بسم الله الرحمن الرحيم
جذبني رابط وجدته على صفحة الدكتور عمرو حمزاوي على الفيس بوك لحلقة تلفيزيونية على قناة cbc فيها لقاء بين عمرو حمزاوي وعلي الجفري في برنامج : " آمنت بالله " يقدمه خيري حاتم ، فحضرت اللقاء وهو مكون من حلقتين في الليلة الماضية والتي قبلها (10-11 / رمضان /1432 هـ) ..


وأقول : إن الليبرالية التي يدعو إليها حمزاوي والصوفية التي يدعو إليها الجفري تشتركان في أمرين مفصليين :
الأول : أن كلتا الفكرتين لا تحاربان الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مطلقاً ، ولا تبغيان زواله مطلقاً ، وإنما هما بحسب - تعبير الشيخ الفاضل أبي فهر السلفي - تريدان ديناً منخفض التكاليف ، وخطورة هذا تكمن في كونه تلبيساً يسوغ قبول دعاة هاتين الفكرتين عند العوام من الناس .
الثاني : أن الصوفية والليبرالية بمجموعهما إذا انتشرتا في عقول الشعوب الإسلامية وسيطرتا على ثقافة الناس ، فإنهما تشكلان أفضل ما يطمح إليه الأمريكان من فكر لا يحارب نفوذهم في بلادنا ، فهما خير صمام أمان للنفوذ الأمريكي ، فدولة السياسيون فيها ليبراليون ، وأهل الدين فيها صوفيون هي أحلى دولة تحلم بها أمريكا في بلاد المسلمين .
أما تعليقاتي على هذا اللقاء :
أولاً : عندما يتحاور المتخالفان فإنهما يحرصان على إبراز محل الخلاف ، على الأقل : حتى يتبين للناس مذهب كل منهما ، وقد أعجبني في مناظرة الشيخ المهندس عبد المنعم الشحات حفظه الله لحمزاوي ، أنه منذ البداية حرص على إبراز الخلاف ، وهذا واجب من يريد إيضاح دين الله للناس وكشف ما يضاده ، أما الجفري فقد بدا حريصاً على عدم الظهور بمظهر المخالف أو الخصم لليبرالبة حمزاوي ، وهذا أعظم التلبيس .
وإنما الخلاف الذي يحرص الجفري والقبورية على إظهاره دائماً والذي ينبغي أن يكون واضحاً جلياً في أذهان أتباعه ، هو الخلاف مع السلفية الوهابية ، لأنهم يعلمون أن هؤلاء هم المهدد الحقيقي لفكرهم .
ولا يقال : ليس ثمة خلاف بينهما ، بل بينهما خلاف أصلي ، فالجفري رجل منتسب إلى المذهب الشافعي وهو أشعري في العقيدة ، ومن هذا شأنه يكون مؤمناً بحاكمية الشريعة ، بل مقالة نبذ تحكيم الشريعة مقالة محدثة ، لا أعلم فرقة من الفرق العقدية الكبرى قالت بها ، أما حمزاوي فهو ليبرالي ؛ إيمانه بحاكمية الشريعة مثل إيمان جينكيز خان بها .
فعندما ذكر حمزاوي مسألة ولاية النصراني ، وأصل لها بتأصيل صريح في نبذ حكم الشريعة ، لم يعترض عليه الجفري ، ثم انتهت الحلقة وفي الحلقة التالية جاء الجفري بمثال المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى ، وهذا لا يخالف حمزاوي في الرجوع إلى الشريعة في حكمه ، وكان الواجب إبراز محل الخلاف في التأصيل الذي ذكره وفي المثال الذي ذكره أعني ولاية النصراني .
ثانياً : بدا جهل الجفري واضحاً بالفكر الليبرالي من خلال أسئلته واعتراضاته ، فهو يسأل سؤال الجاهل ، وليس سؤال المناظر ، ويعترض باعتراضات لا ترد على حمزاوي ، مثل اعتراضه بأن المبادىء فوق الدستورية تناقض الفكرة الليبرالية ، فهذا يصح لو كان حمزاوي يؤمن بحرية بدون قيود لكنه يوضح مراراً أن الحرية التي يدعو إليها منضبطة بالصالح العام ، وقد أوضح هذا في جوابه على الجفري أيضاً.
وكذلك أبدى فرحة بالغة عندما قال حمزاوي بأنه ينحاز إلى الشريعة في قضية المساواة في الإرث بين الذكر والإنثى ، وكان الواجب أن يلزمه بأن ينحاز إلى الشريعة في كل شيء وأن يجعلها الضابط للحرية وتحديد الصالح العام ، لا أن يفرح بكلامه مثل الأبله ، فهؤلاء لا يضرهم تحكيم الشريعة في الإرث والطلاق والزواج ، وإنما يضرهم أن يروا حكم الله تعالى ظاهراً غالباً منتصراً في ما يحارب أهوائهم وشهواتهم ، وأن يروا دين الله عزيزاً غالباً فوق دين سيدتهم أمريكا ..
ثالثاً : في مناظرة حمزاوي مع الشيخ عبد المنعم الشحات ، تحدى حمزاوي أن يأتي أحد بتسجيل له يثبت أنه يدعو فيه إلى الليبرالية كما هي مطبقة في أمريكا ، وقد رأيت حلقة لوسام عبد الوراث مع الشيخ محمد عبد المقصود أجيب فيه عن هذا التحدي يأن عرض مقطع من مناظرة حمزاوي مع عصام سلطان ، وقد كفانا الشيخ محمد حفظه الله توبيخ حمزاوي على كذبه ، لكن حمزاوي بكل صراحة كرر ذلك في هذا اللقاء ، والذي أذهلني هو جواب الجفري على كلامه ، وسأنقل كلامهما بحروفه حتى يتقرر ما ذكرته في البداية من نقطة الاشتراك بين الليبرالية والصوفية ، من أنهما صمام أمان النفوذ الأمريكي :
" حمزاوي : ممارسة الليبرالية المحافظة ، والليبرالية الاجتماعية ، كما هي تطبق في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهناك ملامح قانونية وتشريعية واضحة ، كما تطبق في بعض مجتمعات أمريكا اللاتينية التي تبدأ بصورة أن دين الدولة هو كذا .. كاثوليكي ، يعني هذه الأمور قائمة ، وهي مدارس ليبرالية محافظة ، رغبت وما زالت ترغب في أن لا تكون هناك مساحة من التعارض بين الإطار القانوني بين الدستور وبين المرجعية الدينية .
الجفري : وبالتالي تسمح لأن يكون للدين أثر في القانون .
حمزاوي : طبعاً .. طبعاً .
الجفري : هذا جميل ، أنا أريدكم تستدعوها لنا هذه (!!!)
حمزاوي – مندهشاً - : هذا ما نقوم به ! نحن نجتهد ..
الجفري : هذه نحتاجها .. وأريد أن تعمل دروس فيها لليبرالينا العرب .
حمزاوي – فرحاً - : هذا أصعب !
الجفري : يعني هذه ستكون نقطة الالتقاء !
حمزاوي : نعم .. نعم ..
( نهاية الحلقة الثانية ، الدقيقة 22 ) .
قال مقيده عفا الله عنه : هل يحتاج هذا إلى تعليق ؟ ويبدو على ملامح حمزاوي نفسه أنه أصيب بالدهشة من جواب الجفري .. فيبدو أنه لم يكن يعرف أنهما زملاء ..
رابط الحلقتين :



وكتب :
محمد براء ياسين
12 / رمضان المبارك /1432 هـ