درء تعارض العقل والنقل ...
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: درء تعارض العقل والنقل ...

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    82

    افتراضي درء تعارض العقل والنقل ...


    النقل هو كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال ابن القيم كما في "مختصر الصواعق"(1/293) :(المعارضة بين العقل والنقل هي أصل كل فساد في العالم وهي ضد دعوة الرسل من كل وجه فإنهم دعوا إلى تقديم الوحي على الآراء والعقول وصار خصومهم إلى ضد ذلك فأتباع الرسل قدموا الوحي على الرأي والمعقول وأتباع إبليس ونوابه قدموا العقل على النقل) وذكر أن تقديم العقل على النقل يؤدي إلى إبطال العقل نفسه وإلى إبطال الشرائع السماوية.
    وقال بعض العلماء: (اعلم أن أول شبهة وقعت في الخلق شبهة إبليس ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الأمر واستكباره بالمادة التي خلق منها ـ وهي النار ـ على مادة آدم ـ وهي الطين ـ وتشعبت عن هذه الشبهة شبهات.
    أخي المسلم: لقد منح الله المخلوق البشري العقل وجعله سبحانه مناط التكليف فلا تكليف إلا بعقل فالشخص بدون عقل لا ينتفع بسمعه ولا ببصره ولكن أهل السنة لا يقدسون العقل بل يجعلونه تابعاً للشرع.
    وبسبب تقديم العقل على النقل وقع من المسلمين من وقع في الردة والإلحاد والشرك والكفر والضلال والاعتراض على القرآن الكريم جهاراً وعلى السنة النبوية استمراراً فكم سمعنا من يتنقص دين الله وهو الناقص بل التافه وكم سمعنا من مستدركين على الله ورسوله صلى اله عليه وسلم وصحابته وعلى القواعد العظيمة، وكم من مثقف أجهل من حمار أهله وما زلنا نسمع من يلمع هؤلاء ويعظم أمرهم ويخلع لهم الألقاب الضخمة كـ(المجدد ـ الفيلسوف ـ المفكر ـ الملهم ـ حجة الإسلام ـ الباحث الحر ـ إلى آخر تلك الألقاب الزائفة وهي شبكة لاصطياد عقول كثير من المسلمين الذين ضيعوا الطريق المستقيم.
    فليعلم الجميع أنا نرفض عقلانية قائمة على الجهل بدين الله والتطاول على الحق وأهله.
    وقد نتج عن تقديم العقل أمور:
    1- أدخل في الشريعة ما ليس منها ألا وهو: (التأويل الفاسد) وذلك بصرف النصوص عن ظواهرها بغير صارف ويعرف أصحاب هذا التأويل بالفلاسفة والمتكلمين والمحققين والعارفين، وقد عمد هذا الصنف إلى توحيد الأسماء والصفات فنقضوه عطلوا ربنا من أسمائه وصفاته، وبهذا ضلوا ضلالاً بعيداً، وقد ذل وضل بشر كثير من دعاة الأحزاب والطوائف بسبب تقديم (العقل على النقل) وإنك لتراهم إخوة لفلاسفة الكفر تارة, وطلبه لهم تارة، وقد اعتمدوا قواعدهم وجعلوها حجة لهم يردون بها الحق, فالقرآن عندهم للاعتضاد لا للاستناد.
    2- القياس الفاسد، وأول من قام به إبليس ـ لعنه الله ـ اعتماداً على الرأي الفاسد حتى عرف أهله بأصحاب الرأي وبأصحاب مدرسة الرأي.
    3- المذهب الباطني الذي ادعى أصحابه أن القرآن له ظاهر وباطن وأن الله خصهم دون الأنبياء والمرسلين بعلم الباطن وقد سعوا إلى هدم الإسلام من أساسه، فلهذا حكم عليهم العلماء بأنهم أكفر من اليهود والنصارى إذ أنهم أرادوا هدم الإسلام بهذه القاعدة فأباحوا كل حرام ونقضوا كل أصل من أصول الإيمان والإسلام، وما الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وأصحاب التحزبات في عصرنا كحزب التحرير وحزب الإخوان المسلمين إلا من أبناء المدرسة العقلانية القديمة والحديثة، وكل فرقة من الفرق الضالة كالخوارج والرافضة والصوفية ومن إليها لم تسلم من هذا الانحراف.
    وقد تصدى علماء الإسلام الكبار للرد على العقلانيين ومن أعظم من صاول وجاول وأطاح بهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم "درء تعارض العقل والنقل" فقد أبطل هذه القاعدة من أكثر من أربعين وجهاً، وكذا تلميذه ابن القيم. وقد قام أخونا الفاضل الشيخ/ علي بن حسن بن عبد الحميد بكتابة رد على العقلانيين عنوانه " العقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون" وهو مفيد، وغيره من علماء الإسلام في عصرنا هذا.
    والخلاص من هذا الانحراف العظيم يكون بالتالي:
    1- بالتسليم الكامل لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً وحالاً وقالاً وله أو عليه. قال الله :{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} الأحزاب.
    وقال تعالى :{يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله} الحجرات.
    وقال سبحانه :{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} النساء.
    فاتضح من هذه الآيات أن الله أسس دينه على الإتباع وبناه على اتباع الرسل، فيا ويل من خرج عن ذلك.
    2- على كل مسلم أن يعلم مدى حاجته إلى هداية الله سبحانه فهو الهادي، ولا هادي سواه، ولهذا أمرنا الله في كل ركعة من الصلاة أن نقرأ سورة الفاتحة وفيها {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم}
    ولا ثبات لمسلم على الحق إلا بتوفيق الله وهدايته. قال الله :{وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} الحج.
    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بالهداية إلى الحق الذي اختلف فيه الناس. روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته :((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) فلعظم الحاجة إلى الهداية توسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبيته للملائكة المذكورين الذين تقوم عليهم أمور الدين والدنيا.
    3- الرجوع إلى فهم السلف فإن مدارك العقول متفاوتة، والله قد أعطى السلف من الإدراك العميق والمقومات الصحيحة ما لم يكن ذلك لمن بعدهم، وقد زكى الله عقولهم وأقوالهم وأفعالهم ورضي عنهم، وفهموا من أسباب التشريع وعايشوا ذلك ما لم يكن ذلك لمن بعدهم، وقد أمرنا بالإقتداء بهم فيما ساروا عليه وما اختلفوا فيه نظرنا إلى من معه الدليل فكان أولى بالأخذ، والعقلانيون جعلوا أفهامهم هي المقدمة وأفهام السلف في المؤخرة فلهذا قالوا: منهج السلف أسلم ومنهجنا أعلم وأحكم. قاتلهم الله أنى يؤفكون وهل هذه القاعدة إلا بيان لغاية التناقض، فكيف يكون منهج السلف أسلم وهم يجعلونه أقل علماً وحكمة فإن السلامة ملازمة للعلم والحكمة وكيف لا وهذا منهج حياة.
    4- تلقي العلم على أيدي علماء أهل السنة لأن غيرهم تلوثوا بدنس هذا الانحراف، فكم قتيل وكم جريح وكم مسلوب ومطرود بسبب تلقي العلم عند أصحاب العقلانيات قديماً وحديثاً.
    الشيخ محمد بن عبد الله الإمام-حفظه الله-
    (تحذير البشر من أصول الشر-الأصل الثاث والعشرون-تقديم العقل على النقل).
    ______________________________ _____________
    ______________________________ _____________
    {{ قال ابن طاهر المقدسي الحافظ :
    (( سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري _ بهراة _ يقول : (( عرضت على السيف خمس مرات , لا يقال لي :
    ارجع عن مذهبك !! لكن يقال لي : اسكت عمن خالفك , فأقول لا أسكت ))
    وقال ابن قتيبة : (( وإنما يقوى الباطل بالسكوت عنه )) . }}

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    19

    افتراضي رد: درء تعارض العقل والنقل ...

    العقل والنقل
    الشيخ علي حسن الحلبي



    الكلامُ في (العقلِ) و(العُقلاءِ) و(العَقْلَنَةِ) -وما يُشتَقُّ منها-: كلامٌ يستهوِي الكثيرَ مِن النَّاسِ، ويروجُ عليهم، ويَنْسَلُّ إليهم؛ لِـمَا يَحْوِيهِ مِن مَعانٍ برَّاقةٍ لها جانبٌ (ظاهرٌ) مِن الحقِّ الصَّريح! لكنَّها تُخفِي بَيْنَ طَيَّاتِها جوانِبَ مِن الباطلِ القبيح!!
    ولقد امتدَحَ ربُّنا -سُبحانَهُ- عبادَهُ الصَّالحِينَ في مواضعَ مِن كتابِهِ؛ بِحَثِّهِم على الفهم والعقلِ -مصدرُ (عَقَلَ، يَعقِلُ)، وليستْ اسماً-؛ فقالَ -سبحانَهُ- مُرَغِّباً-:
    {... أفلا تعقِلُون}، {... لعلَّكُم تعقِلُون}، {... إنْ كُنتُم تعقِلُون}، {إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يعقِلُون}، {كذلك نُفَصِّلُ الآياتِ لقومٍ يعقِلُون}، {وتلكَ الأمثالُ نَضرِبُها للنَّاسِ لعلَّهُم يَعقِلُون}.
    ... وبِالمُقابِلِ؛ فإنَّ هناكَ آياتٍ أُخْرَى نَعَى اللهُ -سبحانَهُ- فيها- على أُولئِكَ المُهْمِلِينَ عُقولَهُم، الذين لا يتدبَّرُون، ولا يتفكَّرُون، ولا يعقِلُون؛ فقال-جلَّ وعَلا-:
    {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون}، {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير}، { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُون}، {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُون}، {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُون}.
    ... وهكذا؛ فإنَّ اللهَ -تعالى- قد ذَكَرَ (العقلَ) في القُرآنِ في معرِضِ المدحِ لأهلِهِ في مواضعَ يطولُ عدُّها، وهو جديرٌ بالمدحِ الكاملِ؛ لأنَّه القاعدةُ التي ينطلقُ منها كُلُّ إنسانٍ في الوعيِ عن الله أحكامَهُ وعقائدَهُ؛ إذ هو بمثابةِ الدليلِ، فلولاهُ لَـمَا أجْدَى سَمْعٌ، ولَـمَا أغْنَى بَصَرٌ؛ فسَمْعٌ بلا عَقْلٌ، هو لحمةٌ صمَّاءُ، وبَصَرٌ بلا عَقْل هو جُنونٌ مُطْبِق:
    قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ في «مجموع الفتاوَى» (3/338):
    «العقلُ شرطٌ في معرفةِ العُلومِ، وكمالِ صلاحِ الأعمالِ، وبه يَكْمُلُ العلمُ والعَمَلُ».
    ومنذُ فجرِ الإسلامِ، نَبَتَتْ نَوابتُ قدَّسَت العقلَ، ونَصَّبَتْهُ مُشَرِّعاً ومُحكِّماً؛ فإذا جاءَ شَرعٌ لمْ (يفهمْهُ) عقلٌ: رُدَّ الشَّرْعُ!! وإذا تعارضَ عقلٌ قاصِرٌ مَعَ نَصٍّ ظاهرٍ: حُرِّفَ النَّصُّ، بل عُطِّلَ، وأُبْطِلَ!!
    قال الإمامُ ابنُ القيِّمِ -رحمهُ اللهُ- في كتابِهِ «الصَّواعِق المُرسَلة» (1/293 - «مختصره»):
    «إنَّ هذه المُعارضَةَ بين العقلِ والنَّقْلِ هي أصلُ كُلِّ فسادٍ في العالَمِ، وهي ضدُّ دعوةِ الرُّسُل مِن كُلِّ وَجْهٍ؛ فإنَّهُم دَعَوْا إلى تقديمِ الوَحيِ علَى الآراءِ والعُقولِ، وصارَ خُصومُهُم إلى ضدِّ ذلك.
    فأتباعُ الرُّسُلِ قدَّمُوا الوَحيَ على الرَّأْيِ والمعقول، وأتْباعُ إبليسَ -أو نائبٍ مِن نُوَّابِهِ- قدَّمُوا العقلَ على النَّقْل!».
    وقال الإمامُ الشاطبيُّ في كتابِهِ «الاعتِصام» (2/318):
    «إنَّ اللهَ -سُبحانَهُ- جَعَلَ للعُقولِ في إدراكِها حدًّا تنتهِي إليه لا تتعدَّاهُ، ولمْ يجعلْ لها سبيلاً إلى الإدراكِ في كُلِّ مطلوبٍ».
    قلتُ: وهذا أمْرٌ محسوسٌ ملموسٌ -لا يُجْحَدُ- حتَّى في المادِّيَّات، والعُلوم الكونيّات التي عَرَفَها النَّاسُ، وأدركَها البَشَرُ؛ فليس كُلُّ أحدٍ مِن النَّاس يعرِفُ كُلَّ شيءٍ منها، ومع ذلك نَرَى الواحدَ مِنَّا (!) يسلِّمُ بجهلِهِ لعِلْمِهِم، ويستسلِمُ بعقلِهِ لمعارِفِهِم -كعُلومِ الذَّرَّةِ، والفضاء، والفَلَك، والألكترون، و.. و..-.
    قالَ الإمامُ محمدُ بنُ عبدِ الكريمِ الشَّهْرَسْتانِ يُّ، في كتابِهِ «المِلَل والنِّحَل» (1/9-10):
    «اعْلَمْ أنَّ أوَّلَ شُبهةٍ وَقَعَتْ في الخَلْقِ شُبهةُ إبليس، ومَصدَرُها استبدادُهُ بالرَّأيِ في مُقابلةِ النَّصِّ، واختيارُهُ الهَوَى في مُعارضَةِ الأمرِ، واستكبارُهُ بالمادَّةِ التي خُلِقَ منها -وهي النَّارُ- على مادَّةِ آدَمَ- وهي الطِّينُ-!
    وتشعَّبَتْ عن هذه الشُّبْهَةِ شُبُهاتٌ!!».
    ولمْ يَكْتَفِ أولئكَ بهذا الغَيِّ الذي أثْقَلُوا عُقولَـهُم به؛ لِيَصُدُّوا عن أنفُسِهِم رُدودَ أهلِ الحقِّ عليهِم! لا؛ ولكنَّهُم زادُوا الأمرَ ضِغْثاً على إبَّالةٍ باتِّهامِهِم أهلَ الحقِّ بإهمالِ العقلِ.. والجَهْلِ.. والجُمودِ.. وسذاجَةِ الفَهْمِ.. و.. و.. إلى غيرِ ذلكَ مِن ألقابٍ هُم أوْلَى بها وأهلُها!!
    وأُولاءِ (العقلانِيُّون): سلسلةٌ انْقَدَحَتْ شرارتُها منذُ عهدِ المُعتَزِلَةِ الأُوَلِ، ثُمَّ لَمْ يَخْبُ أُوارُها إلى هذه السَّاعةِ، فتلقَّفَها المُبتدِعَةُ والمُنحَرِفُون، و(قَفَزَ) إليها المتحلِّلُونَ والمُتهوِّكُون؛ كُلٌّ يُنادِي بها، ويَدْعُو إليها، ويتغنَّى بليلاها، لكنْ؛ بألوانٍ مُتغيِّرَةٍ، وأثوابٍ مُزَرْكَشَةٍ، واتِّجاهات مُتعاكِسةٍ، وألفاظٍ مُنَمَّقَةٍ!
    وهذا -كُلُّهُ- ممَّا يُغَرِّرُ ذوي العقول القاصِرَة، ويُبهِرُ ذوي الأنظارِ الضَّعِيفةِ، الذين يَحسَبُونَ كُلَّ لامعٍ ذَهَباً!!
    لذلك؛ فإنَّنَا رأَيْنا عدداً مِن عامَّةِ النَّاس، قليلي الفَهْم، كليلي النَّظَر، لا يفهَمُونَ شَرعاً، ولا يعقِلُونَ لُغَةً، ومع ذلك (تسرَّبَتْ) إليهم - مِن أولئكَ الزَّاعِمِين (العقلَ) -تلك الخُدعَةُ (العقلانيَّةُ) الجاهلةُ:
    فكَم سَمِعْنا مِن مُعترضٍ على ما صحَّ مِن السُّنَّةِ النَّبَوِيَّة!
    وكمْ سَمِعْنا مِن مُنتقدٍ نصًّا شرعيًّا (مُتواتِراً)!
    وكمْ سَمِعْنا مِن رادٍّ قاعدةً دينيّة!
    وكمْ سمِعْنا مِن عامِّيٍّ لا يعرفُ قَطاتَهُ مِن لَهاتِهِ يستدرِكُ على الكِبار!
    وكمْ سَمِعْنا مِن (نصفِ متعلِّم) يَعْلُو (بصوتِهِ) نَقْضاً لعقائدَ أصليَّةٍ مُسلَّمةٍ!
    وكمْ سَمِعْنا مِن (شِبْهِ مُثقَّفٍ) -خَلا له الجوُّ- فأرغَى، وأزْبَدَ، واشتدَّ... حتَّى (تكادَ) أمعاؤُهُ تتقطَّعُ!
    وهُم ..{يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}!!
    وأُولئِكَ (العقلانيُّونَ) -القُدَماءُ منهم والمُحْدَثُون- لا زِلنا نَسمعُ مَن يُلمِّعُهُم، ويُفخِّمُ شأنَهُم، ويُعظِّمُ أمرَهُم، فيقولُ فيهِم واصِفاً مُبجِّلاً: الأُستاذُ... الدُّكتور... الدَّاعِيَة ... الفيلسوف... المُفكِّر... المثقِّف!
    ... إلى آخرِ ألقابهم التي لا تحملُ شيئاً ممَّا تَدُلُّ عليه أكثرَ مِن وَزْنِ المِدادِ!


    ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضعِها كالهرِّ يحكِي انتِفاخاً صَوْلَةَ الأسدِ


    وما أجملَ ما قالَهُ بعضُ الكُتّاب المُعاصِرِين -في ذا-: «إنَّ للعقلِ البشريِّ وزنَهُ وقيمتَهُ بوَصْفِهِ أداةً مِن أدواتِ المعرفةِ والهدايةِ في الإنسانِ..
    هذا حقٌّ؛ ولكنَّ هذا العقلَ البشريَّ هو عقلُ الأفرادِ والجماعاتِ، في بيئةٍ مِن البيئات، متأثِّراً بشتَّى المُؤَثِّرات...
    ليسَ هُناكَ ما يُسمَّى (العقل البشريّ) [أو (العقل الكليّ)، أو (العقل الأوَّل)، أو (العقل الأوحد)] كمدلولٍ مُطلَق [يكونُ أساساً يُبْنَى عليهِ غيرُهُ، ويكونُ حَكَماً -بين أُمورٍ مُختَلِفَةٍ- لا يُرَدُّ حُكْمُهُ]؛ إنَّما هُناكَ عقلي... وعقلُكَ... وعقلُ فُلان... وعِلاّن... وعقُولُ هذه المجموعةِ مِن البشرِ، في مكانٍ ما، في زمانٍ ما...
    وهذه -كُلُّها- واقعةٌ تحتَ مُؤَثِّراتٍ شتَّى، تميلُ بها مِن هُنا، وتميلُ بها مِن هُناك.
    ولا بُدَّ مِن ميزانٍ ثابتٍ، ترجعُ إليه هذه العُقولُ الكثيرةُ؛ فتعرفُ -عندَهُ- مَدَى الخطأِ والصَّوابِ في أحكامِها وتصوُّراتِها، ومدَى الشَّطَطِ والغُلُوِّ، أو التقصيرِ والقُصورِ في هذه الأحكامِ والتصوُّراتِ.
    وقيمةُ العقلِ البشريِّ -هُنا- أنَّهُ الأداةُ المهيَّأَةُ للإنسانِ؛ لِيَعْرِفَ بها وَزْنَ أحكامِهِ في هذا الميزانِ الثَّابِتِ [الشَّرع الحكيم]؛ الذي لا يميلُ مع الهوَى، ولا يتأثَّر بشتَّى المؤثِّرات...».
    وقال علاّمةُ اليمنِ الإمامُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرُ اليمانيُّ في كتابِه «إيثارِ الحقِّ على الخَلْقِ» (ص379):
    «العُقولُ أقلّ، وأدنَى، وأحقر: مِن أن تُحيطَ بجميعِ حِكَم الله -تعالى-، وأسراره، وغايات إرادتِهِ في قضاياه وأقداره».
    ومع هذا التخبُّطِ الظَّاهرِ في ميزانِهِم المُدَّعَى، ومع هذا القَلْبِ البيِّن لحقيقةِ الفطرةِ، ومع هذا الانتكاسةِ الجليَّةِ لمكانةِ العقلِ ومعرفتِهِ: فإنَّكَ ترَى هؤلاء العقلانيِّين يتبجَّحُونَ بكُلِّ استعلاءٍ! ويُنادِي الواحدُ منهُم بأعلَى صوتِهِ -ردًّا لنصٍّ شرعيٍّ أو سُنَّةٍ نبويَّةٍ-: إنَّ (العقلَ) يُحيلُ هذا الكلامَ -أي: يجعلُهُ مستحيلاً-! ويرفضُهُ، ولا يقبَلُهُ!!!
    وقد قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ في «مجموع الفتاوَى» (5/29):
    «ويكفيكَ دليلاً على فسادِ قولِ هؤلاءِ: أنَّهُ ليس لواحدٍ منهُم قاعدةٌ مستمرَّةٌ فيما يُحيلُهُ العقلُ؛ بل منهُم مَن يزعُمُ أنَّ العقلَ جَوَّزَ وأوجبَ!! ما يدَّعِي الآخرُ أنَّ العقلَ أحالَهُ!
    فيا ليتَ شِعري: بأَيِّ عقلٍ يُوزَنُ الكِتابُ والسُّنَّةُ!؟
    فرَضِيَ اللهُ عن الإمامِ مالكِ بنِ أنسٍ -حيثُ قالَ-: «أوَكُلَّما جاءَنا رجلٌ أجدلُ مِن رجُلٍ؛ تَرَكنا ما جاءَنا به جبريلُ إلى محمدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لِجَدَلِ هؤلاء!».
    {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}:
    قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ -رحمهُ اللهُ- في «بيانِ تلبيسِ الجهميَّةِ» (1/248):
    «إنَّ مواردَ النِّزاعِ لا تُفصَلُ بينَ المؤمنِينَ إلا بالكتابِ والسُّنَّةِ -وإنْ كانَ أحدُ المُتنازِعِينَ يعرفُ ما يقولُهُ بعقلِهِ-؛ وذلك أنَّ قُوَى العقُولِ مُتفاوتةٌ مُختلفةٌ، وكثيراً ما يشتبِهُ المجهولُ بالمعقول!
    فلا يُمكِنُ أنْ يَفْصِلَ بَيْنَ المُتنازِعينَ قولُ شخصٍ معيَّنٍ أو معقُولُهُ؛ وإنَّما يفصلُ بينهُم الكتابُ المُنزَّلُ مِن السَّماءِ، والرَّسُولُ المبعوثُ المعصومُ فيما بلَّغَهُ عن الله -تعالى-».
    ... فَلْيَرْجِعْ هؤلاءِ القومُ إلى النَّهج الصحيح، والعقلِ الرَّجِيح...
    وَلْيَرْكَنُوا إلى التَّسليم المُطلَقِ لأمرِ الله -تعالى-، وما صحَّ عن رسولِهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-؛ فهُما قارَبُ النَّجاةِ...
    وَلْيَضَعُوا الأُمورَ في مواضعِها الحقَّةِ؛ فهذا أزْكَى لهُم، وأطهَرُ...
    وَلْيَعْرِفُوا أنَّهُم -بما هُم صانِعُوهُ!- ولو مِن غيرِ قصدٍ!- يُقدِّمُونَ لأهلِ الكُفْرِ والشِّرْكِ، والطُّغيانِ: خِدْماتٍ جُلَّى في نَقضِ أُسُسِ الإسلامِ، وَرَدِّ أُصولِ الدِّينِ -سواءٌ أَعَلِمُوا ذلك أمْ جَهِلُوه! أرَضُوا به أمْ رَفَضُوه-!!
    وخُلاصةُ القولِ -ما قالَهُ شيخُ الإسلامِ في «مجموع الفتاوَى» (17/444)-: «العقلُ الصريحُ -دائماً- مُوافقٌ للرَّسُولِ-صلّى الله عليه وسلّم-، لا يُخالفُهُ -قطُّ-؛ فإنَّ الميزانَ مع الكِتاب، واللهُ أنزَلَ الكتابَ بالحقِّ والميزان، لكنْ؛ قد تَقْصُرُ عُقولُ النّاس عن معرفةِ تفصيلِ ما جاءَ به، فيأتِيهم الرّسولُ بما عَجَزُوا عن معرفتِهِ وحارُوا فيه؛ لا بما يعلمُونَ بُطلانَه!
    فالرُّسُلُ -صلواتُ الله وسلامُه عليهم- تُخبِرُ بمَحاراتِ العُقولِ، لا تُخبرُ بمُحالاتِ العُقول».
    {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ...}.
    واللهُ يقولُ الحقَّ وهو يهدِي إلى سواءِ السَّبيل.


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •