مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    75

    افتراضي مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء

    هذا البحث مفيد جدا للمسلم وأكثره من أسلوب ابن القيم ولكنه طويل نسبيا لذا قسمته إلى فقرات وسأنزل كل يوم فقرة بإذن الله تعالى:
    مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء
    ليس كل مسلم مؤمنا، فمن رحمة الله تعالى أن من آمن بعقله فأسلمت جوارحه لله بأداء فرائضه ولم يدخل الإيمان قلبه فهو مسلم "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" الحجرات14. ويدخل في عموم المسلمين غير المؤمنين من ورثوا الإسلام ولم يأتوا بنواقض للشهادتين، ولكنهم ظلموا أنفسهم بالمعاصي دون توبة، ولم يتدبروا القرآن ولم يجدوا حلاوة الإيمان. وهؤلاء منهم من تطهره الابتلاءات أو كثرة الحسنات، ومنهم من عظمت ذنوبه فوق الحسنات والابتلاءات فيحق عليه العذاب في الآخرة على قدر معاصيه ثم يكون من أهل الجنة إن مات لا يشرك بالله شيئا. أما من اجتمعت فيه شعب النفاق فصار منافقا خالصا أو نقض الشهادتين فخرج من ملة الإسلام فهو خالد في نار جهنم.

    مراتب المسلمين

    في حديث جبريل في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. فقال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وفي آخر الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). قال الشيخ خالد المصلح في (شرح الأصول الثلاثة): (وهذه المراتب جاءت في سورة فاطر32 "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا") فالظالم لنفسه هو المسلم الذي لم يبلغ مقام الإيمان ولم يجد حلاوته، والمقتصد هو المؤمن التقي لأن التقوى من لوازم الإيمان، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي أحسن العبودية لله في أقواله وأفعاله.
    وفي آية فاطر السابقة قال الشنقيطي في أضواء البيان (كل مَن هداه الله للإسلام فهو من المصطفين ومآله إلى الجنة ولو ناله ما ناله من العذاب بسبب ظلمه لنفسه) وقال ابن تيمية في كتاب الفرقان (فالظالم لنفسه هو صاحب الذنوب المصر عليها، والمقتصد هو المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم، والسابق بالخيرات هو المؤدي للفرائض والنوافل، فمن تاب من ذنوبه توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين والمقتصدين كما في قوله تعالى "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون" آل عمران135) وقال تعالى "ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما" النساء110
    فالظالم لنفسه المقصود في الآية هو الذي لم يخرج من الملة بفعل مكفرات تنقض الشهادتين ولكنه يصر على الذنوب ولا يتوب منها، فهو في مشيئة الله، قد يغفر الله له لكثرة حسناته أو كثرة ابتلاءاته أو بإخلاصه وحبه لله ورسوله فيرزقه الله حسن الخاتمة، وقد يعذب في قبره وفي النار على قدر معاصيه قبل أن يدخل الجنة. والمسلم لا يبلغ مقام أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إلا إذا خاف الله وسوء الخاتمة فحارب الشهوات بالتقوى وحارب الشبهات بالعلم وتلاوة القرآن حتى يدخل الإيمان قلبه، فتحقيق الإيمان والتقوى يدخله في المقتصدين أصحاب اليمين وهو أول مقامات الولاية. ثم إذا أحسن العبودية لله بمراقبة الله في أقواله وأفعاله وكل أحواله فأكثر من النوافل ومن ذكر الله ومناجاته في جوف الليل وعبد الله كأنه يراه بلغ مقام المحسنين السابقين بالخيرات، المقربين يوم القيامة. قال ابن تيمية في كتاب الفرقان (وأولياء الله على "طبقتين" سابقون مقربون وأصحاب يمين مقتصدون، ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان والمطففين وفي سورة فاطر).

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء

    الظالم لنفسه
    المسلم الظالم لنفسه هو الذي يهمل العبادة وتلاوة القرآن ويترك قلبه للشهوات تدمره، فالقلب كالجسد إذا أهمل الغذاء وتحكمت فيه الأمراض هلك. قال تعالى "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا" وقال تعالى "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه" أي يتمتعون بعرض الدنيا ويسوفون التوبة ويتمنون على الله المغفرة وكلما لاح لهم عرض مثل الأول وقعوا فيه.
    والظالم لنفسه يبتليه الله بالشدائد والأمراض لعله يرجع إليه، فإذا نسي ربه وقسا قلبه واستحل المعاصي فقد يفتح الله عليه باب النعم ثم يأخذه وهو في غمرة فرحه يستمتع بمعاصيه، قال تعالى "ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" الأنعام42/44 ... في غمرة الفرح والاستمتاع بالحياة الدنيا قد يشعر المرء بأعراض بسيطة يكتشف معها أنه يعاني مرضا خطيرا، وقد يبتلى فجأة وهو في رحلة سعيدة كلها فرح وآمال. كلنا نعرف قصة العبارة التي كانت متجهة من السعودية إلى مصر فاشتعلت فيها النيران، ونعلم حالة الذعر التي أصابت أهلها فغرق من غرق ونجا من نجا بقدر الله وحده. لقد وصف الله لنا حال الإنسان وهو في الفلك فرح سعيد، ثم وصف حاله وقد تغير في لحظة وحلت به الشدة والبلاء، قال تعالى "هُوَالَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" يونس22. ما أضعف الإنسان وما أجهله، فالله يسيرنا ويقدر أفعالنا في البر والبحر، فها هي الفلك تتحرك بريح طيبة في هدوء جميل، فتظهر مشاعر الفرح والغبطة ثم تقع المفاجأة المقدرة التي تأخذ الجميع. جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، انظر إلى فزع القلوب حينئذ وهم يشعرون أنهم أحيط بهم، عندئذ تتعرى فطرتهم مما ألم بها من تصورات حالت بينهم وبين حقيقة الإيمان، وتنبض قلوبهم بالتوحيد الخالص لله دون سواه "دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين"
    إن الظالم لنفسه إذا أراد الله به خيرا ولم يكن له حسنات تذهب سيئاته ابتلاه الله ليكفر عنه سيئاته ويدخله الجنة، فعلى العاقل أن يكثر من الحسنات كي تذهب السيئات فيخف عنه البلاء في الدنيا ويفوز في الدنيا والآخرة، قال تعالى "أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين"
    أما من مات ظالما لنفسه عاريا من الحسنات والابتلاءات غارقا في نعم الله سادرا في غيه وغفلته، فسيأتيه الموت بغتة، فتأتيه ملائكة غلاظ بالضرب على وجهه ودبره لضبطه وإحضاره إلى الملك الجبار تماما كما يأتي ضباط الشرطة مجرما زاد إجرامه فيأتونه بكل حقد وانتقام بالضرب على وجهه ودبره "فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم" حينها تخاف روحه من الخروج وتتشبث بالجسد فتضربه الملائكة وتأمره بإخراج روحه ثم تنتزعها من الجسد بشدة كما ينتزع السفود وهو فرع الشوك من الصوف المبلول فيكون الألم أشد وتتقطع أجزاء من الجسد، قال تعالى في سورة الأنعام93 "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم" أي بالضرب قائلة لهم "أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون"
    ويبدأ المسلم بعدها الدخول في رحلة طويلة لا يتعامل فيها مع بشر مثله بل يتعامل مع ملائكة وقد أغلقت صفحة أعماله، فلا يملك حق التوبة ولا الصدقة، فها هو قد ترك كل شيء وراء ظهره، ترك ماله لورثته ثم يدخل على الله بمفرده ليحاسب على ماله ووقته وعمره فيتمنى الرجوع إلى الدنيا وهيهات "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم".

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء

    مقام الإيمان والتقوى
    أول مقامات الولاية

    القلب هو محل الإيمان والتقوى، وقد خلق الله القلب ليفقه ويتفكر حتى يعرف ربه فإذا عرفه عبده ولابد، قال تعالى "لهم قلوب لا يفقهون بها". وأمراض القلب شبهات تعوق كمال الإيمان والمعرفة، أو شهوات يتعلق القلب بها فتحبب إليه المعاصي وتعوق كمال التقوى. فسلامة القلب من أمراض الشبهات والشهوات تحقق الإيمان والتقوى وتحقق ولاية الله، قال تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون" يونس62، وهذا هو مقام المقتصدين أصحاب اليمين.
    .
    أهمية القلب
    إن جهلنا بحقيقة القلب وأمراضه هو سبب كثير من الاضطراب والتناقض في حياتنا، يقول ابن القيم (لقد جعل الله لكل عضو من أعضاء الإنسان كمالا إن لم يحصل له فهو في قلق واضطراب وألم بسبب فقد كماله، فكمال العين بسلامة الإبصار وكمال اللسان بسلامة النطق والذوق، فإذا عدمت هذه الأعضاء القوى التي بها كمالها حصل الألم والنقص على قدر فوات ذلك، وجعل الله كمال القلب ونعيمه، وسروره ولذته، واستقامته وهدايته، في معرفته لربه سبحانه وإرادته ومحبته والإنابة إليه والإقبال عليه والشوق إليه والأنس به، فإذا عدم القلب ذلك كان أشد عذابا واضطرابا من العين التي فقدت النور ومن اللسان الذي فقد قوة الكلام والذوق، ولا سبيل له إلى الطمأنينة والاستقامة بوجه من الوجوه ولو نال من الدنيا وأسبابها وعلومها ما نال، إلا بأن يكون الله وحده هو محبوبه وإلهه ومعبوده وغاية مطلوبه)
    في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". فالقلب إذا عرف ربه وأحبه وتعلق به صلح الجسد واستقام أمر العبد، لذا يئس الشيطان من المخلصين حيث خلصت قلوبهم لربهم فأرادوه وحده بأعمالهم "قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُم ْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" ص82/83، فتغيير هوى القلب ومراده بمعرفة الله ومحبته وتعظيمه هو أصل صلاحه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" والحديث صححه النووي في "الأربعين" وقال ابن حجر في "الفتح" رجاله ثقات.
    القلب السليم والمريض والميت
    القلب إما أن يكون سليما أو مريضا أو ميتا قاسيا. فالقلب السليم هو الذي يسلم من فتن الشبهات والشهوات وهو الناجي صاحبه يوم القيامة لقوله تعالى "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم" والقلب المريض هو الذي تدخل الفتن في قلبه فيشربها فيضعف ويتأثر بكل فتنة يلقيها الشيطان ويزداد ضعفا على ضعفه، فإذا تحكمت الفتن في قلبه حتى أنسته ربه فكفر به واستحل معصيته فقد مات قلبه، قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (وقد ذكر الله القلوب الثلاثة في قوله تعالى "ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم" الحج53/54 فجعل سبحانه القلوب في الآيتين ثلاثة: قلبين مفتونين وقلبا ناجيا، فالمفتونان القلب الذي فيه مرض والقلب القاسي والناجي هو القلب المؤمن المخبت إلى ربه المطمئن إليه).

    أصل سلامة القلب
    دوام اتصال القلب بالله بذكره واستشعار كماله وجلاله ورقابته هو أصل سلامته، فكلما تواصل الذكر مع التفكر في النفس وأحوال الخلق كلما قويت معرفة كمال الرب وفضله وإحسانه ومعرفة نقص النفس وعيوبها. والأولى توجب التعظيم والمحبة والخوف والرجاء والحمد والشكر لولي النعم والإحسان، لأن القلوب مفطورة على محبة من يحسن إليها ويعفو ويصفح عنها رغم قدرته، مفطورة على محبة الكمال والجمال، والله هو الخالق البديع، ولا نهاية لكماله وجماله ولا بره وإحسانه فلا نهاية لمحبته. والقلوب مفطورة على رجاء من يملك معاشها ومصالحها ودفع الضر عنها، قال تعالى "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير" الأنعام17. والقلوب مفطورة على الخوف من القوي الجبار، ومن عرف مكر الله بأعدائه وما أعده لهم من صنوف العذاب أدرك قوته وجبروته وانتقامه، وباجتماع الحب والخوف والرجاء تتحقق العبودية. أما الثانية وهي معرفة نقص النفس وعيوبها فتوجب له الذل والانكسار والتوبة والافتقار إلى ربه، فلا يرى حسناته ولا يرى لنفسه حالا ولا مقاما ولا وسيلة يمن ويفتخر ويستطيل بها على الخلق، ويرى أن ماله وصحته وأهله وأمنه واستقامته كلها منن من الله تعالى وحده فيدخل عليه دخول الفقير المحتاج على الغني الكريم، وبهذا تخلص عبودية القلب لله من الشوائب. وبسلامة القلب يكون ذكر الله وعبادته أحب شيء إليه فيحب تلاوة القرآن والتغني به، ويحب مناجاة الله في جوف الليل، ويكون تعظيم أمر الله ونهيه ناشئا عن تعظيمه سبحانه. وبسلامة القلب وتعظيمه لربه يكون حياؤه وعفته وشجاعته وصبره وتواضعه وسائر أخلاقه الفاضلة. فالقلب السليم إذا عرضت عليه الفتن والقبائح نفر منها وأبغضها. والله تعالى لم يجعل العصمة لأحد، ولكن من علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه، فبه يطمئن وإليه يسكن، وبه يثق وعليه يتوكل، وإياه يرجو ومنه يخاف، فذكره قوت يومه، ومحبته والشوق إليه حياته ونعيمه. إذا غفل عنه أو قصر في تلاوة القرآن شعر قلبه بوحشة وظلمة، فالانشغال عن الله والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه والتلذذ بذكره دواؤه، قال تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" الإسراء82.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء

    أمراض القلوب وحقيقة التقوى

    الشبهات والشهوات والاغترار في النعم لمن ميزه الله بها، وحسد الغير على النعم لمن حرمه الله منها، كلها فتن يلقيها الشيطان في القلب وتكون كالجراثيم للبدن، فالشيطان يستغل جهل الإنسان بالحق ليلقي في قلبه شبهات تحول دون كمال الإيمان والمعرفة فتنبت الكفر أو النفاق، ويستغل غرائزه ليلقي في قلبه التعلق بشهوات محرمة تقتل التقوى وتنبت الفسوق. والشيطان إن وجد العبد يتمتع بالنعم سلط نظره عليها ليغتر بها ويحتقر من حرم منها فينبت في قلبه الكبر والغرور فتكون النعمة في حقه فتنة، قال ابن القيم في مدارج السالكين (يجب أن نفرق بين النعمة والفتنة فكل نعمة تؤدي إلى الفرح والبطر والتحدث عن النفس وغيبة الآخرين فهي فتنة). وأما إن وجد الشيطان العبد ضعيفا فقيرا سلط نظره على نعم الغير ليدعوه إلى الحسد الذي يقتل الرضا بالله وينبت الكفر، قال تعالى "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون". هذه الفتن الأربعة تمرض القلب، وتزيده مرضا على قدر تكرارها والاستسلام لها، ولكنها تزيد القلب السليم قوة، لأنه يرد أسباب المرض ويبغضه ويعلم أن الحق في خلافه فيخبت للحق ويطمئن، ويزداد علما وخبرة بسبب ما ألقاه الشيطان، فتزداد تقواه ويزداد حذره وحرصه على قلبه، تماما كما تقوي الجراثيم جهاز المناعة في الجسم وتكسبه خبرة في سرعة إدراك الجراثيم وكيفية مقاومتها وتصميم الأجسام المضادة لها. فالتقوى من الوقاية، وهي أن تقي نفسك الوقوع في سخط الله وغضبه وعذابه بمقاومة أسباب الأمراض، لذا فالتقوى في القلب تقابل جهاز المناعة في البدن، فبالتقوى يدرك القلب إلقاءات الشيطان بسرعة، فإذا هم العبد بذنب أو أصابه تذكر وعد الله ووعيده وأبصر غواية الشيطان فيستغفر الله من قريب. أما غير التقي فالفتنة تدمر قلبه كما تدمر الجراثيم عضوا من الأعضاء أو تدمر البدن كله بسبب ضعف جهاز المناعة فتمده الشياطين في الغواية مدا "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذاهم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون" الأعراف201، فغير المتقين تمدهم الشياطين في الغواية مدا، وتدمر قلوبهم تدميرا، فلا يقصرون في سوء أعمالهم ولا الجن يقصرون في غوايتهم. قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مرباد كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض" رواه مسلم. وكما أن الجلد هو خط الدفاع الأول لجهاز المناعة فيمنع دخول الجراثيم إلى البدن، كذلك العلم يمنع العبد من ورود مواطن الفتن ويمنعه من مقدمات الشهوات كما أنه يزيل الشبهات.
    أمراض الشبهات
    ابتلاء المؤمنين فتنة لضعاف الإيمان واليقين
    إن الله تعالى يحب أن يوسع على عباده المؤمنين ويفيض عليهم من نعمه وفضله حتى يعلم أهل الكتاب أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم، لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" الحديد28/29 لقد زعم أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنهم أولى بكل خير، والله يريد أن يمن على المسلمين بنوره وتوفيقه حتى يعلم أهل الكتاب أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. إلا أن ذنوب العباد واستعدادهم للطغيان إذا وسع الله عليهم هو سبب ابتلائهم، قال تعالى "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" وقال تعالى "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" الشورى30 لذا اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن يعطي الإنسان بقدر، وأن يبتلي المؤمنين بذنوبهم ليحاسبوا أنفسهم ويتقوا ربهم ويستقيموا على أمره. والله سبحانه قد يختار للإنسان خيرا يظنه العبد شرا، قال تعالى "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" البقرة216 فعلى العبد أن يرضى بالله وتدبيره ويعلم أن الشر ليس إليه فيصبر عند الشدة ويشكر عند النعمة، وعليه أن يتقي الله حتى يمن عليه بفضله وكرمه قال تعالى "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية" البينة7، قال ابن القيم (فمن آمن بالله واتقاه كان خير البرية على الإطلاق، يتم نعمته عليه ويخصه من كرامته وفضله بالمواهب والعطايا في الدنيا كما أعد له في الآخرة أفضل ما يعده ملك غني جواد كريم لمحبوبه إذا قدم عليه). أما الابتلاءات فهي تميز الصادق من الكاذب حتى تكون أعمال العباد حجة لهم أو عليهم، قال تعالى "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" العنكبوت2/3

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء

    فتنة الأسباب
    هي فتنة تشكك ضعاف اليقين في قدرة الله وتدبيره. لقد أراد الله منا الإيمان عن اقتناع بعد التفكر في آيات الله الكونية والقرآنية، لذا أراد الله سبحانه أن تقوم الدنيا على الأسباب وأن يخفي أفعاله في العباد خلف سنة الأسباب فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بالأسباب، فلا يرى الكافر والمنافق إلا الأسباب ويرى المؤمن يد الله من وراء الأسباب فيستعين بالله ويتوكل عليه ويشكره. أما إذا أعطى الله الناس مباشرة بلا أسباب فسيؤمن الناس أجمعين، من أراد منهم الدنيا ومن أراد الآخرة، قال تعالى في هذه الفتنة "فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون" الزمر49 وحين أعطى الله قارون الكنوز ظن لجهله وكفره أنها بفضل علمه وخبرته بفنون التجارة فقال "إنما أوتيته على علم عندي". والحقيقة أن الله سبحانه يفعل ما يشاء بتهيئة أسبابه ولا يدرك ذلك إلا المؤمن، فعندما أراد الله سبحانه أن يمن على المستضعفين الذين أذلهم فرعون أعد موسى عليه السلام في بيت فرعون دون أن يشعر أحد، قال تعالى "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" القصص5، ثم قال بعدها "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه" فبدأ بتنشئة القيادة لتدبير الأسباب وتحقيق مراده ومنته على المؤمنين في خفاء. وسيدنا يوسف عليه السلام كان غلاما ألقاه إخوته في الجب وباعه رجل واشتراه آخر ثم جعله الله أمينا على خزائن الأرض بالأسباب وبدون أن يشعر أحد. فتدبير الأسباب هو الأصل في أفعال الله في العباد وهو سبحانه يملك الأسباب ويملك تدبيرها لأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وما يعلم جنود ربك إلا هو.
    شبهة عطاء الله للكافرين
    إذا أعطى الله الدنيا للمؤمن ومنعها عن الكافر فهذا إكراه على الإيمان، كحاكم يعطي فرص الحياة الكريمة لحزبه ويمنع غيره ليقوي حزبه ويتقوى بهم، ولكن الله غني عن العالمين "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى". كما أراد الله سبحانه أن يعطي الكافرين والمنافقين جزاء ما يفعلونه من خير في الدنيا حتى لا يكون لهم حظ في الآخرة لأن الله حرم الجنة عليهم، قال تعالى "أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون" الشعراء205/207، فما قيمة متاعهم في الدنيا سنين إذا رأوا بأس الله وانتقامه "ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين" الأنبياء46. وقال تعالى "لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد" آل عمران196. وبسبب عدم تعجيل عقوبتهم في الدنيا يشك الجاهل في قدرة الله عليهم وإحاطته بهم فيكون الناس بعضهم لبعض فتنة، قال تعالى "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار". ولأن سلعة الله غالية، فهي جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لذا أراد الله سبحانه أن يبتلي المؤمنين ليحاسبوا أنفسهم ويعالجوا أمراضهم ويقوموا طريقهم ويخلصوا دينهم لله "ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض"

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء

    مرض الشهوة
    فطر الله الإنسان على حب الشهوات فقال تعالى "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث" والشهوات منها بهيمية تجعل العبد يعيش لشهوات الفرج والبطن كالبهائم، قال تعالى "يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم" محمد12، ومنها شهوات سبعية تجعله يلتهم الآخرين ويدوسهم بلا رحمة كالسباع، وهذه الأخيرة تظهر في أصحاب السلطة والنفوذ. وسبب مرض الشهوة وصول لذة الشهوات المحرمة إلى القلب عبر الحواس حتى يتعلق بها، والتعلق بالشهوات يدمر الإيمان في القلب ويدمر معرفة الله ومحبته كما تدمر الجراثيم عضوا في البدن. وفتنة النساء أشد الفتن ضررا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" متفق عليه. وإذا تحكمت فتنة النساء في القلب ضعف وتأثر بأدنى الشهوات فيزداد مرضه،لذا حرم الله خضوع المرأة بالقول لحمايته قال تعالى "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض" الأحزاب32.
    وقد ميز الله الإنسان عن سائر خلقه بالعقل، فهو ملكة التمييز والترجيح والاختيار. وهو سر التكريم والتكليف الإلهي، فإذا فقد الإنسان تمييز العقل وسيطرته على الجوارح واستغرق في إشباع غرائزه عظمت أهواؤه وثقلت فاقترب من الأرض وابتعد عن السماء، فإذا انفصل عن الله بالكلية فأخلد إلى الأرض واتبع هواه فقد شبهه الله بالكلب يلهث في تراب الأرض "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث" الأعراف175/176، وتشبيهه بالكلب يلهث في تراب الأرض سواء زجرته أو تركته لأنه صار يعيش لجسده ولإشباع شهواته سواء وعظته وذكرته بربه أو لم تعظه فلا تنفعه الموعظة.
    أعراض ومضاعفات مرض الشهوة
    مريض الشهوة يفقد رغبته وتلذذه بالعبادة كما يفقد مريض البدن شهيته للغذاء،قال عثمان بن عفان رضي الله عنه "لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله"وبغياب اللذة لا يذكر الله إلا قليلا وتزيد الجفوة بينه وبين ربه فتثقل عليه الصلاة وهي من علامات النفاق. ثم يستبدل بلذة ذكر الله ومحبته لذة اللهو والشهوات المحرمة، كمدمن الدخان الذي يتلذذ بما يدمر رئتاه، في حين ينفر المعافى من قليل الأدخنة. وبضعف القلب يتأثر بأدنى الشهوات التي لا تؤثر في القلب السليم، ثمتزداد قسوة قلبه ويتجرأ على المزيد من المعاصي ويدخل في دائرة مفرغة،وقد ينسلخ من قلبه استقباح المعاصي وتنطفئ منه الغيرة على حدود الله ومحارمه، قال ابن القيم إن القلب قد يمرض ويشتد مرضه وقد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة موته أنه لاتؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق.ومريض الشهوة إذا أدمن المعاصي سقطت عنه شهوة الحلال كماأن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث آثرته على الطيب، وبهذا تضعف رغبته في زوجته وتضعف روح المودة بينهما، وبزيادة المرض قد تسقط عنه شهوة الحرام أيضا فيواقعها بلا لذة كما قال ابن القيم.
    ومع تحكم المرض يفقد الإنسان التقوى والتحكم في نفسه لمنعها عن محارم الله، وقد يذل نفسه وتظهر عورته وضعفه أمام أقرب الناس إليه، لذا شبه الله التقوى باللباس لأنها تستر وتزين النفس كما يستر اللباس عورة البدن ويزينه، قال تعالى "يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوىذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ" الأعراف26. فالسوءة هي العورة وهي ما يتقزز الإنسان من ظهوره أمام الناس لأن في ظهوره أمام غيره هبوط به إلى مرتبة الحيوان، وقد كرمه الله وستره وزينه، فالريش هو الزينة. وعورة النفس هي آفاتها القذرة، مثل الميل الجنسي إلى من لا يحل له ولا يليق به الميل إليهم، والتقوى تمنع هذا الميل أو تمنع أثره، فيستر نفسه ولا يبدو في صورة الحيوان. قال القرطبي في هذه الآية بين الله أن التقوى خير لباس؛ كما قال الشاعر:
    إذا المرءُ لم يلبسْ ثياباً من التُّقَى تقلّب عرياناً وإن كان كاسياً
    وخيرُ لباسِ المرء طاعةُ ربه ولا خيرَ فيمن كان لله عاصياً
    وإذا تحكم المرض في القلب لدرجة أن يقع العبد في الزنا وهو محصن فقد صار علاجه صعبا لذا حكم الإسلام عليه بالرجم حتى الموت، فالرجم لتطهيره من ذنوبه، وحتى الموت لأنه لا يؤتمن على مجتمعه وأهله، فقد صارحيوانا في صورة البشر،وقد طالعتنا الجرائد يوما بقصة رجل زنى بابنتيه، وكانت إحداهن في الثانوية العامة والأخرى في كلية الآداب، فانتحرت واحدة وأبلغت الأخرى عن سبب انتحار أختها، فأي ذل وعار سببته هذه الشهوة. قال ابن القيم: إن المذنب إن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه، فيخرج عن دائرة الإسلام بالكلية.
    الموضوع القادم عنوانه:
    علاج القلب من أمراضه
    الهندسة النفسية وإعجاز المنهج الرباني

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    160

    افتراضي رد: مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء

    قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله [كما في مجموع فتاواه 3/118-119]: "الفناء يراد به ثلاثة أمور:
    1- أحدها: هو الفناء الدِّينى الشَّرعي، الذي جاءت به الرُّسل، وأُنْزِلت به الكتب، وهو أن يفنى عمَّا لم يأمر الله به، بفعل ما أمر الله به؛ فيفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكُّل على غيره بالتوكُّل عليه، وعن محبَّة ما سواه بمحبَّته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه، بحيث لا يتَّبع العبد هواه بغير هدىً من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه ممَّا سواهما، كما قال تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره). فهذا كلُّه هو مما أمر الله به ورسوله.
    2- وأمَّا الفناء الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصُّوفية، وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى؛ فيفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث قد يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى؛ فهذا حالٌ ناقص قد يعرض لبعض السالكين، وليس هو من لوازم طريق الله. ولهذا لم يعرف مثل هذا للنَّبي ، وللسابقين الأوَّلين.
    ومن جعل هذا نهاية السَّالكين فهو ضالٌّ ضلالًا مبينًا، وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطيءٌ، بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض النَّاس دون بعض، ليس هو من اللَّوازم التي تحصل لكلِّ سالك.
    3- وأمَّا الثَّالث: فهو الفناء عن وجود السِّوى؛ بحيث يرى أنَّ وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، وأنَّ الوجود واحدٌ بالعين، فهو قول أهل الإلحاد والاتِّحاد، الذين هم من أضلِّ العباد". انتهى نقل المقصود منه.
    وبالله تعالى التوفيق، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: مراتب المسلمين ومقامات الولاية والفناء

    علاج القلب من أمراضه
    الهندسة النفسية وإعجاز المنهج الرباني
    بسبب طول هذا الموضوع رأيت تقسيمه إلى جزئين:
    أهمية علاج القلب وخطر إهماله
    في دوامة الحياة قد يغفل المسلم عن ذكر الله وتلاوة القرآن، وقد يقع في المعاصي والشهوات لانتشار الفتن، فيقسو قلبه ولا يتلذذ بذكر الله وعبادته فيضعف أمام المزيد من المعاصي وهكذا. ومع ضعفه قد يلقى شياطين الإنس والجن في قلبه شبهات في دينه بسبب إهماله للعلم .. فيرى المؤمنين ضعافا يبتلون والكفار والفساق في عز زائف ينعمون، فيفقد اليقين في كمال الله وقدرته وعدله. وقد يستمر على العبادة بلا يقين، ولكنه سيبتلى ولابد ولن يثبت على الإيمان والعبادة وقد يكون في مرض الموت "ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين" الحج11. وفي غياب اليقين يصير مذبذبا بين الإيمان والكفر، إذا جلس مع المؤمنين ظهر إيمانه وإذا خلا إلى شياطينه استهزأ مع المستهزئين، فتدب شعب النفاق إلى قلبه. وقد يلجأ إلى غير الله خوفا منهم أو رجاء فيما عندهم "فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة" المائدة52. وقد يكون فيه خير، فيستغفر الله كلما أذنب، ولكنه يجد صعوبة في تغيير سلوكه، ويجد فارقا بين واقعه وبين غايته، ويمر بحالات من القلق والإحباط، فهو يعرف ربه بصفات كماله وجلاله ويشعر بالافتقار إليه ويتمنى أن يخشع قلبه لكبريائه ويسمو بروحه فوق شهواته، ولكن تغلب عليه نفسه الأمارة بالسوء ويغلب عليه حبه للراحة والشهوات فيعجز عن السيطرة والتحكم في نفسه، وتتحول رغباته إلى أماني كاذبة، ويضيع عمره بين صعود وهبوط.
    ولأن الله عليم بضعفنا لطيف بنا خبير بما يصلحنا "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" الملك14، لذا فقد شرع لنا أقصر الطرق لتغيير النفس والسلوك بأسلوب يفوق كل ما وصلت إليه أحدث العلوم التي اهتمت بتغيير السلوك مثل الهندسة النفسية أو العلاج بالإيحاء. لكن المسلم قد يجهل الحكم والأسرار الموجودة في منهج الله، فإذا أدرك من خلال هذه العلوم أنها سر راحته وهدايته ازداد استمساكا بها حتى يغير نفسه وهواه فيستريح قلبه وتنتهي حالة التشتت، وتصبح الطاعة محببة إليه، يتلذذ بذكر الله ومشاهدته وعبادته ويبغض المعصية وينفر منها قلبه، فيجد حلاوة الإيمان ويبرمج حياته على مراد الله، قال تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" الرعد11 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" صححه النووي في "الأربعين" وقال ابن حجر في "الفتح" رجاله ثقات.
    مصطلح الهندسة النفسية
    أو البرمجة اللغوية العصبية(
    NLP)
    الهندسة النفسية هي المصطلح العربي لما يطلق عليه بالإنجليزية Neuro Linguistic Programming أو NLP. والترجمة الحرفية لهذا المصطلح هي البرمجة اللغوية للجهاز العصبي أي برمجة دماغ الإنسان، وتهدف الهندسة النفسية إلى تحقيق التوازن النفسي وعلاج بعض الأمراض النفسية كالقلق والتوتر والوهم والإحباط وكذلك تهدف إلى تغيير السلوك وكسب المهارات.
    يهتم هذا العلم بدراسة ما يستقر في النفس ويؤثر في السلوك. وقد سمى الوارد إلى النفس أنماطا وقسمها إلى أنماط خارجية تصل إلى النفس عن طريق الحواس كالسمع والبصر وأنماط داخلية تصل إليها عبر الخيال أو استدعاء الذاكرة وهي الخواطر. والإنسان يتحكم في هذه الأنماط لذا فهو مسئول عما تكسبه النفس من تصورات تشكل دوافعه ورغباته وسلوكه "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا" الإسراء36. والإنسان يكسب عبر هذه الأنماط تصورات في ذهنه عن العالم من حوله، وهذه التصورات تؤثر في سلوكه بغض النظر عن حقيقة العالم الخارجي.
    والهندسة النفسية تعتمد على تغيير برمجة ما رسخ في ذهن الإنسان واستقر في عقله الباطن لتغيير سلوكه. فهو علم يتناول تصميم السلوك والتفكير والشعور وتصميم الأهداف وتصميم الطريق الموصل إلى هذه الأهداف عن طريق استبدال البرمجة المستقرة في عقله الباطن، فالعقل الباطن هو مخزن المعلومات والتصورات التي ترسخ وتستقر في مستوى عميق من النفس وتؤثر في السلوك, وهي معلومات وانطباعات لا يمكن محوها ولكن يمكن استبدالها ببرمجة أخرى.
    إن المنهج الباطل إذا استقر في أعماق النفس لا يمكن محوه ولكن يمكن استبداله بأن يحل محله المنهج الحق "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق" الأنبياء18، والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. فالمطلوب هو التحكم في الأنماط الموصلة إلى القلب والتي تؤثر في برمجة النفس والسلوك. وقد ذكر ذلك الإمام ابن القيم في كتابه "الجواب الكافي" وأوضح أن النظرة تولد الشهوة التي تغير الهوى وتؤثر في الإرادة والسلوك، كما أورد فصلا في ضبط الخطرات وقال (ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم، فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه) كذلك اهتم ابن القيم بضبط اللسان لأن لهو الحديث والكلام الباطل مع كونه يغلي بما في القلب فهو يؤثر فيه أيضا.
    جلسات العلاج بالإيحاء وحالة الألفا
    في هذه الجلسات يحاول الطبيب أن يصل بالشخص إلى حالة الألفا، وهي أقوى حالة يتواصل فيها العقل الباطن والعقل الواعي إذ يرسل المخ فيها ثمان موجات كهربية في الثانية بدلا من أربع عشرة موجة في حالة اليقظة الكاملة، فيكون العقل الباطن مهيئا لاستقبال الإيحاءات فترسخ فيه وتبرمجه. وللوصول إلى حالة الألفا يتجنب الشخص ما يشتت ذهنه، فلا أشخاص ولا أصوات ولا تليفون (أي خلوة) ولا يكون جوعانا أو عطشانا، ثم يسترخي جسده ويحدق في نقطة أعلى من مستوى النظر، ويجلس على كرسي هزاز أو يحرك رأسه يمينا ويسارا، ثم يجهد عقله كأن يعد من 100 إلى 1 مع إسقاط العدد 3 كل مرة فيقول 100- 97- 94 وهكذا، وبالتركيز والاستغراق يصل إلى حالة الألفا، وفي البداية يحتاج الإنسان إلى فترة طويلة للوصول إلى حالة الألفا ومع الوقت والتكرار يصل إليها بطريقة أسرع. ثم يبدأ الإيحاء الإيجابي، فيوحي لنفسه أو يوحي له الطبيب المعالج برسائل إيجابية مطلوب ترسيخها في العقل الباطن لبرمجته كأن يردد أنه قوي أو شجاع مثلا. وهذا العلاج يقوي القدرة على التركيز، ويزيل التوتر والقلق ويحقق الشفاء من بعض الأمراض والحالات النفسية.

    الخلوة مع الذكر تفوق العلاج بالإيحاء
    الخلوة ومواصلة ذكر الله تفوق جلسات العلاج بالإيحاء، بشرط التركيز والاستغراق في معاني الذكر حتى يتواصل العقل الباطن والواعي، ثم يستمر الذكر مع تدبر معانيه لاستشعار كمال الله وجلاله ومعيته فتحدث الإيحاءات المطلوب إيصالها إلى العقل الباطن لتحقيق البرمجة الإيجابية المطلوبة. فبدلا من إجهاد العقل بالتركيز في الأرقام يتم إجهادهبالتركيز والاستغراق في كلمات الذكر. وبدلا من الإيحاء بأنه قوي فكلمات الذكر تحدث له إيحاء بالقوة لأن الله يذكر الذاكرين ويحبهم، ويدافع عنهم، فالإنسان ليس قويا بذاته ولكن قوته مستمدة من قربه واتصاله بالملك الحق الذي لا تخفى عليه خافيه ولا شيء يعجزه. فإذا جلس العبد في خلوة وأخذ يرددكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" ويركز ويستغرق في معانيها: لا معبود بحق إلا الله، لا أحب إلا الله، لا أخاف إلا الله، لا أرجو إلا الله، فهذا يثبت توحيد الألوهية إذ يتولد في عقله الباطن عزم على أن لا يعيش إلا لله، ولا يحب ولا يخاف ولا يرجو غيره سبحانه، وبهذا يتعلم الإخلاص، كما يتعلم التركيز ويزول عنه التوتر والتشتت وكذلك يعطيه قوة نفسية عظيمة ويزول عنه الإحباط لأنه اتصل بالملك الواحد الأحد.
    وبعد أن يكتسب القوة والقدرة على التركيز يمكنه ترديد وتدبر كلمات أطول منها فيقول "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" وقد ورد في الصحيح أن من قالها في يوم مائة مرة كانت له كعتق عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة خطيئة وكانت له حرزا من الشيطان سائر يومه. وبالتركيز والاستغراق في معانيها يستشعر توحيد المعرفة والإثبات فيعرف صفات الكمال والجلال لله ويربط ذلك بألوهيته واستحقاقه للعبادة سبحانه، كما يستشعر معية الله له. ونحن لا نرى التقيد بطريقة الإعداد للوصول إلى حالة الألفا ونرى أن اتباع السنة أولى، ولكن ينبغي التركيز والاستغراق حتى يتواصل العقل الظاهر والباطن، وينبغي تدبر المعاني ليحدث الإيحاء، ويكفي أنه إيحاء بحق وليس إيحاء بباطل، فلا يحدث تعارض بين الحقيقة وبين ما يبرمج في العقل الباطن، فمعرفة الحقيقة ومعرفة صفات الله وكماله وعدله ورحمته الواسعة هي أقوى شيء يحدث في النفس التوازن والاطمئنان ويزيل التوتر والأوهام ولسنا في حاجة إلى تزييف رسائل إلى العقل الباطن،ويكفي أن الله سبحانه مع الذاكر يحبه ويحفظه ويدافع عنه ويدبر له أمره ويوفقه. وبعد الجلوس في خلوات للذكر يستطيع الإنسان مواصلة الذكر بالقلب واللسان في الطريق والعمل وفي كل أحواله.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •