لماذا يعتذر الملياردير؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: لماذا يعتذر الملياردير؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    44

    افتراضي لماذا يعتذر الملياردير؟

    الحمد لله وحده، وبعد..

    حادثة فيها الكثير من العبر، جديرة بإمعان النظر في ملابساتها ليظهر لنا عجيب صنع الله في خلقه ومحكم تدبيره، أعني حادثة نشر الملياردير المشهور لتلك الصورة التي سخر بها من مظاهر الدين الإسلامي، والتي ساءت المصريين وغيرهم على اختلاف توجهاتهم، قررت أن أصطحبكم في رحلة قصيرة، نتأمل في بعض ما أحاط بها وما تبعها، نتناول سلوك الملياردير وتوجهه الفكري والسياسي وكيف وقع في هذا الخطأ التكتيكي، ولماذا اعتذر، فأقول وبالله التوفيق:

    قد قصّ علينا ربنا اللطيف في كتابه من نبأ رجل أوتي من المال ما لم يؤته أحدٌ في عصره، أساء استخدام هذا المال ولم يشكر النعمة، والأخطر من ذلك: أنه اغتر بقوته وكثرة أتباعه، إذ ظن أن المال والقوة قرينان لا يفترقان تحت أي ظرف وأيا كان الطريق المسلوك، وأن من ملك المال فقد ملك السلطة والنفوذ، يستطيع تشكيل المجتمع وتوجيه سياساته كما شاء ومتى شاء، في ذلك يقول ربنا: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة..) إلى قوله جل وعلا: (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا...)

    والشاهد من هذا القدر الذي اقتبسته من الآيات الكريمات، أن فكرة الارتباط بين المال من جانب، وبين القوة والسلطة والنفوذ من جانب كانت دائما بمثابة العقيدة الراسخة في قلوب وعقول أصحاب الغنى الفاحش، وهذا القدر من الفكرة أمر متفق عليه بين العقلاء، لكن الذي غاب عن أكثرهم هو قدر يسير آخر لا تكتمل الصورة في غيابه، إذ يقيد هذا الإطلاق السابق، وهو أن القوة والانتفاع الحقيقيين لا يتحصلان لصاحب المال إلا إن أحسن استخدامه وأنفقه على الوجه الذي يرضي ربه، أما من لا يتقي الله ولا يحترم القيم والمبادئ، فلن يتحصل على القوة التي رام نوالها أبدا، بل سوف يسعى دوما إلى تحقيق النفوذ وزيادة القوة، وينجح فعلا في تحقيق نجاحات فيما يبدو له وللناس، حتى لتظن أنه قد ملك زمام الحياة، ولكن هذا سرعان ما يتلاشى عند المحكات، ويدرك أن ما أنفقه لخدمة مشروعه لم يثمر ما كان يحلم به ويمنّي به نفسه، ذلك أن سنة الله الجارية، أنه لا يكافئ من أساء استخدام نعمته فيرزقه النجاح والظفر أبدا، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    والتعارض بين المصالح والمبادئ معقد ابتلاء، والضمير إذا همّشه صاحبه المرة تلو المرة يأخذ وخزه في الاضمحلال حتى يتلاشى، وعند هذه النقطة: ينكسر كل حاجز شرعي وينفك كل قيد أخلاقي، وتتسع دائرة الاختيار لتشمل كل طريق يتصوره العقل يمكن سلوكه لتحقيق المصلحة.

    ولذا، فقد سعى من حُرِم العدل والشفقة والإيثار وغيرها من القيم النبيلة من رجال الأعمال وأصحاب الثروات إلى توظيف ملياراتهم بصورة لا ترضي الله ولا تتفق والقيم التي أقرتها كل الشرائع. سعوا دوما للسيطرة على قنوات صنع القرار مستخدمين تلك الأموال الطائلة التي لا يتخيل الساسة أنفسهم أن رجلا على الأرض يملك عشرها! وإذ يسيطرون على تلكم القنوات، فإنهم يسمحون بمرور ما راق لهم وما صنعوه بأنفسهم من قرارات ويمنعون سواها، والشعب يرزح تحت وطأة هذا التحالف غير الأخلاقي بين السلطة والمال، ولا يستطيع أن يحرك ساكنا!

    والوقائع في عصرنا تبين هذه الحقيقة وتعري ممارسات القوم بصورة لا تحتمل المناقشة، ولعل البعض قد بلغه خبر ما فعلته شركة (إلف) الفرنسية التي كانت تسيطر على ثلثي إنتاج النفط في الكونغو، وكيف أطاحت بالرئيس المنتخب (باسكال ليسوبا) حين أراد أن يكسر احتكار (إلف) وقرر التفاوض مع الشركات الأمريكية!

    بل يصل الأمر إلى أن يقوم بعض رجال الأعمال في بريطانيا باستئجار عضوين في البرلمان البريطاني لتوجيه أسئلة معينة في جلسات البرلمان لخدمة مصالحه الشخصية، فيما عُرف ساعتها بفضيحة (المال مقابل الأسئلة).

    أما ما تدفعه الشركات الكبرى لدعم الساسة والأحزاب فيفوق الخيال بحق! فلك أن تتصور أن أكبر خمسمائة شركة في أمريكا أعطت ما يربو على 260 مليار دولار لدعم طرفي الصراع في أمريكا (الجمهوريين والديمقراطيين) بين عامي 1987 و1996 كما يذكر الدكتور محمد أمحزون نقلا عن كتاب (السيطرة الصامتة) لمورينا هيرتس، ولا شك أن هذا لم يكن لوجه الله خالصا! ولا لمصلحة الوطن، بل للإحاطة برجال السياسة إحاطة السوار بالمعصم، ليصبحوا في أيديهم كالدمى.

    أما في مصرنا الحبيبة، فلا أجد وصفا أبلغ من ذلك الذي ذكره الأستاذ فهمي هويدي، حين عبّر عن هذه الحقيقة بعبارة وجيزة، وُفق فيها إلى وصف الحال قبل وبعد الثورة، وذلك قوله: (لأن الإعلام بات ساحة الحضور والتأثير السياسى، فإن مرحلة ما بعد الثورة شهدت تحالفا جديا بين رجال الأعمال والإعلام، ظهر بديلا عن تحالف الثروة والسلطة الذى تبناه النظام السابق). ولن أزيد على كلام الأستاذ، فهو في غاية الدقة والنفاسة، ولكنني أتناول نموذج صاحبنا رجل الأعمال صاحب الثروة، الذي آثر ألا يرتمي في أحضان مبارك بصورة كلية، ولكن جعل بينه وبينه مسافة، ليست بالبعيدة فيخسره بالكلية ولا بالقريبة فينهار بانهياره، بحيث يفيد كلٌ من الطرفين من الآخر، دون أن يحصل هذا التزاوج التام؛ ذاك الفخ الذي وقع في شراكه غيره من رجال الأعمال، وكان هذا وضعا مناسبا لا يجد صاحبنا الملياردير فيه أدنى غضاضة، بل لم يكن يتمنى زواله في يوم من الأيام، وقد ظهر ذلك في حديثه مع (البي بي سي) في أحلك لحظات الثورة، وذلك حين سئل عن رأي (لجنة الحكماء) -التي كان عضوا فيها- في الوضع ساعتها، فقال: (إن النظام يسعى نحو تحول ديمقراطي حقيقي، وأن هناك محاولات خارجية لزعزعة الاستقرار)!

    وعلى الرغم من كونه واحدا من أعضاء تلك اللجنة التي أنيط بها التفاوض مع الشباب، فإنه قال في نفس اللقاء: (هؤلاء الشباب ليس لهم قيادة محددة حتى يستطيع الإنسان أن يتفاوض معهم)، بل قال في نفس اللقاء صراحة (إنه يرفض المطالبة برحيل مبارك أدبيا وعاطفيا وعسكريا (كذا بهذا السياق!ٍ) لما قدمه للبلاد)، ووصف هذه المطالبات (بالبذاءات وقلة...)! وهذه الفقرة من لقاء البي بي سي تجدها على موقع يوتيوب تحت عنوان: (فضيحة مدوية!...).

    هذا الرفض القاطع لفكرة الإطاحة بمبارك تغير بالمناسبة قبل غرق السفينة بسويعات، إذ تبنى الملياردير صباح يوم 11 فبراير الرأي المطالب برحيل الرئيس ولكن بصورة تحفظ كرامته، وذلك في اتصال هاتفي مع أحد البرامج على قناته!

    ثم شاء الله أن تغرق سفينة مبارك وتقبع في قاع البحر، ليغرق كل من ركبها، وينجو صاحبنا من الكارثة، ليبدأ عصر جديد تغيرت فيه صورة القوة والتأثير، وليحل الإعلام محل السلطة، فيظهر نجم صاحبنا الذي لم تغب حقيقة تأثير الإعلام عن ذهنه يوما من الأيام ولا حتى أيام النظام البائد، بل أضحى اليوم هو بنفسه جزءا من الإعلام الذي ظن أنه الوسيلة المثلى لتحقيق مآربه، فما عليك إلا أن تملك بأموالك الصحف والفضائيات، وتنفق من خزائنك لترتقي بحرفيتها وتروج لها، وتوظف أصحاب المهارات الإعلامية الفريدة، ثم تبدأ من خلالها في بث كل ما يخطر ببالك من أفكار وتوجهات من شأنها أن تحقق حلمك، وبهذا يفوق نفوذك نفوذ أحمد عز في زمان مبارك!

    ثم وقع الملياردير في خطأ أخلاقي ساء الجميع -وليست بأولى بركاته- بما فيهم بني ديانته من النصارى، حين نشر تلك الصورة التي تستهزئ ببعض مظاهر الدين الإسلامي، ثم قال بعدها: (لم أقصد أية إساءة وإنما كنت أمزح) وطفق يتأسف ويعتذر بكل اللغات!

    ونحن إذ قد نبأنا الله من أخبار بعض هؤلاء، الذين لا يعتذرون إلا حين يُسقط في أيديهم، بل ورأينا ذلك بأعيننا من رجل كرئيس تونس، حين فهم شعبه وأعلن اعتذاره بعد انهيار نظامه وقبل هروبه بساعات، فإننا –على أقل تقدير- من حقنا أن نضع اعتذار الملياردير تحت المجهر ونخضعه لشيء من الفحص، ليتبين لنا الجواب عن أسئلة مثل:

    هل كان يمزح حقا؟ ولماذا اختار المظاهر الإسلامية ليسخر منها؟ هل هي مجرد مصادفة؟

    والسؤال الأخطر والأهم: لماذا يعتذر مع كونه مالكا لأقوى سلاح عرفه عصر ما بعد الثورة؟

    إنك حين تفتح صفحة الملياردير على موقع تويتر، تجد صورته وقد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة العريضة، بحيث ينتاب من لا يعرفه الشعور بأن الرجل من أهدأ الناس طبعا ومن ألين الناس عريكة ومن أطيب الناس نية ومن أكثر الناس حرصا على ممازحة أخلائه! ثم إذ تتأمل مواقفه الأخيرة وحواراته التليفزيونية، تجده نموذجا لرجل عصبي المزاج حاد الطبع شرس إلى أبعد حد لا يكاد يخرج من فمه إلا ما يؤذي مشاعر المستمعين ولم تؤثر عنه مزحة واحدة! بل وجدناه في مرة يقول: "أنا اللي يضطهدني أطلع....."، ووجدناه يصرخ يوم أحداث إمبابة على شاشة قناته، مع أنه بحسب دعواه يملك جهازا إعلاميا فذاً لا نظير له، فلا شك أنه كان أول من علم أن الذي بدأ بإطلاق الرصاص يومها كان رجلا من بني ملته! ووجدناه أيضا من فرط غيظه من نتيجة الاستفتاء يقول: "مش هنسيب الخناقة الجاية"!

    "صراخ" و"خناقة" و"أطلع د..."، وهذا كله على الهواء مباشرة! فما بالك بجلساته الخاصة، أتراه يخفض صوته وينتقي ألفاظه ويملأ المجلس بالمزاح الراقي؟!

    ثم هل يمكن أن يكون اختياره لهذه الصورة مجرد مصادفة، أو هل يُتصور أن النقاب عند صاحبنا والسفور يستويان؟ أم أن الأمر نابعٌ عن فكر واعتقاد حمله قلبه وما استطاع أن يكتمه حتى بدا على صفحته؟

    إن الجواب عن ذلك من أيسر شيء يكون! فرجل يصرّح بأنه يشعر بالغربة حين يمشي في شوراع مصر فيجد الحجاب قد انتشر – ولا شك أن ما يخفيه صدره أكبر-، فهل تراه ممن يمتع ناظريه برؤية النقاب واللحى؟

    تذكرون يوم تفوه بكلامه ذلك عن الحجاب، أنه خرج بعدها واعتذر كذلك، وندم على فعلته لكنه سرعان ما عاد إلى أقبح منها!

    لم نره يوما يمازحنا بعرض صورة تسخر من الصليب أو من زي راهبة أو من لباس قسٍ مثلا، بل ولا حتى رأيناه يسخر من بعض أزياء النساء التي لا تكاد تستر شيئا من الجسد، لكنه يطالبنا بأن نصدق أنه من أحسن الناس عشرة ومن أخف خلق الله ظلا ومن أسلم المصريين صدرا إذا ما كانت "مزحته" متعلقة بمظاهر الدين الإسلامي!

    تذكرت الآن مقولة صاحبنا الملياردير المازح ذي الوجه المبتسم حين سئل ذات مرة: (هل تفكر في ترك مصر؟) فأجاب بالنفي، (لأنه تعود على رؤية الوجوه العابسة والشوارع القذرة!).

    ويحسن أن نذكّر هنا بأن الملياردير كان دائما ما ينسب نفسه إلى طائفة (العلمانيين)، فلما صارت هذه اللفظة ممقوتة لدى القطاع الأعرض من الشعب، وبدأ هذا التيار في التلاشي، وجد صاحبنا ضالته في الانتساب للتيار (الليبرالي) الذي بدأ نجمه في البزوغ، فحاول التستر في ردائه، ذاك الرداء الفضفاض الذي لن يسوء –في ظنه- إلا الإسلاميين المتطرفين، أما زي الطائفية البغيضة، فلو ظهر به للفظه المجتمع عن آخره، مسلميه ونصرانيه.

    بل مما زاده لهذا التيار حبا وولاءً، أنه اكتشف فيه خاصية فريدة! وجده تيارا ينافح ويناضل ويدعو للعدل والمساواة حين يرى شبهة إساءة من قبل مسلم تجاه فرد من أفراد الأقلية، لكنه يصمت صمت القبور إذا ما أساء منتمٍ للأقلية إلى دين الأغلبية!

    وإنك لتعجب أيضا من هذا الإعلام الظالم بكل ما تعنيه الكلمة، المطفف المخسر في الميزان، الذي فعل الأفاعيل يوم (غزوة الصناديق)، وشُلت يداه وقطع لسانه وأُعمي بصره يوم نشر الملياردير صورته المشار إليها!

    وإذا كان الملياردير يملك قناة أو قناتين، فأين بقية القنوات التي تبحث وتنقب وتمسح أرض مصر كل يوم للعثور على "مصيبة سلفية" أو "كارثة إخوانية" هنا أو هناك؟ ها قد جاءتكم طامة كارثية توفر لكم مادة دسمة تقدمونها على مأدبة برامجكم، فأين السبق وأين الشفافية؟

    والله لا يمر يوم إلا ونزداد يقينا في تجذر أصول الفساد في أرض هذا الإعلام الفضائي، بصورة لا تقل عن تجذرها في أرض النظام السابق!

    والجدير بالذكر، أن الملياردير -الليبرالي طبعا!- لا تخرج خدماته إلا لرأس طائفته الدينية، إذ يضع طائرته الخاصة رهن إشارته، في موقف لم يتكرر من قِبَل الملياردير مع أي من الشخصيات العامة التي خدمت البلاد في أكثر من موطن، بخلاف رأس الطائفة، الذي يحمّله عقلاء النصارى أنفسهم مسئولية الزج بالبلاد في أتون الفتن وعزل الطائفة بأسرها عن نسيج المجتمع المصري..وهكذا الليبرالية وإلا فلا!

    أما السؤال الأخطر، والذي يمثل الجواب عنه إحدى عجائب سنن الله في خلقه، وهو: لماذا يعتذر الملياردير؟ وهل يحتاج رجل في نفوذ صاحبنا إلى الاعتذار، وقد ملك أموال الدنيا واستحوذ على الإعلام، ينشر في صحفه ما يشاء ويذر ما يشاء، يستضيف في قنواته من شاء ويمنعها عمن يشاء؟

    بدهيٌ أن يخرج الاعتذار من رجل تبيّن له خطأ فعلته، ولكن شتان بين من يرى أن خطأه يتمثل في مخالفة لما يعتقد من مبادئ، فالخطأ هنا وارد، بل لا يسلم منه بشر إلا أنبياء الله عليهم السلام، ويكون الاعتذار ساعتها من أسمى القيم وأنبل الشيم، وبين من يرى خطأه نابعا عن سوء تخطيط وقصور نظر وعدم توقع لعاقبة الفعل، الذي سيؤدي إلى خسران شيء من دنياه التي يلهث لتحصيلها، وإن كان الفعل نفسه لا يخالف مبادئ الرجل في شيء!

    فأي الرجلين كان الملياردير؟

    صاحبنا باختصار حين وجد نفسه يملك هذه الترسانة من الأسلحة الفتاكة، من صحف واسعة الانتشار وقنوات ذائعة الصيت ومواقع إنترنت، علاوة على رصيد من المال لا يمكله غيره في مصر، فقد ظن ساعتها أن أفكاره وتوجهاته قد ملأت شوارع مصر المحروسة، فإن عَشْر حلقات متتابعة من إحدى برامج قنواته مع نزرٍ يسيرٍ فقط من التدليس الذي يمارسه إعلاميوه كان في نظره كفيلا بتحويل المجتمع إلى صورته التي نسجها خياله، وعشر مقالات موجهة مع عشرة أخبار مجتزأة تنشر على صحيفته التي يتفاخر بأنها الأكثر طبعا وانتشارا بين الصحف المصرية؛ ذاك حريٌ بأن يمحو ما في عقول جمهوره من أيديولوجيات محواً، ليضع مكانه ما حمله صدره من زفرات وما حواه عقله من أفكار، وظل غارقا في هذا الحلم حتى صوّر له خياله أن مشروعه الفكري والسياسي قد تعدى حدود القطر المصري ليصل إلى الجزائر ووسط إفريقيا مع شبكات المحمول، ولم يبق إلا أن يخرج على إحدى الشاشات ويقول: (من أشد منا قوة)!

    ثم كانت الصدمة، يوم فعل الرجل فعلته المشؤومة ووضع تلك الصورة السخيفة على موقع (تويتر)، فلاقى من سهام المعترضين ما أوشك أن يجود بنفسه من جرائه، وكانت الصدمة هنا من وجهين:

    الأول: أن مرتادي موقع تويتر هم في الأغلب من ينتمون إلى وسط ثقافي واجتماعي معين، والقطاع الأعرض منهم من الشباب الذي لا يحمل توجها معينا، اللهم إلا ما فطر الله عليه عباده من حب الإسلام وأهله، فما بالهم صاروا عن بكرة أبيهم على هذا القدر من التطرف؟! فأدرك ساعتها أنه قد أخطأ في تصوره للخريطة الفكرية لأعضاء الفضاء التويتري، فضلا عن الخريطة الفكرية للشعب في الشارع المصري الذي لا يعرف شيئا عن مواقع التواصل الاجتماعي ولا عن قنوات صاحبنا الفضائية.

    والثاني: أن الصورة التي وضعها لم تكن في نظره -القاصر جدا- إلا استهزاءً بمظهرين –اللحية والنقاب- يوافقه أغلب جمهوره (الوهمي) على ذمهما، فقد نشأ هذا الجيل من الشباب على ربط هذين المظهرين بجماعات التطرف الديني والرجعية وظلامية القرون الوسطى! فكيف صارتا محل نزاع بينه وبين الشباب المثقف؟ وهل تغيرت هذه الثقافة مؤخرا؟ ومنذ متى واللحية والنقاب مما يعظمه الشباب ويطلقون بسببه حملات المقاطعة؟

    ولو استلقى الملياردير على أريكته وسرح بخياله لأداه تفكيره الهندسي المنطقي إلى نتيجة هي كالغصة في حلقه، فقد تعرض لهذا الطوفان الجارف من الانتقادات التي أغرقته وقصمت ظهره مع أنه لم يزد على وضع تلك الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، فما باله لو وضع الصورة أمام المواطن المصري البسيط في إحدى قرى الصعيد أو الدلتا على سبيل المثال؟

    ثم أمر آخر: أنه إذا كان هذا كله بسبب الاستهزاء بمظهرين من مظاهر الدين، فماذا سيكون الحال لو حاول التعرض بنفس الكيفية لقضية تطبيق الشريعة مثلا، ذلك الهاجس الذي أطار النوم من عينيه؟

    اعتذر الملياردير حين أدرك أن ماله وصحفه وقنواته ومواقعه على الإنترنت لم تغن عنه شيئا، وأن أمواله التي أنفقها وكان ينوي أن ينفقها حتى آخر يوم في حياته لم ولن تغير من فطرة شعب مصر، ذاك الشعب الذي لا يرضى بأن يمس مخلوق جناب الشريعة، وإن حاول الخصوم من الداخل ومن الخارج أن يغرقوه في بحور من الشهوات والشبهات، وهذا والله من لطف الله وحده.

    اعتذر الملياردير حين أيقن أن أفكاره التي ينفق المليارات لبثها لم تفلح في أن تعبر حدود دائرة الإعلام المضلل، ولم تخترق مواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن أن تنفذ إلى فضاء الشارع المصري! وأنه لو لم يفلت من هذه الكارثة فإن الشعب لن يرحمه.

    صاحبنا أنشأ حزبا يعاني من استقالات جماعية هنا وهناك، وهو يحاول جاهدا لملمة شعثه وتنظيم صفوفه، أفيصلح هذا الوقت لمصادمة مشاعر ملايين المصريين؟

    باختصار..
    فقد اعتذر صاحبنا لأنه رأى بعيني رأسه أنه وأفكاره في واد، والشعب عن بكرة أبيه في واد آخر، فإما الهدنة! وإما ذهاب ريحه وانهيار صرحه وفقدان آخر أمل في تمرير ولو قدر ضئيل جدا من مشروعه الليبرالي "الخالي تماما من الطائفية!"..

    ولم يكتف صاحبنا بالاعتذار باللغتين العربية والإنجليزية، بل وجدناه - وهو يعض على أنامله من الغيظ- يحاول منع الناس من نشر الصورة، بعد انتشارها على الفيسبوك وانطلاق عشرات الحملات الداعية إلى مقاطعة شركاته، فقال على تويتر: (إعادة نشر الصورة التي تهينون من نشرها ليس إلا تناقضا)، وهذا من أقبح ما يكون، إذ أنه يوقن في قرارة نفسه أن من يقدم للجمهور دليل إدانة الجاني ليس بحال كمن اقترف الجناية.

    فليتعلم صاحبنا الدرس وليتعامل مع الوضع على ما هو عليه وليرض بقضاء الله أن خُلق وعاش في بلد يحب الإسلام ويعظمه، ونضمن له إن شاء الله أنه لو فعل، فلن يجد إلا أحسن عشرة وأطيب معاملة، ولن يضطهده أحد –وما اضطهده أحد على كثرة ممارساته الطائفية-، أما إن آثر المضي في هذا الطريق، فإنه والله لدليل على أن التعصب يعمي الأبصار ويأخذ بناصية صاحبه إلى هوة سحيقة لا يستطيع من قبضته فكاكا، حتى يلقيه فيها ويواريه التراب.

    وليتأمل صاحبنا في تاريخ مصر، التي تحطمت على أعتابها كل طموحات الغزاة وباءت كل مساعيهم لتغيير هويتها بالفشل، فلا يسرح بخياله حتى يعتقد أن إعلامه وماله سيحققان له ما عجزت عن تحقيقه جيوش نابليون وجحافل الإنجليز وآلة مبارك الأمنية، فهوية مصر الإسلامية خط أحمر، وجناب الشريعة محمي بسواعد أبنائها الأبرار، وإن رغمت أنوف..

    والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم أجمعين، محمدٍ بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    847

    افتراضي رد: لماذا يعتذر الملياردير؟

    أسأل الله أن يهلكه.
    كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا
    فتأمل.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    2,952

    افتراضي رد: لماذا يعتذر الملياردير؟

    حملة المقاطعة التي يقوم بها الشباب المصري عظيمة جداً ورائعة وكعادة المصريين لا تخلوا من الطرافة
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً
    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    136

    افتراضي رد: لماذا يعتذر الملياردير؟

    جزاك الله خيرا أخي الحبيب
    باحث بقسم المخطوطات بدار الكتب المصرية:
    للتواصل:
    salehsaleh84@gmail.com
    (0020192372974)

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    44

    افتراضي رد: لماذا يعتذر الملياردير؟

    بارك الله فيكم إخواني الأحبة.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •