الديمقراطية من منظور آخر
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الديمقراطية من منظور آخر

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    80

    افتراضي الديمقراطية من منظور آخر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الديمقراطية من منظور آخر

    سالم أحمد باوادي

    الديمقراطية هي الوجه السياسي للنظام الرأسمالي الذي جاء به أصحابه كنظام كامل للحياة مثله مثل الاشتراكية وغيرها من التجارب والتي جاءت كتجارب بشرية توصل إليها العقل البشري خلال مراحل تطوره التاريخي, وجاء الإسلام ليس كدين ينظم سلوك الإنسان التعبدي فقط بل هو منهج حياة كامل يختلف عن جميع التجارب البشرية السابقة له ولم يستمد منها شيئاً, ولم يتصل بهذه المناهج السابقة في أي شيء, لا من قريب ولا من بعيد, وأي عملية موائمة بينه وبين هذه النظم والمناهج البشرية هي عملية اتهام له بعدم الكمال والنقص, وأي خير في هذه المناهج فهو موجود في هذا الدين أصلا علمه من علمه وجهله من جهله.
    والإشكال الذي يقع فيه كثير من الناس هو أنهم يختزلون مفهوم الديمقراطية في عملية أو طريقة اختيار الحاكم ووسائلها والتي يعبر عنها في التراث الإسلامي عملية عقد الإمامة, والتي سنوضحها لاحقاً والفرق بينها وبين تنصيب الحاكم بالطريقة الديمقراطية الحديثة, لكن الإشكال إن هؤلاء لم يدركوا أن الديمقراطية عبارة عن منهج سياسي اجتماعي للحياة, نتاج العقلية البشرية خلال مسيرة معاناتها التاريخية مع التسلط والاستبداد, فهو منهج يدخل في العلاقات السياسية والاجتماعية والحرية الفردية , وعلاقة الرجل بالمرأة , وحتى يتدخل في علاقة الأب بابنه. وهذا المنهج يستمد قوته و شرعيته من سيادة الأغلبية داخل المجلس التشريعي الذي يشرع لكل هذه العلاقات من الحاكم إلى اصغر كائن في هذا المجتمع وهو ما يسمونه (حكم الشعب) أغلبية حاكمة أقلية معارضة.
    وهذا ما يختلف معه المنهج الإسلامي جملة وتفصيلا , إذ التشريع في الإسلام كله يكون لله جلا جلاله (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ) يوسف:67 فهو المشرع وليس للأغلبية داخل المجلس التشريعي, والحاكمية على ضربين: الحاكمية الكونية(القدرية): وتعني أن الله سبحانه هو الخالق والمدبر والمتصرف في هذا الكون المخلوق له, وإن هذا الكون تحكمه سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير لا يملك الإنسان اتجاهها أي شيء, لا رفضاً ولا قبولاً, لأنها سنن ماضية تجري على كل المخلوقات من بينهم الإنسان.
    الحاكمية التشريعية: وهي حاكمية الشرع, الأمر والنهي (التكليف), الذي جاء في كتاب الله وسنة نبيه علية الصلاة والسلام, والإنسان مجبراً اتجاه هذه الأحكام بالامتثال والالتزام قدر الاستطاعة, وليس له الرفض((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)الأحزاب.
    إلا أن هذين المصدرين ( الكتاب والسنة) لم يحجرا على العقل عمله وإنما فتحا الباب واسعا أمام الاجتهاد العقلي, وكان لعلماء المسلمين مساهمات كبيرة, فقد وضعوا أسساً لقواعد تشريعية دقيقة أصبحت مصادر معتبرة في التشريع الإسلامي عند علماء المسلمين مثل الإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع.[1] وأما مبدأ الشورى في الإسلام فلا يكون إلا في المسائل الاجتهادية والتي لا يوجد في نص قطعي وما يحقق مصالح الأمة, فقد غضب النبي عليه الصلاة والسلام عندما شفع أحد الصحابة في حد من حدود الله, فالمسائل القطعية المجمع عليها لا تدخل مجلس الشورى.
    يقول الشيخ يوسف القرضاوي: ونعني بالديمقراطية في هذا المقام الديمقراطية السياسية. أما الديمقراطية الاقتصادية، فتعني )الرأسمالية( بما لها من أنياب ومخالب، فإننا نتحفظ عليها. وكذلك الديمقراطية الاجتماعية التي تعني)الليبرالية( بما يُحمّلونها من حرية مطلقة، فإننا كذلك نتحفظ عليها.…..الذي يعنينا من الديمقراطية هو الجانب السياسي منها، وجوهره أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود مسيرتها، ولا يفرض عليها حاكم يقودها رغم أنفها. وهو ما قرَّره الإسلام عن طريق الأمر بالشورى والبيعة، وذم الفراعنة والجبابرة، واختيار القوي الأمين، الحفيظ العليم، والأمر بإتباع السواد الأعظم، وأن يد الله مع الجماعة، وقول الرسول لأبي بكر وعمر: "لو اتفقتما على رأي ما خالفتكما، إذ سيكون صوتان أمام واحد[2]".
    يقول الدكتور فايز الربيع: "الديمقراطية نظام بشري وتجربة حضارية من إفرازات العقل الإنساني تختلف من مجتمع إلى آخر بين عصر وعصر لها شروح وتأويلات تختلف ببلاغة الدفاع وحسن العرض ولها أنماط واسعة وتقنيات وهي تنتمي فكريا إلى مجال المتغيرات"[3].
    إذا كانت الديمقراطية تنتمي إلى مجال المتغيرات فكيف يتم مقارنتها بالجانب الثابت من الإسلام كما يفعل بعض الكتاب بقولهم (الإسلام الديمقراطي) , وإما إذا قارنها بالمجالات المتغيرة في الإسلام , فان الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان, وان كل خير يتوصل اليه العقل البشري ويراه خيرا, فلا يمكن أن يكون خيرا في الإسلام حتى يحقق مقصود الشرع, والذي هو حفظ الكليات الخمس ( الدين,النفس, العقل, والمال, والنسل). وهل يجزم احد إن الديمقراطية تحقق ذلك, وهل وصل تطبيق الديمقراطية إلى قمته , وإذا كانت بعض الدول الغربية لم تطبق الديمقراطية إلا في بداية النصف الأول من القرن الماضي مثل: اسبانيا, اليونان, وبعدها بكثير الدول الأوربية الخارجة من المعسكر الاشتراكي, من يضمن عدم فشل هذه النظام المبتكر عبر مسيرته التاريخية القادمة والذي يتغنى به بكثير من البشر ويرون أن فيه الخلاص من الظلم والاستبداد, وخاصة قد بدأت تلوح في الأفق كيف صارت الديمقراطية في العالم الغربي هي ديمقراطية الثروة والشركات الكبرى العابرة للقارات, وان قال المدافعون إن التطبيق الخاطئ لا يقدح في النظرية, ونحن نتفق معكم إن التطبيق الخاطئ لا يقدح في النظرية , فهل يمكن أن نعمم هذا على كل النظريات, والأيدلوجيات, وقد يقول أحدهم أن الديمقراطية نظام يتطور ويطور نفسه , ونحن نقول إن الإسلام نظام حياة كامل جاء وفق الفطرة الطبيعية للبشر ولا يمكن يوم من الأيام أن يقف دون أن يلبي حاجات البشر المادية والروحية, فلا نربط الإسلام بمصير الديمقراطية كما ربط بعضهم الإسلام بالاشتراكية عندما كانت في ذروة مجدها في السبعينيات أما اليوم فلم يكن تطبيق الاشتراكية هو الخطأ بل هي النظرية من أساسها خطأ, والذين كانوا يشيدون بها لا شك أنهم الآن يتوارون من الناس, فمتى سنرى دعاة الديمقراطية[4]يتوارون من الناس.



    اختيار الحاكم :
    أما قضية تنصيب الحاكم في الإسلام أو كما يسميها الفقهاء عقد الإمامة الكبرى, فهي من الأمور غير منصوص عليها متروك لاتفاق الأمة , فإذا اجتهد الناس بما فيهم أهل العقد والحل في اختيار من هو أصلح وأهل للقيام بهذه المهمة واتفقت عليه الأمة صار حاكما شرعيا ووجب طاعته في المعروف, والقضية الجوهرية التي يجب أن نشير إليها هي أن السيادة للشرع والحاكمية لله, أما السلطة التنفيذية فهي متروكة للأمة تختار من ترتضيه لتنفيذ شرع الله فيهم , ونلاحظ هنا لما كانت الإمامة منصوص عليها عند الشيعة في أغلب فرقها ويعطونها شيئاً من القداسة وهي من الأمور التي ورثوها من التراث الفارسي ومزجوها بقضية أهل البيت لتأخذ طابع إسلامي في ظاهرها والإسلام بري منها, أدخلتهم هذه القضية في إشكالات عديدة لا حصر لها من تكفير المخالف في الإمامة وتعطيل الشرع مما دفعهم إلى ابتداع نظرية ولاية الفقيه ليحلوا هذا الإشكال, ولا زالوا في خلاف ونزاع وهم غير متفقين عليها[5].
    إذا السلطة التنفيذية هي مسألة اتفاقية متروكة للأمة وقد حدد أهل العلم طريقان في اختيار هذه السلطة , وهن من المسائل الاجتهادية التي يمكن أن تتغير هذه الوسائل حسب ما يحقق المصلحة للأمة, وفي هذا الهامش يمكن الاستفادة مما توصلت اليه العقول البشرية مما يحقق مقصود الشرع فقد استفاد النبي من وسيلة الخندق في الحرب وهي من نتاج الأمم الأخرى.
    ومن الطرق التي حددها الفقهاء لعقد الإمامة, هما في حاصلهما طريقان:
    1)- اختيار أهل الحل والعقد:
    هذه التسمية تسبب عند البعض إشكالية كبيرة ويعتبرها البعض من مخلفات العصور الوسطى البغيضة والتي ستكون رمز للاستبداد وممارسة الوصاية على الأمة, والحلول مكان الله في فرض الأهواء والتفسيرات ووجهات النظر الخاصة لنصوص الشرع وفي الأخير ستقود إلى الثيوقراطية .
    هذا الإشكال لا أساس له من الصحة وخاصة في مجال التطبيق ولم يكن يوم من الأيام عبر المسيرة التاريخية بهذا الشكل فكيف سيكون اليوم وقد توصلت الأمة إلى كثير من الآليات التي يمكن أن تساعدها في التوسع في استماع لوجهات النظر المختلفة, والوصول إلى الحلول للمناسبة لحل المشكلات, والأهم من ذلك أن هذا الإشكال لا مبرر له لان الأمر قائم على الشورى, ومجالس الشورى ليس مثل مجالس النواب والبرلمانات الغربية التي تخضع للأغلبية, لان التشريع جاء على ضربين : أحكام لا تدخل مجلس الشورى أصلا وهي الأحكام القطعية لا تتغير بتغير الزمان والمكان والمصلحة فيها لا تتغير, فهذه لا تقبل النقاش لا تخضع لرأي فلان ولا تقبل التأويلات ووجهات النظر الخاصة فقد انعقد الإجماع عليها. والنوع الثاني هو التشريع الذي يُستنبط عن طريق الاجتهاد, وهو في المسائل التي لا يوجد فيها نص قطعي الدلالة والمستجدات التي تحدث, فهي متروكة لأهل الاجتهاد والعلم, وهذا في مسائل التشريع, أما مصالح الأمة العامة المختلفة فقد تتوسع الدائرة ليدخل فيها غيرهم والذي يمكن أن يسمى بمجلس الشورى أو البرلمان لا مشاحة في المسميات, أما المجالس التشريعية فهي محصورة على المتخصصين في التشريع, فالشارع قد شرع أموراً منصوص عليها قطعياً وأمور تركها لأصحاب الاجتهاد والاختصاص لا يدخل معهم إلا من هو أهل في مثل هذا الجانب, فلا يمكن أن تكون في هذا الجانب فرض وجهات نظر ولا وصاية, وبعضهم يثير هنا إشكالية يسيرة وهو يظن إنها عظيمة ومشكلة كبيرة, يقول بأي مذهب سيفتي هؤلاء في مسائل الاجتهادية؟ والجواب إن هذه المذاهب الأربعة عند أهل السنة هي تعتبر تراث فقهي زاخر يستفيد منه المجتهدون ما وافق الدليل وكان اقرب للحق.
    فمسائل الاختصاص لا تطرح للأغلبية بل تطرح على أهل الاختصاص لا عبرة للأغلبية فيها إذا كانوا ليس من أهل الاختصاص, مثلا؛ لو طرح التصويت على عقار طبي في المجلس, ووافق الجميع على بيعه في الأسواق, وعارض القرار واحد أو اثنان من المختصين في العقارات الطبية وبينوا سبب الاعتراض ومخاطر هذا العقار, هنا يكون لا عبرة بالأغلبية غير المختصة , فما بالك بمسائل الشرع والأحكام الشرعية المستنبطة نجعلها لرأي الأغلبية , وإذا أحيلت للمختصين قالوا , انتم تمارسون علينا وصاية, هذا في جانب التشريع واستنباط الأحكام خاص بهؤلاء المجتهدين الذي أمرنا الله أن نحيل إليهم هذه الأمر حين قال سبحانه (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)النساء. وقوله تعالى(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (43النحل). وهذا لا يعني بالضرورة تسفيه لرأي الأغلبية وخاصة إذا كانت مختصة أو من أصحاب الرأي والدراية بشرط إن الأغلبية لا تلغي حكما ثابت من الدين بالضرورة ولا تنشئ حكما يخلف ثوابت الدين, وفي غير ذلك فان الأغلبية في الشرع معتبرة, فقد أمرنا الرسول عليه الصلاة والسلام بالتزام الجماعة والسواد الأعظم , وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبداً, يد الله مع الجماعة...))الترمدي2167وقال)):إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد))أحمد1/18.
    إما ارتباط أهل الحل والعقد باختيار الحاكم فهنا تتسع الدائرة ويدخل فيها غير المجتهدين في الشرع من أهل الاختصاصات الأخرى ومن أهل الفضل والوجاهة , فإن الشروط التي حددها أهل العلم من الفقهاء لأهل الاختيار مثل الماوردي وغيره هي: العدالة, والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحب للأمة, والرأي والحكمة, وهذه الشروط تتوفر في علماء الشرع وغيرهم, فأهل الاختيار هم من يعبر عن الأمة واختيار الحاكم متروك لقبول الأمة عن طريق من يمثلها كلها, أما قضية التشريع فإن الدائرة تضيق فيها من ناحية الاختصاص وليس العدد, وهذا نراه جلياً في قضية تأبير النخل عندما قال لهم عليه الصلاة والسلام : انتم اعلم بأمور دنياكم, أما قضية التشريع فهي ليست متروكة لهم بل هي لله وحده.
    2)- طريقة تعين الإمام بعهد الإمام من قبل.
    يقول الماوردي فقد انعقد الإجماع على جوازها فقد عهد أبو بكر إلى عمر وعمر عهد لأهل الشورى, وقال: وقد اختلفوا في انعقاد إمامته بغير اختيار أهل الحل والعقد, لان بعضهم قال رضاهم ببيعته شرط في لزومها للأمة لأنها حق لهم فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم[6] .
    إذا الأمر يرجع إلى أهل الحل والعقد عند بعض أهل العلم, وهم الذين يمثلون الأمة وإن شئت أن تسميهم أهل الشورى أو مجلس النواب, المهم هم من يمثل الأمة , فقضية اختيار الحاكم في كلا الطريقتين ترجع إلى الأمة. لذلك يقول الدكتور صلاح الصاوي: هكذا فهم عمر بن عبد العزيز عندما أخذت له البيعة بناءً على عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك اليه صعد على المنبر ثم قال: (( أيها الناس إني ليس بمبتدع ولكني متبع وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم فان هم أبو فلست لكم بوال ثم نزل))[7].
    فهو يرى في عهد الخليفة اليه أنه ترشيح وأن الأمة هي صاحبة القرار وأن من كانوا في حاضرة الخلافة ليسوا بأولى من غيرهم في هذا الحق بل هو إلى الأمة يجب إن تعقد الرضا من الكافة وان الإمامة تعتبر من فروض الكفاية والفروض الكفائية هي التي يتوجه التكاليف بها إلى الأمة, فالأمة شرعا هي المخاطبة بإقامة هذا الواجب وإناطة الشريعة بها وإن نزعه عنها أحد فهو ظالم وان تخلفت هي عن أدائه فهي آثمة[8].
    إذا ما يعنينا في الديمقراطية وكما أكد عليه من قبل الشيخ يوسف القرضاوي هي الآليات والوسائل في طريقة اختيار الحاكم, وهذه المجال فيها مفتوح من حيث الاستفادة ولان هذه الجوانب من الأمور المتروكة للأمة التي يمكن أن تجتهد وتبتكر أنجع الوسائل التي تحقق المقصود ويمكن استفادة من تجارب الغير, وهذا ليس معناه إننا أخذنا الديمقراطية كمنهج , لاننا نختلف مع ديمقراطية التقنيين والتي تشرع فيها الأغلبية الحاكمة للأقلية, ونختلف مع كثير من القواعد والأسس التي تقوم عليها الديمقراطية منها:
    1- الحريات والمساواة:
    أصبح كثير من الناس يركز على هذه القضية ويختزل الديمقراطية في هذا المفهوم ولا يركزوا على الخلفية الفلسفية والثقافية للديمقراطية لان ما يهمه هو في هذا الجانب هي الممارسة, بل حتى صار عند البعض لا يمكن يوجد عدل ومساواة إلا في ضل الديمقراطية, وان ما يراه كثير من الناس من وجود حريات واحترام لحقوق الإنسان ورفاهية في كثير من الدول الغربية جعلهم يعتقدون إن هذه الحقوق لا يمكن الوصول إليها إلا في ظل النظام الديمقراطي وحده فقط, وهذا الفتنة التي أسكرت كثير من العقول التي أصبحت تنادي الإسلام هو الديمقراطية , وبعضهم يقول الشورى هي الديمقراطية , والأخر يقول الإسلام روح الديمقراطية, وتغافلوا عن السلبيات والمساحات الشاسعة بين الديمقراطية والإسلام كمنهج للحياة. فإن الإسلام قادرا على إن يوجد أكثر من ذلك إذا ما تم تطبيقه بصورته الصحيحة, فقد ضمن الإسلام الحريات وحافظ عليها واوجد لها أسساً وقواعد متينة, ونحن لا نريد أن نسرد كلام نظري فقط بل نرى كيف غير الإسلام الأمة خلال فترة زمنية وجيزة, وجعلها امة تحترم الحريات والحقوق , فقد تعجب الخليفة الفاروق رضي الله عنه عندما التقى نَافِعَ بْنَ عَبْدِالْحَارِثِ بعسفان, وكان عمر يستعمله على مكة, قال له: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: (ابْنَ أَبْزَى ) قال عمر : ومن ابن أبزى؟ قال :مولى من موالينا, فقال عمر: فاستخلفت عليهم مولى! , قال له: يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله , وإنه عالم بالفرائض. فقد كان استغراب عمر مبرراً , من كان يتوقع أن قريش ومكة سيسودهم مولى , الموالي والعبيد كانوا لا يستطيعون الجلوس في أندية قريش مع أسياد قريش, فكيف صار على هذه الوادي الذي كان يمثل الأنفة العربية والتعصب العرقي مولى, إنه الإسلام الذي قلب الحياة وجعل الأفضلية ليس للعرق والنسب بل للتقوى.
    أما المساواة فإن الإسلام يقيم العدل وليس المساواة, لأن المساواة أحيانا تكون ظلماً, ولكي يتضح الأمر , فلو قام المعلم بمنح الطلاب في الصف درجة واحدة, أي ساوى بينهم بحيث أعطا كل واحد منهم (70 ) درجة وهو هنا ساوى ولم يعدل, بل ظلم كثيرا من الطلاب الذين يستحقون أكثر من ذلك, إذا العدل غير المساواة , العدل وضع الشيء في مكانه الصحيح, فعندما تساوي الديمقراطية بين الرجل والمرأة في كل شيء , هي بذلك تظلم ولا تعدل, فأحيانا تظلم المرأة بهذه المساواة وأحيانا تظلم الرجل , والإسلام أقام العدل في علاقة الرجل بالمرأة فعندما أعطاها نصف ما للذكر في الميراث هو لم يساو لان المساواة هنا ليس العدل , ولذلك في حالات وراثية أخرى[9] تأخذ المرأة أكثر من الرجل لأنه أيضاً العدل وليس المساواة , فقد منح الإسلام المرأة حقوقها كاملة بما تتوافق مع طبيعتها وفطرتها , فأعطها حق التعليم , والعمل, حق التعبير عن الرأي وغيرها من الأمور, ومنع عليها أمورا أخرى لكي يحصل العدل والتوافق مع المجتمع الإسلامي كاملا الذي تسوده الشريعة , فالإسلام لا ينظر للمرأة كجزئية مستقلة في المجتمع يمكنها أن تمارس حياتها كيف شاءت, بل هي جزء أساسي من تركيبة المجتمع فلابد أن تتوافق مع هذا المجتمع ولا تخرج على شريعته وكذلك بالنسبة للرجل, الكل في المجتمع الإسلامي يكمل بعضه البعض وفق الشريعة السمحة , أما المساواة أمام القانون والمساءلة فهدا من مبادئ الإسلام الأصيلة عندما أعلنها النبي عليه الصلاة والسلام (( والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها)النسائي, وأما حرية الاعتقاد فإن مبدأ لا إكراه في الدين قد طبقته أمة الإسلام على أرقى مستوياته حتى شهد بذلك الخصوم قبل أهل الإسلام.
    وهناك قواعد أخر للديمقراطية لا يسع المقام هنا لمناقشتها, بعضها يدخل في الوسائل والآليات, فما وافق مقصود الشرع قبلناه ومخالف رددناه ومن هذه القواعد:
    1. التعددية الحزبية.
    2. التداول السلمي للسلطة.
    3. فصل السلطات.
    هل الديمقراطية شرط في تحقيق النهضة؟
    استفسار يطرح دائما , هل ممكن تحدث نهضة وتتطور في مجتمع لا يطبق الديمقراطية الغربية ؟ الذي يؤكده الواقع اليوم إن الديمقراطية ليس شرط في تحقيق التقدم العلمي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري, والحكم الرشيد ليس شرط أن يكون على النمط الديمقراطي الغربي, فيمكن أن تحقق دولة يحكمها حزب الواحد أو حاكم دكتاتوري التقدم والنهضة العلمية والاقتصادية , كما انه يمكن أن تقود الديمقراطية إلى مزيد من التدهور والانفلات والفساد المالي والإداري كما هو مشاهد وحادث, ليس من الصواب إطلاق أن الدول المتخلفة سبب تخلفها هو غياب الديمقراطية, وليس معنى هذا إننا ندعو للدكتاتورية والاستبداد, ولكن التطور والتقدم له أسباب ومقومات أخرى إذا توفرت هذه المقومات حصل التطور, والديمقراطية ليس من المقومات الأساسية لذلك حسب ظني.
    الشورى:
    الشورى مبدأ أصيل من مبادئ الإسلام والأساسية ودعامة من دعائم المجتمع الإسلامي وهي حق أصيل للجماعة المسلمة قرره الله سبحانه في كتابه وهو ليس محصوراً في جانب من جوانب الحياة للمجتمع المسلم بل في سائر شؤون الأمة سوى كان السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو اقتصادية والعسكرية.
    يجب أن يتعمق هذا المفهوم في حياتنا اليومية وفي أسواقنا ومدارسنا وكلياتنا وأعملنا وبيوتنا ومع أسرنا وأزواجنا, وبالشورى يحصل توافق الاتجاهات وتسود الألفة والاجتماع عندما يعطى كل فرد الحق في التعبير عن رأيه, الشورى أصبحت ضرورة إنسانية, قال تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)37الشورى. فهذه الآية من المكي , أي إنها نزلت قبل قيام الدولة فقد قرن الله بين الصلاة والزكاة والشورى التي أصبحت بذلك من لوازم الإيمان , مطالب بها الأفراد قبل الجماعات والدول. قال عليه الصلاة والسلام: (إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه) النسائي, وقال عليه الصلاة والسلام: (المستشار مؤتمن)أبو داود. لما سار رسول الله إلى بدر خرج فاستشار الناس فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه ثم استشارهم فأشار عليه عمر رضي الله عنه فسكت فقال رجل من الأنصار إنما يريدكم، فقالوا يا رسول الله، "والله لا نكون كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (24)المائدة، ولكن والله لو ضربت أكباد الإبل، حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك". وقد أشارت أم سلمة رضي الله عنها على النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية بأن يحلق رأسه.
    أما بالنسبة للحاكم فالشورى ملزمة له على رأي بعض أهل العلم , وقال البعض هي بيد الأمة إن أرادت أن تكون ملزمة للحاكم تشترطها علية عند البيعة كما اشترط عبد الرحمان بن عوف على عثمان أن يسير على سيرة الشيخين, وإن إرادتها غير ملزمة فالأمر يرجع للأمة , بل يمكن الأمة إن تشترط أشياء أخرى التي يمكن أن تمنع الاستبداد والتفرد والجور, لان الإمامة عقد بين الأمة من طرف والإمام المختار من طرف أخر , وبهذا تنتهي قضية الخوف من الوصاية والاستبداد, ويمكن للأمة الحد من سلطة الحكام وتقييدها.
    سالم أحمد باوادي
    الجمعة 7/1/2011م






    [1] حرية الاعتقاد في ظل الاسلامص580 د/ تيسير العمر

    [2] موقع الشيخ يوسف القرضاوي

    [3] الديمقراطية بين الأصيل الفكري والمقارنة السياسية ص34

    [4] نقصد بهم اللبراليين الجدد الذين ينادون بتطبيق الديمقراطية الغربية الليبرالية بكل حذافيرها.

    [5]لذلك تجد البعض من علماء الشيعة لكي يخرج من هذا الإشكال قال إمامة هؤلاء الأمة الأثيني عشر هي إمامة دينية وليس سياسية وإنها ليس من أصول الدين.

    [6]الأحكام السلطانية ج1,ص5..

    [7] البداية والنهاية ج9,ص183

    [8] تحكيم الشريعة ودعاوى الخصوم ص30

    [9] مثال؛ أن يهلك عن بنتين وجد وأخ شقيق, فتأخذ البنتان الثلثان وهو أكثر من نصيب الجد والأخ الشقيق وهما رجلان..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    142

    افتراضي رد: الديمقراطية من منظور آخر

    الديموقراطية دين ، ليس لها إلاَّ منظور واحد ، أنَّها مجموعة مِن القوانين والقواعد المقتبسة مِن شرائع شتى ، ولا شك عندي في ذلك ..
    اعتمادها وتطبيقها كفر بإجماع العلماء .. ومَن شذَّ اليوم فلا عبرة بشذوذه ..

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •