فتح رب الأنام بشرح بلوغ المرام لأبي عبد الحفيظ العباسي الجزائري
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: فتح رب الأنام بشرح بلوغ المرام لأبي عبد الحفيظ العباسي الجزائري

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المشاركات
    46

    افتراضي فتح رب الأنام بشرح بلوغ المرام لأبي عبد الحفيظ العباسي الجزائري

    الحديث الأول
    عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول :
    ( إنّما الأعمال بالنّيّات , وإنّما لكل امرئ ما نوى , فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله , ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها , أو امرأة يَنْكِحُهَا فهجرته إلى ما هاجر إليه )
    أخرجه البخاري (1) ومسلم (1908)

    الكلام على هذا الحديث يتضمن عدة مسائل :
    المسألة الأولى:
    تخريج الحديث:
    أخرجه البخاري في صحيحه ( 1) كتاب بدء الوحي – باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – من طريق سفيان قال حدثنا يحي بن سعيد الأنصاري قال : أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي , أنه سمع علقمة بن وقاص الليتي يقول : سمعت : عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه- على المنبر – قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - الحديث
    وسفيان هو : ابن عيينة بن أبي عمران الهلالي أبو محمد المكي , أصله ومولده الكوفة , وقد شارك مالكا في كثير من شيوخه وعاش بعده عشرين سنة , وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين.[1]
    قال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب العلم من الحجاز.[2]
    وأخرجه برقم ( 2529) من طريق سفيان الثوري , وأخرجه برقم (3898) من طريق حماد ابن زيد , وأخرجه برقم (5070) من طريق مالك , وأخرجه برقم (6689)من طريق عبد الوهاب , وأخرجه برقم (6953) من طريق حماد ابن زيد
    وأخرجه مسلم –كتاب الإمارة – ( 1907) – باب قوله – صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال – من طريف مالك به , ومن طريق الليث به , ومن طريق عبد الوهاب به , ومن طريق حماد بن زيد به , ومن طريق سفيان به.
    واللفظ المتفق عليه: ( إنما الأعمال بالنية ) لا كما ذكره المؤلف رحمه الله ِ( إنما الأعمال بالنيات )
    وأخرجه أبو داود – كتاب الطلاق – (2201)
    وأخرجه الترمذي – باب من يقاتل رياءا وللدنيا- (1647)
    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح , وقد روى مالك بن أنس , وسفيان الثوري وغير واحد من الأئمة هذا عن يحي بن سعيد , ولا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري , قال عبد الرحمان بن مهدي : ينبغي أن نضع هذا الحديث في كل باب ِ
    وأخرجه ابن ماجة ( 4228) , وأخرجه النسائي ( باب النية في الوضوء -25-) وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (168) , وأخرجه مالك في الموطأ من رواية محمد بن الحسن الشيباني (983) , وأخرجه الحميدي في مسنده (28) , وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب ( 1171) (1172) وأخرجه الدارقطني في سننه ( 131) والبيهقي ( 161)
    وأخرجه البزار في مسنده ( البحر الزخار ) (257) قال أبو بكر : وهذا الحديث قد رواه عن يحيى بن سعيد جماعة كثيرة , منهم عمرو بن الحارث ومالك بن أنس وسفيان الثوري وعبد الوهاب في جماعة كثيرة , ولا نعلم يروى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب عن النبي – صلى الله عليه وسلم –بهذا الإسناد
    والدراقطني في العلل ص( 213)
    قلت (أبو عبد الحفظ) : والحديث لا يصح إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري , عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن أبي وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – مرفوعا.
    قال الحافظ ابن حجر: ففي الإسناد ثلاثة من التابعيين في نسق , وفي المعرفة لإبن مندة ما ظاهره أن علقمة صحابي , فلو ثبت لكان فيه تابعيين وصحابيان , وعلى رواية أبي ذر يكون قد اجتمع في هدا الإسناد أكثر الصيغ التي يستعملها المحدثون , وهي التحديث والإخبار والسماع والعنعنة والله أعلم.اهـ[3]
    المسألة الثانية:
    سبب ورود الحديث:
    قال ابن دقيق العيد: ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع، غير أن السبب يقتضي : أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة , لا يريد بذلك فضيلة الهجرة وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس , فسمي مهاجر أم قيس ولهدا خص في الحديث ذكر المرأة , دون سائر ما تُنوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية , ثم أُتبع بالدنيا.اهـ[4]
    قال الحافظ في الفتح متعقبا ابن دقيق العيد:
    وهدا لو صح لم يستلزم البداءة بذكره أول الهجرة النبوية , وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور قال : أخبرنا معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود قال : من هاجر يبتغي شيئا فإنما له دلك , هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فكان يقال له مهاجر أم قيس . ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ : كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها , فكنا نسميه مهاجر أم قيس , وهدا إسناد صحيح على شرط الشيخين , لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك , ولم أرى في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك.اهـ[5]
    المسألة الثالثة:
    وهم من زعم أن الإمام مالك _ رحمه الله_ لم يخرج هذا الحديث في كتابه الموطأ، ومن هؤلاء ، ا؟لإمام ابن حجر، والإمام العيني_ وصديق حسن القنوجي البخاري – رحم الله الجميع-.
    قال ابن حجر رحمه الله:
    " ثم إن هذا الحديث متفق على صحته أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ , ووهم من زعم أنه في الموطأ مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك".اهـ[6]
    جاء في عمدة القاري للعيني:
    " ولم يبقى من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك , فإنه لم يخرجه في موطئه , ووهم ابن دحية الحافظ , فقال في إملائه على هذا الحديث : أخرجه مالك في الموطأ ورواه الشافعي عنه وهذا عجــــــــــــي ب منه" . اهـ[7]
    قال صديق حسن: " ووهم من زعم أنه في الموطأ مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك".[8]
    قلت أبو عبد الحفيظ :
    الوهم وقع من الحافظ ابن حجر، والعيني , رحمهما الله , فقد أخرجه مالك في الموطأ من رواية محمد بن الحسن الشيباني.(1/983)
    قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرنا محمد بن إبراهيم التيمي قال: سمعت علقمة بن وقاص يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وسلم_ يقول: (إنما الأعمال بالنية... الحديث.).
    فائدة:
    قال بدر الدين العيني:
    هدا [ أي هدا الحديث ] فرد غريب باعتبار , مشهور باعتبار آخر , وليس بمتواتر , خلافا لما يظنه بعضهم، فإن مداره على يحيى بن سعيد , فإن الصحيح أنه لم يروه عن النبي ~ صلى الله عليه وسلم ~ سوى عمر , ولم يروه عن عمر إلا علقمة , ولم يروه عن علقمة إلا إبراهيم التيمي , ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري , ومنه انتشر , فهو مشهور بالنسبة لآخره , غريب بالنسبة لأوله , وهو مجمع على صحته وعظم موقعه. اهـ[9]
    المسألة الرايعة:
    سبب بدء المؤلف بهذا الحديث :
    قد نقلنا من قبل قول عبد الرحمان بن مهدي وهو: ينبغي أن نضع هذا الحديث في كل باب,
    فنهج الإمام عبد الغني نهج من سلف في البدء بحديث ( إنما الأعمال بالنيات ) وهو كذلك تنبيه للقارئ بأن يستحضر النية في طلب العلم , وأن النية شرط لصحة العمل.
    وكذلك إقتداءا بأفعالهم , كما فعل ذلك الإمام البخاري – رحمه الله – في صحيحه فقد ابتدأ به , وغيره كثير من ابتدأ كتابه بهذا الحديث.
    قال ابن رجب:
    واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول , وبه صدر البخاري كتابه الصحيح وأقامه مقام الخطبة له , إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل , لا ثمرة له في الدنيا , ولا في الآخرة , ولهذا قال عبد الرحمان بن مهدي : لو صنفت الأبواب لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنية في كل باب. وعنه أنه قال: من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات.اهـ[10]
    المسألة الخامسة:
    أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الديـــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــن عليها.
    قال الشافعي – رحمه الله-: هذا الحديث ثُلُث العلم, ويدخل في سبعين بابا من الفقه.
    وعند أحمد – رحمه الله – قال : أصول الإسلام على ثلاثـــــــــــ ـــــــــــــة أحاديث :
    حديث عمر : (إنما الأعمال بالنيات ) .
    وحديث عائشة : ( من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد ) .
    وحديث النعمان بن بشير : (الحلال بين والحرام بين ).
    وعن إسحاق بن راهويه : قال : أربعة أحاديث هي من أصول الدين : حديث عمر : إنما الأعمال بالنيات . وحديث : الحلال بين والحرام بين . وحديث إن خَلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما, وحديث: من صنع في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
    وروى عثمان بن سعيد عن أبي عبيد قال : جمع النبي – صلى الله عليه وسلم – جميع أمر الآخرة في كلمة : من أحـــــــــــــ ــــــدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
    وجمع أمر الدنيا كله في كلمــــــــــــ ــة : إنما الأعمال بالنيات . ويدخلان في كل باب.
    وعن أبي داود قال : نظرت في الحديث المسند فإذا هو أربعة ألاف حديث , ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف حديت على أربعة أحاديث :
    حديث النعمان بن بشير : الحلال بين والحرام بين .
    وحديث عمر : إنما الأعمال بالنيات .
    وحديث أبي هريرة : إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا...الحديث.
    وحديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنه .
    قال : فكل حديث من هذه الأربعة ربع العلم .
    وقال الحافظ بن مُفَوز المعافري الأندلسي :
    عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البريــــــــــ ــــــة.
    (اتق الشبهات )' وازهد) (وادع ماليس يعنيك )(واعملن بنية ).[11]
    المسألة السادسة:
    شرح الحديث
    قوله – صلى الله عليه وسلم –( إنما ):
    جاء في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لإبن الملقن: لفظة ( إنما ) موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه , هذا مذهب الجمهور من أهل اللغة والأصول وغيرهم. اهـ[12]
    جاء في عون الباري:" قال أبو إسحاق الشيرازي والغزالي والكيا الهراسي والإمام فخر الدين تفيد الحصر المشتمل على نفي الحكم عن غير المذكور نحو: إنما زيد قائم أي لا قاعد، أو نفي غير الحكم عن المذكور نحو: إنما زيد قائم أي لا قاعد." [13]
    وقد فهم ابن عباس – رضي الله عنه – أنها للحصر من قوله – صلى الله عليه وسلم _ ( إنما الربا في النسيئة ) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد , وعورض بدليل آخر يحرم ربا الفضل ولم يعارض في فهمه للحصر .
    وقال في الإعلام: وقال أبو علي الفارسي: يقول ناس من النحويين في قوله تعالى . [ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ] الأعراف 33 – أن المعنى ما حرم ربي إلا الفواحش...
    وقال الزجاج : الذي أختار في قوله تعالى : [ إنما حرم عليكم الميتة ] البقرة 173- أن تكون (ما ) هي التي تمنع , ويكون المعنى : ما حرم عليكم إلا الميتة , لأن إنما تأتي إثباتا لما يذكر بعدها ونفيا لما سواه.اهـ
    وذ هــــــب بــــعــــض الأصـــــــــــ ــــوليين إلى إفـــــــــــاد ة إنما الـــــــــــــ ــــتأكيد.[14]
    قال ابن دقيق العيد:
    إذا ثبت أنها للحصر : فتارة تقتضي الحصر المطلق , وتارة تقتضي حصرا مخصوصا , ويفهم ذلك بالقرائن والسياق , كقوله تعالى : [ إنما أنت منذر ] الرعد 7 , وظاهر ذلك : الحصر للرسول – صلى الله عليه وسلم – في النذارة , والرسول لا ينحصر في النذارة , بل له أوصاف جميلة كثيرة , كالبشارة وغيرها , ولكن مفهوم الكلام يقتضي حصره في النذارة لمن لا يؤمن , ونفي كونه قادرا على إنزال ما شاء الكفار من الآيات ...
    وإن لم يدل على الحصر في شيء مخصوص : فاحمل الحصر على الإطلاق . ومن هذا قوله – صلى الله عليه وسلم – ( إنما الأعمال بالنيات ) والله أعلم .اهـ[15]
    وكذلك قوله تعالى : [إنما الله إله واحد ] الحصر هنا على إطلاقه لشهادةالعقول والنقول بوحدانيته تعالى .
    تنبيه :
    جاء في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام:
    وقع في كتاب الشهاب للقضاعي : ( الأعمال بالنيات ) , بجمع ( الأعمال ) و ( النيات ) وحذف ( إنما ) , قال النووي في كتاب بستان العارفين , وفي إملائه على هذا الحديث أيضا ولم يكملهما و نقلا عن أبي موسى الأصبهاني أنه قال : ( لا يصح إسناد هذا الحديث ) وأقره عليه . وفيما قاله نظر , فقد رواه كذلك حافظان وحكم بصحته : ابن حبان في صحيحه , والحاكم في أربعينه, ثم حكم بصحته.اهـ[16]
    وفي كتاب الإيمان عند البخاري : ( الأعمال بالنية ) , وكذا في كتاب العتق والهجرة , وفي كتاب النكاح : ( العمل بالنية ) بالإفراد .
    قال صديق حسن البخاري: " وفي صحيح ابن حبان: الأعمال بالنيات بحذف إنما وجمع الأعمال والنيات، وفي كتاب الإيمان للبخاري من رواية مالك عن يحيى: الأعمال بالنية، وفيه ايضا في النكاح: العمل بالنية بالإفراد فيهما والتركيب في كلها يفيد الحصر باتفاق المحققين، لأن الأعمال جمع محلى بالألف واللام مفيد للإستغراق وهو مستلزم للحصر لأنه من حصر المبتدأ في الخبر، ويعبر عنه البيانيون بفصر الموصوف على الصفة، وربما قي قصر المسند إليه على المسند." [17]
    قوله – صلى الله عليه وسلم – الأعمال :
    قال ابن الملقن:
    الأعمال : وإنما عبر بالأعمال دون الأفعال لئلا يتناول أفعال القلوب , ومنها النية ومعرفة الله تعالى , فكان يلزم أن لا يصحان إلا بنية لكن النية فيهما محال , أما النية فلأنها لو توقفت على نية أخرى لتوقفت الأخرى على أخرى ولزم التسلسل أو الدور وهما محالان , وأما معرفة الله تعالى فإنها لو توقفت على النية مع أن النية قصد المنوي بالقلب لزم أن يكون الإنسان عارفا بالله قبل معرفته وهو محال.اهـ[18]
    الأعمال : أعمال الجوارح كلها و فيدخل في ذلك الأقوال , فإنها عمل اللسان وهو من الجوارح , ولم تدخل أعمال القلوب لأنها النية.[19]
    والأعمال: مبتدأ، و " بالنية" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر واختلف العلماء في تقدير هذا المحذوف، فمنهم من قدره " تعتبر" ومنهم من قدره " تكمل" ومنهم منقدره " تصح".
    الأعمال تقتضي عاملين: والتقدير: الأعمال الصادرة من المكلفين, وعلى هذا هل تخرج أعمال الكفار ؟ الظاهر الإخراج, لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة وهي لا تصح من الكافر وإن كان مخاطبا بها معاقبا على تركها . [20]
    قال القسطلاني : إنما الأعمال : البدنية أقوالها وأفعلها فرضها ونفلها قليلها وكثبرها الصادرة من المكلفين المؤمنين صحيحة أو مجزئة . [21]
    قوله – صلى الله عليه وسلم _( بالنيات) :
    النية :[22]
    الاشتقاق اللغوي : النية مصدر نوى الشيء ينويه نية ونواه , وأصلها نوية بكسر النون وسكون الواو ووزنها فعلة , اجتمعت الواو والياء , وسبقت إحداهما بالسكون , فقلبت الواو ياء , وأدغمت في الياء .
    والنية وإن كانت مصدرا فإنها تجمع على نيات باعتبار تنوعها .
    وقد يراد بالنية في اللغة: العــــــــــــ ـزم.
    يقول صاحب المصباح المنير: " حصَّت النِّية في غالب الاستعمال بعزم القلب على امر من الأمور".[23]
    ويقول صاحب اللسان: " نويت نيَّة ونواة، أي عزمت، وانتويت مثله".[24]
    النية في الاصطلاح :
    من العلماء من عرف النية في الاصطلاح : بالقصد والعزم , ومنهم النووي والقرافي , ومنهم من قال أنها نوع من القصد والإرادة , كما قال ذالك ابن رجب في شرحه للأربعين النووية , ومنهم من عرفها بالإخلاص , ومنهم من قال : عمل القلب ووجهته كابن القيم – رحمه الله - .
    وأحسن تعريف هو ماذكره العيني في عمدة القاري نقلا عن البيضاوي ج-1-63
    وقال البيضاوي : النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من : جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا .اهـ [25][26]
    قلت أبوعيد الحفيظ: والانبعاث هنا يكون انبعاثا جازما نحو الفعل, حتى يخرج التردد وغيره مما يقع في القلب من غير جزم على الفعل.
    التعريف الشرعي للنية :
    هل نقل الشارع النية من معناها اللغوي إلى معنى شرعي يخصها ؟ يجيب جماهير العلماء بالإيجاب . [27]
    قال القاضي البيضاوي: والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضاء الله وامتثال حكمه .[28]
    وإلى هذا ذهب الشوكاني في النيل , أنظره . [29]
    جاء في مقاصد المكلفين:[30]
    وما ذهبوا إليه هنا يحتاج إلى نظر وتأمل, فالنية كما قرروا فعل من أفعال القلوب, وأفعال القلوب كأفعال الجوارح لم ينقل مسماها عن الاسم اللغوي إذا قصد بها وجه الله . لم ينقل الشارع حركة البدن بالسجود لله عن مسماها بالسجود للصنم , بل الكل سجود .
    ولم ينقل حركته بالطواف لله عن مسماه بالطواف للصنم , بل الكل باقي على مسماه اللغوي .
    كل ما يمكن أن نقوله , السجود والطواف لله مأمور بهما , والسجود لغير الله والطواف بالصنم منهي عنهما , وكذلك بالنسبة للنية التي هي حركة القلب وانبعاثه فإنها باقية على مسماها اللغوي لم ينقلها الشرع ولا خصصها , بل بين أن ما كان منها لله فهي المطلوبة المحبوبة , وما كان منها رياء وسمعة فهي مكرهة ممقوتة , وقد تنبه إلى هذا الصنعاني ورجحه .
    ومما يؤيد هذا القول أن الذين قالوا بأن للنية معنى شرعيا غير المعنى اللغوي – عندما فسروا لفظ ( النية) التي وردت في الأحاديث لم يستطيعوا أن يحملوها على المعنى الشرعي الذي افترضوه , بل حملوها على المعنى اللغوي , يقول القاضي البيضاوي عند تفسير لحديث ( إنما الأعمال بالنيات ): والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبقه على ما بعده . وهذا متحتم في كل الأحاديث التي ورد فيها لفظ النية , كحديث : ( إنما يبعث القاتلون على نياتهم ) [31]
    وحديث : ( رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته ) [32]
    وحديث: ( من غزا ولم ينوي إلا عقالا فله نيته ) [33]
    قلت أبو عبد الحفيظ : وهذا الذي ذهب إليه الشيخ – حفظه الله – هو الصحيح فقد ذهب إلى ذلك ابن ججر في الفتح , وكذلك قاله القسطلاني , والكرماني , والشوكاني – رحم الله الجميع – أن النية محمولة في الحديث على المعنى اللغوي ليحسن تطبيق ما بعده . وتقسيمه أحوال المهاجر .
    فحمل النية على المعنى اللغوي هو الصحيح, والشرع لم يجعل لها اصطلاحا خاصا بها, والله تعالى أعلم.
    قال ابن دقيق العيد- رحمه الله-: في الإحكام ج-1-48 :
    قوله – صلى الله عليه وسلم – ( الأعمال بالنيات ) لا بد فيه من حذف مضاف
    يتبع


    [1] -فتح الباري ( ج/1/15).

    [2] - نفس المصدر.

    [3] فتح الباري ج/1/31.

    [4] الإحكام ج/1/48.

    [5] نفس المصدر.

    [6] الفتح ج/1/15.

    [7] ج/1/47.

    [8] -عون الباري (ج/1/29).

    [9] عمدة القاري ج/1/47.

    [10] جامع العلوم والحكم ج/1/55.

    [11] أنظر هذه الأقوال : عون الباري لحل ادلة البخاري (ج/1/26). و جامع العلوم والحكم 60.

    [12] ج/1/168.

    -[13] عون الباري ج/1/26).

    [14] - الكواكب الدراري (ج/1/17).

    [15] إحكام الأحكام ج/1/47.

    [16] ج/1/173.

    [17] -عون الباري لحل أدلة البخاري (ج/1/29).

    [18] الإعلام ج/1/183.

    [19] زبدة الأفهام ج/1/16.

    [20] - أنظر فتح الباري لإبن حجر ج-1_19

    [21] - أنطر إرشاد الساري شرح صحيح البخاري للقسطلاني ج-1-52

    [22] أنظر كتاب مقاصد المكلفين, عمر سليمان الأشقر 34

    [23] -المصباح المنير للفيومي ( ص 632).

    [24] - لسان العرب مادة ( نوى).

    [25] - الكوكب الدراري شرح صحيح البخاري ج-1-18-

    [26] - أنظر فتح الباري –ج1-19

    [27][27]أنظر مقاصد المكلفين ص 32

    [28] فتح الباري –ج1-20- وقال رحمه الله- والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه أحوال المهاجر . _ انتهى_

    [29]- 400 - نيل الأوطار شح منتقى الأخبار – ج1ج

    [30] ص 33.

    [31] - صحيح البخاري ( كتاب الصوم 6 ) صحيح مسلم ( كتاب الفتن 8 )

    [32] مسند أحمد ( 1-397)

    [33] رواه أحمد في مسنده ( 5-135)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,300

    افتراضي رد: فتح رب الأنام بشرح بلوغ المرام لأبي عبد الحفيظ العباسي الجزائري

    الحمد لله رب العالمين

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •