية .

    ( حبّا ) و هذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها , كالقمح و الشعير و الذرة .

    ( و عنبا و قضبا ) العنب معروف , و القضب هو : كل ما أكل من النبات رطبا , كالقثاء و الخيار و نحوهما . و سمي قضبا لأنه يقضب , أي يقطع مرة بعد أخرى .

    ( و زيتونا و نخلا ) الزيتون يؤكل حبا , و يدهن به زيتا , و يستصبح به . و نخلا يؤكل بلحا بسرا , و رطبا , و تمرا , و نيئا , و مطبوخا , و يعتصر منه رُبٌّ و خل .

    ( و حدائق غُلبا ) أي بساتين ذوات الأشجار المثمرة , عليها حوائط تحيط بها , " غلبا " أي ضخمة عظيمة , و عظمها إما لاتساعها البالغ حد البصر , أو لغلظ أشجارها و تكاثفها و إلتفافها .

    ( و فاكهة و أبّا ) و فاكهة أي مما يؤكل من ثمار الأشجار , من تين و عنب و خوخ و رمان , و غير ذلك . و الأبُّ هو المرعى الذي تأكله البهائم من العشب و النبات .

    ( متاعا لكم و لأنعامكم ) أي عيشة لكم و لأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة .

    فمن نظر في هذه النعم , أوجب له ذلك شكر ربه , و بذل الجهد في الإنابة إليه , و الإقبال على طاعته , و التصديق بأخباره .

    ( فإذا جاءت الصّاخة ) و هي صيحة القيامة و صوت زلزالها الهائل المصمّ للآذان , المزعج للأفئدة يومئذ , مما يرى الناس من الأهوال و شدة الحاجة لسالف الأعمال .

    ( يوم يفرّ المرء من أخيه , و أمّه و أبيه , و صاحبته و بنيه ) أي : يراهم , و يفر منهم , و يبتعد عنهم , لأن الهول عظيم , و الخطب جليل , و لاشتغاله بنفسه , و علمه بأنهم لا ينفعونه . و معنى صاحبته أي زوجته .

    ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) أي قد أشغلته نفسه , و اهتم لفكاكها , و لم يكن له إلتفات إلى غيرها .
    عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا " فقالت عائشة : يا رسول الله , فكيف بالعورات ؟ فقال : " لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " صححه الإمام الألباني . و غرلا : أي غير مختونين .

    ( وجوه يومئذ مسفرة , ضاحكة مستبشرة ) وجوه يومئذ مضيئة مشرقة , قد ظهر فيها السرور و البهجة , من ما عرفوا من نجاتهم , و فوزهم بالنعيم . و هذه الوجوه هي وجوه المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه , و قدموا من الخير و العمل الصالح ما ملأوا به صحفهم .

    ( ووجوه يومئذ عليها غبرة , ترهقها قترة ) ووجوه يومئذ عليها غبار و كدورة , تغشاها ظلمة و سواد , فهي وجوه سوداء مظلمة مدلهمة , قد أيست من كل خير , و عرفت شقاءها و هلاكها .

    ( أولئك هم الكفرة الفجرة ) أي : الكفرة قلوبهم , الفجرة في أعمالهم , الذين لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله , و ركبوا من محارمه , فجوزوا بسوء أعمالهم و خبث نياتهم .

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة النازعات

    و تسمى سورة الساهرة , و الطامة , و هي مكية و آيها ست و أربعون .

    ( و النّازعات غرقا ) أي الملائكة تنزع أرواح الفجار و الكفار عند الموت بشدّة .

    ( و الناشطات نشطا ) أي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين الصالحين نشطا أي تسلها برفق .

    ( و السابحات سبحا ) أي الملائكة مترددات في الهواء صعودا و نزولا .

    ( فالسابقات سبقا ) أي الملائكة تبادر لأمر الله , فتسبق الشياطين في إيصال الوحي إلى رسل الله حتى لا تسترقه .

    ( فالمدبرات أمرا ) الملائكة , الذين و كلهم الله أن يدبروا كثيرا من أمور العالم العلوي و السفلي , من الأمطار , و النبات , و الأشجار , و الرياح , و البحار , و الأجنة , و الحيوانات , و الجنة , و النار , و غير ذلك .

    هذه الآيات الخمس قسم من الله تعالى عظيم , أقسم به على أنه لابد من البعث و الجزاء و أنه واقع لا محالة , حيث كان المشركون ينكرون ذلك حتى لا يقفوا عند حد في سلوكهم فيواصلوا كفرهم و فسادهم جَرْيا وراء شهوتهم كل أيامهم و طيلة حياتهم قال تعالى " بل يريد الإنسان ليفجر أمامه " .
    و تقدير جواب القسم بل تبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم إذ هو معهود في كثير من الإقسام في القرآن كقوله تعالى " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى و ربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم و ذلك على الله يسير " .

    ( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرّادفة ) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هما النفختان الأولى و الثانية , قال الحسن : أما الأولى فتميت الأحياء , و أما الثانية فتحيي الموتى , ثم تلا " و نُفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض إلاّ من شاء الله ثمّ نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " .

    ( قلوب يومئذ واجفة ) أي شديدة الإضطراب ,خوفا من عظيم الهول النازل .

    ( أبصارها خاشعة ) أي أبصار أهلها ذليلة حقيرة , مما قد علاها من الكآبة و الحزن , من الخوف و الرعب .

    ( يقولون أئنا لمردودون في الحافرة , أءذا كنّا عظاما نّخرة ) يعني : مشركي قريش و من قال بقولهم في إنكار المعاد , يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى القبور , و بعد تمزق أجسادهم و تفتت عظامهم , و نخورها قال ابن عباس : و هو العظم إذا بلى و دخلت الريح فيه .

    ( قالوا تلك إذا كرّة خاسرة ) يعنون أنهم إذا عادوا إلى الحياة مرة أخرى فإن هذه العودة تكون خاسرة , قال ابن زيد : و أي كرة أخسر منها ؟ أحيوا ثم صاروا إلى النار , فكانت كرّة سوء . و قال أبو السعود : هذا حكاية لكفر آخر لهم ,متفرع على كفرهم السابق ... أي قالوا ذلك بطريقة الإستهزاء , مشيرين إلى ما أنكروه من الردة في الحافرة .

    ( فإنما هي زجرة واحدة ) أي صيحة واحدة , و هو أن يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث , فإذا الأولون و الآخرون قيام بين يدي الربّ عز وجل ينظرون . قال تعالى " و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " و قال تعالى " و ما أمر السّاعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب " .

    ( فإذا هم بالسّاهرة ) أي على ظهر الأرض أحياء , فيجمعهم الله و يقضي بينهم بحكمه العدل و يجازيهم . و هذه الأرض لم يعمل عليها خطيئة , و لم يَهرَاق عليها دم قال تعالى " يوم تُبدل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار " .

    ( هل آتاك حديث موسى ) أي : هل سمعت بخبره ؟

    ( إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) أي ناداه الله تعالى بالوادي المطهر المبارك – المسمى طوى - , و هو واد في أسفل جبل طور سيناء من برية فلسطين . و كلمه فيه , و امتنّ عليه بالرسالة و اختصه بالوحي و الإجتباء فقال له :

    ( إذهب إلى فرعون إنه طغى ) إذهب إلى فرعون إنه عتا و تكبر و ظلم فأفحش في الظلم و الفساد .

    ( فقل له هل لّك إلى أن تزكّى ) أي : هل لك في خصلة حميدة , و محمدة جميلة , يتنافس فيها أولوا الألباب , و هي أن تُزكّي نفسك و تطهرها من دنس الكفر و الطغيان , إلى الإيمان و العمل الصالح ؟

    ( و أهديك إلى ربك ) أي : أدلك إلى عبادة ربك , و أُبَيّن لك مواقع رضاه , من مواقع سخطه .

    ( فتخشى ) فيصير قلبك خاضعا له مطيعا خاشيا بعد ما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير . قال الزمخشري : ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر , من خشى الله أتى منه كل خير , و من أَمِن اجترأ على كل شر .

    ( فأراه الآية الكبرى ) فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية , و دليلا واضحا على صدق ما جاء به من عند الله , و هي على ما قاله مجاهد , عصاه و يده . أي عصاه إذ تحولت ثعبانا مبينا , و يده إذ أخرجها بيضاء للناظرين . و إفرادهما لأنهما كالآية الواحدة في الدلالة , أو هي العصا لأنها كانت المقدمة و الأصل , و البقية كالتبع .

    ( فكذّب و عصى ) فكذب فرعون موسى فيما أتاه من الآيات المعجزة , و دعاها سحرا , و عصاه فيما أمره به من طاعة ربه و خشيته إياه .

    ( ثم أدبر يسعى ) أي يجتهد في مبارزة الحق و محاربته . و هو جمعُهُ السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى , عليه السلام , من المعجزة الباهرة .

    ( فحشر ) جمع رجاله و جنده .

    ( فنادى ) أي ناداه ليعدهم إلى حرب موسى .

    ( فقال أنا ربكم الأعلى ) يعني أنه لا ربّ فوقه , و بالتالي لا طاعة إلاّ له .

    ( فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى ) أي : انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة و نكالا لأمثاله من المشركين في الدنيا .

    ( إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى ) أي في أخذه لفرعون و ما أحل به من العذاب و الخزي , عظة و معتبرا لمن يخاف الله و يخشى عقابه , و يعلم أن هذه سنته في كل من يقاوم الحق و يحاربه , فإن نبأ الأولين عبرة للآخرين .

    يقول الله تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه :

    ( أأنتم ) أيها الناس ( أشدُّ خلقا أم السماء ) ؟ يعني : بل السماء أشدّ خلقا منكم , فإن من رفع السماء على عظمها , هيّن عليه خلقهم و خلق أمثالهم , و إحياؤهم بعد مماتهم , كما قال سبحانه " لَخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس " و قوله تعالى " أوليس الذي خلق السماوات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم " .
    و الإستفهام هنا استفهام تقريري و هو إلجاؤهم إلى الإقرار و الإعتراف بأن خلق السماء أعظم من خلقهم إذًا كيف ينكرون البعث و الحياة الثانية .

    ( بناها ) قال ابن جرير : أي رفعها فجعلها للأرض سقفا .

    ( رفع سمكها فسوّاها ) أي : جعلها عالية البناء , بعيدة الفناء , مستوية الأرجاء , مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء .

    ( و أغطش ليلها ) أي : جعل ليلها مظلما أسود حالكا , قال ابن جرير : أضاف الليل إلى السماء , لأن الليل غروب الشمس , و غروبها و طلوعها فيها , فأضيف إليها لما كان فيها .

    ( و أخرج ضُحاها ) أي : جعل نهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا , و الضحى انبساط الشمس و امتداد النهار . و إيثار الضحى لأنه وقت قيام سلطان الشمس و كمال إشراقها .

    ( و الأرض بعد ذلك دحاها ) أي بعد تسوية السماء على الوجه السابق , و إبراز الأضواء , بسط الله تعالى الأرض و مهدها لسكنى أهلها , و تقلبهم في أقطارها . أما خلق نفس الأرض ,فمتقدم على خلق السماء كما قال تعالى " قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين " إلى أن قال " ثم استوى إلى السماء و هي دخان فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " .

    ( أخرج منها ماءها ) بأن فجر منها عيونا و أجرى أنهارا .

    ( و مرعاها ) و هو ما يرعى من سائر الحبوب و الثمار و النبات و الأشجار .

    ( و الجبال أرساها ) أي قررها و أثبتها و أكّدها في أماكنها , لتستقر الأرض بأهلها .

    ( متاعا لكم و لأنعامكم ) أي انتفاعا لكم و لأنعامكم في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد , و ينقضي الأجل .

    ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) أي الداهية العظمى التي تطمّ – أي تلو و تغلب أمثالها من الأحداث الجسام – على كل هائلة من الأمور , فتغمر ما سواها بعظيم هولها كما قال تعالى " و الساعة أدهى و أمرّ " , و هي القيامة للحساب و الجزاء .

    ( يوم يتذكّر الإنسان ما سعى ) حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره و شره , و ذلك بعرضه عليه .

    ( و بُرِّزت الجحيم لمن يرى ) أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانا .

    ( فأمّا من طغى ) أي أفرط في تعديه و مجاوزته حد الشريعة و الحق , إلى ارتكاب العصيان و الفساد و الضلال .

    ( و آثر الحياة الدنيا ) أي قدمها على أمر دينه و أخراه .

    ( فإن الجحيم هي المأوى ) فإن مصيره إلى الجحيم , و إن مطعمه من الزقوم , و مشربه من الحميم .

    ( و أمّا من خاف مقام ربّه ) أي : خاف القيام بين يدي الله عز و جل , و خاف حُكمَ الله فيه ,فأدى الفرائض و اجتنب النواهي .

    ( و نهى النفس عن الهوى ) أي : نهى نفسه عن هواها , فلم يجيبها في هوى يبغضه الله و لم يطعها في شيء حرمه الله , بل صار هواه تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم .

    ( فإنّ الجنّة هي المأوى ) أي : منقلبه و مصيره و مرجعه إلى الجنة الفيحاء .

    ( يسألونك عن السّاعة أيّان مرساها ) أي يسألك يا رسولنا المتعنتون المكذبون المنكرون للبعث عن الساعة متى وقوعها و قيامها .

    ( فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ) ليس علمها إليك و لا إلى أحد من الخلق , بل مَردها و مرجعها إلى الله عز و جل , فهو الذي يعلم وقتها على التعيين , كما قال تعالى في آية أخرى " يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات و الأرض لا تأتيكم إلا بغته يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله و لكن أكثر الناس لا يعلمون " .

    ( إنما أنت منذر من يخشاها ) إنما بعثتك لتنذر الناس و تحذرهم من بأس الله و عذابه , فمن خشي الله و خاف مقامه ووعيده , اتبعك فأفلح و أنجح , و الخيبة و الخسار على من كذبك و خالفك .

    ( كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) كأن هؤلاء المكذبين بها , و بما فيها من الجزاء و الحساب , يوم يشاهدون وقوعها , من عظيم هولها , لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا ساعة من نهار , بمقدار عشية – و هي ما بين الظهر إلى غروب الشمس - , أو ضحاها – و هي ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار - .

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة النبأ

    و تسمى سورة عمّ يتساءلون , و هي مكية و آيها أربعون .

    ( عمّ يتساءلون ) عن أي شيء يتساءل المكذبون بآيات الله ؟ قال ابن جرير : و ذلك أن قريشا جعلت , فيما ذكرعنها , تختصم و تتجادل في الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم , من الإقرار بنبوته , و التصديق بما جاء به من عند الله تعالى , و الإيمان بالبعث . فقال الله تعالى لنبيه : فيما يتساءل هؤلاء القوم و يختصمون ؟
    ثم بيّن ما يتساءلون عنه فقال : " عن النبأ العظيم , الذي هم فيه مختلفون " .

    ( عن النبأ العظيم ) أي : الخبر الهائل المفظع الباهر , و هو أمر القيامة و البعث بعد الموت .

    ( الذي هم فيه مختلفون ) يعني : الناس فيه على قولين : مؤمن به و كافر .

    ( كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ) أي : سيعلمون إذا نزل بهم العذاب ما كانوا به يكذبون , حيث يُدَعُّون إلى نار جهنم دَعَّا , و يقال لهم " هذه النار التي كنتم بها تكذبون " .

    ثم شرع الله تعالى يُبَيِّن قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة و الأمور العجيبة , الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد و غيره , فقال :

    ( ألم نجعل الأرض مِهَادَا ) أي : ممهدة مهيأة لكم و لمصالحكم , من الحروث و المساكن و السبل .

    ( و الجبال أوتادا ) أي : جعلها للأرض أوتادًا , أرساها بها و ثبتها و قرّرها حتى سكنت و لم تضطرب بمن عليها .

    ( و خلقناكم أزواجا ) أي ذكورا و إناثا . قال الإمام : ليتم الإئتناس و التعاون على سعادة المعيشة و حفظ النسل و تكميله بالتربية .

    ( و جلعنا نومكم سباتا ) أي : قَطْعًا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد و السعي في المعايش في عرض النهار .

    ( و جلعنا الليل لباسا ) أي كاللباس بإحاطة ظلمته بكل أحد , و ستره لهم .

    ( و جلعنا النهار معاشا ) أي : جعلناه مشرقا منيرا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه و الذهاب و المجيء للمعاش و التكسب و التجارات , و غير ذلك .

    ( و بنينا فوقكم سبعا شدادا ) أي : السموات السبع في قوتها و صلابتها و شدّتها , و في اتساعها و ارتفاعها و إحكامها و إتقانها , و تزيينها بالكواكب الثوابت و السيارات , و قد أمسكها الله بقدرته , و جعلها سقفا للأرض , لا تفنى و لا تزول إلى أن يأذن سبحانه و تعالى بزوالها .

    ( وجعلنا سراجا وهّاجا ) يعني : الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم .

    ( و أنزلنا من المعصرات ) أي السحابات التي حان لها أن تمطر .

    ( ماءً ثَجَّاجا ) أي منصبّا متتابعا .

    ( لنخرج به حبًّا و نباتا ) أي لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المُبارك " حبّا " من بُرٍّ و شعير , و ذرة و أرز , و غير ذلك , يدخر للأناسي و الأنعام , و " نباتا " يشمل سائر النبات .

    ( و جنّاتٍ ألفافا ) أي حدائق ملتفة الشجر , مجتمعة الأغصان , فيها من جميع أصناف الفواكه اللذيذة .

    فالذي أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة , التي لا يقدر قدرها , و لا يحصى عدها , كيف تكفرون به و تكذبون ما أخبركم به من البعث و النشور ؟! أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه و تجحدونها ؟!!

    ( إن يوم الفصل كان ميقاتا ) يخبر تعالى عن يوم الفصل , و هو يوم يفصل بين الناس و يفرق السعداء من الأشقياء , باعتبار تفاوت الأعمال , و هو يوم القيامة , و أنه مؤقت بأجل معدود , لا يزاد عليه و لا ينقص منه , و لا يعلم وقته على التعيين إلا الله عز و جل , كما قال " و ما نُؤَخرُه إلا لأجل معدود " .

    ( يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ) يوم ينفخ إسرافيل نفخة البعث فتأتون أيها الناس جماعات , جماعات , كل جماعة مع إمامهم , على حسب تباين عقائدهم و أعمالهم و توافقهم , قال تعالى " يوم ندعو كلّ أناس بإمامهم " .

    ( و فُتحت السماء فكانت أبوابا ) و تشققت السماء حتى تكون طرقا و مسالك لنزول الملائكة منها .

    ( و سيرت الجبال فكانت سرابا ) أي : رفعت من أماكنها في الهواء , و ذلك يكون بعد تفتيتها و جعلها أجزاء متصاعدة كالهباء , فترى كأنها جبال و ليست بجبال , بل غبار غليظ متراكم , يرى من بعيد كأنه جبل , ثم يذهب ذلك بالكلية , فلا عين و لا أثر كما قال تعالى " و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا , فيذرها قاعا صفصفا , لا ترى فيها عوجا و لا أمتا " .

    ( إن جنهم كانت مرصادا ) أي موضع رصد , يرصد فيه خزنتها من كان يكذب بها و بالمعاد .

    ( للطّاغين مأبا ) أي تكون للذين طغوا في الدنيا , فتجاوزوا حدود الله استكبارا على ربهم , منزلا و مرجعا يصيرون إليه .

    ( لابثين فيها أحقابا ) أي ماكتين فيها دهورا متتابعة إلى غير نهاية , كقوله تعالى " خالدين فيها أبدا " .

    ( لا يذوقون فيها بردًا و لا شرابا ) لا يجدون في جهنّم ما يبرد جلودهم , و لا ما يدفع ظمأهم .

    ( إلا حميما ) أي ماء حارًّا إنتهى غليانه , يشوي وجوههم , و يقطع أمعاءهم .

    ( و غسّاقا ) و هو صديد أهل النار , الذي هو في غاية النتن , و كراهة المذاق , يجمع في حياض , ثم يسقونه .

    ( جزاءًا وفاقا ) أي : جوزوا بذلك جزاءً موافقا لما ارتكبوه من الأعمال , و قدموه من العقائد و الأخلاق .

    ( إنهم كانوا لا يرجون حسابا ) أي : لم يكونوا يعتقدون أن ثَم دارًا يجازون فيها و يحاسبون , لذلك أهملوا العمل للآخرة .

    ( و كذبوا آياتنا كذابا ) أي : و كانوا يكذبون بحجج الله و دلائله على خلقه التي أنزلها على رسله , فيقابلونها بالتكذيب و المعاندة .

    ( و كل شيء أحصيناه كتابا ) أي : وقد عَلِمنا أعمال العباد كلهم , و كتبناها عليهم , و سنجزيهم على ذلك , إن خيرا فخير , و إن شرا فشر . قال تعالى : " ووضع الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدًا " .

    ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) يقال لأهل النار تقريعا و غضبا و تأنيبا لهم من تخفيف العذاب , ذوقوا ما أنتم فيه , فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه . قال عبد الله بن عمرو : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه : " فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا " . قال : فهم في مزيد من العذاب أبدا .

    ( إن للمتقين مفازا ) إن الذين اتقوا سخط ربهم , بالتمسك بطاعته , والإنكفاف عما يكرهه , لهم مفاز و منجى , و بُعد عن النار .

    ( حدائق و أعنابا ) أي : بساتين جامعة لأصناف الأشجار الزاهية . و خص الأعناب بذكره لشرفه و كثرته في تلك الحدائق .

    ( و كواعب أترابا ) أي حور نواهدهن مستديرة مع ارتفاع يسير , لشبابهن و قوتهن و نضارتهن , و هن في سن واحدة .

    ( و كأسا دهاقا ) أي ملأى من خمر لذة للشاربين .

    ( لا يسمعون فيها لغوا و لا كذّابا ) لا يسمعون في الجنة باطلا من القول و لا كذابا .

    ( جزاءً من ربّك عطاءً حسابا ) هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به جزاءا كافيا وافيا شاملا كثيرا و أعطاهموه , بفضله و منّه و إحسانه و رحمته .

    ( ربّ السماوات و الأرض و ما بينهما الرحمن ) يخبر تعالى عن عظمته و جلاله , و أنه رب السماوات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما – أي مالكهما و المتصرف فيهما – و أنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء .

    ( لا يملكون منه خطابا ) أي : لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كقوله تعالى " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " , و كقوله " يوم يأت لا تكلَّم نفس إلا بإذنه " .

    ( يوم يقوم الرُّوح ) أي جبريل عليه السلام و هو المعبّر عنه بروح القدس في آية أخرى .

    ( و الملائكة صفا ) قال القاشاني : أي صافّين في مراتبهم , كقوله تعالى : " و ما منّا إلاّ له مقام معلوم " . و قال الرازي : يحتمل أن يكون المعنى صفًّا واحدا , و يحتمل أنه صفان , و يجوز صفوفا... و رجح بعضهم الأخير , لآية " و جاء ربُّك و الملك صفًّا صفًّا " .

    ( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا ) أي : لا يتكلمون في الشفاعة كقوله " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " و الضمير للملائكة أو أعمّ كقوله " يوم يأت لا تكلَّم نفس إلا بإذنه " قال الزمخشري : هما شريطتان أن يكون المتكلّم منهم مأذونا له في الكلام , و أن يتكلّم بالصواب , فلا يشفع لغير مرتضى لقوله تعالى " و لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى " .

    ( ذلك اليوم الحق ) أي الواقع الذي لا يمكن إنكاره و هو يوم الفصل , الذي لا يروج فيه الباطل , و لا ينفع فيه الكذب .

    ( فمن شاء اتّخذ إلى ربّه مآبا ) أي فمن شاء اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحق , و الإستعداد له و العمل بما فيه , مرجعا حسنا يؤوب إليه . و نجاةً له من أهواله .

    ( إنّا أنذرناكم عذابا قريبا ) أي : خوفناكم عذابا قريبا جدا – و كل ما هو آت فهو قريب – يبتدئ بالموت و لا ينتهي أبدا .

    ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) أي : يعرض عليه جميع أعماله , خيرها و شرها , قديمها و حديثها , كقوله " ووجدوا ما عملوا حاضرا " , و كقوله " يُنَبَّأُ الإنسان يومئذ بما قدّم و أخّر " .

    ( و يقول الكافر ياليتني كنت ترابا ) أي يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا , و لم يكن خُلِقَ , و لا خرج إلى الوجود . و ذلك حين عاين عذاب الله , و نظر إلى أعماله الفاسدة قد سطِّرت عليه بأيدي الملائكة السَّفرة الكرام البررة . و قيل : إنه لم يرى البهائم بعد القصاص لها صارت ترابا , يتمنى الكافر و هو في عذايه أن لو كان ترابا مثل البهائم , و لولا العذاب و شدته و دوامه لما تمنى أن يكون ترابا أبدا .

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    تفسير سورة المرسلات

    و تسمى سورة العرف , و هي مكية و آيها خمسون .

    أقسم الله تعالى – على البعث و الجزاء بالأعمال – بعدة أشياء من مخلوقاته – و لله أن يقسم بما شاء , و الحكمة من الإقسام أن تسكن النفوس للخبر و تطمئن إلى صدق المخبر فيه و بذلك يحصل الغرض من إلقاء الخبر على السامعين – فقال :

    ( و المرسلات عرفا ) هي الرياح المتتابعة الطيبة العذبة .

    ( فالعاصفات عصفا ) أي الرياح الشديدات الهبوب , السريعات الممرّ , التي قد تعصف بالأشجار و تقتلعها و بالمباني و تهدمها .

    ( و الناشرات نشرا ) هي الرياح المعتدلة التي تنشر السحاب في آفاق السماء - كما يشاء الرب عز و جل – و تفرقه أو تسوقه للإمطار و إنزال المطر , فتحيي الأرض بعد موتها . قال تعالى " و هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته " , و قال سبحانه " الله الذي يرسل الرّياح فتثير سحابا فيبسطه في السّماء " .

    ( فالفارقات فرقا ) يعني الملائكة , فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق و الباطل , و الهدى و الغيّ , و الحلال و الحرام .

    ( فالملقيات ذكرا ) و هي الملائكة تلقي بالوحي على من اصطفى الله تعالى من عباده .

    ( عذرا أو نذرا ) أي : إعذارا و إنذار للناس , تنذر الناس ما أمامهم من المخاوف , و تقطع معذرتهم , فلا يكون لهم حجة على الله .

    ( إنّما توعدون لواقع ) - هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام - , أي : ما وعدتم به من قيام الساعة , و النفخ في الصور , و بعث الأجساد , و جمع الأولين و الآخرين في صعيد واحد , و مجازاة كل عامل بعمله , إن خيرا فخير و إن شرا فشر , إن هذا كله متحتم وقوعه , من غير شك و لا ارتياب , و عليه فأصلحوا أعمالكم بعد تصحيح نياتكم فإن الجزاء واقع لا يتخلف أبدا و لا يتغير و لا يتبدل .

    ( فإذا النجوم طُمست ) أي : ذهب ضوؤها و محي , كقوله " و إذا النجوم انكدرت " و كقوله " و إذا الكواكب انتثرت " .

    ( و إذا السماء فُرِجَت ) أي انشقت و تصدعت , و تدلت أرجاؤها , و وَهت أطرافها .

    ( و إذا الجبال نُسِفت ) أي اقتلعت من أماكنها بسرعة , ثم فتتت , فلا يبقى لها عين و لا أثر , كقوله تعالى " و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا , فيذرُها قاعا صفصفا , لا ترى فيها عِوجا و لا أمتا " , و قال سبحانه : " و يوم نُسيِّر الجبال و ترى الأرض بارزة و حشرناهم فلم نُغادر منهم أحدا " .

    ( و إذا الرُّسل أُقِّتت ) أي : أجلت للإجتماع لوقتها يوم القيامة للشهادة على أممهم و الفوز بما وعدوه من الكرامة .

    ( لأيّ يوم أجّلت ) لأي يوم أجلت الرسل و أرجئ أمرها ؟ – و الإستفهام للتعظيم و التفخيم و التهويل – و الجواب ( ليوم الفصل ) و هو يوم القيامة , قال تعالى : " فلا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله إنّ الله عزيز ذوانتقام , يوم تبدّل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار " .

    ( و ما أدراك ما يوم الفصل ) و هذا تفخيما لشأنه و إعلاما بهوله .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي : يا حسرتهم , و شدة عذابهم , و سوء منقلبهم , أخبرهم الله , و أقسم لهم , فلم يصدقوه , فاستحقوا العقوبة البليغة .

    ( ألم نُهلك الأولين ) أي : أما أهلكنا المكذبين بالرسل و الجاحدين بالآيات من الأمم السابقة كعاد و ثمود و قوم إبراهيم و قوم لوط إلى زمن البعثة النبوية .

    ( ثمّ نتبعهم الأخرين ) ثم نتبعهم بإهلاك من كذب من الآخرين , و هو عيد لأهل مكة .

    ( كذلك نفعل بالمجرمين ) أي كل من أجرم و طغى و بغى , سيكون هلاكه مثل هلاك الأولين .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) قال ابن جرير : أي بأخبار الله التي ذكرها في هذه الآية , الجاحدين قدرته على ما يشاء .

    ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) أي : أما خلقناكم أيها الآدميون من نطفة – و هو المنيّ – ضعيفة حقيرة بالنسبة إلى قدرة الباري عز و جل .

    ( فجعلناه في قرار مكين ) يعني جمعناه في الرّحم , و فيه يستقر و ينمو . و الرحم معد لذلك , حافظ لما أودع فيه من الماء .

    ( إلى قدر معلوم ) و هو زمن الولادة , و هي مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر .

    ( فقدرنا ) أي : قدرنا و دبرنا ذلك الجنين , في تلك الظلمات , و نقلناه من النطفة إلى العلقة , إلى المضغة , إلى أن جعله الله جسدا , ثم نفخ فيه الروح , و منهم من يموت قبل ذلك .

    ( فنعم القادرون ) على الخلق و التقدير معا .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) بعدما بين الله لهم الآيات , و أراهم العبر و البينات .

    ( ألم نجعل الأرض كِفاتا , أحياءً و أمواتا ) قال ابن جرير : أي وعاء . و المعنى ألم نجعل الأرض تضمّ أحياءكم و تجمعهم في المساكن و المنازل , و أمواتكم في بطونها في القبور فيدفنون فيها ؟

    ( و جعلنا فيها رواسي شامخات ) يعني : الجبال , أرسى بها الأرض لئلا تميد و تضطرب بأهلها .

    ( و أسقيناكم ماءً فراتا ) عذبا زلالاً من السحاب , أو مما أنبعه الله من عيون الأرض .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها , ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه و كفره .

    ( إنطلقوا ) أي : يقال لهؤلاء المكذبين بهذه النعم و الحجج التي احتج بها عليهم يوم القيامة و هم في عرصاتها , يقال لهم تقريعا و تبكيتا ( إنطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) من عذاب الله للكفرة الفجرة .

    ( لا ظليل و لا يُغني من اللهب ) أي : ظل الدخان المقابل للهب ليس ظلا حقيقيا كظل الشجرة و الجدار فيكن و يستر , بل هو ظل لا راحة فيه و لا طمأنينة , بحيث من يمكث فيه , لا يقيه حر اللهب , و لا يردّ عنه من لهب النار شيئا .

    ( إنها ترمي بشرر كالقصر ) أي : يتطاير الشرر من لهيب النار كالقصر , في عظمه و كبره و ارتفاعه , و هذا دال على عظم نار جهنم و فظاعتها و سوء منظرها .

    ( كأنه جمالات صفر ) أي : الشررة كالجمل – في هيئتها و لونها – الأصفر و هو الأسود المائل إلى الصفرة , و هذا يدل على أن النار مظلمة , لهبها و جمرها و شررها , و أنها سوداء , كريهة المرأى , شديدة الحرارة .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) يتوعد الله تعالى المكذبين به و بآياته و لقائه و رسوله صلى الله عليه و سلم .

    ( هذا اليوم لا ينطقون ) أي هذا اليوم العظيم الشديد على المكذبين , لا ينطقون فيه بشيء من الخوف و الوجل الشديد .

    ( و لا يُؤذن لهم فيعتذرون ) أي : لا يمهد لهم الإذن في الإعتذار , لعدم قبول معذرتهم بقيام الحجة عليهم .

    و عرصات يوم القيامة حالات , و الرب تعالى يخبر مرة باعتذارهم و كلامهم في موطن , و ينفيه في آخر , إذ هو ذاك الواقع , في مواطن يتكلمون بل يحلفون كاذبين و في مواطن يغلب عليهم الخوف فلا يتكلمون بشيء و في مواطن يطلب منهم أن يتكلموا فيتكلموا و في أخرى لا .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) وعيد لكل المكذبين بهذا و بغيره .

    ( هذا يوم الفصل جمعناكم و الأوّلين ) يقال لهم يوم القيامة و هم في عرصاتها : هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون جمعناكم فيه أيها المكذبون من هذه الأمة و المكذبين الأولين من قبلها .

    ( فإن كان لكم كيد فكيدون ) إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي , و تنجوا من حكمي فافعلوا , فإنكم لا تقدرون على ذلك , كما قال تعالى " يا معشر الجنّ و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " , و قال تعالى " و لا تضرُّونه شيئا " , وفي الحديث : " يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني " رواه مسلم .
    ففي ذلك اليوم , تبطل حيل الظالمين , و يضمحل مكرهم و كيدهم ,و يستسلمون لعذاب الله , و يبين لهم كذبهم في تكذيبهم .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي : ويل يوم إذ يجيء يوم الفصل للمكذبين .

    من باب الترغيب و الترهيب و هو أسلوب امتاز به القرآن الكريم , ذكر تعالى ما للمتقين من نعيم مقيم بعد ذكر ما للمكذبين الضالين من عذاب الجحيم فقال تعالى :

    ( إن المتقين ) أي : الذين اتقوا ربهم فآمنوا به و أطاعوه بأداء الواجبات , و ترك المحرمات .

    ( في ظلال و عيون ) في ظلال أشجار الجنة الوارفة , و عيون من ماء و لبن و خمر و عسل , جارية من السلسبيل , و الرحيق و غيرهما .

    ( و فواكه ممّا يشتهون ) و فواكه كثيرة منوعة مما يشتهون – أي يتمنون إذ أكلهم للذة الأكل لا للحفاظ على الجسم كما هي الحال في الدنيا – على خلاف الدنيا , إذ الناس يأكلون مما يجدون فلو اشتهوا شيئا و لم يجدوه ما أكلوه , و أما دار النعيم فإن المرء ما اشتهى شيئا إلاّ وجده و أكله و هذا السر في التعبير في غير موضع بكلمة مما يشتهون .

    ( كلوا و اشربوا ) من المآكل الشهية , و الأشربة اللذيذة .

    ( هنيئا ) أي : من غير منغص و لا مكدر , و لا يتم هناؤه , حتى يسلم الطعام و الشراب من كل آفة و نقص , و حتى يجزموا أنه غير منقطع و لا زائل .

    ( بما كنتم تعملون ) من الصالحات و تتركون من السيئات , فأعمالكم هي السبب الموصل لكم إلى هذا النعيم المقيم .

    ( إنّا كذلك نجزي المحسنين ) أي : هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) هذا توعد بالعذاب الأليم لمن يكذب بوعيد الله هذا ووعده ذاك . و لو لم يكن لهم من هذا الويل إلا فوات هذا النعيم , لكفى به حرمانًا و خُسْرانًا .

    ( كلوا و تمتّعوا قليلا إنّكم مجرمون ) هذا تهديد ووعيد للمكذبين , أنهم و إن أكلوا في الدنيا و شربوا و تمتعوا باللذات , و غفلوا عن القربات , فإنهم مجرمون , يستحقون ما يستحقه المجرمون , فستنقطع عنهم اللذات و تبقى عليهم التبعات .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) كما قال تعالى " نُمتّعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ " , و قال تعالى : " إنّ الذين يفترون على الله الكذِب لا يفلحون , متاع في الدّنيا ثمّ إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون " .

    ( و إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ) أي : إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة , امتنعوا من ذلك و استكبروا عنه .

    ( ويل يومئذ للمكذبين ) الذين كذبوا رسل الله , فردوا عليهم ما بلغوا من أمر الله إياهم و نهيه لهم .

    ( فبأيّ حديث بعده يؤمنون ) أي : فبأي كتاب يؤمن هؤلاء المكذبون إذا لم يؤمنوا بالقرآن و ذلك لما فيه من الخير و الهدى و لما يدعو إليه من السعادة و الكمال , كما أنه معجز بألفاظه و معانيه , بخلاف الكتب و غيره , فمن لم يؤمن به لا يرجى له أن يؤمن بغيره بحال من الأحوال .

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    461

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاك الله خير الجزاء أخي عبدالحي ..... و جعله ربي في ميزان حسناتك

    واصل .. بارك الله فيك
    قياس الحياة ليس في طول بقائها و لكن في قوة عطائه

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    986

    افتراضي رد: سلسلة : تفسير القرآن الكريم لعموم المسلمين

    و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

    أحسن الله إليكم و أجزل لكم المثوبة

صفحة 3 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •