من أضل ممن هو في شقاق بعيد...
ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله...
ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له...
وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا...

من أضل ممن هو في شقاق بعيد...
ﭧ ﭨ ﭽ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬفصلت: ٤٩ - ٥٢



ذلك هو اليوم الذي لا يحتاطون له , ولا يحترسون منه , مع شدة حرص الإنسان على الخير , وجزعه من الضر . . وهنا يصور لهم نفوسهم عارية من كل رداء , مكشوفة من كل ستار , عاطلة من كل تمويه: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير , وإن مسه الشر فيؤوس قنوط . ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته , ليقولن: هذا لي , وما أظن الساعة قائمة , ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى . فلننبئن الذين كفروا بما عملوا , ولنذيقنهم من عذاب غليظ . وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه , وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض). . إنه رسم دقيق صادق للنفس البشرية, التي لا تهتدي بهدى الله, فتستقيم على طريق . . رسم يصور تقلبها , وضعفها , ومراءها , وحبها للخير , وجحودها للنعمة , واغترارها بالسراء , وجزعها من الضراء . . رسم دقيق عجيب . . هذا الإنسان لا يسأم من دعاء الخير . فهو ملح فيه , مكرر له , يطلب الخير لنفسه ولا يمل طلبه . وإن مسه الشر. مجرد مس. فقد الأمل والرجاء وظن أن لا مخرج له ولا فرج , وتقطعت به الأسباب وضاق صدره وكبر همه ; ويئس من رحمة الله وقنط من رعايته . ذلك أن ثقته بربه قليلة , ورباطه به ضعيف !

وهذاالإنسان إذا أذاقه الله منه رحمة بعد ذلك الضر , استخفته النعمة فنسي الشكر ; واستطاره الرخاء فغفل عن مصدره . وقال: هذا لي . نلته باستحقاقي وهو دائم علي !ونسيالآخرة واستبعد أن تكون (وما أظن الساعة قائمة). . وانتفخ في عين نفسه فراحيتألىعلى الله , ويحسب لنفسه مقاماً عنده ليس له , وهو ينكر الآخرة فيكفر بالله .ومعهذا يظن أنه لو رجع إليه كانت له وجاهته عنده ! (ولئن رجعت إلى ربي إنلي عندهللحسنى)! وهو غرور . . عندئذ يجيء التهديد في موضعه لهذا الغرور:(فلننبئن الذين كفروا بما عملوا , ولنذيقنهم من عذاب غليظ). .

وهذا الإنسان إذا أنعم الله عليه: استعظم وطغى. وأعرض ونأى بجانبه . فأما إذا مسه الشر فيتخاذل ويتهاوى , ويصغر ويتضاءل , ويتضرع ولا يمل الضراعة . فهو ذو دعاء عريض !

أية دقة , وأي تسجيل للصغيرة في نفس الإنسان والكبيرة ! إنه خالقه الذي يصفه. خالقه الذي يعرف دروب نفسه. ويعرف أنها تظل تدور في هذه الدروب المنحنية, إلا أن تهتدي إلى الطريق المستقيم. . فتستقيم . .

وأمام هذه النفس العارية من كل رداء , المكشوفة من كل ستار , يسألهم: فماذا أنتم إذن صانعون إن كان هذا الذي تكذبون به , من عند الله , وكان هذا الوعيد حقاً ; وكنتم تعرضون أنفسكم لعاقبة التكذيب والشقاق: (قل: أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ? من أضل ممن هو في شقاق بعيد ?). . إنه احتمال يستحق الاحتياط . فماذا أخذوا لأنفسهم من وسائل الاحتياط ?! [1]

ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين...

ﭧ ﭨ ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ القصص: ٤٧ - ٥١

(ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم, فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا, فنتبع آياتك, ونكون من المؤمنين !). . كذلك كانوا سيقولون لو لم يأتهم رسول. ولو لم يكن مع هذا الرسول من الآيات ما يلزم الحجة. ولكنهم حين جاءهم الرسول , ومعه الحق الذي لا مرية فيه لم يتبعوه:

(فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا: لولا أوتي مثلما أوتي موسى ! أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ? قالوا: سحران تظاهرا, وقالوا: إنا بكل كافرون). . وهكذا لم يذعنوا للحق , واستمسكوا بالتعلات الباطلة: (قالوا: لولا أوتي مثلما أوتي موسى) إما من الخوارق المادية , وإما من الألواح التي نزلت عليه جملة , وفيها التوراة كاملة . ولكنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم , ولا مخلصين في اعتراضهم: (أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ?) ولقد كان في الجزيرة يهود , وكان معهم التوراة , فلم يؤمن لهم العرب , ولم يصدقوا بما بين أيديهم من التوراة . ولقد علموا أن صفة محمد [ ص ] مكتوبة في التوراة , واستفتوا بعض أهل الكتاب فيما جاءهم به فأفتوهم بما يفيد أنه الحق , وأنه مطابق لما بين أيديهم من الكتاب ; فلم يذعنوا لهذا كله , وادعوا أن التوراة سحر , وأن القرآن سحر , وأنهما من أجل هذا يتطابقان , ويصدق أحدهما الآخر: (قالوا: سحران تظاهرا . وقالوا: إنا بكل كافرون)! فهو المراء إذن واللجاجة , لا طلب الحق ولا نقصان البراهين , ولا ضعف الدليل. ومع هذا فهو يسير معهم خطوة أخرى في الإفحام والإحراج. يقول لهم: إن لم يكن يعجبكم القرآن , ولم تكن تعجبكم التوراة ; فإن كان عندكم من كتب الله ما هو أهدى من التوراة والقرآن فأتوا به أتبعه: (قل: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه . إن كنتم صادقين)! وهذه نهاية الإنصاف, وغاية المطاولة بالحجة, فمن لم يجنح إلى الحق بعد هذا فهو ذو الهوى المكابر, الذي لا يستند إلى دليل: (فإن لم يستجيبوا لك, فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ? إن الله لا يهدي القوم الظالمين). . إن الحق في هذا القرآن لبين ; وإن حجة هذا الدين لواضحة, فما يتخلف عنه أحد يعلمه إلا أن يكون الهوى هو الذي يصده. وإنهما لطريقان لا ثالث لهما: إما إخلاص للحق وخلوص من الهوى , وعندئذ لا بد من الإيمان والتسليم . وإما مماراة في الحق واتباع للهوى فهو التكذيب والشقاق . ولا حجة من غموض في العقيدة , أو ضعف في الحجة , أو نقص في الدليل . كما يدعي أصحاب الهوى المغرضون. (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم). . وهكذا جزما وقطعا . كلمة من الله لا راد لها ولا معقب عليها . . إن الذين لا يستجيبون لهذا الدين مغرضون غير معذورين. متجنون لا حجة لهم ولا معذرة, متبعون للهوى , معرضون عن الحق الواضح: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ?). . وهم في هذا ظالمون باغون: (إن الله لا يهدي القوم الظالمين). . (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) ). إن هذا النص ليقطع الطريق على المعتذرين بأنهم لم يفهموا عن هذا القرآن , ولم يحيطوا علما بهذا الدين . فما هو إلا أن يصل إليهم, ويعرض عليهم, حتى تقوم الحجة, وينقطع الجدل, وتسقط المعذرة. فهو بذاته واضح واضح , لا يحيد عنه إلا ذو هوى يتبع هواه , ولا يكذب به إلا متجن يظلم نفسه , ويظلم الحق البين ولا يستحق هدى الله . (إن الله لا يهدي القوم الظالمين). ولقد انقطع عذرهم بوصول الحق إليهم, وعرضه عليهم, فلم يعد لهم من حجة ولا دليل . . (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون). . [2]

ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون...

ﭧ ﭨ ﭽ
ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ الأحقاف: ١ - ٧


(حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. ما خلقنا السماوات والأرض ومابينهماإلا بالحق وأجل مسمى , والذين كفروا عما أنذروا معرضون). .هذاهو الإيقاع الأول في مطلع السورة ; وهو يلمس العلاقة بين الأحرف العربيةالتييتداولها كلامهم , والكتاب المصوغ من جنس هذه الأحرف على غير مثال من كلامالبشر , وشهادة هذه الظاهرة بأنه تنزيل من الله العزيز الحكيم . كما يلمس العلاقةبينكتاب الله المتلو المنزل من عنده , وكتاب الله المنظور المصنوع بيده . كتاب هذاالكونالذي تراه العيون , وتقرؤه القلوب .وكلاالكتابين قائم على الحق وعلى التدبير. فتنزيل الكتاب (من الله العزيزالحكيم) هو مظهر للقدرة وموضع للحكمة. وخلق السماوات والأرض وما بينهما متلبسبالحق: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق). . وبالتقدير الدقيق:(وأجل مسمى)تتحقق فيه حكمة الله من خلقه, ويتم فيه ما قدره له من غاية.وكلاالكتابين مفتوح , معروض على الأسماع والأنظار , ينطق بقدرة الله , ويشهدبحكمته , ويشي بتدبيره وتقديره , ويدل كتاب الكون على صدق الكتاب المتلو , وما فيهمنإنذار وتبشير . . (والذين كفروا عما أنذروا معرضون). . وهذا هو العجب المستنكرفيظل تلك الإشارة إلى الكتاب المنزل والكتاب المنظور !والكتابالمنزل المتلو يقرر أن الله واحد لا يتعدد , وأنه رب كل شيء , بما أنهخالقكل شيء , ومدبر كل شيء , ومقدر كل شيء . وكتاب الكون الحي ينطق بهذه الحقيقةذاتها ; فنظامه وتنسيقه وتناسقه كلها تشهد بوحدانية الصانع المقدر المدبر , الذييصنععلى علم , ويبدع على معرفة , وطابع الصنعة واحد في كل ما يصنع وما يبدع . فأنىيتخذالناس آلهة من دونه ? وماذا صنع هؤلاء الآلهة وماذا أبدعوا ? وهذا هو الكونقائمامعروضا على الأنظار والقلوب ; فماذا لهم فيه ? وأي قسم من أقسامه أنشأوه ?(قل: أرأيتم ما تدعون من دون الله ? أروني ماذا خلقوا من الأرض ? أم لهم شرك فيالسماوات ? ائتوني بكتاب من قبل هذا , أو أثارة من علم , إن كنتم صادقين). .وهذاتلقين من الله سبحانه لرسوله [ ص ] ليواجه القوم بشهادة كتاب الكون المفتوح . الكتابالذيلا يقبل الجدل والمغالطة - إلا مراء ومحالا - والذي يخاطب الفطرةبمنطقها , بما بينه وبين الفطرة من صلة ذاتية خفية , يصعب التغلب عليها ومغالطتها .

قُلْأَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَالْأَرْضِأَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِهَذَاأَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّمِمَّنيَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِالْقِيَامَةِوَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُكَانُوالَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)

(أروني ماذا خلقوا من الأرض ?). . ولن يملك إنسان أن يزعم أن تلك المعبودات - سواء كانت حجرا أم شجرا أم جنا أم ملائكة أم غيرها - قد خلقت من الأرض شيئا , أو خلقت في الأرض شيئا . إن منطق الفطرة . منطق الواقع . يصيح في وجه أي ادعاء من هذا القبيل .

(أم لهم شرك في السماوات ?). . ولن يملك إنسان كذلك أن يزعم أن لتلك المعبودات شركة في خلق السماوات أو في ملكيتها . ونظرة إلى السماوات توقع في القلب الإحساس بعظمة الخالق, والشعور بوحدانيته ; وتنفض عنه الانحرافات والترهات. . والله منزل هذا القرآن يعلم أثر النظر في الكون على قلوب البشر ومن ثم يوجههم إلى كتاب الكون ليتدبروه ويستشهدوه ويستمعوا إلى إيقاعاته المباشرة في القلوب .

ثم يأخذ الطريق على ما قد يطرأ على بعض النفوس من انحراف بعيد . فقد يصل بها هذا الانحراف إلى أن تزعم هذا الزعم أو ذاك بلا حجة ولا دليل . يأخذ عليها الطريق, فيطالبها بالحجة والدليل ; ويعلمها في الوقت ذاته طريقة الاستدلال الصحيح ; ويأخذها بالمنهج السليم في النظر والحكم والتقدير:

(ائتوني بكتاب من قبل هذا , أو أثارة من علم , إن كنتم صادقين). . فإما كتاب من عند الله صادق . وإما بقية من علم مستيقن ثابت . وكل الكتب المنزلة قبل القرآن تشهد بوحدانية الخالق المبدع المدبر المقدر ; وليس فيها من كتاب يقر خرافة الآلهة المتعددة, أو يقول بأن لها في الأرض خلقا أو في السماوات شركا ! وليس هنالك من علم ثابت يؤيد مثل ذلك الزعم المتهافت . وهكذا يواجههم القرآن بشهادة هذا الكون . وهي شهادة حاسمة جازمة . ويأخذ عليهم طريق الادعاء بلا بينة . ويعلمهم منهج البحث الصحيح . في آية واحدة قليلة الكلمات , واسعة المدى , قوية الإيقاع , حاسمة الدليل .

ثم يأخذ بهم إلى نظرة موضوعية في حقيقة هذه الآلهة المدعاة , منددا بضلالهم في اتخاذها , وهي لا تستجيب لهم , ولا تشعر بدعائهم في الدنيا ; ثم هي تخاصمهم يوم القيامة , وتنكر دعواهم في عبادتها:

(ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة, وهم عن دعائهم غافلون ? وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين). . وقد كان بعضهم يتخذ الأصنام آلهة . إما لذاتها وإما باعتبارها تماثيل للملائكة. وبعضهم يتخذ الأشجار , وبعضهم يتخذ الملائكة مباشرة أو الشيطان . . وكلها لا تستجيب لداعيها أصلا. أو لا تستجيب له استجابة نافعة. فالأحجار والأشجار لا تستجيب. والملائكة لا يستجيبون للمشركين. والشياطين لا تستجيب إلا بالوسوسة والإضلال. ثم إذا كان يوم القيامة وحشر الناس إلى ربهم , تبرأ هؤلاء وهؤلاء من عبادهم الضالين . حتى الشيطان كما جاء في سورة أخرى: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق , ووعدتكم فأخلفتكم , وما كان لي عليكم من سلطان , إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي . فلا تلوموني ولوموا أنفسكم , ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي . إني كفرت بما أشركتمون من قبل . إن الظالمين لهم عذاب أليم). .

(وَإِذَاتُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوالِلْحَقِّلَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))

وهكذايقفهم القرآن وجها لوجه أمام حقيقة دعواهم ومآلها في الدنياوالآخرة . بعدما وقفهم أمام الحقيقة الكونية التي تنكر هذه الدعوى وترفضها . وفيكلتاالحالتين تبرز الحقيقة الثابتة. حقيقة الوحدانية التي ينطق بها كتاب الوجود,وتوجبهامصلحة المشركين أنفسهم, ويلزمهم بها النظر إلى مآلهم في الدنيا والآخرة.

وإذا كان القرآن يندد بضلال من يدعون من دون الله آلهة لا يستجيبون لهم إلى يوم القيامة ; وكان هذا يعني المعبودات التاريخية التي عرفتها الجماعات البشرية عند نزول هذا القرآن, فإن النص أوسع مدلولا وأطول أمدا من ذلك الواقع التاريخي. فمن أضل ممن يدعو من دون الله أحدا في أي زمان وفي أي مكان ? وكل أحد - كائنا من كان - لا يستجيب بشيء لمن يدعوه, ولا يملك أن يستجيب. وليس هناك إلا الله فعال لما يريد . . إن الشرك ليس مقصورا على صوره الساذجة التي عرفها المشركون القدامى. فكم من مشركين يشركون مع الله ذوي سلطان, أو ذوي جاه, أو ذوي مال ; ويرجون فيهم, ويتوجهون إليهم بالدعاء. وكلهم أعجز من أن يستجيبوا لدعاتهم استجابة حقيقية. وكلهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. ودعاؤهم شرك. والرجاء فيهم شرك . . والخوف منهم شرك. ولكنه شرك خفي يزاوله الكثيرون, وهم لا يشعرون. [3]

وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا...

ﭧ ﭨ ﭽ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ الفرقان: ٤١ – ٤٤

وبعد هذا الاستعراض السريع يجيء ذكر استهزائهم برسول الله [ ص ] وقد سبقه تطاولهم على ربهم, واعتراضهم على طريقة تنزيل القرآن. وسبقه كذلك مشاهدهم المفجعة في يوم الحشر, ومصارع المكذبين أمثالهم في هذه الأرض. . كل أولئك تطييبا لقلب الرسول ] ص ] قبل ذكر استهزائهم به وتوقحهم عليه. ثم يعقب عليه بتهديدهم وتحقيرهم وتنزيلهم إلى أحط من درك الحيوان . (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا . أهذا الذي بعث الله رسولا ? إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها , وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا . أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ? أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ? إن هم إلا كالأنعام , بل هم أضل سبيلا). ولقد كان محمد [ ص ] ملء السمع والبصر بين قومه قبل بعثته. فقد كان عندهم ذا مكانة من بيته وهو من ذروة بني هاشم وهم ذروة قريش. وكان عندهم ذا مكانة من خلقه وهو الملقب بينهم بالأمين. ولقد ارتضوا حكومته بينهم في وضع الحجر الأسود قبل البعثة بزمن طويل. ويوم دعاهم على الصفا فسألهم أيصدقونه لو أخبرهم أن خيلا بسفح هذا الجبل قالوا: نعم أنت عندنا غير متهم. ولكنهم بعد البعثة وبعد أن جاءهم بهذا القرآن العظيم راحوا يهزأون به ويقولون: (أهذا الذي بعث الله رسولا ?) وهي قولة ساخرة مستنكرة . . أكان ذلك عن اقتناع منهم بأن شخصه الكريم يستحق منهم هذه السخرية , وأن ما جاءهم به يستحق منهم هذا الاستهزاء ? كلا. إنما كانت تلك خطة مدبرة من كبراء قريش للتصغير من أثر شخصيته العظيمة ومن أثر هذا القرآن الذي لا يقاوم. وكانت وسيلة من وسائل مقاومة الدعوة الجديدة التي تهددهم في مراكزهم الاجتماعية وأوضاعهم الاقتصادية , وتجردهم من الأوهام والخرافات الاعتقادية التي تقوم عليها تلك المراكز وهذه الأوضاع. ولقد كانوا يعقدون المؤتمرات لتدبير المؤامرات المحبوكة , ويتفقون فيها على مثل هذه الوسيلة وهم يعلمون كذبهم فيها عن يقين:

روى ابن إسحاق أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم - موسم الحج - فقال لهم: يا معشر قريش: إنه قد حضر هذا الموسم , وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه , وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا , فأجمعوا فيه رأيا واحدا , ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا , ويرد قولكم بعضه بعضا . قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس, فقل وأقم لنا رأيا نقول به . قال: بل أنتم فقولوا أسمع . قالوا: نقول كاهن. قال لا والله ما هو بكاهن . لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه قالوا: فنقول: إنه مجنون قال: ما هو بمجنون , لقد رأينا الجنون وعرفناه , فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . قالوا: فنقول شاعر قال: ما هو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه , فما هو بالشعر . قالوا: فنقول ساحر. قال ما هو بساحر , لقد رأينا السحار وسحرهم , فما هو بنفثهم ولا عقدهم . قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس ? قال: والله إن لقوله طلاوة , وإن أصله لعذق , وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل , وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء يقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه , وبين المرء وأخيه , وبين المرء وزوجه , وبين المرء وعشيرته . . فتفرقوا عنه بذلك . فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم , لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه , وذكروا لهم أمره .

فهذا مثل من الكيد والتدبير يشي بحيرة القوم في المؤامرات ضد رسول الله [ ص ] ومعرفتهم بحقيقته في الوقت ذاته. فما كان اتخاذهم إياه هزوا , وقولهم ساخرين: (أهذا الذي بعث الله رسولا ?) بصورة الاستغراب والاستنكار والزراية إلا طرفا من تلك المؤامرات المدبرة لا ينبعث عن حقيقة شعورية في نفوسهم , إنما يتخذ وسيلة للحط من قدره في أعين الجماهير , التي يحرص سادة قريش على استبقائها تحت وصايتهم الدينية , استبقاء للمراكز الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية التي يتمتعون بها في ظل تلك الوصاية ! شأن قريش في هذا شأن أعداء دعوات الحق ودعاتها في كل زمان وفي كل مكان .

وبينما كانوا يظهرون الهزء والاستخفاف كانت أقوالهم ذاتها تشي بمقدار ما في نفوسهم من شخصه ومن حجته ومن القرآن الذي جاء به , فيقولون: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها). .

إِنكَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَيَعْلَمُونَحِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (42) أَرَأَيْتَ مَنِاتَّخَذَإِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)

فلقد زلزل قلوبهم إذن باعترافهم حتى كادوا يتركون آلهتم وعبادتهم - على شدة حرصهم على استبقاء ديانتهم وما وراءها من مراكز ومغانم - لولا أنهم قاوموا تأثرهم به وصبروا على آلهتهم ! والصبر لا يكون إلا على المقاومة العنيفة للجاذبية العنيفة . وهم يسمون الهداية إضلالا لسوء تقديرهم للحقائق وتقويمهم للقيم. ولكنهم لا يملكون إخفاء الزلزلة التي أصابت قلوبهم من دعوة محمد [ ص ] وشخصيته والقرآن الذي معه حتى وهم يتظاهرون بالاستخفاف بشخصه ودعوته, إصرارا وعنادا. ومن ثم يعاجلهم بالتهديد المجمل الرهيب:

(وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا). .

فيعلمون إن كان ما جاءهم به هو الهدى أو أنه هو الضلال. ولكن حين لا ينفع العلم, حين يرون العذاب. سواء أكان ذلك في الدنيا كما ذاقوا يوم بدر, أم كان في الآخرة كما يذوقون يوم الحساب.

ويلتفت بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] يعزيه عن عنادهم وجموحهم واستهزائهم, فهو لم يقصر في الدعوة, ولم يقصر في الحجة, ولم يستحق ما لاقوه به من التطاول, إنما العلة فيهم أنفسهم. فهم يجعلون من هواهم إلها يعبدونه, ولا يرجعون إلى حجة أو برهان. وماذا يملك الرسول لمن يتخذ إلهه هواه:

(أرأيت من اتخذ إلهه هواه. أفأنت تكون عليه وكيلا ?). . وهو تعبير عجيب يرسم نموذجا عميقا لحالة نفسية بارزة , حين تنفلت النفس من كل المعايير الثابتة والمقاييس المعلومة , والموازين المضبوطة , وتخضع لهواها , وتحكم شهواتها وتتعبد ذاتها , فلا تخضع لميزان , ولا تعترف بحد , ولا تقتنع بمنطق , متى اعترض هواها الطاغي الذي جعلت منه إلها يعبد ويطاع . والله - سبحانه - يخاطب عبده في رفق ومودة وإيناس في أمر هذا النموذج من الناس (أرأيت ?) ويرسم له هذه الصورة الناطقة المعبرة عن ذلك النموذج الذي لا جدوى من المنطق معه , ولا وزن للحجة , ولا قيمة للحقيقة ; ليطيب خاطره من مرارة الإخفاق في هدايته . فهو غير قابل للهدى , وغير صالح لأن يتوكل الرسول بأمره , ولا أن يحفل بشأنه: (أفأنت تكون عليه وكيلا ?). .

ثم يخطو خطوة أخرى في تحقير هؤلاء الذين يتعبدون هواهم , ويحكمون شهواتهم , ويتنكرون للحجة والحقيقة , تعبدا لذواتهم وهواها وشهواتها . يخطو خطوة أخرى فيسويهم بالأنعام التي لا تسمع ولا تعقل. ثم يخطو الخطوة الأخيرة فيدحرجهم من مكانة الأنعام إلى درك أسفل و أحط:

(أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ? إن هم إلا كالأنعام. بل هم أضل سبيلا). وفي التعبير تحرز وإنصاف, إذ يذكر (أكثرهم) ولا يعمم, لأن قلة منهم كانت تجنح إلى الهدى, أو تقف عند الحقيقة تتدبرها. فأما الكثرة التي تتخذ من الهوى إلها مطاعا , والتي تتجاهل الدلائل وهي تطرق الأسماع والعقول , فهي كالأنعام . وما يفرق الإنسان من البهيمة إلا الاستعداد للتدبر والإدراك , والتكيف وفق ما يتدبر ويدرك من الحقائق عن بصيرة وقصد وإرادة واقتناع , ووقوف عند الحجة والاقتناع . بل إن الإنسان حين يتجرد من خصائصه هذه ليكونن أحط من البهيمة , لأن البهيمة تهتدي بما أودعها الله من استعداد , فتؤدي وظائفها أداء كاملا صحيحا . بينما يهمل الإنسان ما أودعه الله من خصائص , ولا ينتفع بها كما تنتفع البهيمة:

أَمْتَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّاكَالْأَنْعَامِبَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)

(إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا). . وهكذا يعقب على استهزائهم برسول الله [ ص ] ذلك التعقيب الذي يخرج المستهزئين من إطار الآدمية في عنف واحتقار ومهانة. وهكذا ينتهي الشوط الثاني في السورة . [4]

الهوامش:
[1] - سيد قطب – في ظلال القرآن
[2] - نفس المصدر السابق
[3] - نفس المصدر
[4] - سيد قطب (رحمه الله) – في ظلال القرآن.