سلسلة التعريف بالخزانات الخاصة بالمغرب: خزانة الفقيه محمد العثماني
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: سلسلة التعريف بالخزانات الخاصة بالمغرب: خزانة الفقيه محمد العثماني

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المشاركات
    287

    افتراضي سلسلة التعريف بالخزانات الخاصة بالمغرب: خزانة الفقيه محمد العثماني

    خزانة الشيخ الفقيه إمحمد العثماني:

    تعريف:


    الفقيه امحمد العثماني والد الدكتور سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي
    كان الشيخ "إمحمد العثماني" أحد أهم المراجع الدينية لأهل سوس، وقد اشتهر بجهوده من أجل إصلاح التعليم بالمدارس الدينية وبعث التراث الإسلامي الأمازيغي، ظل لسنوات طويلة يقدم برنامجا في الفتوى والتفسير باللغة الأمازيغية في الإذاعة الوطنية،
    وقد نشأ القفيه في أسرة علم وفقه وصلاح. أخذ القرآن الكريم والمبادئ العربية عن والده وهو بعد صغير. وتأثر منذ صغره بالوسط العلمي والديني الموجود بمنطقة سوس،وهي عائلة وصفها العلامة محمد المختار السوسي بأنها ثانية أسرتين في المغرب تسلسل فيهما العلم أكثر من ألف سنة، وأفرد لترجمتها نحو 160 صفحة في كتابه الموسوعي "المعسول"، عدد فيها مناقبها في العلم والوطنية.
    ولما درس الفقيه امحمد العثماني على والده وعلى علماء المنطقة بعض مبادئ العلوم الشرعية التحق بمدرسة "تانالت" بآيت صواب (إقليم شتوكة آيت بها) عند الشيخ العلامة الحبيب بن إبراهيم البوشواري المعروف بالحاج الحبيب التانالتي، والمشهور بعلمه وصلاحه. وكان عمرالعثماني آنذاك حوالي 15 سنة، فلازمه أزيد من ستة عشر سنة، من حوالي 1356هـ إلى 1372هـ. ودرس عليه مختلف الفنون مما كان متداولا في المدارس العلمية السوسية آنذاك. ولم يكن العلامة الحاج الحبيب مجرد أستاذ لتلاميذه، بل كان لهم أيضا شيخا مربيا، وكان ذا نفحة صوفية، كثير العبادة والتهجد، جم التواضع، زاهدا، متفرغا للتعليم والتربية والتوجيه. وكان المثل الأعلى في سوس كلها في الصلاح والعلم والجهاد ما يقرب من نصف قرن من الزمان، وتخرج على يده أفواج من العلماء تميزوا بما نفخ فيهم من حيوية الإيمان، وقوة العلم، وتحرر الفكر...
    وكان الأستاذ العثماني أحظى تلاميذ الشيخ عنده، ومن أكثرهم تأثرا به. وقد كتب إليه، بعد مغادرته لمدرسة (تانالت)، رسائل تعكس إعجابه به وعرفانه بجميله عليه. ووجه إليه قصائد تعرض فضائله وتثني عليه . وبقي يزوره سنويا حتى توفي سنة 1977.
    وقد انخرط الأستاذ العثماني في فترة تتلمذه بتانالت في العمل الوطني، والتعبئة ضد الحماية الفرنسية. وكان هذا طبيعيا لأن الشيخ محمد الحبيب كان من كبار المقاومين للاستعمار عند محاولاته دخول منطقة سوس. وقد كتب الأستاذ العثماني عن شيخه بعد وفاته ما يلي : "يعد الشيخ من الرعيل الأول من رجال المقاومة الاستعمار قبل عبد الكريم الريفي وقبل غيره ممن يشار إليهم بالبنان. فكان العضد الأيمن للشيخ أحمد الهيبة والصدر الأعظم له عام 1330هـ موافق 1912م. فتوجه الكل إلى مراكش ثم وقعت النكسة في نفس الشهر، وتآمرت قوى الشر على الشيخ أحمد الهيبة وعلى معاونيه، وبقي يتأخر من مكان إلى مكان والشيخ محمد الحبيب يناصره في كل نكساته إلى
    أن استقر في قرية كردوس بإداويعقيل
    ولما رجع الشيخ محمد الحبيب من الشرق التجأ إلى قبائل آيت صواب هروبا من السيطرة الأجنبية ومن نير وعبودية الاستعمار، وبقي يقاوم هناك يجمع ويؤلب ويناصر الشيخ أحمد الهيبة (...)" إلى أن قال : "ولما انتقل الشيخ أحمد الهيبة إلى الرفيق الأعلى بعاصمته كردوس تزعم المقاومة أخوه مربيه ربه محمد المصطفى، فكان الشيخ محمد الحبيب عضده الأيمن كسابقه. وفي عام 1340هـ تولى إدارة مدرسة تنالت، وبقي هناك يعلم ويقاوم ويناصر المقاومين بكل ما لديه من إمكانيات مادية ومعنوية حتى غلبت البقية الباقية من المناطق المغربية غير المحتلة على أمرها" . لقد تعلم الطلبة في مدرسة تانالت -إذن- من شيخهم مقاومة الاستعمار، وساروا على درب الشيخ في ذلك.
    وكان الأستاذ العثماني رأس خلية من خلايا المقاومة الوطنية في آيت صواب. ونفته سلطات الحماية الفرنسية إلى مسقط رأسه بتافراوت حوالي 1950م. ولما سمح له بالعودة إلى مدرسة تانالت التي يدرس بها، بقي مدة تحت الحراسة والمراقبة حتى لا يتصل بأحد. وللذكر فإن النفي كان سلاح السلطات الفرنسية في محاولة لإبعاد تأثير الوطنيين، فقد نفت سنة 1936م العلامة المختار السوسي من مراكش إلى مسقط رأسه سبع سنوات، كما نفت الأديب الشاعر محمد العثماني أخ الفقيه العثماني من فاس إلى تافراوت حيث مسقط رأسه، ووضع تحت الإقامة الإجبارية مدة سبع سنوات من 1941 إلى 1948م.
    وابتداء من سنة 1953م عمل إماما وأستاذا بعدد من الجوامع والمدارس العتيقة بسوس. ثم حصل على شهادة العالمية من جامعة القرويين في مارس 1958م. وفي فاتح أكتوبر 1962م انتقل للتدريس بالمعهد الإسلامي بتارودانت. وهو المعهد الذي أسسته "جمعية علماء سوس" منذ سنة 1956م، في إطار مشروع نهضة علمية طموحة بالمنطقة. وعلى الرغم من هذا الالتحاق المتأخر للأستاذ امحمد العثماني بالمعهد، إلا أنه ما لبث أن قام بدور رائد في استمرار المعهد في أداء رسالته. ولما تأسست دار الحديث الحسنية بالرباط كان ضمن أول فوج التحق بها سنة 1964م. ونال منها دبلوم الدراسات العليا سنة 1971م ببحثه
    " ألواح جزولة والتشريع الإسلامي"
    تحت إشراف الأستاذ علال الفاسي.
    وقد تقلب بعدها في عدة مهام نذكر منها بالخصوص أنه كان :
    • ملحقا برئاسة جامعة القرويين بفاس في دجنبر 1966 م لمدة سنتين.
    • مرشدا للطلبة الأفارقة في معاهدتا تارودانت وفاس ومكناس ابتداء من فاتح دجنبر 1969.
    • مكلفا بمراقبة المدارس العتيقة بسوس وحاحة وإحصائها ابتداء من سنة 1971.
    • أستاذا مساعدا بكلية اللغة العربية بمراكش ابتداء من 1973، ثم أستاذا محاضرا ابتداء من 1975.
    • ثم أستاذا محاضرا بكلية الشريعة بأكادير ابتداء من فاتح 1982 إلى حين وفاته.
    وكان أثناء كل ذلك يقوم بمهام الوعظ والتوجيه التربوي والديني والإفتاء بلهجة أهل سوس (تاشلحيت) أساسا، في المساجد والمنتديات، ومن خلال بعض البرامج الإذاعية.

    وضعية سوس قبيل الاستقلال وتأثيره على اهتمامات الأستاذ العثماني:

    لا يمكن دراسة المحاور الأساسية لاهتمامات الأستاذ العثماني ونشاطه وإنتاجه دون الحديث عن الجو العام السائد في منطقة سوس والتحديات التي عاشتها قبيل الاستقلال وبعده. فالمعروف عن سوس تشبث أهله الشديد بالدين، وعنايتهم بالعلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية وآدابها وتدريسها ونشرها والتأليف فيها، وقد أقام السوسيون لذلك حوالي مئتي مدرسة علمية، اصطلح على تسميتها بالمدارس العتيقة وكثير منها لا يزال يؤدي دوره إلى اليوم على الرغم من هزال الإمكانات وقلة الاهتمام المعنوي والمادي.
    ولقد ركزت الحماية الفرنسية منذ دخلت المغرب على فصل الأمازيغ ـ ومن بينهم سكان سوس ـ عن العرب، إثارة للتفرقة بين المغاربة، وتسهيلا لإبقاء سيطرتها ومحاولة لإبطال مفعول أي مقاومة ضدها. كما كانت تهدف بوضوح إلى سلخ المنطقة عن الإسلام، لأنه ضمان وحدة المغاربة، وموقد جذوة المقاومة ضد الاستعمار. وسلك لذلك عدة وسائل منها :
    تشجيع التنصير وتكثيفه بالمناطق الأمازيغية، ومحاربة مظاهر الإسلام فيها.
    محاربة اللغة العربية لأنها لغة القرآن، لأن المعرفة تؤدي إلى الإسلام.
    عدم إسناد أي مهمة في القبائل "البربرية" للفقيه أو الطالب لأنه أداة للتعريب والإسلام.
    إنشاء محاكم عرفية وأخرى فرنسية لتحل محل المحاكم الشرعية، وهو ما قرره ما يسمى بالظهير البربري في 16 ماي 1930.
    وكانت تلك الإجراءات وغيرها تهدف بوضوح إلى سلخ المنطقة عن الإسلام، لأنه ضمان وحدة المغاربة، وموقد جذوة المقاومة ضد الاستعمار.
    يقول العقيد مارتي في كتابه (مغرب الغد) : "إن المدرسة الفرنسية البربرية مدرسة فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلاميذها وبيئتها، إذن فليس ثمة واسطة أجنبي، كل تعليم عربي، كل تعليم عربي وكل تدخل من قبل (الفقيه)، وكل ظاهرة إسلامية يجب منعها بصرامة " . كما كتب موريس لوجلاي أحد موظفي الإقامة العامة في مقال له كتبه سنة 1921 : "يجب أن تحذف تعليم الديانة الإسلامية واللغة العربية في مدارس البربر، وأن تكتب اللهجات البربرية بحروف لا تينية"، وختم مقاله بقوله : "بجب أن تعلم البربر كل شيء ما عدا الإسلام" ، ويقول الكاتب الإنجليزي روم لاندو : "إننا نعرف من محضر إحدى الجلسات التي عقدها الخبراء الفرنسيون الذين عهد إليهم إهداد الظهير البربري أن الهدف لم يكن فقط، كما أعلن رسميا، إظهار الاحترام للتقاليد البربرية القبلية، فإننا نجد فيه : "لا مانع من تفويض وحدة النظام القضائي في المنطقة الفرنسية، إذا كانت المسألة تقوية جماعة البربر بالنظر إلى الدور الذي قد يدعون للقيام به بوصفهم جماعة قد تقف يوما فيوجه الجماعة الأخرى، وليس هذا فقط فالأمر أكثر من ذلك، فهناك من الناحية السياسية فائدة لا يشك فيها، وهي إحداث هذا الشقاق" .
    وكانت هذه السياسة الاستعمارية وخصوصا ما اصطلح عليه بـ " الظهير البربري"، المشعل الأساس لمقاومة شعبية متصاعدة شملت القبائل "البربرية" كما شملت مختلف مدن وقرى المغرب. وكان لكل ذلك صداه في ربوع سوس، فتجند علماؤها وفقهاؤها لمواجهة مؤامرات سلطات الحماية بكل وسيلة. وقد كان من بين أوجه تلك المقاومة تأسيس "جمعية علماء سوس" بمدينة مراكش في خامس أبريل 1953. وجعل المؤسسون رئاستهم الشرفية للأستاذ محمد المختار السوسي وهو آنذاك في معتقله بتنجداد في صحراء تافيلالت، وبقيت الجمعية تعمل في الخفاء بسبب الضغط الاستعماري إلى أن أعلن استقلال المغرب. وقد عملت الجمعية وفق برنامج إصلاحي واسع ومتكامل ركز على تعليم المبادئ والأحكام الشرعية في المساجد والإسهام في عملية التوعية الشعبية، والعمل على إصلاح نظام المدارس العلمية العتيقة وتطويرها، وإنشاء المعاهد التعليمية، والتي كان المعهد الإسلامي بتارودانت المذكور آنفا أهمها، كما رفعت الجمعية ملتمسات متتالية إلى الجهات المسؤولة مطالبة بالعمل على صيانة الأخلاق والقضاء على الفساد وإصلاح العدالة والتعليم، وتعميم اللغة العربية …. وغيرها. وكانت أسرة الأستاذ امحمد العثماني مجندة بقوة في مشروع جمعية علماء سوس. ونذكر مثالا على ذلك الوفد من علماء سوس الذي استقبله جلالة الملك محمد الخامس في دجنبر 1955. وكان يضم 130 شخصية، كان من بينهم الفقيه امحمد العثماني، ووالده عبد الله، وشقيقه الأكبر الأديب الشاعر محمد العثماني.
    وهذا الأخير هو الذي تلا كلمة الجمعية أمام جلالة الملك.
    محاور إسهامات الفقيه العثماني
    لقد كان لهذا الجو ولهذه المعركة أثر بعيد المدى على تكوين الأستاذ امحمد العثماني واهتماماته. ويمكن أن نختصر المحاور الكبرى لإسهاماته في مواجهة تأثيرات ومخلفات السياسة الاستعمارية المذكورة في أربعة محاور هي :
    1
    إصلاح المدارس العتيقة بسوس
    2
    الدفاع عن التعليم الأصيل
    3
    بعث تراث سوس الإسلامي
    4
    نشر الوعي الديني

    1- إصلاح المدارس العتيقة بسوس

    فقد كان من رهانات الفقيه العثماني إصلاحها وتجديد مناهج التدريس بها لتتبوأ المكان العلمي اللائق بها وبماضيها. ولما كلف من قبل وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية والتعليم الأصيل بمسؤولية "مراقبة المدارس العتيقة بسوس وحاحة وإحصائها"، قام بزيارة أغلب تلك المدارس متفقدا ومرشدا. وترك عددا مهما من التقارير التي تتضمن تشخيصا لوضعيتها واقتراحات مستفيضة لحل مشاكلها. ولا تزال تلك التقارير مرجعا أساسيا للعديد من الباحثين في الموضوع.

    2- الدفاع عن التعليم الأصيل :

    شهد المغرب مع بداية الاستقلال صراعا عنيفا بين اتجاه مشبع بالنموذج الحضاري الموروث عن فترة الحماية الفرنسية، واتجاه مرتبط بالثقافة الإسلامية، يدافع عن تعليم وثقافة مرتبطين بالنموذج الحضاري المغربي الإسلامي.
    وقد وعت جمعية علماء سوس مع بزوغ فجر الاستقلال بأهمية التعليم ودوره الأساس في نهضة البلاد على أسس إسلامية حديثة، وكان إنشاء المعهد الإسلامي بتارودانت جزءا من مشروعها في هذا الاتجاه. ولذلك قال الأستاذ المتوكل عمر الساحلي وهو أول مدير له : "فقد وجد هذا المعهد نفسه منذ تأسيسه في قلب المعركة الدائرة بين معسكرين، معسكر وطني عربي إسلامي، ومعسكر فرنسي يريد استمرار الاستلاب الثقافي، ويعمل لطمس وجهنا العربي والإسلامي" . وقد قام الأستاذ العثماني بدور متميز في استمرار المعهد في أداء رسالته.
    وبقي الأستاذ العثماني مكافحا عن التعليم الأصيل حتى لا يذوب في التعليم الرسمي، ولا يهمش، وحتى لا تنقص فاعلية وجدته. وكان له دور رائد في استمرار رسالة المعهد الإسلامي بتارودانت، كما كان من الذين بذلوا أقصى جهودهم حتى تم إنشاء كلية الشريعة بأيت ملول
    (عمالة إنزكان – أيت ملول).
    وقد تطوع هو ومجموعة من الأساتذة للتدريس بها مجانا طيلة سنتها الأولى إلى أن سويت وضعيتها. وأشار في بعض رسائله إلى أنه من الضروري تسميته بالتعليم الديني، وأن اسم "التعليم الأصيل" إنما هو استنكاف عن ذكر اسم الدين


    خزانة الشيخ الفقيه إمحمد العثماني:

    3- بعث تراث سوس الإسلامي :

    لقد كان مما يقض مضجع الفقيه امحمد العثماني أن يهمل التراث المخطوط للمنطقة، وأن يحكم على كثير منه بالتآكل والاندثارعلى الرغم من أنه يضم ثروة علمية ضخمة تشهد لمساهمة علماء سوس في المحافظة على الإسلام وعلومه في هذا الجزء من أرض المسلمين، فصمم على العمل لبعث هذا التراث وإخراجه من دائرة النسيان، وجمعه باستنطاق الآثار وأفواه الرجال، والبحث عن المخطوطات في الخزانات المبعثرة هنا وهناك، لذلك جاب المنطقة، بحثا عن مآثر العلماء وكتاباتهم في كل مكان، حتى أصبح مرجعا في تاريخ سوس وماضبيها العلمي والفكري ورجالاتهم المعتبرين، ونظن أنه ـ بحق ـ المكمل للرسالة التي بدأها الأستاذ محمد المختار السوسي بالتأريخ للمنطقة وبعث تراثها.
    وكان أشد ما يشكو من الذين يضنون على الباحثين بما لديهم من وثائق ومخطوطات فلا يستفيدون منها ولا يفيدون، ثم يتركونها حتى تتلاشى. يقول مثلا، في حلقة من حلقات برنامجه الإذاعي "معالم من تاريخ سوس" :
    "في القطر السوسي خزائن لا تقدر بثمن، غير أنها في كثر من الأحيان في يد من لا يحسن صيانتها واستغلالها، والنفع والانتفاع بها، فكثير منهم يظن ويعتقد أن الوكاء عليها حتى عن الهواء من المبرات، وليس يعلم أن ذلك جناية وعليها وعلى نفسه وعلى غيره تعديا وظلما، وهو يحسب أنه يحسن صنعا" .
    وكان أول إنتاجه في هذا المجال بحثه "ألواح جزولة والتشريع الإسلامي" الذي نال به دبلوم الدراسات العليا من دار الحديث الحسنية سنة 1971، ليثبت أن التشريعات التي كان يسير عليها أبناء المنطقة على مدى قرون والتي تسمى الألواح أو الأعراف، كانت توضع بمساهمة علماء المنطقة، وأنها كانت مستمدة من الشرع الإسلامي. وقد استنفذت منه الدراسة جهد سنوات طوال من الأسفار والبحث ليبطل سلاحا حاول الاستعمار استعماله لسلخ المنطقة عن دينها وعقيدتها.
    وكذلك كان في كل أعماله : يحاول إثبات هوية سوس الإسلامية، ويستنكر عمل الذيت يحاولون بعث تراث المنطقة بهدف اتخاذه وسيلة لبعث قومية بربرية تتنكر لانتمائها الإسلامي.
    اسمعه في مقدمة بحثه يقول : "اخترت "ألواح جزولة" موضوعا لبحثي ( … ) لكونه يتعلق بإقليم كان من أعظم النواح في البوادي المغربية ومن أكثرها غناء في المحافظة على التراث الإسلامي وروحه، وفي المحافظة على اللغة العربية.
    اخترته لكون بعض الناس يدعون أن هذا النوع من التشريع لا صلة له بالشريعة الإسلامية، وأن أصحاب هذا النوع من التشريع ـ وإن كانوا يتكلمون اللغة العربية ويدينون بالدين الإسلامي ـ قد انفصلوا عن الجامعة الإسلامية، وعلى هذا الفهم الخاطئ اعتمد واضعو الظهير البربري سنة 1930 تنفيذا للسياسة البربرية، ولم يحظر ببالهم أن عملهم هذا قد دشنوا به بداية النهاية" .
    وبعد أن قام بتحليل مضمون الألواح في ضوء الشريعة الإسلامية، يعود فيؤكد مرة بعد أخرى على إسلاميتها مستخلصا عمق ارتباط التراث القضائي للمنطقة بالدين.يقول : "إن الألواح يتجلى فيها روح الدين الإسلامي، وتهدف إلى ما يهدف إليه الإسلام من مقاصد تجعل الناس آمنين مطمئنين، متبعة في ذلك المصالح المرسلة، والسياسة الشرعية وسد الذرائع وفتحها..." .
    " .
    4 ـ نشر الوعي الديني :

    فكان يقوم بمهام الوعظ والتوجيه التربوي و الديني والإفتاء، أساسا بالامازيغية
    (تاشلحيت لهجة أهل الأطلسين الكبير والصغير)
    ، وذلك في المساجد والمنتديات، ومن خلال بعض البرامج الإذاعية، وخصوصا البرنامج الأسبوعي في الإذاعة الوطنية "إسقسيتن-ن-دين"، أي"أسئلة الدين".وهو البرنامج الذي كان يجيب من خلاله على أسئلة المستمعين الدينية. وكان برنامجا ناجحا ذائع الصيت في المنطقة، استمر أكثر من خمسة عشر سنة، من أواخر الستينات إلى تاريخ وفاته رحمة الله عليه.
    لقد حول العمل المتواصل لتحقيق الأهداف الأربعة المذكورة : [الدفاع عن التعليم الأصيل، العمل لإصلاح المدارس العتيقة، العمل لبعث تراث سوس الإسلامي، نشر الوعي الديني] حياة الأستاذ العثماني إلى ملحمة متواصلة، لكن كل هذا لم يشغله عن اهتماماته العلمية الأخرى، فزيادة على تدريسه في كلية الشريعة بأكادير قام كما رأينا بمهمة تفتيش المدارس العلمية العتيقة بسوس.
    وعلى الرغم من أن لمترجمنا قصائد شعرية، فإنها قليلة. فغلب عليه وصف الفقه مقابل غلبة وصف الشعر على شقيقه الأكبر محمد، فاشتهر هو بالعثماني الفقيه مقابل اشتهار أخيه بالعثماني الشاعر.
    .
    آثاره العلمية:

    على الرغم من أن أكبر نشاط العلامة امحمد العثماني يتخلص في التدريس في مختلف مستوياته وفي نشاط الوعظ والتوجيه الديني، فإنه خلف آثارا علمية متنوعة :
    1- ألواح جزولة والتشريع الإسلامي، قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية بطبعه سنة 1425 هـ موافق 2004م
    2- معالم من تاريخ سوس،حلقات إذاعية مهتمة بعرض جوانب من التراث العلمي والفكري لمنطقة سوس
    3- فتاوى دينية بالأمازيغية، هي عبارة عن أجوبة على أسئلة المستمعين أذيعت في البرنامج الأسبوعي "إسقسيتن-ن-دين" بالإذاعة الوطنية بالرباط-قسم تاشلحيت.
    4- تقارير حول المدارس العتيقة بسوس.
    5- مجموعة من الخطب والمذكرات الشخصية.
    توفي الأستاذ امحمد العثماني بالدار البيضاء يوم 27 جمادى الثانية 1404 هـ موافق 30 مارس 1984 م، وخلف من الأبناء : سعد الدين، وفريد زين الدين، وثريا، وتوفيق، وخالد، وصلاح الدين.
    1-مقالة مخطوطة بخط الوالد رحمه الله تحت عنوان : "شخصية علمية عظيمة في القطر السوسي تلتحق بالرفيق الأعلى".
    2- علال الفاسي : الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ص 142.
    3-علال الفاسي : الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ص 143.
    4- روم لاندو : تاريخ المغرب في القرن العشرين ترجمة نيقولا زيادة، ص 179.
    5-المعهد الإسلامي بتارودانت، الجزء الأول، ص 21.
    6-في رسالة وجهها للأستاذ عبد الله كنون رئيسة رابطة علماء المغرب سنة 1962، انظر : جريدة "التجديد" العدد 137، بتاريخ 20 شوال 1421هـ / 17 يناير 2001م.
    7-الحلقة الثانية عشر من برنامجه الإذاعي ( معالم من تاريخ سوس ).
    8-ألواح جزولة، ص 19.
    9- نفسه، ص 137.
    10- نفسه، ص 168.
    11-الحلقة الثانية من ( معالم من تاريخ سوس ).
    12-الحلقة الأولى من ( معالم من تاريخ سوس )

    ***منقول****

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المشاركات
    287

    افتراضي سلسلة التعريف بالخزانات الخاصة بالمغرب: خزانة الفقيه محمد العثماني

    خزانة الشيخ الفقيه إمحمد العثماني:

    تعريف:


    الفقيه امحمد العثماني والد الدكتور سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي
    كان الشيخ "إمحمد العثماني" أحد أهم المراجع الدينية لأهل سوس، وقد اشتهر بجهوده من أجل إصلاح التعليم بالمدارس الدينية وبعث التراث الإسلامي الأمازيغي، ظل لسنوات طويلة يقدم برنامجا في الفتوى والتفسير باللغة الأمازيغية في الإذاعة الوطنية،
    وقد نشأ القفيه في أسرة علم وفقه وصلاح. أخذ القرآن الكريم والمبادئ العربية عن والده وهو بعد صغير. وتأثر منذ صغره بالوسط العلمي والديني الموجود بمنطقة سوس،وهي عائلة وصفها العلامة محمد المختار السوسي بأنها ثانية أسرتين في المغرب تسلسل فيهما العلم أكثر من ألف سنة، وأفرد لترجمتها نحو 160 صفحة في كتابه الموسوعي "المعسول"، عدد فيها مناقبها في العلم والوطنية.
    ولما درس الفقيه امحمد العثماني على والده وعلى علماء المنطقة بعض مبادئ العلوم الشرعية التحق بمدرسة "تانالت" بآيت صواب (إقليم شتوكة آيت بها) عند الشيخ العلامة الحبيب بن إبراهيم البوشواري المعروف بالحاج الحبيب التانالتي، والمشهور بعلمه وصلاحه. وكان عمرالعثماني آنذاك حوالي 15 سنة، فلازمه أزيد من ستة عشر سنة، من حوالي 1356هـ إلى 1372هـ. ودرس عليه مختلف الفنون مما كان متداولا في المدارس العلمية السوسية آنذاك. ولم يكن العلامة الحاج الحبيب مجرد أستاذ لتلاميذه، بل كان لهم أيضا شيخا مربيا، وكان ذا نفحة صوفية، كثير العبادة والتهجد، جم التواضع، زاهدا، متفرغا للتعليم والتربية والتوجيه. وكان المثل الأعلى في سوس كلها في الصلاح والعلم والجهاد ما يقرب من نصف قرن من الزمان، وتخرج على يده أفواج من العلماء تميزوا بما نفخ فيهم من حيوية الإيمان، وقوة العلم، وتحرر الفكر...
    وكان الأستاذ العثماني أحظى تلاميذ الشيخ عنده، ومن أكثرهم تأثرا به. وقد كتب إليه، بعد مغادرته لمدرسة (تانالت)، رسائل تعكس إعجابه به وعرفانه بجميله عليه. ووجه إليه قصائد تعرض فضائله وتثني عليه . وبقي يزوره سنويا حتى توفي سنة 1977.
    وقد انخرط الأستاذ العثماني في فترة تتلمذه بتانالت في العمل الوطني، والتعبئة ضد الحماية الفرنسية. وكان هذا طبيعيا لأن الشيخ محمد الحبيب كان من كبار المقاومين للاستعمار عند محاولاته دخول منطقة سوس. وقد كتب الأستاذ العثماني عن شيخه بعد وفاته ما يلي : "يعد الشيخ من الرعيل الأول من رجال المقاومة الاستعمار قبل عبد الكريم الريفي وقبل غيره ممن يشار إليهم بالبنان. فكان العضد الأيمن للشيخ أحمد الهيبة والصدر الأعظم له عام 1330هـ موافق 1912م. فتوجه الكل إلى مراكش ثم وقعت النكسة في نفس الشهر، وتآمرت قوى الشر على الشيخ أحمد الهيبة وعلى معاونيه، وبقي يتأخر من مكان إلى مكان والشيخ محمد الحبيب يناصره في كل نكساته إلى
    أن استقر في قرية كردوس بإداويعقيل
    ولما رجع الشيخ محمد الحبيب من الشرق التجأ إلى قبائل آيت صواب هروبا من السيطرة الأجنبية ومن نير وعبودية الاستعمار، وبقي يقاوم هناك يجمع ويؤلب ويناصر الشيخ أحمد الهيبة (...)" إلى أن قال : "ولما انتقل الشيخ أحمد الهيبة إلى الرفيق الأعلى بعاصمته كردوس تزعم المقاومة أخوه مربيه ربه محمد المصطفى، فكان الشيخ محمد الحبيب عضده الأيمن كسابقه. وفي عام 1340هـ تولى إدارة مدرسة تنالت، وبقي هناك يعلم ويقاوم ويناصر المقاومين بكل ما لديه من إمكانيات مادية ومعنوية حتى غلبت البقية الباقية من المناطق المغربية غير المحتلة على أمرها" . لقد تعلم الطلبة في مدرسة تانالت -إذن- من شيخهم مقاومة الاستعمار، وساروا على درب الشيخ في ذلك.
    وكان الأستاذ العثماني رأس خلية من خلايا المقاومة الوطنية في آيت صواب. ونفته سلطات الحماية الفرنسية إلى مسقط رأسه بتافراوت حوالي 1950م. ولما سمح له بالعودة إلى مدرسة تانالت التي يدرس بها، بقي مدة تحت الحراسة والمراقبة حتى لا يتصل بأحد. وللذكر فإن النفي كان سلاح السلطات الفرنسية في محاولة لإبعاد تأثير الوطنيين، فقد نفت سنة 1936م العلامة المختار السوسي من مراكش إلى مسقط رأسه سبع سنوات، كما نفت الأديب الشاعر محمد العثماني أخ الفقيه العثماني من فاس إلى تافراوت حيث مسقط رأسه، ووضع تحت الإقامة الإجبارية مدة سبع سنوات من 1941 إلى 1948م.
    وابتداء من سنة 1953م عمل إماما وأستاذا بعدد من الجوامع والمدارس العتيقة بسوس. ثم حصل على شهادة العالمية من جامعة القرويين في مارس 1958م. وفي فاتح أكتوبر 1962م انتقل للتدريس بالمعهد الإسلامي بتارودانت. وهو المعهد الذي أسسته "جمعية علماء سوس" منذ سنة 1956م، في إطار مشروع نهضة علمية طموحة بالمنطقة. وعلى الرغم من هذا الالتحاق المتأخر للأستاذ امحمد العثماني بالمعهد، إلا أنه ما لبث أن قام بدور رائد في استمرار المعهد في أداء رسالته. ولما تأسست دار الحديث الحسنية بالرباط كان ضمن أول فوج التحق بها سنة 1964م. ونال منها دبلوم الدراسات العليا سنة 1971م ببحثه
    " ألواح جزولة والتشريع الإسلامي"
    تحت إشراف الأستاذ علال الفاسي.
    وقد تقلب بعدها في عدة مهام نذكر منها بالخصوص أنه كان :
    • ملحقا برئاسة جامعة القرويين بفاس في دجنبر 1966 م لمدة سنتين.
    • مرشدا للطلبة الأفارقة في معاهدتا تارودانت وفاس ومكناس ابتداء من فاتح دجنبر 1969.
    • مكلفا بمراقبة المدارس العتيقة بسوس وحاحة وإحصائها ابتداء من سنة 1971.
    • أستاذا مساعدا بكلية اللغة العربية بمراكش ابتداء من 1973، ثم أستاذا محاضرا ابتداء من 1975.
    • ثم أستاذا محاضرا بكلية الشريعة بأكادير ابتداء من فاتح 1982 إلى حين وفاته.
    وكان أثناء كل ذلك يقوم بمهام الوعظ والتوجيه التربوي والديني والإفتاء بلهجة أهل سوس (تاشلحيت) أساسا، في المساجد والمنتديات، ومن خلال بعض البرامج الإذاعية.

    وضعية سوس قبيل الاستقلال وتأثيره على اهتمامات الأستاذ العثماني

    لا يمكن دراسة المحاور الأساسية لاهتمامات الأستاذ العثماني ونشاطه وإنتاجه دون الحديث عن الجو العام السائد في منطقة سوس والتحديات التي عاشتها قبيل الاستقلال وبعده. فالمعروف عن سوس تشبث أهله الشديد بالدين، وعنايتهم بالعلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية وآدابها وتدريسها ونشرها والتأليف فيها، وقد أقام السوسيون لذلك حوالي مئتي مدرسة علمية، اصطلح على تسميتها بالمدارس العتيقة وكثير منها لا يزال يؤدي دوره إلى اليوم على الرغم من هزال الإمكانات وقلة الاهتمام المعنوي والمادي.
    ولقد ركزت الحماية الفرنسية منذ دخلت المغرب على فصل الأمازيغ ـ ومن بينهم سكان سوس ـ عن العرب، إثارة للتفرقة بين المغاربة، وتسهيلا لإبقاء سيطرتها ومحاولة لإبطال مفعول أي مقاومة ضدها. كما كانت تهدف بوضوح إلى سلخ المنطقة عن الإسلام، لأنه ضمان وحدة المغاربة، وموقد جذوة المقاومة ضد الاستعمار. وسلك لذلك عدة وسائل منها :
    تشجيع التنصير وتكثيفه بالمناطق الأمازيغية، ومحاربة مظاهر الإسلام فيها.
    محاربة اللغة العربية لأنها لغة القرآن، لأن المعرفة تؤدي إلى الإسلام.
    عدم إسناد أي مهمة في القبائل "البربرية" للفقيه أو الطالب لأنه أداة للتعريب والإسلام.
    إنشاء محاكم عرفية وأخرى فرنسية لتحل محل المحاكم الشرعية، وهو ما قرره ما يسمى بالظهير البربري في 16 ماي 1930.
    وكانت تلك الإجراءات وغيرها تهدف بوضوح إلى سلخ المنطقة عن الإسلام، لأنه ضمان وحدة المغاربة، وموقد جذوة المقاومة ضد الاستعمار.
    يقول العقيد مارتي في كتابه (مغرب الغد) : "إن المدرسة الفرنسية البربرية مدرسة فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلاميذها وبيئتها، إذن فليس ثمة واسطة أجنبي، كل تعليم عربي، كل تعليم عربي وكل تدخل من قبل (الفقيه)، وكل ظاهرة إسلامية يجب منعها بصرامة " . كما كتب موريس لوجلاي أحد موظفي الإقامة العامة في مقال له كتبه سنة 1921 : "يجب أن تحذف تعليم الديانة الإسلامية واللغة العربية في مدارس البربر، وأن تكتب اللهجات البربرية بحروف لا تينية"، وختم مقاله بقوله : "بجب أن تعلم البربر كل شيء ما عدا الإسلام" ، ويقول الكاتب الإنجليزي روم لاندو : "إننا نعرف من محضر إحدى الجلسات التي عقدها الخبراء الفرنسيون الذين عهد إليهم إهداد الظهير البربري أن الهدف لم يكن فقط، كما أعلن رسميا، إظهار الاحترام للتقاليد البربرية القبلية، فإننا نجد فيه : "لا مانع من تفويض وحدة النظام القضائي في المنطقة الفرنسية، إذا كانت المسألة تقوية جماعة البربر بالنظر إلى الدور الذي قد يدعون للقيام به بوصفهم جماعة قد تقف يوما فيوجه الجماعة الأخرى، وليس هذا فقط فالأمر أكثر من ذلك، فهناك من الناحية السياسية فائدة لا يشك فيها، وهي إحداث هذا الشقاق" .
    وكانت هذه السياسة الاستعمارية وخصوصا ما اصطلح عليه بـ " الظهير البربري"، المشعل الأساس لمقاومة شعبية متصاعدة شملت القبائل "البربرية" كما شملت مختلف مدن وقرى المغرب. وكان لكل ذلك صداه في ربوع سوس، فتجند علماؤها وفقهاؤها لمواجهة مؤامرات سلطات الحماية بكل وسيلة. وقد كان من بين أوجه تلك المقاومة تأسيس "جمعية علماء سوس" بمدينة مراكش في خامس أبريل 1953. وجعل المؤسسون رئاستهم الشرفية للأستاذ محمد المختار السوسي وهو آنذاك في معتقله بتنجداد في صحراء تافيلالت، وبقيت الجمعية تعمل في الخفاء بسبب الضغط الاستعماري إلى أن أعلن استقلال المغرب. وقد عملت الجمعية وفق برنامج إصلاحي واسع ومتكامل ركز على تعليم المبادئ والأحكام الشرعية في المساجد والإسهام في عملية التوعية الشعبية، والعمل على إصلاح نظام المدارس العلمية العتيقة وتطويرها، وإنشاء المعاهد التعليمية، والتي كان المعهد الإسلامي بتارودانت المذكور آنفا أهمها، كما رفعت الجمعية ملتمسات متتالية إلى الجهات المسؤولة مطالبة بالعمل على صيانة الأخلاق والقضاء على الفساد وإصلاح العدالة والتعليم، وتعميم اللغة العربية …. وغيرها. وكانت أسرة الأستاذ امحمد العثماني مجندة بقوة في مشروع جمعية علماء سوس. ونذكر مثالا على ذلك الوفد من علماء سوس الذي استقبله جلالة الملك محمد الخامس في دجنبر 1955. وكان يضم 130 شخصية، كان من بينهم الفقيه امحمد العثماني، ووالده عبد الله، وشقيقه الأكبر الأديب الشاعر محمد العثماني.
    وهذا الأخير هو الذي تلا كلمة الجمعية أمام جلالة الملك.

    محاور إسهامات الفقيه العثماني:

    لقد كان لهذا الجو ولهذه المعركة أثر بعيد المدى على تكوين الأستاذ امحمد العثماني واهتماماته. ويمكن أن نختصر المحاور الكبرى لإسهاماته في مواجهة تأثيرات ومخلفات السياسة الاستعمارية المذكورة في أربعة محاور هي :
    1
    إصلاح المدارس العتيقة بسوس
    2
    الدفاع عن التعليم الأصيل
    3
    بعث تراث سوس الإسلامي
    4

    نشر الوعي الديني:

    1- إصلاح المدارس العتيقة بسوس
    فقد كان من رهانات الفقيه العثماني إصلاحها وتجديد مناهج التدريس بها لتتبوأ المكان العلمي اللائق بها وبماضيها. ولما كلف من قبل وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية والتعليم الأصيل بمسؤولية "مراقبة المدارس العتيقة بسوس وحاحة وإحصائها"، قام بزيارة أغلب تلك المدارس متفقدا ومرشدا. وترك عددا مهما من التقارير التي تتضمن تشخيصا لوضعيتها واقتراحات مستفيضة لحل مشاكلها. ولا تزال تلك التقارير مرجعا أساسيا للعديد من الباحثين في الموضوع.

    2- الدفاع عن التعليم الأصيل :

    شهد المغرب مع بداية الاستقلال صراعا عنيفا بين اتجاه مشبع بالنموذج الحضاري الموروث عن فترة الحماية الفرنسية، واتجاه مرتبط بالثقافة الإسلامية، يدافع عن تعليم وثقافة مرتبطين بالنموذج الحضاري المغربي الإسلامي.
    وقد وعت جمعية علماء سوس مع بزوغ فجر الاستقلال بأهمية التعليم ودوره الأساس في نهضة البلاد على أسس إسلامية حديثة، وكان إنشاء المعهد الإسلامي بتارودانت جزءا من مشروعها في هذا الاتجاه. ولذلك قال الأستاذ المتوكل عمر الساحلي وهو أول مدير له : "فقد وجد هذا المعهد نفسه منذ تأسيسه في قلب المعركة الدائرة بين معسكرين، معسكر وطني عربي إسلامي، ومعسكر فرنسي يريد استمرار الاستلاب الثقافي، ويعمل لطمس وجهنا العربي والإسلامي" . وقد قام الأستاذ العثماني بدور متميز في استمرار المعهد في أداء رسالته.
    وبقي الأستاذ العثماني مكافحا عن التعليم الأصيل حتى لا يذوب في التعليم الرسمي، ولا يهمش، وحتى لا تنقص فاعلية وجدته. وكان له دور رائد في استمرار رسالة المعهد الإسلامي بتارودانت، كما كان من الذين بذلوا أقصى جهودهم حتى تم إنشاء كلية الشريعة بأيت ملول
    (عمالة إنزكان – أيت ملول).
    وقد تطوع هو ومجموعة من الأساتذة للتدريس بها مجانا طيلة سنتها الأولى إلى أن سويت وضعيتها. وأشار في بعض رسائله إلى أنه من الضروري تسميته بالتعليم الديني، وأن اسم "التعليم الأصيل" إنما هو استنكاف عن ذكر اسم الدين.

    خزانة الفقيه محمد العثماني:

    3- بعث تراث سوس الإسلامي :
    لقد كان مما يقض مضجع الفقيه امحمد العثماني أن يهمل التراث المخطوط للمنطقة، وأن يحكم على كثير منه بالتآكل والاندثارعلى الرغم من أنه يضم ثروة علمية ضخمة تشهد لمساهمة علماء سوس في المحافظة على الإسلام وعلومه في هذا الجزء من أرض المسلمين، فصمم على العمل لبعث هذا التراث وإخراجه من دائرة النسيان، وجمعه باستنطاق الآثار وأفواه الرجال، والبحث عن المخطوطات في الخزانات المبعثرة هنا وهناك، لذلك جاب المنطقة، بحثا عن مآثر العلماء وكتاباتهم في كل مكان، حتى أصبح مرجعا في تاريخ سوس وماضبيها العلمي والفكري ورجالاتهم المعتبرين، ونظن أنه ـ بحق ـ المكمل للرسالة التي بدأها الأستاذ محمد المختار السوسي بالتأريخ للمنطقة وبعث تراثها.
    وكان أشد ما يشكو من الذين يضنون على الباحثين بما لديهم من وثائق ومخطوطات فلا يستفيدون منها ولا يفيدون، ثم يتركونها حتى تتلاشى. يقول مثلا، في حلقة من حلقات برنامجه الإذاعي "معالم من تاريخ سوس" :
    "في القطر السوسي خزائن لا تقدر بثمن، غير أنها في كثر من الأحيان في يد من لا يحسن صيانتها واستغلالها، والنفع والانتفاع بها، فكثير منهم يظن ويعتقد أن الوكاء عليها حتى عن الهواء من المبرات، وليس يعلم أن ذلك جناية وعليها وعلى نفسه وعلى غيره تعديا وظلما، وهو يحسب أنه يحسن صنعا" .
    وكان أول إنتاجه في هذا المجال بحثه "ألواح جزولة والتشريع الإسلامي" الذي نال به دبلوم الدراسات العليا من دار الحديث الحسنية سنة 1971، ليثبت أن التشريعات التي كان يسير عليها أبناء المنطقة على مدى قرون والتي تسمى الألواح أو الأعراف، كانت توضع بمساهمة علماء المنطقة، وأنها كانت مستمدة من الشرع الإسلامي. وقد استنفذت منه الدراسة جهد سنوات طوال من الأسفار والبحث ليبطل سلاحا حاول الاستعمار استعماله لسلخ المنطقة عن دينها وعقيدتها.
    وكذلك كان في كل أعماله : يحاول إثبات هوية سوس الإسلامية، ويستنكر عمل الذيت يحاولون بعث تراث المنطقة بهدف اتخاذه وسيلة لبعث قومية بربرية تتنكر لانتمائها الإسلامي.
    اسمعه في مقدمة بحثه يقول : "اخترت "ألواح جزولة" موضوعا لبحثي ( … ) لكونه يتعلق بإقليم كان من أعظم النواح في البوادي المغربية ومن أكثرها غناء في المحافظة على التراث الإسلامي وروحه، وفي المحافظة على اللغة العربية.
    اخترته لكون بعض الناس يدعون أن هذا النوع من التشريع لا صلة له بالشريعة الإسلامية، وأن أصحاب هذا النوع من التشريع ـ وإن كانوا يتكلمون اللغة العربية ويدينون بالدين الإسلامي ـ قد انفصلوا عن الجامعة الإسلامية، وعلى هذا الفهم الخاطئ اعتمد واضعو الظهير البربري سنة 1930 تنفيذا للسياسة البربرية، ولم يحظر ببالهم أن عملهم هذا قد دشنوا به بداية النهاية" .
    وبعد أن قام بتحليل مضمون الألواح في ضوء الشريعة الإسلامية، يعود فيؤكد مرة بعد أخرى على إسلاميتها مستخلصا عمق ارتباط التراث القضائي للمنطقة بالدين.يقول : "إن الألواح يتجلى فيها روح الدين الإسلامي، وتهدف إلى ما يهدف إليه الإسلام من مقاصد تجعل الناس آمنين مطمئنين، متبعة في ذلك المصالح المرسلة، والسياسة الشرعية وسد الذرائع وفتحها" .
    وفي خاتمة البحث نجده يتأسف على تلاشي مظاهر الالتزام بالدين في المنطقة : "ثم انقضت أنواع الاحترامات والتعظيمات للعلم، وأعله، فصارت شعائر الإسلام شيئا ثانويا ثم منسيا كسائر الأقاليم، كما اضمحل مفعول الألواح في مجال القضاء، وسعت فرنسا لتطبيق الأعراف والعادات الأجنبية عن تلك المنطقة الطاهرة، تعاكس الموجودة فيها وتصادم ….." .
    ثم كان برنامجه الإذاعي الأسبوعي ( معالم من تاريخ سوس ) أكبر وسيلة حاول عن طريقها التعريف بتراث سوس وحث الباحثين وطبلة العلم على الاعتناء به، واستمر برنامجه حوالي أربع سنوات، أذاع خلالها قريبا من مائتي حلقة كانت تعرف بالخصوص بمجموع من المخطوطات العلمية النادرة. يقول بعد أن تحدث عن وعيد الله لكاتم العلم ووعده لباذليه : " فإذا عرفنا ذلك كله، فإني أهيب بعلمائنا ومن يملك وسيلة من وسائل البحث العلمي والثقافي من وثائق وكتب ومخطوطات ومواد أخرى ألا يبخل بها على طلبتنا، أبنائنا الذين يتخرجون من الجامعات المغربية أو الأجنبية فيبقون حيارى لا يدرون أين يذهبون وهم بعد لا يعرفون من أين تؤكل الكتف، وإني أرجو من كل من يملك وسيلة ما يلخصها ويبعث لنا بتلخيصها لنذيعها على أمواج الإذاعة على الصعيد الوطني، وسأكون في المقدمة فأقدم تلخيص كل ما يصلح للبحث العلمي في خزانتي المتواضعة شيئا فشيئا وأقدم معلومات عن كل ما أعرف مما ليس موجودا لدي…
    وكان الأستاذ العثماني يضع خزانته الملأى بكثير من المراجع النادرة، وفي مقدمتها مخطوطات تجمع زبدة إنتاج علماء المنطقة وفقهائها ومؤرخيها، رهن إشارة من يحتاجها، كما فتح بابه لطلبة العلم يفيدهم بكل ما لديه من معلومات وخبرة ومعرفة، وربما بحث عنهم بنفسه، وكان أشد ما يكون سرورا وفرحا إذا وجد شابا مسلما، متعطشا إلى البحث والتنقيب من تراث المنطقة يقول : "فالعبد الضعيف هذا الذي يتحدث إليكم يملك خزانة متواضعة يجعلها رهن إشارة كل باحث، وهي ليست ولا تعد إلا مثل نقرة عصفور من البحر المحيط، لذلك لا نألوا جهدا في البحث عن مصادر أخرى بطريقة أو بأخرى.
    وإني أتوجه بحديثي ( … ) إلى علمائنا الذين يملكون مفاتيح البحوث من كل ما يتعلق بتراثنا القديم في الإقليم وغير الإقليم، طالبا منهم ألا يبخلوا بمساعدة أبنائنا الطلبة بالإعلان عما لديهم من مراجع ومخطوطات ورسوم ومواد أخرى التي يمكن أن تكون نقطة انطلاق لبحث ما. وبذلك نكون قد أسدينا معروفا لا يقدر بثمن لأبنائنا وتراثنا وثقافتنا وأنفسنا في آن واحد، ولكي لا نحسب من الذين أوتوا العلم وكتموه" .

    4 ـ نشر الوعي الديني :

    فكان يقوم بمهام الوعظ والتوجيه التربوي و الديني والإفتاء، أساسا بالامازيغية
    (تاشلحيت لهجة أهل الأطلسين الكبير والصغير)
    ، وذلك في المساجد والمنتديات، ومن خلال بعض البرامج الإذاعية، وخصوصا البرنامج الأسبوعي في الإذاعة الوطنية "إسقسيتن-ن-دين"، أي"أسئلة الدين".وهو البرنامج الذي كان يجيب من خلاله على أسئلة المستمعين الدينية. وكان برنامجا ناجحا ذائع الصيت في المنطقة، استمر أكثر من خمسة عشر سنة، من أواخر الستينات إلى تاريخ وفاته رحمة الله عليه.
    لقد حول العمل المتواصل لتحقيق الأهداف الأربعة المذكورة : [الدفاع عن التعليم الأصيل، العمل لإصلاح المدارس العتيقة، العمل لبعث تراث سوس الإسلامي، نشر الوعي الديني] حياة الأستاذ العثماني إلى ملحمة متواصلة، لكن كل هذا لم يشغله عن اهتماماته العلمية الأخرى، فزيادة على تدريسه في كلية الشريعة بأكادير قام كما رأينا بمهمة تفتيش المدارس العلمية العتيقة بسوس.
    وعلى الرغم من أن لمترجمنا قصائد شعرية، فإنها قليلة. فغلب عليه وصف الفقه مقابل غلبة وصف الشعر على شقيقه الأكبر محمد، فاشتهر هو بالعثماني الفقيه مقابل اشتهار أخيه بالعثماني الشاعر.

    آثاره العلمية

    على الرغم من أن أكبر نشاط العلامة امحمد العثماني يتخلص في التدريس في مختلف مستوياته وفي نشاط الوعظ والتوجيه الديني، فإنه خلف آثارا علمية متنوعة :
    1- ألواح جزولة والتشريع الإسلامي، قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية بطبعه سنة 1425 هـ موافق 2004م
    2- معالم من تاريخ سوس،حلقات إذاعية مهتمة بعرض جوانب من التراث العلمي والفكري لمنطقة سوس
    3- فتاوى دينية بالأمازيغية، هي عبارة عن أجوبة على أسئلة المستمعين أذيعت في البرنامج الأسبوعي "إسقسيتن-ن-دين" بالإذاعة الوطنية بالرباط-قسم تاشلحيت.
    4- تقارير حول المدارس العتيقة بسوس.
    5- مجموعة من الخطب والمذكرات الشخصية.
    توفي الأستاذ امحمد العثماني بالدار البيضاء يوم 27 جمادى الثانية 1404 هـ موافق 30 مارس 1984 م، وخلف من الأبناء : سعد الدين، وفريد زين الدين، وثريا، وتوفيق، وخالد، وصلاح الدين.
    1-مقالة مخطوطة بخط الوالد رحمه الله تحت عنوان : "شخصية علمية عظيمة في القطر السوسي تلتحق بالرفيق الأعلى".
    2- علال الفاسي : الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ص 142.
    3-علال الفاسي : الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ص 143.
    4- روم لاندو : تاريخ المغرب في القرن العشرين ترجمة نيقولا زيادة، ص 179.
    5-المعهد الإسلامي بتارودانت، الجزء الأول، ص 21.
    6-في رسالة وجهها للأستاذ عبد الله كنون رئيسة رابطة علماء المغرب سنة 1962، انظر : جريدة "التجديد" العدد 137، بتاريخ 20 شوال 1421هـ / 17 يناير 2001م.
    7-الحلقة الثانية عشر من برنامجه الإذاعي ( معالم من تاريخ سوس ).
    8-ألواح جزولة، ص 19.
    9- نفسه، ص 137.
    10- نفسه، ص 168.
    11-الحلقة الثانية من ( معالم من تاريخ سوس ).
    12-الحلقة الأولى من ( معالم من تاريخ سوس )


    ***منقول****

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    72

    افتراضي رد: سلسلة التعريف بالخزانات الخاصة بالمغرب: خزانة الفقيه محمد العثماني

    جزاكم الله خيرا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •