صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 23

الموضوع: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    ذُمّ المنازلَ بعد منزلةِ اللّوى ..والعيشَ بعدَ أولئِك الأيّام
    المشاركات
    591

    Lightbulb صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ
    ((قَنْطَرَةٌ فِي تَارِيخِ لُغَتِنَا الْعَرَبِيَةِ لاَ يُمْكِنُ تَجَاوزُهَا بِغَيْرِ اهْتِمَامٍ))
    الْكَاتِب / ربيع الأديب
    بسمِ الله الرّحمَنِ الرحيم
    فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثّامِنِ وَالْعِشْرين منْ شَهرِ ربيع الأوّل سنة ثلاث وَسِتّين وثلثمائة للهِجْرة وسنَة ثلاث وسَبْعِينَ وتسْعُمائَة للمَسِيح ، قَبْلَ مَغِيب الشّمسِ بِقَليل وُلِدَ فِي مَعَرّة النّعْمَان طِفْلٌ اسْتَقْبَلَ الْوُجُودَ لاَ يُحَسُّهُ ولاَ يُشْعَرُ بهِ ، وَلاَ يَعْرِفُ مَا أضْمَرَت لهُ الأيّامُ منْ خيْرٍ أوْ شَرّ ، ومنْ سَعَادَة أوْ شَقاءٍ ، ومنْ رفعة قدْر أو خُمُول ذِكْرٍ .
    اسْتَقْبَلَ الْوُجُودَ وَهُوَ يَجْهَلُهُ كُلَّ الْجَهْلِ ، وتَلَقّتْهُ هَذِهِ الدّنيا وإنّهَا لَتَجْهَلُ مِزَاجَهُ وتَرْكِيبَ نَفْسِهِ ، ومَا سَيَئُولُ إلَيْهِ أمْرُه منْ ذَمٍّ لَها ورَغْبَةٍ عَنْهَا ، وَنَعَى عَلَى الْكَلِفِينَ بهَا الْجَشِعِينَ إلَيْهَا . وَلَكِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ تُعِدُّ لَهُ أَلَْوَاناً مِنَ اللّذّاتِ والآلامِ لَيْسَ لَهُ مِنْ لِقَائِهَا بُدٌّ ولاَ عَنِ ابْتِلاَئِهَا مَنْدُوحَةٌ . كِلاَ الصّاحِبَيْنِ مِنْ الْحَيِّ والْحَيَاةِ يَلْقَى صَاحِبَهُ جَاهِلاً لَهُ مُكْرَهاً عَلَى لِقَائِهِ . وَلَوْ أنَّ أحَدَهُمَا خُيِّرَ فِي هَذَا اللّقَاءِ لَمَا رََضِيَهُ ولاَ مَالَ إلَيْهِ . وَلَوْ أَحَسَّ الْجَنِينُ تِلْكَ الصُّرُوفَ وَالأَهْوَالَ الّتِي تتَأهّبُ لِلِقَائِهِ لآثَرَ أنْ يَخْتَنِقَ فِي رَحِمِ أُمِّهِ . وَلَوْ أَحَسَّتِ الْحَيَاةُ تِلْكَ الْخِلاَل الّتِي سَيَلْقَاهَا بِهَا هَذَا الْجَنِينُ منْ صَبْرٍ عَلَى آلامِهَا أوْ تَبَرُّمٍ بِهَا ومنْ شَرَهٍ إلَى لَذّاتِهَا أوْ زُهْدٍ فِيهَا ، لَوَدّت لوْ تَنْصَرفُ عَنْهُ .
    كَذَلِكَ كَانَ يَتَحَدّثُ هَذَا الطِّفْلُ بَعْدَ أنْ مَرَّ عَلَى مَوْلِدِهِ أربعونَ عَاماً ...لَقَدِ اسْتَقْبَلَ الْحَيَاةَ وَمَا كَانَ اسْتِقْبَالُهُ إيّاهَا إلاّ نِداءً لَهُ بِأنْ يَحْتَمِلَهَا كمَا هيَ ، وَعَهْداً علَيْهِ أنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْ غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ منْهَا مَفَرّاً . وَكَذَلِكَ فَعَلَ ، فَسَيَدُلُّنَا تَارِيخُهُ علَى أنّهُ احْتَمَلَ آلامَ الْحَيَاةِ غَيرَ ضَجِرٍ ، وبلا الحَقَّ من لَذّاتِها غيرَ بطر ، وأوْفَى بِهَذَا الْعَهْدِ الّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَأَحْسَنَ الوَفَاءَ ، ودَخَلَ الْحَيَاةَ مُجْبَراً ، وخَرَجَ مِنْهَا مُجْبراً ، وَأقَامَ فِيهَا مُجْبَراً ، ولَكنْ هذِه الْحَياةُ الجبْرِيّةُ كانتْ مَصْدَرَ هَذِهِ الآثَارِ الّتِي نَحْنُ مُبينُوها مُنْذُ الآنَ . [ تَجْديد ذِكرى أبي العلاء ص 108 . 109 لطَهَ حُسَيْن]
    ذَاكَ هو الشَّيخُ الْعَلاَّمةُ ، شَيخُ الآدَاب ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ سُلَيْمَانَ أَبُوالْعَلاَء الْمَعَرِّي ((وَالْمَعَرِّي بِفَتْحَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاء نِسْبَةً إِلى مَعَرَّة النُّعْمَان بَلْدَةٌ صَغِيرَةٌ بِالشّامِ بِالْقُرب من حماة وَشَيزَر وَهيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى النّعْمان بنِ بَشير الأنْصَاري رضي اللهُ عنْهُ )) التّنّوخِي نِسْبَةً إلى تنّوخ إحْدَى قَبَائِل اليَمَن ، والْمَعَرِّي مِنْ بَيْتِ عِلْمٍ وَرَئَاسَةٍ فَأبُوهُ مِنَ الْعُلَمَاء ، وَجَدُّهُ وأَبُو جَدّهِ وَجَدُّ جَدِّهِ كُلّهمْ تَوَلّوا قَضَاءَ الْمَعَرّة . ..سَمّاهُ أبَواهُ بِهَذَا الإسْمِ ((أحمدُ ))ولكنّهُ كَرِهَهُ حِينَ بلاَ نَفْسَهُ وعَرفَ أخْلاَقَهُ ، فَرَأى أنّ منَ الْكَذِبِ اشْتِقَاق اسمه من الحَمدِ ، وإنّما يَنْبَغِي أنْ يَشْتَقَّ مِنَ الذّمّ ...وكذلك كنّيَاهُ بِهَذِه الْكُنْيَة ((أبُوالعَلاء)) فيما يرجّحُ طهَ حُسين ، ولكنه كره كذلك تلك الكُنية وقال :
    دُعِيتُ أبَا العَلاء وذَاك مَينٌ وَلكن الصّحيحَ أبا النّزُولِ
    نَشَأَ أَبُو العلاء المعرّي في أسرَة مرموقة تنتمي إلى قبيلة "تنوخ" العربية، التي يصل نسبها إلى "يَعرُب بن قحطان" جدّ العرب العاربة ويصف المؤرخون تلك القبيلة بأنها من أكثر قبائل العرب مناقب وحسبًا، وقد كان لهم دور كبير في حروب المسلمين، وكان أبناؤها من أكثر جند الفتوحات الإسلامية عددًا، وأشدهم بلاءً في قتال الفرس.
    وُلد أبو العلاء في بلدة "معرَّة النعمان" ونشأ في بيت علم وفضل ورياسة متصل المجد، فجدُّه "سليمان بن أحمد" كان قاضي "المعرَّة"، وولي قضاء "حمص"، ووالده "عبد الله" كان شاعرًا، وقد تولى قضاء المعرَّة وحمص خلفًا لأبيه بعد موته، أمَّا أخوه الأكبر محمد بن عبد الله فقد كان شاعرًا مُجيدًا، وأخوه الأصغر "عبد الواحد بن عبد الله" كان شاعرًا أيضًا.
    قَالَ الشِّعْرَ وَلَهُ إحْدَى عَشَرَةَ أوْ ثنَتَا عَشْرَةَ سَنة .. كَانَ عَجِيباً مِنَ الذَّكَاءِ الْمُفْرِطِ ، والإطّلاَعِ عَلَى اللّغَةِ ، غَزِيرَ
    الْفَضْلِ شَائِعَ الذِّكر ، وَافِرَ الْعِلْم ، غَايَةً فِي الْفَهْمِ ، حاذِقاً بالنّحْو ، جَيِّدَ الشّعْر ، جَزِلَ الْكَلام ، وكَانَ إنْسِيَّ الْوِلاَدَةِ ، وَحْشِيَّ الْغَرِيزَةِ كمَا وصَفَ نَفْسَهُ ، كانَ سَخِيّاً وَفِيّاً ، قَامِعاً لِشَهَواتِهِ ، سَيّءَ الظّنِّ بالنَّاسِ ، شَدِيدَ الْحَذَرِ مِنْهُم، وَكَانَ رَقِيقَ الْقَلْبِ ، دَقِيقَ الشُّعُورِ ، سَريعَ الانفعالِ ، شَدِيدَ الْحَيَاء ، وَافِرَ الْحَظِّ عَلى سُمْعَتِهِ ، خَبيراً بِمَواقِع النّقْصِ منَ البَشَرِ وطُرق السّخْريَةِ إلَيْهَا ، مُحِباًّ للْعُزْلَةِ ، كَارِهاً للدّنْيا . مِزَاجُهُ الْعَصَبي جَعَلَهُ مُتَقَلِّباً كَثِيرَ الشّكُوكِ يَمِيلُ إلَى التّشَاؤُمِ والإنْفِرادِ شأن سَائِر الْعَاطِفيينَ . َكَانَ طَعامُهُ العَدَسَ والتّينَ ، لاَ يَمُدُّ يَدَهُ إلَى أَصْنَافِ اللّحُوم والصّيد والبيضِ واللبنِ والعَسَل وَحَيَوان البَحْر ، ولِبَاسُهُ القُطْنَ ، وكَانَ فِراشُهُ لِبَّاداً وحَصِيراً بَرْدِي ..وكَانَ قَنُوعاً مُتَعَفِّفاً ، ولاَ يَقْبَلُ منْ أحدٍ شَيئاً .. وَكَانَ لاَ يَأْكُلُ إلاّ فِي مَغَارَةٍ وحْدَه مُنْفَرِداً ويَقُولُ : أكلُ الأعْمَى عَوْرَةٌ ، أكَلَ مَرَّةً دُبْساً ، فَنقَط علَى صَدْرِهِ منهُ ، فلَمّا خَرَجَ للإفَادَةِ ، قيلَ لهُ : أَكَلْتُم دُبْساً ؟ فأسْرَعَ بِيَدَهِ إلَى صدْرِهِ ، فَمَسَحهُ وقَالَ : نَعم ، لعن اللهُ النَّهَم . فَعَجِبُوا من ذَكَائِهِ .. ولاَ يَستَبيحُ الْخَمْرَةَ بَلْ يُحَذِّرُ مِنْها . وَكَانَ مُواظِباً عَلى الصّلاةِ كَثِيرَ الحَضّ عَلَيْهَا . قَويَّ الذَاكِرَةِ ، سَريعَ الْحِفْظِ ، وَيَدُلُّ شِعْرُهُ وَنَثْرُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ وَفِي عَقَائِدِ الْفِرَقِ ، وَكَانَ آيَةً فِي مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ وَالأَخْبَارِ . وَيُقَالُ : إنّهُ كَانَ يَحْفَظُ مَايَمُرُّ بِسَمْعِهِ ، وقَدْ رَوَوْ عَنهُ فِي ذَلِكَ الأعَاجِيبَ ، فَزَعَمُوا أَنّهُ كَانَ يَحْفَظُ ما يَفْهَمُ ومَا لاَ يَفْهَم ..وَالْعُمْيَانُ أصَحُّ النَّاسِ حِفْظاً لأنّ قُوّةَ بَصَرِهِم تَتَحَوّلُ إلى قُوّة السّمعِ والْحِفْظِ ، فكانَ أبو العلاَءُ نَفْسُهُ يقُول : مَا سَمِعْتُ شَيْئاً إلاّ وَحَفِظْتُهُ وَما حَفِظْتُ شَيْئاً فَنَسِيتُه . وَقََال عنهُ تلمِيذُهُ التبْريزِي : مَا أعْرِفُ أنّ العَربَ نَطَقَت بِكَلِمَة ولم يَعْرِفْها المَعَرّي ..
    وجُدِرَ فِي السّنَةِ الرّابعة مِن عُمُرِهِ فَعَميَ مِنْهُ ، غَشَّى يُمْنَى عَينَيه بَيَاضٌ وَذَهَبَت الْيُسْرَى جُمْلَةً .. فَكَانَ يَقُولُ : لاَ أعْرِفُ مِنَ الألْوَانِ إلاَّ الأَحْمَر، لِثَوْبٍ أحمرَ ألْبَسُوه إيّاهُ ، فَكَانَ هَذَا اللّونُ أولَ ما عَرفَ وآخرَ مَا رأَى ..وكَانَ ذَا خَلْقٍ دَمِيم ، قَصيرَ الْقَامَةِ ، نَحِيفَ الْجِسْمِ ضَعيفَهُ ، وَاسِعَ الْجَبْهَةِ ، مُشَوّهَ الْوَجْهِ بِآثَارِ الْجُدَرِي والْعَمى . غَيْرَ أنّ ذَلِكَ الثّوبَ الرّثّ كَانَ يَحْوِي نَفْساً كَبيرَةً وَقَدْ كَانَ الْمَعَرِّي مِنَ الأَذْكِياءِ بلْ كَانَ فِي غَايَةِ الذّكاء الْمُفْرِطِ ،..وقِيلَ أنّهُ وُضِعَ علَى سَريرِهِ دِرهَمٌ ، فَقَالَ : إمَّا أن تَكُونَ السّمَاءُ قَد انْخَفَضَت مِقْدَارَ دِرْهَمٍ ، أوِ الأرْضُ قَد ارتَفَعَت مِقْدَارَ دِرهَم . أيْ أنّهُ شَعَرَ بارْتِفَاعِ سَرِيرِهِ عنِ الأرْضِ مِقْدَار ذَلك الدِّرْهم الذّي وُضِعَ تَحْتَهُ ..قال ابنُ كثير فهذَا لاَ أصْلَ لهُ ..
    ... وَلَمَّا أَدْرَكَ سِنّ التّعلّمِ أخَذَ أَبُوهُ الرّجُل الصّالح الذي عُرف بالعلم والتقوى والرئاسةِ والْقَضاءِ يُلَقّنُهُ عُلُومَ اللّسَان الْعَرَبِي فَتَعَلّمَهُ . وتَتَلْمَذَ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَفَرٍ مِن عُلَمَاءِ بَلَدِهِ كَبَنِي كَوْثَر فَضَمَّ إلَى صَدْرِهِ مَا حَوَتْهُ صُدُورُهم . وَأخَذَ الْعَرَبِيَةَ منْ أصْحَابِ ابنِ خَالَوَيه ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَبدِ اللهِ بن سَعْد النَّحْوِي ، وَطَمحَت نَفْسُهُ إِلَى الاسْتِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ ، فَرَحَلَ إِلَى طَرَابْلُس الشّام ، وَكَانتْ بِهَا خَزَائِنُ كُتُبٍ قَدْ وَقَفَهَا ذُوو الْيَسَارِ مِنْ أهْلِهَا...
    وَكَانَ قَانِعاً بِاليَسِيرِ ، وكَانَ لَهُ وَقْفٌ يَحْصُلُ مِنْهُ فِي الْعَامِ نَحو ثَلاَثينَ دِينَاراً ، قَرَّرَ مِنْهَا لِمَن يَخْدُمُهُ النِّصْفَ ، وكَانَ لاَ يَحْمَدُ أحَداً ، وَلَو تَكَسَّبَ بالْمَدْحِ والشِّعْرِ لَنَالَ دُنْيَا وَرِياسَةً ، فَإنَّ نَظْمَهُ فِي الذِّرْوَةِ ، يُعَدُّ مَعَ الْمُتنبي والْبُحْتُرِي وأبِي تَمّام .. قال الحافظ ابنُ حجَر : وَأشْعَارُهُ فِي الْمَدْحِ والْغَزْلِ والرّثَاء الّتي في ((سقطِ الزّند)) في نهايَة الجَوْدَة ، وأمّا فِي ((لُزُوم ما لا يلزم)) وفي ((استغفِر واستغفري)) ، فَمُتَوسِّط ، وتَصَانِيفُهُ فِي اللغَةِ والأدَبِ أكثر من مائتي مجلّد . اهـ وَلَمْ يَكُن أبُوالعَلاء شَاعِراً فَحَسْبُ بَلْ عَالِماً وَفَيْلَسُوفا قَلَّمَا يُجُودُ الدّهْرُ بِمِثْلِهِ ...
    وَكَانَ يَقُولُ : أنَا أحْمَدُ اللهَ علَى الْعَمَى كما يَحْمَدُهُ غَيْرِي على الْبَصَرِ ، فَقَدْ صَنَعَ لِي ، وَأحْسَنَ بِي ، إِذْ كَفَانِي رُؤْيَةَ الثّقَلاَء البُغَضَاء ...وكانَ يَلْعَبُ الشّطْرَنجَ والنّرْدَ ويَدْخُلُ فِي كُلِّ فَنٍ منَ الْجَدِّ والْهَزْلِ .
    وَلَمَّا بَلَغَ الْخَامِسَةَ والثّلاَثِينَ منْ عُمُرِهِ ((أي سنَة 398 هـ )) قَامَ بِرِحْلَةٍ أُولَى إِلَى((بَغْدَادَ )) ولاَ نَعْرِف كَثِيراً عَنْ هَذِهِ الرِّحْلَة . كما يَقُولُ الأسْتَاذ أَنِيس المقْدِسي .. عاد "أبو العلاء" إلى "معرّة النعمان" بعد أن قضى شطرًا من حياته في "الشام" يطلب العلم على أعلامها، ويرتاد مكتباتها.وما لبث أبوه أن تُوفي، فامتُحن أبو العلاء باليُتم، وهو ما يزال غلامًا في الرابعة عشرة من عمره، فقال يرثي أباه:
    أبي حكمت فيه الليالي ولم تـــزل رماحُ المنايا قادراتٍ علـى الطعْنِ
    مضى طاهرَ الجثمانِ والنفسِ والكرى وسُهد المنى والجيب والذيل والرُّدْنِ
    ثُمَّ رَحَلَ إلَيْهَا ثَانِيَةً سَنَة تِسْع وتِسْعِين وثَلاثمائة ((399 هـ)) ومَا أحَسّ يِهِ الْبَغْدَادِيُّ ونَ حَتّى تَقَاطَرُوا لِلِقَائِهِ ظَمأً إلَى أدَبِهِ ، فَأقَامَ بَيْنَهُم يأخُذُونَ عَنْهُ الْعِلْمَ والأَدَبَ ، وَيَبْحَثُ هُوَ فِي عُلُومِ الْفَلْسَفَةِ جَرى فِيها شَوْطاً بَعِيداً . ووَجَدَ أبُو العَلاء فِي بَغْدَادَ بِيئَةً صَالِحَةً وَأرْضاً زَكِيّةً لِبْحْثِ الْمَسَائِل وَغَرْسِ الْمَبَادِئ فأخَذَت آرَاؤُهُ تَظْهَرُ وَتذيعُ ... فَأقَامَ بِهَا سَنَةً وَسَبْعَة أشْهُر فَسَمِعُوا مِنْهُ دِيوَانَهُ (( سَقْطُ الزّنْدِ )) وَعَادَ إلَى ((المَعَرّة)) سنةَ أَرْبَعُمِائة بَعْدَمَا فُوجِئَ بِنعي أمّهِ على بُعْدِ المزَار وكَانَ أبُوهُ قدْ تُوفي قبْلَهَا ، فَوَجدَ عَلَيْهَا وَجْداً شَدِيداً ، وَاضطَرَبَتْ حَيَاتُهُ ، واخْتَلَفَت أطْوَارُهُ ، فَنَظَرَ إلَى الدّنيا بِمِنْظَارٍ أسْوَد ، وقَرَّرَ فِي نفسْهِ العُزْلَةَ والْخُروجَ عنِ العَالم .... فَلَزِمَ مَنْزِلَهُ ، وَسَمّى نَفْسَهُ ((رَهنُ الْمَحْبِسَيْنِ )) ، يَعْنِي مَنْزِلَهُ وَ بَصَرَهُ، وَقَدْ أضَافَ إلَيْهمَا ثَالِثاً إذْ قَالَ :
    أَرَانِي فِي الثّلاَثَةِ مِن سُجُونِي فـلاَ تَسَلْ عنِ الْخَبَرِ النّبيثِ
    لِفَـقْدِي نَاظِريَّ ولُزومِ بيتِي وَكْوْنِ النّفْسِ في الجَسَدِ الْخَبيثِ
    وبِرَغْمِ تَقَشّفِهِ ولُزُومِهِ مَنْزِلهِ كَانَ لهُ مِنَ الْوَجَاهَةِ أسْمَى مَقَامٍ . قَالَ ابنُ الْعَدِيم : وَمَا زَالَتْ حِرْفَةُ أَبِي الْعَلاَء فِي عَلاَء وَبَحْرُ فَضْلِهِ مَوْرِداً للوُزَرَاء والأُمَرَاءِ . وَمَا عَلِمْتُ أنّ وَزِيراً مَذْكُوراً وَفَاضِلاً مَشْهُوراً مَرّ بِمَعَرّة النعْمَان فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ إلاّ وقَصَدَهُ واسْتَفَادَ مِنهُ . وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى وَجَاهَتِهِ مَا نَقَلَهُ يَاقُوتُ الْحَمَوي والذّهَبِي من أن أهلَ المَعَرّة لَمَّا اشْتَدّ عَلَيْهم صَالح بن مرْداس لَمْ يَجِدُوا بُدّاً من إيفَادِ الْمعَرّي مُسْتَشْفِعاً فِيهِم ، فقَصَدَ الأميرَ وَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ الأمِيرُ : أنتَ أبوالعَلاء ؟ فقالَ أنَا ذَاكَ . فَرَفَعَهُ إلَى جَانِبِه ، وَبَعْدَ أنْ خَاطَبَهُ الْمَعَرّي بِأمْرِهم قَالَ لهُ : إنّي قَدْ وَهَبْتُهَا لكَ أيّهَا الشّيخُ .
    وَمَكَثَ الْمَعَرِّي خَمْساً وَأرْبَعِينَ سَنَةً منْ عُمُرِهِ لاَ يَأْكُلُ اللّحْمَ ، وَلاَ اللّبَنَ ، ولاَ اْلبيْضَ ، ولاَ شَيْئاً مِنَ الْحَيَوَانِ ، عَلَى طَرِيقَةِ الْبَرَاهِمَةِ الْفَلاَسِفَةِ ، ومَرِضَ مَرّةً ، فَوصَفَ الطّبيبُ لَهُ الْفَرّوجَ ، فَلَمّا جِيءَ بِهِ لَمَسَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ : اسْتَضْعَفُوكَ فَوصَفُوكَ ، هَلاّ وَصَفُوا شِبْلَ الأسَدِ .
    وَيُقَالُ ((إنّهُ اجْتَازَ بِاللاَّذِقيَةِ ، ونَزَلَ دَيْرَ الْفَارُوس ، وكَانَ بِهِ رَاهِبٌ يَشْدُو شَيْئاً مِنْ عُلُومِ الأَوَائِلِ ، فَسَمِعَ مِنْهُ أبو الْعَلاَء كَلاَماً منْ أوَائِل أقْوالِ الْفَلاَسِفَة ، حَصَلَ لهُ بِهِ شُكوكٌ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَدْفَعُهَا بهِ ، فَعَلِقَ بِخَاطِرِهِ مَا حصَلَ بِهِ بَعْضُ الانْحِلاَل ، وضَاقَ عطَنهُ عنْ كِتْمَانِ مَا تَحَمَّلَهُ منْ ذَلِكَ ، حَتّى فَاهَ بِهِ فِي أولِ عُمرِهِ ، وَأوْدَعَهُ أَشْعَاراً لهُ ، ثُمّ ارْعَوى ورَجَعَ ، واسْتَغْفَرَ واعْتَذَرَ )). كما قَالَ الْقِفْطِي وَتَبِعَهُ على ذَلكَ الذّهبي والصّفَدِي وابنُ كَثيرٍ وَالْعَيْنِي والسّيُوطِي ..، إلاّ أنّ الشّيخَ العَلاّمةَ محمود شَاكر قدْ فنّدَ هَذَا الخَبَرَ " خَبر لقاء أبي العلاء مع الراهبِ "ورَدَّ على القَائِلِينَ بهِ وأنّه لا سَنَدَ لهم فِي ذَلك .. فِي كتابه الماتع ((أباطيل وأسمار )) انظُرهُ إنْ شِئْتَ ص 25 فما بعدَهَا فَإنّهُ مُهم ...
    وَأَبُوالْعَلاَ ء صَرَفَ الشِّعْرَ عَنِ الْخَيَالِ إلَى الْحَقِيقَةِ ، إذْ جَعَلَهُ مَسْرَحاً للْنَّظَرِ فِي الطَّبيعَةِ ، والتّفْكِيرِ فِي الْخَلْقِ ، والْحِكْمةِ الاجْتِمَاعِية ، وَكَانَتْ لَهُ آرَاء خَاصّة فِي الدِّينِ والطّبِيعَةِ والْخَلِيقَةِ مَبْنِيَةً عَلَى التَّشَاؤُمِ والسّخطِ عَلَى الدّنْيَا والتّبَرّم من العَالَمِ . يُسِيءُ الظّنَّ بِالنّاسِ ، فَيَعِظُهم ويَتَهَكّم بهم وَيَحْقِرهُم وَيُقَبِّحُ الزّوَاجَ ، ويَعُدُّ التّنَاسُلَ جِنَاية ، وَيَرَى أنّ مُهِمّةَ الْمَرْأةِ تَنْحَصِرُ بِالْغَزْلِ والنّسْجِ وَخِدْمَةِ الْبَيْتِ ، ...وَشِعْرُهُ كَثِيرُ التّكَلّفِ والغَرِيب ، يَلْعَبُ فِيهِ عَلَى الألْفَاظ ، وَيُكْثِرُ مِنَ التّوْرِيَةِ والْجِنَاسِ وغَيْرِهِمَا منْ ضُرُوبِ البَدِيعِ ، وَهَذَا مَا جَعَلَ فِي كَثير مِنْهُ غُمُوضاً وجَفَافاً ...
    قَال البَاخَرْزِي : أبو العَلاء ضَريرٌ مَا لهُ ضَريبٌ ، ومكْفُوف فِي قَميصِ الْفَضْلِ ملْفُوفٌ ، ومَحْجُوبٌ خَصْمُهُ الألدُّ مَحْجُوج ، وقَدْ طَالَ فِي ظِلِّ الإسْلامِ آنَاؤُه ، ورشَح الإلْحَادُ إنَاؤُه ، وعنْدَنَا خَبَرُ بَصَرِهِ ، واللهُ الْعَالِمُ ببصِيرَتِهِ والمُطّلِع على سَريرَتِهِ ، وإنّما تحَدّثتِ الألْسِنَةُ بِإسَاءَتِهِ بِكِتَابِهِ الّذي عَارَضَ بهِ الْقُرْآن ، وَعَنْوَنَهُ ب (( الفُصُولُ والغَايات في محاذاة السُّور وَالآيات)) اهـ نقلاً من السير للذّهبي .
    قُلتُ : ومِن خَبيثِ قَولِهِ مُعْتَرضاً علَى حِكمةِ ربّه :
    تَنَاقُضٌ فَمَا لَنَا إلاّ السُّكُوتُ لهُ وَأنْ نَعُـوذَ بِمَوْلاَنا منَ النَّارِ
    يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينٍ عَسجَدِ وُدِيتْ مَا بَالُها قُطِّعَت فِي رُبْعِ دِينَارِ
    يَقُولُ ابنُ كَثير في [البداية والنهاية ج 12 ص63 ]: وهَذَا مِنْ إفْكِهِ يقولُ : اليدُ ديّتُهَا خَمْسُمائة دِينار ، فما لَكُم تَقْطَعُونَها إِذَا سَرقتْ ربعَ دينار ، وهَذَا مِنْ قِلّةِ عِلْمهِ ، وَعَمَى بَصِيرَتِهِ . وذَلِكَ إذَا جَنَى علَيْها ، يُنَاسِبُ أنْ تكونَ ديتُها كثيرَة ، لِيَنْزَجِرَ النَّاسُ عنِ الْعُدْوَان ، وَأَمَّا إِذا جَنَت بالسّرِقَةِ ، فَيُنَاسِبُ أنْ تَقلّ قِيمَتُهَا ، وَدِيّتها ، لينزَجِرَ النّاسُ عَنْ أمْوَالِ النَّاسِ ، وتُصَانَ أمْوَالُهُم ، ولِهَذَا قالَ بَعْضُهم : كَانتْ ثَمِينَةً لَمّا كَانتْ أمِينة ، فَلَمّا خَانتْ هَانتْ .
    قلْتُ : القَائلُ وَهو الْقَاضي عبدُ الوهاب المالكي كما صرّح بذلك ابن كثير نفْسُهُ في تفسيره [ج 1ص 676 عُمدة التفسير]
    وقَالَ الإمَامُ أبُو طَاهر السِّلَفِي: إِنْ كَانَ قَالَهُ مُعْتَقِداً مَعْنَاهُ ، فَالنَّارُ مَأْوَاهُ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الإِسْلاَمِ نَصِيبٌ . كما في السّير للذّهَبِي .
    قَالَ غرْسُ النِّعْمة : حَدَّثَنِي الْوَزِيرُ أبُو نَصْر بنُ جَهِير ، حَدّثَنَا أبُو نَصْر الْمُنَادِي الشّاعِرُ ، قَالَ : اجْتَمَعْتُ بِأبي الْعَلاَءِ المَعَرِّي فَقُلْتُ لَهُ : مَا هَذَا الّذي يُرْوَى عَنْكَ وَيُحْكَى ؟ قَالَ حَسَدُونِي وَكَذَبُوا عَلَيَّ ، فَقُلتُ : عَلَى مَاذَا حَسَدُوكَ ، وَقَدْ تَرَكْتَ لَهُم الدّنْيَا والآخِرَة ؟ فقَالَ : والآخِرَة أيْضاً وتَألّمَ ..
    قَالَ يَاقُوت الْحَمَوِي : وَنَقَلْتُ مِنْ بَعْضِ الْكُتُبِ ، أنَّ أبَا الْعَلاَءِ لَمَّا وَرَدَ إِلَى بَغْدَادَ ، قَصَدَ أَبَا الْحَسَنِ عليَّ بنَ عِيسَى الرَّبَعِيَّ ، لِيَقْرَأَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ إلَيْهِ ، قَالَ عليُّ بنُ عِيسَى : لِيَصْعَدِ الإصْطَبْلُ ، فَخَرَجَ مُغْضَباً وَلَم يَعُدْ إِلَيْهِ . والإصْطَبْلُ فِي لُغَةِ أهْلِ الشَّامِ ((الأعْمَى )) . وَلَعَلّهَا مُعْرَبَةٌ .اهـ
    أَثَارَتْ عَبْقَرِيَةُ الْمَعَرِّي حَسَدَ الحْاَسِدِينَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَّنَّهُ قَرْمَطِي ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ دُرْزِي ...بلْ جَزم أَحدُ الأدْعيَاء وهو مارون عبّود أنّهُ فَاطِمي ويتعصّبُ للفاطِميين كما نَقَل ذلِكَ حَنّا الفَاخُوري في كتابه تاريخ الآداب العَربِي. ص 690 .691. وَآخَرُونَ قَالُوا إِنَّهُ مُلْحِدٌ وَرَوَوْا أَشْعَاراً مُصْطَنَعَةكمَا قالَ بِذَلكَ الْمُحَقّقُونَ منْ أمْثَالِ ابنِ الْعَدِيمِ ومَحمود شَاكر وغيرِهِما ..
    قَالَ الأسْتاذُ العقّادُ : وبَلَغَ مِنْ إنْكَارِ حُسّادِهِ والْجَاهِلينَ بهِ أنّهُم جَعَلُوهُ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ ، وَألْحَقُوهُ بِأحقَرِ مَا يُسَبُّ مِنَ الْحَيَوَان ، واسْتَجْهَلُوه غَايَةَ الْجَهْلِ ، واتّهَمُوهُ فِي فَهْمِهِ وَذَكَائِه ! ..قَالَ رَجُلٌ وَقَدْ عَثَرَ بهِ : مَنْ هَذَا الكَلْب ؟ فَقَالَ أبُو العلاَء : الْكَلْبُ منْ لاَ يَعْرِفُ للْكَلْبِ سَبْعِينَ اسْماً!..وَذَكرَ يَاقُوتُ الحموي بَعْضَ كلاَمه في مُعْجَمِهِ ثُمّ قَالَ : كانَ الْمَعَرّي حِمَاراً لا يَفْقَهُ شَيئاً ، وإلاّ فالمراد بهَذا بيّنٌ ! ..وَسُئِلَ عنْهُ عَلِي بنُ الْحَسَن الْمَعْرُوف بِشُمَيم وَهُو من نُحَاة الْقَرنِ السّادِس . فَغَضِبَ وَقَالَ لِسَائِلِهِ نَاهِراً : وَيْلَكَ ! كَمْ تُسِيءُ الأَدَبَ بَيْنَ يَدَي ؟ منْ ذَلِكَ الْكَلب الأعْمَى حتّى يُذكَر بينَ يدي في مَجْلِسي ؟! .. اهـ
    قُلتُ : جَرَى ذِكْرُ الْمُتَنَبِي يَوْماً فَتَنّقّصَهُ الشّريف الْمُرْتَضَى وَذَكَرَ مَعَايبَهُ - حَسَداً وبَغْياً - ، فَقَالَ المَعَرّي : لَوْ لَمْ يَكُنْ للْمُتَنَبّي منَ الشّعْرِ إلاّ قَوله :

    لَكِ يَا مَنَازِلُ فِي الْقُلُوبِ مَنَازلُ

    لَكَفَاهُ فَضْلاً وشَرَفاً ، فَغَضِبَ الشّريف المرْتَضى وأمَرَ بِسَحْبِهِ بِرِجْلِه وإخْرَاجِهِ منَ الْمَجْلِس . ثُمَّ قَال الشّريفُ المُرْتَضى لمنْ يَحضُرُ مَجْلِسَهُ : تَدْرُونَ أيَّ شَيءٍ أرادَ هَذَا الأعْمَى بِذِكرِ هَذِه الْقَصِيدَةِ وللْمُتَنَبِي أجود مْنهَا ولم يَذْكُرْهُ ؟ قَالُوا : لاَ . قَالَ : إِنّمَا أَرَادَ أنْ يَذُمّنِي بِقَوْلِهِ فِيها :
    وإِذَا أتَتْكَ مَذَمّتِي مِن نَاقِصٍ فَهيَ الشّهَادَةُ لِي بِأنّي كَامِلُ
    قَالَ ابنُ كَثيرٍ : وهَذَا منْ فَرْطِ ذَكَاءِ الخَلِيفَة ، حَيثُ تَنَبّهَ لِهَذَا . وَقَدْ كَانَ الْمَعَرّي أيضاً منَ الأذْكِيَاء . اهـ
    أَبُو الْعَلاَء الْمَعَرّي شَخْصِيةٌ عَجِيبَةٌ جذّابةٌ ، اخْتَلَفَ النَّاسُ حوْلَهُ مُنْذُ أن مَاتَ وحتّى خِلاَلَ حيَاتِهِ ، وَانْقَسَمُوا شِيَعاً وَمَذَاهِبَ فِي نَقْدِهِ ..فَمِن الْعُلَماء من كَفّره وحكم بإلحاده وزندقَته ومنه من دافع عنهُ وحكم له بالتّقْوى والزّهدِ ، فمن العلَماء الذينَ كفّروه ابنُ عقيل الحنْبَلي وتلميذُه ابنُ الجَوْزي كما في "المنتظم في التّاريخ " و"تلبيس إبليس" ، وياقوت الحموي في معْجَمهِ وابنُ كثِير في البداية والنّهاية ، والذَهبي في السّير والتّاريخ الكبير والإمامُ ابن الوزير اليماني كما في كتابه "نصر الأعيان على شعر العميان"...ودافَع َ عنه آخرونَ كالشّيخ كمال الدّين بن الزّملكاني الشافعي كما في " نَكْتُ الهِمْيَان" وكَمال الدّين بنُ العَدِيم في كتَابِهِ" العَدلُ والتّحرّي فِي دَفْع الظلم والتّجري على أبي العلاء المعرّي " والأستاذ محمود محمد شاكر في كتابه "أباطيل وأسمار" والشيخ طه الرّاوي كما في كتيبه "أبو العلا في بغداد" والشيعي مُحْسن الأمين العاملي كما في "أعيان الشيعة" ولعل أوسع الكتب تفسيرا لشعره على وجه يحمل الدفاع عنه هو كتاب محمد سليم الجندي "الجامع في أخبار أبي العلاء" في ثلاث مجلدات..
    قُلتُ : ولَعَلّ هذا ما دفَعَ الأستاذَ العَقّادَ للْقَولِ بأنّ : ثَلاَثُ عَلاَمَاتٍ منْ اجْتَمَعْنَ لَهُ كَانَ مِنْ عُظَمَاء الرّجال ، وكَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي الْخُلُودِ : فَرْطُ الإعْجَابِ منْ مُحِبّيهِ وَمُرِيدِيه ، وفَرطُ الْحِقْدِ مِن حَاسِديه والْمُنْكِرينَ عَلَيْهِ ، وَجَوٌّ منَ الأسْرارِ والألْغَازِ يُحيطُ بِهِ كَأنّهُ منْ خوارِقِ الخَلْقِ الّذِينَ يُحَارُ فِيهم الْوَاصِفُونَ وَيَسْتَكْثِرون قُدْرتهم عَلى الآدَمية ، فيَردونَ تِلك الْقُدْرة تارَةً إلَى الإعْجَاز الإلهي ، وتَارةً إلى السّحر والكَهَانة ، وَتَارَةً إلى فَلَتَات الطّبيعَة إنْ كَانُوا لاَيُؤْمِنُونَ بِما وَرَاءَهَا ..وَهذِه الْعَلاَمات الثّلاثُ مُجْتَمِعات لأبي الْعَلاء علَى نحو نادرٍ في تاريخِ الثّقافة الْعربية .
    قَال ابنُ الوَرْدِي في تاريخه ج 1 ص 348 : وَبالْجُمْلَة فقدْ ألّفَ الصّاحبُ كَمال الدّين بنُ العَدِيم رَحمَهُ اللهُ كِتَاباً سَمّاهُ " العَدلُ والتّحرّي فِي دَفْع الظلم والتّجري على أبي العلاء المعرّي " وقَالَ فِيهِ : إنّهُ اعتَبَرَ من ذَمّ أبا العَلاء ومنْ مدَحه ، فَوَجَدَ كل من ذمّه لم يَرهُ ولا صَحِبهُ ومن لقيَهُ هو الْمَادح له ... اهـ
    قُلتُ : وقَالَ ابنُ العديم في الكتاب نَفْسِه : كان يرميه أهلُ الحسد بالتعطيل ويعملون على لسانه أشعاراً َو يضمنونها أقوالَ الملاحدة قصدا لهلاكه وقد نُقِلَت عنه أشعارٌ تتضمن صحّةَ عقيدته وكذب ما ينسب إليه من إسناد الإلحاد إِليه. اهـ
    دَرَسَ عَلَى أَبِي الْعَلاَءِ كَثِيرٌ مِنْ طُلاَّبِ الْعِلْمِ مِمَّنْ عَلاَ شَأْنُهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالأَدَبِ، مِنْهُمْ: أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي وَ أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي وَ أبو الخطاب العلاء بن حزم الأندلسي وَ أبو الطاهر محمد بن أبي الصقر الأنباري...
    وَفِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ رَبيعِ الأول سنة تسعٍ أربعِين وأربعمائة للْهِجْرةِ ، سنَة ثَمَان وخَمْسِينَ وألف للمَسِيح ، اعْتَلَّ أبوالعَلاَء ، فَلَبِثَ ثَلاَثَةَ أيّامٍ مَرِيضاً ، ثُمَّ ماتَ يَومَ الْجُمُعَةِ الثّالث عَشَر من هذا الشّهر ، فَخَمَدَت تلكَ الْقُوةُ الّتي طَالمَا صَدَرَ عَنْها منَ الآثَارِ النَّافِعَةِ مَا أرْضَى قَوْماً وأسْخَطَ آخَرِينَ ...كما يَقُول طه حُسين في تجديد ذكرى أبي العلاء
    وَأوْصَى أن يُكْتَبَ عَلى قَبْرِهِ هَذا البيتَ:
    هَذَا جَنَاهُ أَبِي عَليَّ ومَا جَنَيتُ عَلَى أحَدْ
    قَالَ ابنُ كَثيرٍ : مَعْنَاهُ أنّ أبَاهُ بِتَزَوجِهِ لأمّهِ أوْقَعَهُ فِي هَذِه الدّار ، حتّى صَارَ بِسَببِ ذَلِكَ ، إلَى مَا إلَيْهِ صَارَ ، وَهُوَ لَم يَجْنِ عَلَى أحَدٍ بِهَذِه الْجِنَايَة . وهَذَا كلّهُ كُفْرٌ وَإلحَاد ...
    قَالَ الذَهَبِي : الْفَلاَسِفَةُ يَعُدُّونَ اتّخَاذَ الْوَلَدِ وإخْرَاجَه إلَى الدّنْيَا جنِايَةٌ عَلَيْهِ ، ويَظْهَرُ لِي منْ خِلاَلِ هَذَا الْمَخْذُول أَنّهُ مُتَحَيّر لَمْ يَجْزِم بِنِحْلَة . اللهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا إيمَانَنَا ...وسُئِلَ ابنُ دَقِيق العِيد عَنهُ فقالَ : هُوَ فِي حَيْرَة . وهَذَا أحسَن مَا قِيلَ فِيهِ كما يَقُول الدُّمَيْرِي فِي كتابه ((حَيَاة الحيوان الكبرى)) .
    مَاذَا نَنْتَظِرُ مِنْ صَبيٍّ وَهُوَ فِي الرّابِعَةِ منْ عُمرِه يَفقِدُ الْبَصَرَ بِسَبَبِ الْجُدَرِي حَتّى لاَ يَعُود يَذْكُرُ منَ الألْوانِ إلاّ الأحْمَر ؟.
    وَمَاذَا ننْتَظِرُ منْ فَتَى وَهُوَ فِي الرّابِعَةِ عَشرَةَ يَفْقِدُ والِدَهُ الّذي كَانَ يَحْدِبُ ويشْفِقُ عليه ؟
    لاَ بلْ مَاذَا نَنْتَظِرُ منْ رَجُلٍ تَتَوفَى أمّهُ عنهُ وَهُوَ مُرْتَحِلٌ عَنْهَا فِي بَغَداد ، فلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَدِفِئَ قلْبُهُ بِنَارِ حُبّها ..؟
    وَهَكَذَا نَشَبَتْ فِي حَيَاتِهِ – وَفِكْرهِ – ثُنَائيَة التّضاد ، الْحَيَاةُ والْمَوْتُ ، التّفَاؤُلُ والتّشَاؤُم ، والْحُرية والعُبُودية ...لَقَدْ بَدَأتْ حَيَاةُ أبِي الْعَلاَء بِالْمَصَائِبِ ، فَفَقَدَ بَصَرَهُ ولمّا ينضُ ثَوْبُ الرّابِعَةِ من عمرهِ ، وفَقَدَ أبَاهُ ولمّا يَعْدُ الرّابعَةَ عَشْرَةَ ، ولَزِمَهُ أثْقَلُ الأصْحَابِ ظِلاًّ وأسْمَجُهُم مَظْهَراً ، وأقْبَحُهُم جِوَاراً ، وهُوَ الْفَقْرُ وعُثُور الجدِّ ...
    وَعِنْدَ مَوْتِهِ ضَجَّت الْبِلاَدُ بِتِلْكَ الْفَاجِعَة ، وَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ لاَ أقَل منْ ثَمَانينَ شَاعِراً يَرثُونهُ وَيُودّعُونَ فيه فَيْلَسُوفَ الشُّعَراء ..
    رَثَاهُ تِلْمِيذُهُ أبو الْحَسَن علي بنُ همّام بقصيدة يقول فِي مطْلَعِهَا :
    إنْ كُنْتَ لَمْ تُرِقِ الدّمَاءَ زَهَادَةً فَلَقَدْ أَرَقْتَ الْيَوْمَ مِنْ جَفْنِي دَما
    وقَدْ أشَارَ فِي هَذَا البيتِ إلَى ما كان يَعْتَقِدُهُ ويَتَديّنُ بِهِ منْ عَدَم الذّبح كما تَقَدّمَ ذِكْرُه .
    ورَثَاهُ أبو الْفَتْحِ الحسَنُ بن عبد الله بن أبي حُصيْنة بِقَصِيدة جميلة جِداًّ يقول في مطلعِها :
    الْعِلْمُ بَعْدَ أبـي الْعَلــاَء مُضَيّعٌ والأَرْضُ خَاـليةُ الْجَوانِبِ بَلْقَعُ
    أَوْدَى وَقَـــدْ مَلأَ الْبِلاَدَ غَرائباً تَسْرِي كما تَسْرِي النّجُومُ الطُّلَعُ
    مَا كُنْتُ أَعْلَمُ وهوَ يُودَعُ فِي الثّرَى أنّ الثّرى فيهِ الْكَوَاكِبُ تُـودَعُ
    لَقَدْ زَادَتْ مؤلفاته على السبعين بين منظوم ومنثور وأشهرها : ديوانه المعروف (لزوم ما لا يلزم) أو (اللزوميات) ، وديوانه (سقط الزند) ، (رسالة الغفران) و (الفصول والغايات) .
    صَفْوَةُ القَوْلِ في الشّيخ رحمه اللهُ :
    قَالَ الإمَامُ زِينُ الدّين عُمَرُ بن مُظَفّر الشّهِير بابْنِ الْوَرْدِي المُتَوفّى سنة 749 هـ ((رحمهُ الله )) :
    وَأَنَا كُنْتُ أَتَعَصَّبُ لَهُ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمَعَرَّةِ ، ثُمَّ وَقَفْتُ لَهُ عَلَى كِتَابِ ((اسْتَغْفِرْ واسْتَغْفِرِي)) فَأبْغَضْتُهُ وَازْدَدْتُ عَنْهُ نُفْرَةً ، وَنَظَرْتُ لَهُ فِي كِتَابِ ((لُزُومُ مَا لاَ يَلْزَم)) فَرَأيْتُ التّبَرِّي مِنْهُ أحْزَم ، فَإنَّ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ يَدُلاَّنِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ – لَمّا نَظَمَهُمَا – عَالِماً حَائِراً ومُذَبْذَباً نَافِراً ، يُقِرُّ فِيهِمَا أَنَّ الْحَقَّ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَيَوَدُّ لَوْ ظَفِرَ بِالْيَقِينِ فَأخَذَهُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ كَمَا قَالَ فِي مَرْثِيَةِ أَبِيهِ :
    طَلَبْتُ يَقِيناً منْ جُهَيْنَةَ عَنْهُمُ وَلَنْ تُخْبِرِينِي يا جُهَيْنَ سِوَى الظَنِّ
    فَإِنْ تَعْهَدِينِي لاَ أَزَالُ مُسَائِلاً فَإنِّي لَـمْ أعْطَ الصّحِيحَ فَأسْتَغْنِي
    ثُمَّ وَقَفْتُ لَهُ عَلى كِتَابِ ضَوءِ السّقْطِ الّذِي أَمْلاَهُ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِاللهِ بنِ مُحَمّد بنِ مُحَمّد بن عَبْدِ الله الأَصْبَهَانِي الّذِي لاَزَمَ الشّيْخَ إِلَى أنْ مَاتَ ثُمَّ أقَامَ بِحَلَب يَرْوِي عنْهُ كُتُبَهُ ، فَكَانَ هَذَا الْكِتَابُ عِنْدِي مُصْلِحاً لِفَسَادِهِ ، مُوَضِّحاً لِرُجُوعِهِ إلَى الْحَقِّ وصِحَةِ اعْتِقَادِهِ ، فَإنّهُ كِتَابٌ يَحْكُمُ بِصِحّةِ إسْلاَمِهِ مُأوَلاً ، وَيَتْلُو لِمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ كُتُبِهِ الْمُتَقَدِّمَة ِ وللآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ، فَلَقَدْ ضَمّنَ هَذَا الْكِتَابَ مَا يُثْلِجُ الصّدْرَ ويُلِذُّ السّمْعَ ويُقِرُّ الْعَيْنَ ويَسُرُّ الْقَلْبَ وَيُطْلِقُ الْيَدَ ويُثَبِّتُ القَدَمَ مِنْ تَعْظِيمِ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرِ بَرِيّتِهِ ، والتّقَرّب إلَى اللهِ بِمَدائِح ِ الأشْرَافِ مِنْ ذُرَيّتِهِ ، وَتَبْجِيلِ الصّحَابَةِ وَالرِّضَا عَنْهُم ، والأدَبِ عِنْدَ ذِكْرِ مَا يَلْتَقِي مِنهُم ، وَإيرَادِ محَاسن منَ التّفْسِير ، وَالإقْرَارِ بِالبَعْثِ وَالإشْفَاقِ مِنَ الْيَومِ الْعَسِيرِ وَتَضْلِيلِ منْ أنْكَرَ الْمعَادَ ، والتّرْغِيبِ فِي أذْكَارِ اللهِ والأوْرَاد ، والْخُضُوعِ للْشّرِيعَةِ الْمُحَمّديةِ وَتَعْظِيمِهَا ، وهُوَ خَاتِمَةُ كُتُبِهِ وَالأعْمَالُ بِخَواتِيمِهَا ، وَقَدْ يُعْذَرُ منْ ذَمّهُ واسْتَحَلَّ شَتْمَهُ ، فَإنَّهُ عَوّلَ عَلَى مَبَادِئِ أَمْرِهِ وَأَوْسَطِ شِعْرِهِ ، وَيُعْذَرُ مَنْ أحَبّهُ وحَرّمَ سَبَهُ ، فإنّهُ اطّلَعَ عَلَى صَلاَحِ سِرّهِ وَمَا صَارَ إِلَيْهِ فِي آخِرِ عُمْرِهِ منَ الإنَابَةِ الّتِي كَانَ أهْلَهَا ، والتّوبَة التي تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ، وَكَانَ يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ أَنَا شَيخٌ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ . اهـ تَاريخ ابن الْوَرْدِي ج 1 ص 348 . 349
    وَمِنْ جَيّدِ شِعْرِه الْقَصِيدة الّتِي يرثي فِيهَا الفقيهَ الحنفي أبا حمزة ، وَ التي ضمَّنَهَا كَثِيرا مِنَ الْحِكَمِ
    يقول في مطلعها :
    غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي نَوْح باكٍ ولا ترنُّم شادِ
    وشبيهٌ صوت النّعي إذا قيــس بصوت البشير في كل نادِ
    أبَكَتْ تِلْكُمُ الحمامةُ أم غنّــت على فرعِ غُصْنِها الْمَيَّادِ
    صَاحِ ، هَذي قبورُنا تملأ الرُّحــبَ فأينَ القبورُ من عهدِ عـادِ ؟
    خففِ الوطءَ ماأظنُّ أديمَ الأرضِ إلا من هـذه الأجسادِ
    وقبيحٌ بنا ، وإن قدم العهـد ، هوان الآبـاء والأجدادِ
    سِرْ إن استطعت في الهواءِ رويداً لاَ اختيالاً على رفـات العبادِ
    ربَّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ
    ودفين على بقايا دفينٍفي طويل الأزمـان والآبـادِ
    فاسأل الفرقدين عمَّن أحسّا من قبيلٍ وآنسا من بلادِ
    كم أقاما على زوال نهارٍ وأنارا لِمـُـدْلجٍ في سـوادِ ؟
    تعبٌ كلها الحياة فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازديادِ
    إنَّ حزناً في ساعة الموت أضعاف سرورٍ في ســـاعة الميلادِ
    وهي طويلة أنظرهَا في ديوانه ((سَقْطُ الزّنْدِ ص7)) .
    وَقْوْلهُ في اللزوميات :
    لاَ تَطْلُبَنَّ بِــــآلَةٍ لَكَ رُتْبَةً قَلَمُ الْبَليغِ بِغَيْرِ جَدٍّ مِغْزَلُ
    سَكَنَ السمَاكان السّماءَ كِلاَهُمَا هَذَا لهُ رمْحٌ وَهَذَا أعْزَلُ
    وقَصِيدته يفْخَرُ بِنَفْسِهِ((سَقْ طُ الزّنْدِ ص193)) :
    أَلاَ فِي سَبِيلِ المَجْـدِ مَا أَنَا فَاعِـل عَفـافٌ وإقْـدامٌ وحَـزْمٌ ونَائِـل
    أعندِي وَقَد مَارسْـتُ كلَّ خَفِيَّـةٍ يُصَـدّقُ وَاشٍ أو يُخَيّـبُ سَائِـل
    أقَلُّ صُدُودي أنَّنِـي لكَ مُبْغِـضٌ وأيْسَرُ هَجْري أَنَّنِي عَنـكَ رَاحِـل
    إذَا هَبَّتِ النَّكْبـاءُ بيْنِـي وبينَكُـمْ فأهْوَنُ شيْءٍ مَا تَقـولُ العَـواذِل
    تُعَدّ ذُنوبِـي عنـدَ قَـوْمٍ كثيـرَةً وَلاَ ذَنْبَ لِي إِلاَّ العُلَى والفَواضِـل
    كَأنِّي إذا طُلْـتُ الزَّمـانَ وأهْلَـهُ رَجَعْتُ وعِنْـدي للأنَـامِ طَوائِـل
    وَقَد سَارَ ذكْرِي فِي البِلادِ فمَن لَهمْ بإِخفَاءِ شَمسٍ ضَوْؤهَـا مُتكَامِـل
    إِذا وَصَفَ الطَّائِيَّ بالبُخْـلِ مَـادِرٌ وعَيَّـرَ قُسّـاًً بالفَهـاهـةِ بَاقِـل
    وَقَال السُّهَى للشَّمس أنْتِ خَفِيّـةٌ وَقَال الدُّجَى يَا صُبْحُ لَونُكَ حَائِـل
    وَطاوَلَتِ الأَرضُ السَّمـاءَ سَفاهَـةً وَفَاخَرَتِ الشُّهْبُ الحَصَى والجَنادِلُ
    فَيا مَـوْتُ زُرْ إِنَّ الحَيـاةَ ذَمِيمَـةٌ وَيَا نَفْسُ جِدِّي إِنَّ دَهـرَكِ هَـازِلُ

    قَال الربيعُ الأديب
    : انتهيتُ من تسويدِ هذا البحث يوم 11 رمضان سنة 1431 هـ والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصّالحَات
    [مَراجع الْبَحْث ]
    [ البداية والنّهاية ج 12 ص63 ط الصفا]
    [لِسَان الميزان ج 1 ص 310 . 311 ط دار الكتب العلمية ]
    [ معْجَم الأُدَبَاء ج 1 ص 406 ط دار الكتب العلمية ]
    [ وفيات الأعيان ج 1 ص 113 ط دار صادر ]
    [سير أعلام النبلاء ج 11 ص 12 ط الصفا ]
    [تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 348 ط دار الكتب العلمية ]
    [أبجد العلوم ص 606 ]
    [الأعلام للزِّرِكْلِي ج 1 ص 157 دار الملايين ]
    [ تاريخ الآداب العربي ص 678 فما بعدها لحنّا الفاخُوري منشورات المكتبة البولسية ]
    [تاريخ الآداب العربي ص 289 فما بعدها لأحمد حسن الزيات ط دار الشرق العربي ]
    [ تاريخُ وعصور الأدب العربي ص 401 لأحمد فاضل ط دار الفكر اللبناني ]
    [ تجديد ذكْرى أب العلاء ص 108 .109 ط دار المعارف بمصر]
    [ أباطيل وأسمار للشيخ محمود شاكر ط الخانجي]
    [ رِجْعة أبي العَلاء للأستاذ العقاد ط دار نهضة مصر للطبع والنشر ]
    [ ديوان سقط الزّند . دار صادر]
    صفحتي على ( الفيس بوك )
    https://www.facebook.com/rabia.yamani




  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المشاركات
    14

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    ربيع الأديب ..
    إنها لترجمة وافية كافية، بَرعتَ واللهِ فيها، فلكم جزيلَ الشُكرِ والعِرفان، فلقد جَعلتني أعود في ذاكِرتي إلى تلك الأيام التي قَضيتُها وأنا أدرسُ كتاب شيخِنا المنافِح والمُكافحِ محود شاكر عليهِ رحمةُ الله؛ أباطيلٌ وأسمار، والذي كان حقاً على كُل أديب وأريب وغيور على لُغتِنا وَتُراثنا أن يَقتنيهِ وأن يستوعبه، فلقد كانت قَضية الكِتاب هي الدِفاع عن شيخ المعرّة، ولقد واللهِ أجاد وأفاد رَحمه الله.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    عضوالاتحادالعام للادباءوالكتاب العرب
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    تحية وسلاما \
    بوركت واقدم لجنابكم الكريم هذا الموجز عن حياة الشاعر الفيلسوف ابي العلاء المعري مسامة في اثراء الموضوع واهميته مع التقدير


    الشاعر ابو العلاء المعري الشاعر القيلسوف


    هو ابو العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي ولد في معرة النعمان احدى مدن سورية عام 363 هجرية في بيت عز وشرف وغنى ومحتمد عربي اصيل الاانه اصيب بمرض الجدري في الثالثة من عمره فافقده البصر وعاش طيلة حياته في ليل طويل تعلم ابو العلاء على يد والده فنشأ رغم عماه ذكي الفوءاد مرهف الحس متوقد الذاكرة وقد قا ل الشعر في عمر الطفولة وقد توفي والده في صباه وعمره اربعة عشرة سنة تاركا لولده الاعمى ثروة طائلة واكتنفته امه سهرت على تعليمه وقد تنقل في طلب العلم بين معرة النعمان مسكنه واللاذقية وحلب وطرابس وبغداد لمواكبة دراسته وكانت انــــذاك قبلة الأدباء وموئل الشعراء وبقوا فيها ردحا من الزمن متنقلا بين مجالس الادباء والشعراء ونواديهم وقد اجلوه واحترموه بما يليق بمكانته وفي بغداد انكب على دراسة الادب والفليسفة والعلوم العربية والحكمة ولم يترك علما من العلوم أو الآداب الاوخاض غماره وتولاه بالدرس والتحليل ولما عاد الى المعرة عاد بحرا


    من العلوم والاداب والفلسفة ساعده حدة ذكائه وحفظه المفرط وسمو وعزة نفسه الابية وهو في بغداد علم ان والدته مريضة فهجر بغداد مكرها وسافر الى المعـــــــــــ رة لاستطلاع الأمر الا انه فوجئ بخبر وفاتها ولما يصل وعند وصوله انقطع الى نفسه وانعزل عن الناس وعاش منفردا وحرم على نفسه الاختلاط بالناس حتى انه عبر عن حالته في شعره يقو ل:-


    اراني في الثلاثة من سجوني فلا تسال عـــــن الخبر النبيـــث



    فقدي ناظري ولزوم بيتــــــي وكون النفس في الجسم الخبيث



    كان طلبة العلم يتوافدون عليه وهو قابع في بيته فينهلون من معين صاف لاينضب وبحر غزيرواسع المفعرفة وقد حرم اكــــــل اللحوم على نفسه حتى قيل انه لاياكل امام احد من الناس فكان خادمه يضع له الطعام في غرفـة معزولة ثم يتوارى عنه كما انه لم يتزوج ابدا قال:-



    هذا ما جناه علي ابي وما جنيت على احد


    توفي ابو العلاء بعد اصابته بمرض خطيراودى بحياته بعد ثلاثة ايام من اصابته به وذلك سنة 449 هجرية بعد عمر ناهز 86 عاما قضاها في محبسه في ظلمة الحياة لقد صب ابو العلاء جام سخطه على الحياة وحدجها بنظرة ماساوية شــــــــــــــ ـــزراء تشاؤمية فهو يراها مفعمة بالشروالكدربل كلها شر وما الخير فيها الا كزهرة تقطع فتذوى وتذبل وتنضوي بل عدها ضلالـــــة وجهالة وما هي الا مكر وحذاع وما تظاهر الناس بها الا رياء اوما يتدينون عن تعقل وروية وهو المفكر الفاحص بل يعتبره تقليد ابائهم كما فعل الجاهليون كما يرى ان الدين سبب العداوة بين الخلق ومصدر العداوة والشقاق بينهم يقول:-


    ان الشرائع القت ببننا احنا وعلمتنا افانين العداوات




    لكن الشاعر وهو الزاهد في الحياةالمتفر بها غير ملحد كما تصور البعض انه مؤمن بربه كل الايمان لكنه يعود كل الامــــــور على العقل فما قبله العقل وعقله واطمان به قبله وارتضاه وسار عليه فالعقل عنده المرجع

    والامام لذا فهو مؤمن بوحانية الله تعالى



    توحد فان الله ربك واحد ولا ترغبن في عشرة الرؤساء


    اساء المعرى الضن بالناس الى شاوى بعيد ونزع الثقة منهم وسخط على الحياة كان يرى الانسا المثالي الحر العقل والكريم في هذه الحياة غريب عن هذه الدنيا ولا مكان له فيها لذلك انزوى عن العالمين وابو العلاء فيلسوف شاعر فلسف الحياة في لزومياته وقد استقى اراءه وافكاره التي غذاها من انبع مناهل العلم واغزرها في الادب والحكمة والفلسفة والعقائد وظهــر كل ذلك في قريضه بنظم بديع وكلام متين بليغ شعر ابي العلاء بعد هذا وذك قوي متين شديد الروعة فهو شاعر فنان فيلسوف اديب حجته بالغة عارف باصالة الفن وروائعه يمزج الفكر بالخيال والفلسفة بالحكمة واسع الادراك والفهــــــــم فياض المعاني في نظم بديع وشعر بليغ وقافية متينه نظم شعره على قافية معتمدا حرفين او ثلاثة حين الحرف الواحد يكفي انظر اليه يقول:-



    سر أن استطعت في الهــواء رويدا لا اختيال على رفاة العبـــاد


    رب لحد صار لحدا مـــرارا ضاحك من تزاحم الاضـــــــــــ داد


    ودفين على بقايا دفيــــــــــــ ن من طويل الازمان والابــــــــــ ــاد


    وضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها والعيش متل السهاد


    وهذه سمة لم يسبقه الشعراءاليها ولم يات احد بعده عليها فكان المعري كان يلهي نفسه بها في وحشته وانعزاليته ومن حيث اللفظ فهو كثير غريب اللغة ووحشي اللفظ حتى ان المتتبع لشعره بحاجة الى معجم لمعرفة معانيه ومقاصده وليــــس هذا بغريب على شاعر مثل المعرى



    الواسع الذكاء العارف بخفايا العربية واسرارها وعانيها واساليبها وبلاغتها خاصة وانــــه عاصر عهدا وصلت العربية فيه الى ارقى اللغات اضف ان

    قصائده تطغى عليها قوة بلاغية جناسية في اكثر الاحـــــــــــ ـــوال





    وجدت الناس في هرج ومرج غواة بين معتز ل و مــــرج


    فشان ملوكهم غرف ونــــزف واصحاب الامور جبا ة خرج


    فاللزوميات فلسفة الحياة ومبادىء الاخلاق تتجلى فيها اساليب نقد وسخرية هذا الشاعر من الحياة ومن الناس بدعابة في جد يكشف اغوار النفس الانسانية واسرارها في شعر بليغ لم يات بمثله اللذون سبقوه

    واللذون جائو امن بعده يقول:-



    جهلنا فلم نعلم على الحرص مـا الذي يراد بنا والعلم لله ذي المـــــن اذا غيب المرء استسر حديثـــــه لم تخبر الافكار عنه بما يغنــــــي تضل العقول الهبرزيات رشدها ولـم يسلم الراى القوي من الافــــن طلبت يقينا من جهينة عنهـــــم ولم تخبريبي ياجهين سوى الظن فان تعهديني لا ازال مســـائلا في لم اعط الصحيح فاستغنــــــــي


    هذا ابوالعلاء غير متطير لكنه متشائم شديد التشاؤم لايرى في هذه الدنيا الا شرا مستطيرا لايستطيع دفعه ولا يامل بازالته او تحسينه لذلك يتظر الدنيا

    بمنظارة سوداوية حالكة يقول:-



    وهل لحق التثريب سكان يثرب من الناس لابل في الرجال غباء



    اوقوله:-



    أراني في الكرى رجل كأنــــي من الذهب اتخذت غشاء راسي قلنسوة خصصت بها نضــــارا كهرمز اوكملك اولى خراســـي


    فقلت معبرا ذهب ذهابـــــــــــ ـي وتلك نباهة في انـــــــــــدر اس


    اقمت وكان بعض الحزم يومـــا لركب السفن ان تلفي الرواســي



    اسمع قوله في نفي التطير :-





    وما اسر لتعشير الغــــــراب اسى ولا ابكي خليطا حل تعشــــــارا


    ولا توهمت انثى الانجـــــم امــراة ولا ظننت سهيلا كان عشتارا




    بقي ان نقول ان الشاعر الكبير ابو العلاء المعري شاعر الحياة وفيلسوفها ترك وراءه جملة من الكتب والمؤلفات إضافة إلــى اللزوميات وسقط الزند في الشعر تربو على الثمانين موءلفا في مكتبتي منها رسالة الغفران ورسالة الصاهل والشاحج ومنها رسالة الملائكة وذكرى حبيب و الأيك والغصون وعبث الوليد ومعجز احمد والفصول والغابات وغيرها رحم الله شاعر العربية وفيلسوفها الكبير

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    ذُمّ المنازلَ بعد منزلةِ اللّوى ..والعيشَ بعدَ أولئِك الأيّام
    المشاركات
    591

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العزيز القاضي مشاهدة المشاركة
    ربيع الأديب ..
    إنها لترجمة وافية كافية، بَرعتَ واللهِ فيها، فلكم جزيلَ الشُكرِ والعِرفان، فلقد جَعلتني أعود في ذاكِرتي إلى تلك الأيام التي قَضيتُها وأنا أدرسُ كتاب شيخِنا المنافِح والمُكافحِ محود شاكر عليهِ رحمةُ الله؛ أباطيلٌ وأسمار، والذي كان حقاً على كُل أديب وأريب وغيور على لُغتِنا وَتُراثنا أن يَقتنيهِ وأن يستوعبه، فلقد كانت قَضية الكِتاب هي الدِفاع عن شيخ المعرّة، ولقد واللهِ أجاد وأفاد رَحمه الله.
    شكرا بارك الله فيك أخي الكريم عبد العزيز القاضي ..
    صفحتي على ( الفيس بوك )
    https://www.facebook.com/rabia.yamani




  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    ذُمّ المنازلَ بعد منزلةِ اللّوى ..والعيشَ بعدَ أولئِك الأيّام
    المشاركات
    591

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    الأخ فالح أحسنت الإحسانَ كُلّه بهذه الإضافة التي - وبدون شكّ - قد أضفت الشّرعيةَ على بحثي المتواضع بوركتَ وبورك الهطول المنتظر ...
    صفحتي على ( الفيس بوك )
    https://www.facebook.com/rabia.yamani




  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المشاركات
    63

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    جزاك الله خيرا أخي الكريم دراسة مختصرة جادة أخاذة ورحم الله شيخ المعرة المظلوم

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    1,196

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    قَامَ بِرِحْلَةٍ أُولَى إِلَى((بَغْدَادَ )) ... ثُمَّ رَحَلَ إلَيْهَا ثَانِيَةً سَنَة تِسْع وتِسْعِين وثَلاثمائة
    الرحلة هي الرحلة
    أستاذ جامعي (متقاعد ولله الحمد)

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    ذُمّ المنازلَ بعد منزلةِ اللّوى ..والعيشَ بعدَ أولئِك الأيّام
    المشاركات
    591

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    ولكن أستاذي الفاضل كل من ترجم له ذكر رحلتين فأين أجد تحقيق هذه المسألة وجزاك الله خيرا ومنكم نستفيد
    صفحتي على ( الفيس بوك )
    https://www.facebook.com/rabia.yamani




  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    143

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    في مقالك مسائل ينبغي أن تحقق.ككونه على مذهب البراهة ولقياه الراهب، راجع مقدمة كتاب أبي فهر أباطيل وأسمار وكذا من ترجم لمُتَرجمك ففيها إشارات تفيدك.
    دمت موفقا،،،
    قال العلامة محمد المختار السوسي في كتابه " رجالات العلم " :" وَ المُعَاصَرَة ُتَنْفِي المُنَاصَرَة "
    alhasaniy@hotmail.fr
    مولاي أحمد بن محمد أمناي الحسني

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    ذُمّ المنازلَ بعد منزلةِ اللّوى ..والعيشَ بعدَ أولئِك الأيّام
    المشاركات
    591

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    أخي قرأت الكتاب بحمد الله ولعلّك لم تقرأ هذه القطعة من المقال :
    ويُقَالُ ((إنّهُ اجْتَازَ بِاللاَّذِقيَةِ ، ونَزَلَ دَيْرَ الْفَارُوس ، وكَانَ بِهِ رَاهِبٌ يَشْدُو شَيْئاً مِنْ عُلُومِ الأَوَائِلِ ، فَسَمِعَ مِنْهُ أبو الْعَلاَء كَلاَماً منْ أوَائِل أقْوالِ الْفَلاَسِفَة ، حَصَلَ لهُ بِهِ شُكوكٌ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَدْفَعُهَا بهِ ، فَعَلِقَ بِخَاطِرِهِ مَا حصَلَ بِهِ بَعْضُ الانْحِلاَل ، وضَاقَ عطَنهُ عنْ كِتْمَانِ مَا تَحَمَّلَهُ منْ ذَلِكَ ، حَتّى فَاهَ بِهِ فِي أولِ عُمرِهِ ، وَأوْدَعَهُ أَشْعَاراً لهُ ، ثُمّ ارْعَوى ورَجَعَ ، واسْتَغْفَرَ واعْتَذَرَ )). كما قَالَ الْقِفْطِي وَتَبِعَهُ على ذَلكَ الذّهبي والصّفَدِي وابنُ كَثيرٍ وَالْعَيْنِي والسّيُوطِي ..، إلاّ أنّ الشّيخَ العَلاّمةَ محمود شَاكر قدْ فنّدَ هَذَا الخَبَرَ " خَبر لقاء أبي العلاء مع الراهبِ "ورَدَّ على القَائِلِينَ بهِ وأنّه لا سَنَدَ لهم فِي ذَلك .. فِي كتابه الماتع ((أباطيل وأسمار )) انظُرهُ إنْ شِئْتَ ص 25 فما بعدَهَا فَإنّهُ مُهم ...
    صفحتي على ( الفيس بوك )
    https://www.facebook.com/rabia.yamani




  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    2,721

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    الموضوع جيد، والجهد الذي بذل فيه مبارك إن شاء الله.
    أرى أنه بالنسبة للشعراء المكثرين المتفنِّنين يصعب الكلام على عقيدتهم - بجزم - من خلال أشعارهم فقط؛ لما يكتنف تلك الأشعار من أساليب مجازية وخيالية ونحو ذلك، فالشاعر يقول في موقف شيئًا ثم يقول نقيضه في موقفٍ آخر بقناعة وجمال أسلوب.
    هذه قضية يمكن استصحابها، أمَّا الكلام الوثيق على الشعراء وعقائدهم فيكون من خلال كلامهم المباشر - غير الأشعار - وسلوكهم في الالتزام بالعبادات ونحو ذلك.
    والأشعار التي سيقت في هذا الموضوع - هنا - جيدة ومختارة فيما سيقت له، لكنَّ هناك أشعارًا أخرى للمعري يحسن إيرادها لو اتسع المقام، نحو:
    القصيدة التي فيها: إنما هذه المذاهب أسبا * * بٌ لجلْبِ الدنيا إلى الرؤساء
    وقد درسنا القصيدة التي فيها:
    ووجدتُ دُنيانا تُشابِهُ طامثًا * * لا تَستقيمُ لناكحٍ أقْراؤُها
    هُوِيتْ ولَم تُسعِفْ وراح غنيُّها * * تعِبًا وفاز بِراحةٍ فُقراؤُها
    وتَجادلتْ فُقهاؤُها من حبِّها * * وتقرَّأت لتنالَها قُرَّاؤُها
    وإذا زجرتَ النَّفسَ عن شغَفٍ بِها * * فكأنَّ زجْرَ غويِّها إغْراؤُها
    صورة إجازتي في القراءات العشر من الشيخ مصباح الدسوقي

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    1,196

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    قال ابن العديم في الإنصاف والتحري:
    وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن عليّ، عن محمد بن مؤيَّد المعري، قال: أخبرني جدّي أبو المفضال أحمد بن حواري، قال: ورحل (يعني أبا العلاء) إلى بغداد سنة ثمانٍ وتسعين، ودخلها سنة تسعٍ وتسعين، وأقام بها سنةً وسبعة أشهر.
    وهذا كلام مستقيم، ولا يخفى طول الرحلة من المعرة إلى بغداد، وأن الذي يشرع فيها في آخر السنة سيدخل بغداد في أول السنة الجديدة. ويوجد في شعر أبي العلاء ونثره مادة وافرة جدا عن جميع مراحل الرحلة وظروفها وتفاصيلها، ووصف ما وقع له في الذهاب والإياب وفي بغداد من الحوادث الصغيرة والكبيرة، وأسماء الرجال الذين لقيهم فيها، حتى ليستطيع المؤرخ أن يرسم تلك الرحلة الواحدة بدقة تامة. وليس في ذلك كله ما يوحي برحلتين.
    ولكن ظن ابن خلكان، على عادة بعض المؤرخين في الاستنتاج، أنهما رحلتان، وهذه عبارته:
    ودخل بغداد سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، ودخلها ثانية سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر.
    وهي نفس العبارة السابقة بحروفها وترتيبها، بحذف السند، إلا إنه لما توهَّم أنهما رحلتان أضاف (ثانية) وجعل الجملة الأولى (ودخل بغداد) بدلاً من (ورحل إلى بغداد)، لتعتدل العبارة في زعمه (وهذه عاقبة حذف الأسانيد والتصرف بالألفاظ!). ولم يفطن إلى أن النص لم يذكر طول الرحلة الأولى كما ذكر الثانية، ولا سببَ عودته سريعاً من بغداد ثم عودته سريعاً إليها، مع أن ذلك مخالف للمعتاد من أحوال الناس.
    ولا يخفى أن الذي يترجم لمئات الناس، كابن خلكان، لا يستطيع تحقيق دقائق كل واحد منهم، بخلاف ابن العديم الذي عقد الكتاب كله لأبي العلاء.
    والذين ذكروا أنهما رحلتان، كجرجي زيدان، إنما نقلوا كلام ابن خلكان من غير تحرير.
    وقد غلَّط ابنَ خلكان مؤرخو عصرنا، كأحمد تيمور في كتابه ص 16، وطه حسين في تجديد الذكرى 134، والميمني في كتابه 111، وغيرهم
    أستاذ جامعي (متقاعد ولله الحمد)

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    ذُمّ المنازلَ بعد منزلةِ اللّوى ..والعيشَ بعدَ أولئِك الأيّام
    المشاركات
    591

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة القارئ المليجي مشاهدة المشاركة
    الموضوع جيد، والجهد الذي بذل فيه مبارك إن شاء الله.
    أرى أنه بالنسبة للشعراء المكثرين المتفنِّنين يصعب الكلام على عقيدتهم - بجزم - من خلال أشعارهم فقط؛ لما يكتنف تلك الأشعار من أساليب مجازية وخيالية ونحو ذلك، فالشاعر يقول في موقف شيئًا ثم يقول نقيضه في موقفٍ آخر بقناعة وجمال أسلوب.
    هذه قضية يمكن استصحابها، أمَّا الكلام الوثيق على الشعراء وعقائدهم فيكون من خلال كلامهم المباشر - غير الأشعار - وسلوكهم في الالتزام بالعبادات ونحو ذلك.
    والأشعار التي سيقت في هذا الموضوع - هنا - جيدة ومختارة فيما سيقت له، لكنَّ هناك أشعارًا أخرى للمعري يحسن إيرادها لو اتسع المقام، نحو:
    القصيدة التي فيها: إنما هذه المذاهب أسبا * * بٌ لجلْبِ الدنيا إلى الرؤساء
    وقد درسنا القصيدة التي فيها:
    ووجدتُ دُنيانا تُشابِهُ طامثًا * * لا تَستقيمُ لناكحٍ أقْراؤُها
    هُوِيتْ ولَم تُسعِفْ وراح غنيُّها * * تعِبًا وفاز بِراحةٍ فُقراؤُها
    وتَجادلتْ فُقهاؤُها من حبِّها * * وتقرَّأت لتنالَها قُرَّاؤُها
    وإذا زجرتَ النَّفسَ عن شغَفٍ بِها * * فكأنَّ زجْرَ غويِّها إغْراؤُها
    جزاك الله خيرا وبارك فيك
    صفحتي على ( الفيس بوك )
    https://www.facebook.com/rabia.yamani




  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    ذُمّ المنازلَ بعد منزلةِ اللّوى ..والعيشَ بعدَ أولئِك الأيّام
    المشاركات
    591

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خزانة الأدب مشاهدة المشاركة
    قال ابن العديم في الإنصاف والتحري:
    وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن عليّ، عن محمد بن مؤيَّد المعري، قال: أخبرني جدّي أبو المفضال أحمد بن حواري، قال: ورحل (يعني أبا العلاء) إلى بغداد سنة ثمانٍ وتسعين، ودخلها سنة تسعٍ وتسعين، وأقام بها سنةً وسبعة أشهر.
    وهذا كلام مستقيم، ولا يخفى طول الرحلة من المعرة إلى بغداد، وأن الذي يشرع فيها في آخر السنة سيدخل بغداد في أول السنة الجديدة. ويوجد في شعر أبي العلاء ونثره مادة وافرة جدا عن جميع مراحل الرحلة وظروفها وتفاصيلها، ووصف ما وقع له في الذهاب والإياب وفي بغداد من الحوادث الصغيرة والكبيرة، وأسماء الرجال الذين لقيهم فيها، حتى ليستطيع المؤرخ أن يرسم تلك الرحلة الواحدة بدقة تامة. وليس في ذلك كله ما يوحي برحلتين.
    ولكن ظن ابن خلكان، على عادة بعض المؤرخين في الاستنتاج، أنهما رحلتان، وهذه عبارته:
    ودخل بغداد سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، ودخلها ثانية سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر.
    وهي نفس العبارة السابقة بحروفها وترتيبها، بحذف السند، إلا إنه لما توهَّم أنهما رحلتان أضاف (ثانية) وجعل الجملة الأولى (ودخل بغداد) بدلاً من (ورحل إلى بغداد)، لتعتدل العبارة في زعمه (وهذه عاقبة حذف الأسانيد والتصرف بالألفاظ!). ولم يفطن إلى أن النص لم يذكر طول الرحلة الأولى كما ذكر الثانية، ولا سببَ عودته سريعاً من بغداد ثم عودته سريعاً إليها، مع أن ذلك مخالف للمعتاد من أحوال الناس.
    ولا يخفى أن الذي يترجم لمئات الناس، كابن خلكان، لا يستطيع تحقيق دقائق كل واحد منهم، بخلاف ابن العديم الذي عقد الكتاب كله لأبي العلاء.
    والذين ذكروا أنهما رحلتان، كجرجي زيدان، إنما نقلوا كلام ابن خلكان من غير تحرير.
    وقد غلَّط ابنَ خلكان مؤرخو عصرنا، كأحمد تيمور في كتابه ص 16، وطه حسين في تجديد الذكرى 134، والميمني في كتابه 111، وغيرهم
    بارك الله فيك ،،،
    وقد رجعت لتاريخ بغداد بعد قراءتي لكلامك هذا فوجدته هو الآخر لم يذكر إلا رحلة واحدة وهو قريب العهد من صاحبنا ، ولعل الصّواب معكم بارك الله في مجهودكم ، وسأستمر في البحث إن شاء الله ما استطعت إلى ذلك سبيلاً .
    صفحتي على ( الفيس بوك )
    https://www.facebook.com/rabia.yamani




  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    143

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    اي نعم، فاتني ما نقلته عن العلامة شاكر، فلم تقع عليه عيني، لأني كنت عجلا فمررت عيني على المقال دون تفحص لكل المكتوب.
    زادك الله علما.
    على كل بما أنك متتبع لسيرة الرجل، فهل وقفت على من ذكر في ترجمته أن قحطانيا هجاه في قصيدتين. ولو أن يكون ذلك إيماء، فإن حصل فأشر به عليّ أدام الله عليك المسرات.
    قال العلامة محمد المختار السوسي في كتابه " رجالات العلم " :" وَ المُعَاصَرَة ُتَنْفِي المُنَاصَرَة "
    alhasaniy@hotmail.fr
    مولاي أحمد بن محمد أمناي الحسني

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    ذُمّ المنازلَ بعد منزلةِ اللّوى ..والعيشَ بعدَ أولئِك الأيّام
    المشاركات
    591

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مولاي أحمد بن محمد أمناي مشاهدة المشاركة
    اي نعم، فاتني ما نقلته عن العلامة شاكر، فلم تقع عليه عيني، لأني كنت عجلا فمررت عيني على المقال دون تفحص لكل المكتوب.
    زادك الله علما.
    على كل بما أنك متتبع لسيرة الرجل، فهل وقفت على من ذكر في ترجمته أن قحطانيا هجاه في قصيدتين. ولو أن يكون ذلك إيماء، فإن حصل فأشر به عليّ أدام الله عليك المسرات.
    بارك الله في أدبك وتواضعك ،،، وسيستمرّ البحث بإذن الله فإن صادفتُ ما طلبتَ أخبرتك به .
    صفحتي على ( الفيس بوك )
    https://www.facebook.com/rabia.yamani




  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    34

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية مجموع الفتاوى ج: 8 ص: 260


    ((والقسم الثالث القدرية الإبليسية الذين صدقوا بأن الله صدر عنه الأمران لكن عندهم هذا تناقض و هم خصماء الله كما جاء فى الحديث

    و هؤلاء كثير فى أهل الأقوال و الأفعال من سفهاء الشعراء و نحوهم من الزنادقة كقول إبى العلاء المعري:


    أنهيت عن قتل النفوس تعمدا و زعمت أن لها معادا آتيا

    وما كان أغناها عن الحالين))

  18. #18
    أسامة بن الزهراء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    3,953

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    أحسن الله إليك يا ربيع الأدب، وبارك فيك ...
    استوقفتني هذه الجملة من البحث:
    وَآخَرُونَ قَالُوا إِنَّهُ مُلْحِدٌ وَرَوَوْا أَشْعَاراً مُصْطَنَعَةكمَا قالَ بِذَلكَ الْمُحَقّقُونَ منْ أمْثَالِ ابنِ الْعَدِيمِ ومَحمود شَاكر وغيرِهِما ..
    فأين قال أبو فهر رحمه الله أنه ملحد ؟؟

  19. #19
    أسامة بن الزهراء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    3,953

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أسامة بن الزهراء مشاهدة المشاركة
    أحسن الله إليك يا ربيع الأدب، وبارك فيك ...
    استوقفتني هذه الجملة من البحث:

    فأين قال أبو فهر رحمه الله أنه ملحد ؟؟
    ثم أعدت قراءة البحث من جديد ، ولعلك تقصد أن البعض قالوا أنه ملحد، ونقل هذا المحققون كابن العديم وأبي فهر ...

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    ذُمّ المنازلَ بعد منزلةِ اللّوى ..والعيشَ بعدَ أولئِك الأيّام
    المشاركات
    591

    افتراضي رد: صَفَحَات مِن حَيَاة ِشَيْخِ الْمَعَرَّةِ

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أسامة بن الزهراء مشاهدة المشاركة
    ثم أعدت قراءة البحث من جديد ، ولعلك تقصد أن البعض قالوا أنه ملحد، ونقل هذا المحققون كابن العديم وأبي فهر ...
    إي والله هو ذاكَ أخي الفاضل بارك اللهُ فيك / وَآخَرُونَ قَالُوا إِنَّهُ مُلْحِدٌ وَرَوَوْا أَشْعَاراً مُصْطَنَعَة /كمَا قالَ بِذَلكَ الْمُحَقّقُونَ منْ أمْثَالِ ابنِ الْعَدِيمِ ومَحمود شَاكر وغيرِهِما .. بمعنى أنّ الذين قالوا أنّه ملحد اصطنعوا أشعارا ونسبوها له حسدا وبغياً . كما قال بذلك ابنُ العديم والعلاّمة أبو فهر وغيرهما .
    جزاك الله خيرا على التنبيه / ومعك الحقّ الكلمة مُبهمة قد يُفهمُ منها ما فَهِمت أخي الحبيب .
    أخوك .
    صفحتي على ( الفيس بوك )
    https://www.facebook.com/rabia.yamani




صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •