تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 12 من 12

الموضوع: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

  1. #1
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    الحمد لله وحده
    أما بعد، يقول الدكتور عبد الكريم بكار في مقال له بعنوان: (بين المفكر والمختص):

    يزداد تشعب العلوم يوماً بعد يوم ، ويصبح الفرع فروعاً ، ويتولد من العلم الواحد علوم ، وتتفجر المعرفة نتيجة الأعداد الضخمة من المثقفين الذين يعملون في مجالات البحث العلمي ، ونتيجة الوسائل الكثيرة المتاحة لهم ، وعلى رأسها الحاسب الآلى .
    وإلى جانب هذا فإن العلم نفسه صار يفرز مشكلات جديدة ، يوصف كثر منها بأنه مصيري ، ويتقدم العلم ويزداد تشابكه مع العلوم السياسية والأخلاقية ! مما دفعنا إلى تسليط الضوء على هذه القضية .

    من هو المفكر ؟
    يمكن أن نقول بإيجاز : إن المفكر هو من يملك رؤية نقدية ينقل من خلالها تناقضات مجتمعه ومشكلاته إلى حسِّ الناس وأعصابهم ، لتصبح إحدى مفردات همومهم اليومية ، وهو بما يعرف من سنن الله تعالى في الأنفس والآفاق ، وبما يملك من رؤية شاملة فاحصة للواقع والتاريخ يتمتع بـ (حاسة الاستشعار عن بعد) ، فيرى ما لا يراه الناس ، فينذرهم ويوجههم نحو طريق الفلاح . وكثيراً ما تكون حياة المفكر قلقة ، بل قد يدفع حياته ثمناً لما يحمل من فكر ، إذ أن المفكر كثيراً ما يكون سابقاً لمعاصريه ، وهذا يجعل إدراك أبعاد ما يقول غير متيسر لأكثرهم ، كما أن ما يحدثه من استبصار في مشكلات أمته يتعارض مع مصالح فئات في المجتمع ، تقتات من وراء وجود تلك المشكلات ، مما يثيرها عليه ، ويجعله هدفاً لها . وقد يكون المفكر متخصصاً في أحد فروع العلم ، وقد لا يكون . وقليل أولئك الذين يتقنون تخصصاً ما ثم تكون لهم رؤية مجتمعية شاملة .

    أما المختص فإنه يكون - في الغالب - متبحراً في علم من العلوم التطبيقية أو الإنسانية ، فهو لا يصدر عنه إلا ليعود إليه ، وكثيرًا ما يكون المختص فاقداً للوعي الاجتماعي ، إذ إن التخصصات في حالة من التوسع المستمر ، كما أن مشكلاتها في تزايد مستمر ، ومهما بذل المرء من جهد بغية إتقان تخصصه وجد أن التراكم المعرفي يبعده عن غايته تلك ، وهذا يقتضي منه المزيد من الانهماك فيه ، والمزيد من البعد عن مشاكل الحياة اليومية ، وبالتالي فهو يبتعد باستمرار عن الرؤية الشاملة .

    وحياة المختص - في الغالب - أقرب إلى السلامة والاستقرار ، لأن الفئات التي تنزعج من المفكرين تتخذ من الاختصاصيين وسائل تساندها - ولو بصورة سلبية - في الوصول إلى مصالحها .
    ويمكن أن يقال : إن المختص يشبه طبيباً في قافلة كبيرة ، فهو لا يعرف الكثير عن أهداف المسيرة أو محطات التوقف ، إذ إن معالجة الأعداد الكبيرة من المرضى تستغرق كل وقته ، أما المفكر فهو قائد القافلة الذي عنده معرفة تامة بكل المشكلات الكبرى التي تواجه القافلة ، كما أن مخطط السير واضح لديه تماماً ، وهذا في الغالب يجعله لا يتمكن من معرفة التفاصيل الدقيقة لكل شؤون الرحلة ، ولماذا يهتم بذلك وهناك المختصون الذين يعملون على علاجها وتسييرها .

    التخصص ومشكلاته :
    يجب القول ابتداء أن مجالات التخصص آخذة في التفرغ يوماً بعد يوم ، والباحثون يشعرون بضيق المجالات التي يعملون فيها وميلها إلى شدة التخصص ، وهذه الحال نفسها هي التي أدت إلى التراكم المعرفي الضخم الذي نراه اليوم ، حتى إن بعض المولعين بالإحصاء يقولون : إن المعرفة تتضاعف فيما بين كل عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة ، وهذا كله ما كان ممكناً لولا التخصص الدقيق والدقيق جداً ، لأنه وحده الذي يسعف في رفع سقف المعرفة ، وهو وحده الذي أدى إلى وجود كل هذه الإنجازات التي نراها . والذين يحاولون إظهار أنهم على معرفة موسوعية يعرضون - في الغالب - معلومات ناقصة أو مزيفة ؛ لأن زمان المعرفة الموسوعية قد انتهى .
    ولكن لابد هنا من القول : إن ما تم من إنجاز علمي ، وبذل في سبيله الغالي والنفيس ، إنما وجد من أجل خدمة الإنسان وتحقيق سعادته ، وعلى المختصين أن يتأكدوا من أن تلك الإنجازات حققت أهدافها ، وظلت في مأمن من أن تستخدم لتدمير إنسانية الإنسان ، بل وجوده كله ! !

    ولنضرب لذلك مثالاً واحداً نجلو به ما نرمي إليه .
    فقد كان من المعروف قبل الحرب العالمية الثانية أن العلماء الألمان قطعوا شوطاً بعيداً في محاولة استغلال المعرفة النظرية المتعلقة بالتركيب الداخلي للذرة ، وكان من المسلم به أن هذه المحاولات ستسير في المجال العسكري ، وكان هناك خوف من أن تستغل الطاقة الهائلة التي تتولد عن انشطار الذرة في تدمير الإنسان على يد هتلر الزعيم النازي ، ومن ثم فإن مجموعة من العلماء الفارين من جحيم النازية إلى أمريكا طلبوا من الرئيس (روزفلت) رئيس أمريكا آنذاك تخصيص الأموال والوسائل اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية قبل أن يتمكن العلماء الألمان من صنعها وجعلها في يد حاكم مثل هتلر يستخدمها في فرض قيم معادية للإنسانية ، وكان في ظنهم أن حيازة أمريكا لها سوف يردع هتلر - فيما لو امتلكها - عن استخدامها . وتم ذلك في مدة قصيرة حين أجريت أول تجربة ذرية في عام 1945 في صحراء نيفادا ، ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى ألقيت أول قنبلة على (هيروشيما) في اليابان في الثامن من آب عام 1945 ، وأعقبتها بعد أيام قنبلة أخرى على (نغازاكي) مما عجل بالاستسلام النهائي لليابان .

    وقد كان من رأي العلماء الذين اخترعوا القنبلة الذرية أن تجرى تجربة دولية أمام مندوبين من مختلف بلاد العالم لإطلاعهم على مدى القوة التدميرية للقنبلة ، ويطلب من اليابان أن تستسلم على هذا الأساس ، ولكن الحاكم السياسي لأمريكا آنذاك ، وهو الرئيس (ترومان) كان له رأي آخر .
    وتكفيراً عن الذنب أمضى كثير من أولئك - ومنهم أينشتين - بقية عمرهم في الدعوة إلى السلام . ومن العسير على العلماء اليوم أن يتحكموا في كيفية استخدام علومهم وتطبيقاتها حيث إن الشركات والمؤسسات الكبرى هي التي تنفق على أبحاث العلماء في الغرب ، كما أن الدولة في المعسكر الشرقي ترعى العلماء وتنفق عليهم ، مما يجعل إسقاط حقهم في التحكم فيها أمراً مسلماً به مسبقاً .
    ولا تقف مشكلات التخصص المغلق عند هذا الحد ، فقد وجد مثلاً أن بعض الأمم تولي ثقة للمختصين والفنيين ، وربما يحثونهم على القيام بتشكيل حكومة تسمى بالحكومة (التكنوقراطية) ، أي حكومة الاختصاصيين ، وقد خيب هؤلاء الآمال في كثير من الأحيان ، لأنه ثبت أنهم ينظرون إلى المشكلات الكبرى بمنظور أضيق مما هو مطلوب ؛ لأن مهنتهم وتخصصهم الدقيق يغلب عليهم ، ومن ثم فإنهم عاجزون عن تأمل الأمور من منظور شامل . ومن هنا فإن المجتمع كثيراً ما يلجأ إلى السياسيين والشخصيات العامة لإصلاح ما أفسده المختصون .
    إن في المجتمع حوارات داخلية غامضة ، لا يقف عليها إلا من خالط الناس في شرائحهم العديدة ، ومن ثم يعجز غالباً المختصون عن قيادتهم وتحسس مشكلاتهم .

    وقد عزلت التخصصات المغلقة أصحابها عن طبيعتهم الإنسانية حين تحول العلم على أيديهم إلى مجموعة من الإجراءات التي تقتضي تدريباً وتعليماً مكثفاً ، ومن ثم فإن المختص يتباعد تدريجياً عن رؤية الصورة الكلية للحياة ، كما أن العلم وفق هذا المنهج يفقد وظيفة من أهم وظائفه ، وهي فقه الذات والعودة إليها واستكناه أغوارها ] وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [ [الذاريات : 21] . ومن ثم فقد برز اتجاه يدعو إلى ضرورة خروج العالم من تخصصه إلى تخصصات أخرى قريبة منه تتكامل معه وتثريه ، كما نشأت دعوات للعلماء التطبيقيين أن يقرءوا في الدراسات الإنسانية ، وأن يعايشوا المشكلات اليومية لمجتمعاتهم - ولو بمقدار - حتى يحدث التوازن في ثقافاتهم وشخصياتهم المجتمعية .
    وهذه المشكلات هي مشكلات الباحث في العالم المتقدم مادياً ، أما المختصون عندنا فلهم إلى جانب هذه المشكلات مشكلات أخرى من نوع آخر ، حيث إن الباحثين في ميادين العلوم التطبيقية مازالوا إلى هذه اللحظة عند العلوم ، أما التطبيق فإن الأوضاع في العالم الإسلامي لا تساعد على التطبيق الصحيح ، ولذلك فإن من استطاع من الباحثين الهجرة إلى الغرب هاجر ، ليجد هناك المجال الرحب لتطبيق النظريات التي توصل إليها ، وليضاف إنتاجه بعد ذلك للحضارة الغربية ، ومن لم يستطع الهجرة توقف النمو العلمي لديه ، ثم تراجع ؛ لأن العلم لا ينمو إلا بالتجربة والتطبيق .
    أما الباحثون في ميادين العلوم الإنسانية عامة فلهم مشكلة من نوع آخر ، حيث إن عدم تنظيم المعرفة لدينا بالشكل المناسب وانعدام التواصل بين الباحثين جعل كثيراً منا يجاهد في غير عدو ، وذلك لأن البناء المعرفي أشبه شيء ببناء ذي طوابق ، مع فارق واحد هو أن العلماء كلما انتهوا من بناء طابق معرفي انتقلوا إليه وتركوا ما تحته فارغاً ليشكل أساس البناء ومنطلقاته ، وهذا هو التراكم المعرفي .
    والمشكلة أن كثيراً من الباحثين لدينا يرفضون الانتقال من الطابق الأول إلى ما فوقه ، إما لعدم إدراكهم لضرورة الانتقال ، وإما لعجزهم عنه ، وإما لعدم معرفتهم أن هناك طوابق أخرى فوقهم . وهذا ما نعنيه عند القول : إن المعرفة عند كثير من
    باحثينا تفقد صفة التراكم اليوم .
    إن كثيراً ممن يملك أفضل العقول لدينا مشغولون بنشر كتب تراثية أو كتابة بحوث كتب خير منها من أكثر من قرن من الزمان ، وقد يعمل الواحد من سنوات في تحقيق كتاب مخطوط نقله مؤلفه عن كتاب مطبوع بين أيدينا ، فما الحاجة إلى تكرار غير مفيد ! ! إن ما ينبغي العمل فيه في ميادين العلوم الإنسانية هو كل ما يمثل إضافة للذات ، أو يساعد في حل مشكلة واقعة أو متوقعة ، وما عدا ذلك فهو هدر لطاقات الأمة بأمس الحاجة إليها .
    ولا يقف الأمر عند هذا ، بل يتجاوزه إلى أن بعض المختصين يفني عمره في حفظ مسائل وقراءة أبواب لا يحتاج إليها الواقع المسلم في شيء ، ولو أنه التفت إلى واقعه ، ثم أعمل النظر فيما يحتاج إليه ذلك الواقع ، من فقه ، وفهم ، وتفجير للنصوص ، وقراءة للتاريخ ، لاستطاع عمل الكثير لهذه الأمة .
    ومن هنا يرى بعض المفكرين أنه لا يمكن تنمية فقه الأولويات ، وفقه الموازنات في وضع حضاري شديد التعقيد ، إلا إذا امتلك المختصون رؤية شاملة ، وعرفوا مواضع أقدامهم ، من خلال معرفة الواقع المعاش والواقع التاريخي ، ومن خلال الانفتاح على الأنشطة الحياتية المختلفة
    وقد كتبتُ تعقيبا على هذا المقال في هذا الرابط:
    http://osolyon.com/vb/showpost.php?p=20153&postcount=4
    فرأيت أن أنقله إلى هنا للفائدة.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  2. #2
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي رد: الرد على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    وتعقيبا أقول:
    يبدأ الدكتور وفقه الله بأن يحرر لنا تعريف ما يسميه (بالمفكر)، فيقول:
    من هو المفكر ؟
    يمكن أن نقول بإيجاز : إن المفكر هو من يملك رؤية نقدية ينقل من خلالها تناقضات مجتمعه ومشكلاته إلى حسِّ الناس وأعصابهم ، لتصبح إحدى مفردات همومهم اليومية ، وهو بما يعرف من سنن الله تعالى في الأنفس والآفاق ، وبما يملك من رؤية شاملة فاحصة للواقع والتاريخ يتمتع بـ (حاسة الاستشعار عن بعد) ، فيرى ما لا يراه الناس ، فينذرهم ويوجههم نحو طريق الفلاح
    وأقول إن هذا التعريف ليس جامعا ولا مانعا، بل أراه (مائعا) إن صحت العبارة.
    فإنه على هذا الوصف = كل عامي من عوام الناس أمسك قلما ورأى نفسه ذا عقل ناقد قد تولدت فيه "أفكار"، ينفك بها عن التقيد بتخصص محدد قد تحققت فيه شرائط الاشتغال به، فإنه يستجيز لنفسه أن يتسمى (بالمفكر)!! ونحن نرى ذلك واقعا تضج به الصحف والمجلات ودور النشر في زماننا هذا ولا يخفى على أحد!
    يقول: المفكر هو من يملك رؤية نقدية! وهل بقي أحد من الناس في زماننا هذا لا يملك "رؤية نقدية"، ولم يؤسس لنفسه رأيا في كل صغيرة وكبيرة من دقائق القضايا الكبرى التي تعرض على مسامع الناس ليل نهار في وسائل الإعلام؟؟؟
    عندما يقول الدكتور بكار: "تناقضات مجتمعه"، ينسب إلى (المفكر) الإلمام بها وأهلية الكلام فيها، فأي جنس من أجناس التناقضات يقصد؟ إن كان يقصد التناقضات الفكرية والفلسفية فيقينا ليس كل (مفكر) - أيا كان اختصاصه - مؤهلا لأن ينظر فيها فيقرر الحق من الباطل بالدليل العلمي المعتبر! فما أهلية من يقول أنا (مفكر)، ثم يذهب ينظر ويحلل ويقيس ويقارن ويناقش ويجادل ويستدل في تلك المضايق؟ ومن أين تلقى تلك الرؤية الشاملة الفاحصة للواقع (والتاريخ) وكيف تأهل بها؟؟ وما الذي جعله يرى ما لا يراه الناس، مع أن أكثر الناس يدَّعون ذلك لأنفسهم كما نرى!! فبأي علم زعم (المفكر) لنفسه أنه إن وجه الناس فإنما يوجههم إلى "طريق الفلاح"؟؟؟
    على هذا الحد الذي حرره الدكتور عفا الله عنه = كل الناس مفكرون!!
    وهذا ما أفرزته لنا ثقافة الصحافة والإعلام المفتوح وحرية الكلمة والنشر، فقد صار كل من أمسك قلما وقال إني من المفكرين = له صوت مسموع وجمهور يتابعونه ويحملونه على الأعناق، وصار يرى نفسه أهلا لأن ينزع كلمة قرأها في كتاب في علم النفس يجمعها إلى أخرى من كتاب في علم الاجتماع إلى ثالثة وقف عليها في كتاب من كتب علماء الشرع، إلى أخرى سمعها في إحدى الفضائيات في نشرة للأخبار، ثم يضرب ذلك كله في خلاط رأسه ويأتيكم بما عنده من (فكر)، لأنه يرى أنه قد استجمع هذه الأمور التي حررها الدكتور بكار في (حدّ المفكر)!!! فمن يمنع مثل هذا (المفكر) من الخوض فيما لا يحسن، ومن يقول له اخسأ ولا تعدُ قدرك، فلست مؤهلا للكلام في كذا وكذا؟؟


    يقول الدكتور:
    أما المختص فإنه يكون - في الغالب - متبحراً في علم من العلوم التطبيقية أو الإنسانية ، فهو لا يصدر عنه إلا ليعود إليه ، وكثيرًا ما يكون المختص فاقداً للوعي الاجتماعي ، إذ إن التخصصات في حالة من التوسع المستمر ، كما أن مشكلاتها في تزايد مستمر ، ومهما بذل المرء من جهد بغية إتقان تخصصه وجد أن التراكم المعرفي يبعده عن غايته تلك ، وهذا يقتضي منه المزيد من الانهماك فيه ، والمزيد من البعد عن مشاكل الحياة اليومية ، وبالتالي فهو يبتعد باستمرار عن الرؤية الشاملة .
    قلت هذا الكلام فيه نظر. فإن التبحر في العلوم الفرعية الدقيقة لا يلزم منه هذا الذي ذكره الدكتور. ولا يصح أن يقال إن الباحث فيها لا يصدر عنها إلا ليعود إليها، بمثل هذا الإطلاق! فإن العلوم منازل ودرجات، تختلف طبيعة مباحثها باختلاف مادتها المعرفية ومقاصدها العلمية! فقول القائل بمثل هذا الإطلاق إن المختص كثيرا ما يكون فاقدا للوعي الاجتماعي هذا قول مجمل لا يصح! فإنه ما من إنسان إلا وهو – على التحقيق – مختص في مجال من مجالات الاختصاص المعرفي والعملي لا محالة، وإن لم يكن بالضرورة باحثا أكاديميا فيها! ولا يعني التوسع المستمر لتلك التخصصات أن يفقد (المختص) – هكذا – الوعي الاجتماعي – هكذا – كما يقرر الدكتور! ينبغي أولا أن نكون على دراية بمراد الدكتور من لفظة (وعي اجتماعي) وعلى دراية بطبيعة التخصصات التي يظن أنها تؤدي كثرة التشعبات فيها إلى هذا الأثر على المختصين فيها، حتى ننظر فيما إذا كان له الحق في إطلاق هذه الأحكام الكلية أم لا، ثم ننظر فيما إذا كان له أن يعمم تلك التعميمات على كل – أو أكثر – من يمكن وصفهم بالمختصين أم لا!!
    التراكم المعرفي لا يطمس على بصيرة المختص إلا إن كان ذلك المختص لا يدري بأي وجهة يتوجه ولا على أي أساس فلسفي كلي يتحرك، ولا بأي شريعة يتقيد، فإنه لا يكون – بحسب طبيعة اختصاصه - إلا باحثا في مسألة فرعية دقيقة لا يراد منه إلا أن يكون علمه هذا أداة في يد مختص في مجال آخر من المجالات الكلية، يوجهها لخدمة الغايات الكلية التي لا تتقرر عند الأول من مجرد اشتغاله باختصاصه الفرعي الدقيق!! إن القضية التي نحن بصددها هنا أدق وأخطر مما يقرره الدكتور في هذا الكلام! القضية قضية توجيه لغايات البحث العلمي نفسه! فإن العلوم والمعارف الإنسانية ليست إلا أدوات معرفية توجهها فلسفة أخلاقية لإصابة المقاصد المعرفية التي تمليها تلك الفلسفة الأخلاقية! فقد تتوجه وفق فلسفة علمانية محضة تسعى – باستخدام تلك الأدوات - لتقرير وإثبات مفردات تلك الفلسفة وتحويلها إلى حقائق علمية معرفية تنتظم في سلكها مباحث تلك العلوم الدقيقة جميعا! وهذا واقع مرير نراه – على درجات متفاوتة - في شتى الجامعات المختصة في العلوم الإنسانية في بلاد المسلمين! فالقضية تتمثل في الحقيقة في مدى إدراك المختصين لمرجعيتهم الكبرى في توجيه مقاصدهم وأهدافهم، ومدى احترامهم هم لأهل الاختصاص في تلك المرجعية العلمية نفسها! فعلى سبيل المثال، ترى من علماء الاجتماع في بلادنا من يتصور أن علاج مشكلات الأمة وإصلاحها إنما يُطلب من علم الاجتماع ومباحث علم الاجتماع! فهذا رجل مختص في علم من العلوم الإنسانية، ولكنه يجهل أبجديات شريعة رب العالمين، ومن ثم فهو يغلو في صنعته تلك ويحسب أن فيها سبيل صلاح المجتمع! فلم تكن مشكلته أنه غرق في الاختصاص وتوسع فيه وتبحر فيه كما نفهم من كلام الدكتور، فغابت عنه النظرة الشمولية التي ينبغي أن يتحلى بها (المفكر)! وإنما كانت مشكلته أنه جهل الأصل الفلسفي الكلي الذي يجب أن تتوجه به غايات ومقاصد مباحث ذلك العلم الذي تخصص فيه، بما يجعل هذا العلم مسخرا لخدمة المجتمع وإصلاحه، لا لهدمه وإفساده! وهذا الأصل الفلسفي لا يستمد من داخل علم الاجتماع نفسه، فإن الحكم الأخلاقي ليس داخلا تحت صنعة علماء الاجتماع، وإنما مرد ذلك إلى شريعة رب العالمين، التي يلزم أن يحقق هذا الباحث لنفسه الحد الأدنى من العلم الواجب عليه منها! ثم هو بعد ذلك ينظر فيما حوله من تخصصات فرعية دقيقة وفي المداخل التي تدخل منها مباحث تلك التخصصات إلى القضايا التي يتناول دراستها في اختصاصه، كلية كانت أو فرعية، ليربطها معرفيا بما بين يديه ويفيد منها، متأطرا في ذلك كله بهذا الإطار "الفلسفي" الكلي الذي لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتجاوزه بحال من الأحوال!

    فعندما يقول الدكتور (مشاكل الحياة اليومية)، فإن هذه الكلمة المطاطة تتنازعها مئات التخصصات المعرفية! فهناك مشاكل توصف بأنها نفسية وأخرى توصف بأنها اجتماعية وأخرى توصف بأنها أخلاقية وأخرى توصف بأنها اقتصادية أو سياسية، الخ! فكل فئة منها يرد العلم بها إلى أهله، ولا يرام الحكم فيها إلا من أهل الاختصاص فيه، من بعد الاحتكام إلى شريعة رب العالمين! فإن لم تكن تلك الرؤية الشمولية التي يدندن حولها الدكتور، مآل الحكم فيها في النهاية بين أيدي المختصين في الشريعة وعلومها، فمن ذا الذي يحق له بناؤها والتنظير فيها من دونهم ؟؟؟

    أما ما يذكره الدكتور من مفارقة بين المختص والمفكر بوصف الأول أنه مستقر والآخر بأنه على خطر دائم لأنه جريء و(ثوري)، كما في قوله:
    وحياة المختص - في الغالب - أقرب إلى السلامة والاستقرار ، لأن الفئات التي تنزعج من المفكرين تتخذ من الاختصاصيين وسائل تساندها - ولو بصورة سلبية - في الوصول إلى مصالحها
    قلت هذا الكلام ليس بصحيح أيضا وإطلاقاته لا تستقيم! فإن كل مختص معرض لأن يبتليه الله تعالى بمن يريدون توجيه أبحاثه في اختصاصه إلى وجهة باطلة، خدمة لمصالحهم ومطامعهم غير المشروعة، فإن هو أبى هذا على نفسه وتمسك بما علم من الحق فليس هذا لأنه كان "مفكرا" يتمتع بما يختص به المفكر من (استقلالية فكرية) أو مزايا وسمات و"رؤية شمولية"، وإنما لأنه – بكل بساطة – عرف الحق من الباطل ورجع في طلبه إلى المصدر الصحيح لتلقيه، فانضبط حكمه بضوابطه، فكان أن ابتلاه الله بمعاداة من يخالفونه ممن يشير إليهم الدكتور! أما أن يجعل "المفكر" محمودا لمجرد كونه (جريئا) و(ثوريا) فليس هذا بما يحمد عليه الناس ما لم ينضبط بضوابط الشرع المطهر، لا سيما في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!

    وتأمل قول الدكتور:
    ويمكن أن يقال : إن المختص يشبه طبيباً في قافلة كبيرة ، فهو لا يعرف الكثير عن أهداف المسيرة أو محطات التوقف ، إذ إن معالجة الأعداد الكبيرة من المرضى تستغرق كل وقته ، أما المفكر فهو قائد القافلة الذي عنده معرفة تامة بكل المشكلات الكبرى التي تواجه القافلة ، كما أن مخطط السير واضح لديه تماماً ، وهذا في الغالب يجعله لا يتمكن من معرفة التفاصيل الدقيقة لكل شؤون الرحلة ، ولماذا يهتم بذلك وهناك المختصون الذين يعملون على علاجها وتسييرها .
    قلت هذا التشبيه يتضح منه حقيقة الإشكال في كلام الدكتور! فإن هذا الوصف – بتمامه – هو ما نصف به العالم الشرعي المنوط به التوجيه الكلي لسائر فئات العاملين في المجتمع! وهو – أي العالم الشرعي - ليس مطالبا بالإلمام بسائر تفاصيل تلك الصناعات الدقيقة، ولكنه مطالب بالإلمام بما يلزمه العلم به للحكم على الوجهة الصحيحة التي ينبغي أن يوجه إليها هؤلاء المختصون في مسيرتهم الشاملة! فهذا – بالضبط – هو اختصاص علماء الشرع يا دكتور وليس (المفكرين)، أصحاب تلك الصنعة الجديدة التي لا زمام لها ولا خطام!!
    وعندما يضرب الدكتور مثالا بشأن ما صنعه علماء الفيزياء الألمان والأمريكان من جريمة في هيروشيما ونجازاكي في الحرب العالمية الثانية في تطبيقهم لما توصلوا إليه من تقنيات الانشطار الذري، فلا أملك إلا أن أتساءل: هل يريد أن يقنعنا بأن المفكر – على وفق تعريفه له – هو المنوط به التوجيه الأخلاقي في أمثال هذه القضية الكبرى الخطيرة؟؟؟ كلا والله! إنما مرجع الحكم الأخلاقي فيها وفي غيرها إلى الكتاب والسنة وإلى علماء الشريعة! فلو كان ترومان هذا مسلما موحدا واستشار أهل الحل والعقد من علماء المسلمين لأنزلوه على حكم الله ورسوله في مثل هذا، ولتوجه سائر علماء الفيزياء والفلك وغيرهم بناء على ذلك، ولو كان هؤلاء العلماء موحدين يعلمون إلى أي مرجعية يرجعون في الحكم الأخلاقي لما انتهى بعضهم إلى دعم قضايا باطلة خاسرة يظن أنها من (حقوق الإنسان) وأنها من الخير الذي يكفر به عما يرى أنه اقترفه من الشر، ولما انتهى بعضهم إلى قتل نفسه ندما على صنع القنبلة الذرية!!!
    فأي "مفكر" هذا الذي يرى الدكتور أنه المنوط بقيادة أمثال هذه القرارات والأحكام، يعرفه بهذا التعريف الهزيل الذي قرأناه في مطلع المقال؟؟
    إن فشل حكومات التكنوقراط ليس سببه تولية القرارات السيادية للمختصين بهذا الإطلاق الذي يقرره الدكتور، وإنما سببه تولية الأمور لغير أهلها من المختصين!! فإن المختص في الفيزياء يقينا لا يملك القدرة على اتخاذ قرار إداري سليم ما لم يكن مؤهلا لذلك! والشريعة عندنا تميز بين ولي الأمر (القائد السياسي) وأولي الحل والعقد من المستشارين المختصين الذين يلجأ إليهم وينزل على مشروتهم في سائر الأمور المتعلقة بتخصصاتهم!! فما الذي أدخلنا الآن إلى الكلام في حكومات التكنوقراط ونحوها؟؟؟

    ويقول الدكتور:
    إن في المجتمع حوارات داخلية غامضة ، لا يقف عليها إلا من خالط الناس في شرائحهم العديدة ، ومن ثم يعجز غالباً المختصون عن قيادتهم وتحسس مشكلاتهم.
    وأقول هذا التعميم باطل، فإن المختصين ليسوا على اختصاص واحد وليست مادة اختصاصهم واحدة!! ألا ترى ما يسمى بالأخصائي النفساني والاجتماعي ينزل إلى الناس ويضطر أحيانا للانتقال للسكن وسط بيئة المبحوثين حتى يتعرف عليهم وعلى ما يقولون وما يجري فيما بينهم (بصرف النظر عن حكم ذلك الفعل في الشرع وما يحتف به من مرجحات شرعية في كل حالة بحسبها)؟؟ أليس هذا رجلا متخصصا؟؟ بلى! هذا تخصصه الذي يحسنه، ولم يطلب منه أحد أن يكون هو نفسه من يقود الناس ويوجههم ويضع الحلول للتعامل مع ما أخبرتنا أبحاثه بأنه يجري من الحراك الداخلي فيما بين الناس! فهذا تخصص آخر له من يحسنونه وهم مؤهلون للحكم فيه!!

    أما ما يثيره الدكتور من قضية تأثر المتخصص بالغرق فيما يدرس ومن ثم غفلته عن نفسه وما يعتورها من قسوة للقلب ونحوها، فهذا ولا شك أمر مطروح والبحث فيه مبذول عند علماء الشريعة يطلب من مظانه، ولا يقال إن مجرد هذه الإشكالية مؤداها عجز المختص عن النظر الشمولي، بهذا الإطلاق غير المنضبط!! ولا يقال كما يقول الدكتور إن هذا هو السبب في بروز الدعوة إلى أن يخرج المختص عن دائرة اختصاصه إلى اختصاصات أخرى!

    أما قول الدكتور وفقه الله:
    إن كثيراً ممن يملك أفضل العقول لدينا مشغولون بنشر كتب تراثية أو كتابة بحوث كتب خير منها من أكثر من قرن من الزمان ، وقد يعمل الواحد من سنوات في تحقيق كتاب مخطوط نقله مؤلفه عن كتاب مطبوع بين أيدينا ، فما الحاجة إلى تكرار غير مفيد ! !
    فلا يعجبني ولا أرتضيه من مثله، ففيه عدوان واضح على بعض التخصصات التي لا غنية للأمة المسلمة عنها، وهي التخصصات المشتغلة بصيانة التراث الإسلامي وحفظه! وأنا أسأله: ما الذي يضيرك يا دكتور في أن ينقطع لهذا العمل قوم نبهاء ونوابغ من الأمة؟ ومن الذي قال إن انصراف هؤلاء الأفاضل إلى هذه الصناعة النبيلة يلزم منه تفويت الفروض الكفائية في غيرها من العلوم والتخصصات التي لا ننكر ما قررته من أنها تحتاج إلى عناية واهتمام وجهد وافر؟؟؟ لا يحسن بأمثال الدكتور بكار أن يقرروا تلك الدعوى الباطلة التي لا يفرح بها إلا بنو علمان، والله المستعان!!!
    المشكلة ليست في انصراف كثير من النبهاء إلى علوم تحقيق التراث، وإنما في افتقار الأمة إلى سلطة واعية تدري أهمية العلم – باختلاف تخصصاته ومجالاته – وتوجه المسلمين إلى استكمال ما ينقص في مختلف التخصصات لتحقيق الانتفاع بما تراكم في جامعاتنا من أبحاث لا يوجهها – غالبا - إلا هوى الباحث وميوله الشخصية في اختيار مادتها وموضعها!! وظهور هذه السلطة الراشدة لن يتحقق لنا إلا بصلاح المجتمع نفسه الذي منه تخرج السلطات والقيادات ابتداء!! فآل الأمر في النهاية إلى المشتغلين بالكتاب والسنة وبدعوة المسلمين وإصلاحهم، فتأمل يا دكتور!!

    ولا ينقضي عجبي في الحقيقة من قول الدكتور:
    ثم أعمل النظر فيما يحتاج إليه ذلك الواقع ، من فقه ، وفهم ، وتفجير للنصوص
    قلت: تفجير للنصوص؟ أي شيء هذا وكيف يكون، وعلى أي اصطلاح يجري؟
    سبحان الله!

    وفي الختام أقول:
    هذا الطرح الذي يحاول الدكتور بكار تناوله وتنبيهنا إليه، هو في الحقيقة من إشكاليات فلسفة المعرفة المعاصرة Epistemology التي ينبغي أن يلتفت إليها الأصوليون وعلماء الشريعة في زماننا، بالنظر إلى كون أصول الفقه (المنضبط ابتداء بضوابط أهل السنة في الاعتقاد والنظر) = العلم الرئيس الذي ينبغي أن يأتي على رأس منظومة المعارف البشرية عند المسلمين، فتؤخذ منه كليات النظر والتوجيه والحكم على ما يجري في شتى التخصصات والشعاب العلمية الفرعية الدينية منها والدنيوية، من مباحث وغايات ومقاصد بحثية! ولا شك أن طبيعة العلاقة بين علم أصول الفقه وفلسفة المعرفة الغربية لا تزال تحتاج من الأصوليين إلى كثير من التحرير والدراسة والتنظير، وتتطلب قدرا واسعا من الإلمام بأصول المعارف الفلسفية التي تتشعب منها تلك المعارف، لا سيما العلوم الإنسانية المعاصرة، وهذا أمر تتفاوت فيه مقادير العلماء بحسب ما يتصدى له كل منهم من قضايا تحتاج إلى دراسة للوصول إلى حكم الشارع فيها، وإن كان الغالب في ذلك الاشتغال بالفرعيات الفقهية والجزئيات دون القضايا المعرفية الكلية.. فكان أن نظر بعض الناس إلى تلك المعارف وإلى افتقار الأمة إلى تأصيل كلي واضح في كيفية التعاطي معها، فراح العلمانيون منهم يزعمون أن الدين يفتقر إلى قول فصل فيها، ومن جانب آخر، عمد آخرون إلى الكلام عن تخصص جديد لا معالم له ولا حدود ولا شرائط، فلا هو من أهل التأصيل الشرعي بالضرورة ولا هو من أهل الاختصاص في أي من تلك المعارف ولابد، وإنما هو رجل "له عقل ناقد وله كذا وكذا" مما يصف الدكتور بكار ههنا، انتصب للنظر الكلي الشمولي في تلك القضايا الدقيقة الخطيرة، وأصبح بذلك موصوفا بأنه (مفكر)!!!

    فهذا – مع وافر الاحترام للدكتور بكار – مدخل شديد السطحية وشديد الخطورة للتعاطي مع تلك القضية المعرفية الخطيرة!
    لا يسعنا أن ننكر أن كثرة التخصصات الدقيقة في زماننا كثيرا ما تؤدي بالمشتغلين بها إلى الغفلة عما تدور به رحا البحث العلمي في ذات القضايا التي يشترك فيها أكثر من تخصص، وهذا واقع يلمسه الباحثون في شتى مجالات البحث العلمي لا سيما في العلوم الإنسانية وشعابها الشتيتة المترامية، ويسعى فلاسفة المعرفة في زماننا إلى علاج تلك الإشكالية من خلال ما يسمونه بالتداخل التخصصي في البحث العلمي Interdisciplinarity والتعدد التخصصي Multidisciplinarity ولكن في جميع الأحوال فإن أحدا من فلاسفة المعرفة الغربيين لم نر في كلامه في مخاطبة تلك الإشكالية المعاصرة ما نراه في كلام (المفكرين) عندنا من إطلاقات إنشائية لا حقيقة لها ولا ثمرة، ولا ضابط يضبطها من مرجع علمي (فلسفي) كلي، يضبط العلاقة بين هذا التخصص وذاك، ويوجه البحث العلمي في كل منها على بصيرة بضرورة وجود سلطان كلي لنظام معرفي مرجعي واحد يضبط ذلك كله ويوجهه، فلا يحق لأحد أن يتكلم في تلك القضايا حتى يكون مستوفيا لشرائط الأهلية المعرفية فيه!
    لم نر إلى الآن إلا مقالات منمقة وإنشائيات وبلاغيات رنانة لا قيمة لها، فإذا ما نظرت إلى الثمرة الحقيقية من كل هذا وجدتها مقالات يكتبها قوم لا دراية لأكثرهم بضوابط الشرع المطهر إلا قليلا، يتدثرون بدثار (الفكر الإسلامي)، فلا هم ضابطون لشرائط الاجتهاد الشرعي من جانب، ولا هم ملمون بأصول المعارف التي استجازوا لأنفسهم الخوض فيها من معارف سياسية وإنسانية ومادية ... الخ من الجانب الآخر! فإن كان الكلام في أمور العامة لا يتطلب من المرء أكثر من أن يكون على هذا الوصف الذي وصفه الدكتور بكار، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
    إن خطاب فلاسفة المعرفة في الغرب لا يتجاوز التخصصات العلمية ولا يوحي بذلك، بل يميز بين تخصصات كلية وتخصصات فرعية، فيرى - على سبيل المثال - ضرورة أن ينضبط علماء الطب وعلماء الفيزياء بالكليات التي يقررها فلاسفة العلم الطبيعي، ولا يرى لهم الخروج على هذا! وهذا نراه مبثوثا في كتبهم، يعرفه كل من له اطلاع عليها! فهناك تمييز لازم بين تخصص فلسفي كلي وتخصصات فرعية، يتأهل المشتغل في كل منها بتحصيل حد أدنى من المعارف يتفق عليه أصحاب تلك الصناعات. هذا أمر فطري طبيعي، وهو مجمع عليه في سائر البنايات المعرفية البشرية أيا كان موضوعها! أما أن يُدعى الناس بأمثال تلك العبارات المائعة الهلامية لأن يكون منهم (مفكرون)، تتوجه المباحث العلمية في المجالات والتخصصات الكثيرة التي ظهرت مؤخرا بناء على كلامهم ونقدهم وأفكارهم، ويرام سبيل الفلاح من توجيهاتهم، دونما تحرير لشرائط هؤلاء وما ينبغي أن يكون فيهم من علم ودراية، وما ينبغي أن يكون مرجعهم عندما يتنازعون ويختلفون، فهذا ما لم نر أحدا من فلاسفة المعرفة يتكلم بمثله!
    إنه من المعيب حقا أن يتحول الكلام عن كثرة الاختصاصات الدقيقة من التنبيه على أهمية التخصصات الكلية منها وأهمية الدور الذي يلعبه أصحاب تلك التخصصات الفلسفية الشاملة في توجيهها جميعا، إلى إذابتها جميعا وقتل حرمتها تحت يد رجل يقال له (المفكر) دون التحرير الدقيق المحكم لحد هذا المفكر وما يلزم أن يتحقق فيه من شرائط معرفية حتى يُسمح له باقتحام تلك التخصصات جميعا ومزاحمة أهلها وفرض "أفكاره" عليهم على نحو ما يفعل من نسميهم عندنا (بالمفكرين)!! ينبغي أن يتصدى العلماء والفقهاء إلى تلك الفوضى الفكرية التي أصبح بعض الناس ينظِّر لها تنظيرا، والله المستعان!
    كل إنسان يملك ذكاء ونبوغا وقدرة على الإبداع، يصح أن يوصف بأنه مفكر في مجاله الذي تخصص فيه، وواجبه أن يأتي من ذلك ما استطاع! أما أن يجاوز ذلك إلى تخصصات أخرى لم يحقق في أي منها أهلية النظر، فهذا أمر خطير، يجب أن نكون منه على حذر، وألا نسمح به! وإلا فما أسهل أن يمسك صحافي جهول قلمه ويكتب وينظر ويحرر ويقرر ويقعد ويقول إن الأمة تحتاج إلى كذا وتحتاج إلى كذا، كما نراه يزكم أنوفنا في وسائل الإعلام، فإن سألته بأي شيء تأهلت لهذا قال لك "أنا مفكر"!!

    لا أستجيز بحال من الأحوال أن يوضع كل من (المفكر) و(المختص) في كفتي ميزان على نحو ما يصنع الدكتور بكار في كثير من كتاباته، فيصور للناس أن المفكر هذا تخصص مستقل لا ارتباط له بأي مجال من مجالات المعرفة البشرية يلزمه أن يتخصص فيها وأن يستوفي شرائط الاجتهاد فيها قبل أن يستقل بالنظر!
    فإن قول الدكتور " وقليل أولئك الذين يتقنون تخصصاً ما ثم تكون لهم رؤية مجتمعية شاملة" قول مجمل مبهم لا يمكن أن أقبله هكذا على عواهنه دونما استفصال!
    ماذا تقصد يا دكتور بكار بالرؤية المجتمعية الشاملة؟؟ فإنه إما أن يكون مرادك بهذه الرؤية منظوما في سلك الاصطلاح المعرفي لمجال – أو أكثر – من مجالات المعرفة الإنسانية التي سبقك فيها الناس (من أهل تلك المجالات) بالبحث والتأليف والنظر، أو أنه كلام مرسل لا زمام له ولا خطام، تريد به شيئا لا وجود له إلا في خيالك!! وأربأ بك عن هذه الأخيرة!! المتخصصون في علوم الشرع لديهم في جملة مباحثهم قضايا كلية يمكن وصفها بأنها تشكل (رؤى مجتمعية شاملة) وكذا المتخصصون في علوم الاجتماع (على اختلاف طبيعة تلك الرؤى تبعا لطبيعة التخصص وموضوعه)، وكذا المتخصصون في علوم الاقتصاد والسياسة وغيرها من مجالات المعرفة البشرية المعاصرة! فالأصل أن المتخصص من هؤلاء جميعا يجتمع فيه أن يكون متقنا لتخصصه متبحرا فيه، وأن يكون له في ذات الوقت ما يمكن وصفه بأنه (رؤية مجتمعية شاملة)!! فأي الرؤى له الريادة من ذلك وأيها – من بين تلك التخصصات – يحق أن يكون له الحكم فيما هو خير وصلاح وفلاح للعباد، وأيها يأتي تبعا لأي؟ وما هو النسق المعرفي الصحيح الذي يجب أن تنتظم في سلكه تلك الرؤى جميعا بتحرير وظيفة كل اختصاص وأهله في بنيان المعرفة البشرية، وأي هؤلاء المختصين ينبغي أن تكون لديه الأهلية للقيام بمثل هذا العمل الفلسفي الكلي الخطير، بحسب ما تدعو إليه الحاجة المعرفية، وما شرائط تلك الأهلية أصلا؟
    ما أسهل أن يقال إن الشرع المطهر هو الضابط والموجه والمرجع الأساس ولا شك، ثم نرى الناس من بعد ذلك يخبطون في الشرع خبط عشواء، يحرر ويؤصل كل (مفكر إسلامي) منهم لما يرى هو أنه السبيل، وأنه (رؤية مجتمعية شاملة)!! ما أسهل الإنشاء في تلك المسائل الدقيقة وما أصعب التطبيق والتنظير على غير المختصين، والله المستعان.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    3,138

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    بارك الله فيك يا شيخ.. سلمت يمينك.
    وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا
    ـــــــــــــــ ـــــــــــ( سورة النساء: الآية 83 )ــــــــــــــ

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,372

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    الحمد لله وبعد...
    أرجو أن يخيب ظني الشيخ أبو الفداء ويتسع صدره للمخالفة
    هناك تكلف في نقد عبارات الدكتور بكار ,لو استعملت بنفس النسق ,جاز أن يتعقب بنحوها على كلام الكثير من كبار أهل العلم..ولست أدري والله سبب الحرب الشعواء على مصطلح المفكر ونحوه..
    فإن كان المقصود حماية حمى العلم , فإن المفكر الإسلامي المثقف الواعي الذي نشجعه هو من يحترم هذا الحمى فلا يفتي فيما ليس من شأنه..وهذا الضرب موجود ولا أحب ضرب الأمثلة هنا, وفي العلماء من يسيء حمل الرسالة ويتنكب العلم الذي أفنى زمانه فيه ويصدق عليه أنه عالم سوء ,فضرره أبلغ من غيره في الجملة ,وأيضا دون أمثلة
    حين يفتي شيخ الازهر مثلا بشيء مخالف للحق فهو أسوأ اثرا من أن يقول نفس قوله مفكر أو داعية ليس عالماً
    ونحن ندرك عيانا أن كثيرا من كبار العلماء ليس لهم هذه الرؤية النقدية التي قال أخي ابو الفداء إن العوام يملكونها..فحاكم الدكتور على خلاف مراده..هل مقصوده أن يكون عنده مجرد رأي أيا ما كان؟ وهل كلام أنور الجندي وأمثاله حين نقاش أمور الاستخراب وغيرها ككلام جدتي ؟ : لا ..بداهةً ,
    كثير من العلماء ليس لهم معرفة بمضايق المؤامرات الدولية
    وحقائق الآفات الاجتماعية على مستوى الأمة وقضايا الغزو الفكري ونحو ذلك,لأن توجهه منصب على الأحكام التفصيلية..إلا القليل من أهل العلم من يجمع بين هذا وهذا, وما يخطيء فيه المفكرون يبين ويفاد من غيره أما بخسهم بهذه الطريقة ومحاولة شطب مآثرهم ونفعهم بشطب مصطلح المفكر فبخس لا يصح
    أنت تعلم أن الحدود أوالتعاريف لا تسلم غالبا من نقد واستدراك ,ويندر ان يكون الحد جامعا مانعا على الحقيقة
    إنما هي مقاربات لتقريب الصورة فحسب..والمفكر في نهاية المطاف صاحب تخصص وليس عريا عنه
    فقد يكون مؤرخا أو أديبا أو غير ذلك مع اطلاع جيد على الثقافة الإسلامية ,مع ما حباه الله من نظر ثاقب
    فتكون له رؤية كلية لقضايا تتعلق بأمته مقرونة بحلول ..والواقع شاهد على إفادة العلماء أنفسهم من كلام هؤلاء
    لا أحب ان أتتبع جزئيات كلامك أخي الفاضل أبا الفداء لأن هناك أمورا أولى بصرف الوقت فيها من النزاع على بعض ما دبجه قلم الدكتور بكار في معنى المفكر وأهميته في حياتنا المعاصرة,خصوصا مع نفسك الطويل في تقرير مراداتك
    ولكن أجد لزاما بيان رأيي الذي أدين الله به ,دون تتبع جملك ,فرارا من الدخول في جدال لا أحبه
    خلاصة الكلام:رأيك معروض بتوسع..وتفصيل ,ورأيي مبين بوجازة ..فحسبنا هذا وليس ثم داع أن نكرر "موال" الجدال كل مرة..أرجو ذلك حقاً
    ولكم كامل الحترام والتقدير
    محبك
    قال الإمام ابن تيميّة رحمه الله تعالى:
    والفقرُ لي وصف ذاتٍ لازمٌ أبداً..كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي

  5. #5
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    جزاكم الله خيرا يا شيخ أبا القاسم.
    صدري متسع للمخالفة إن شاء الله تعالى، وما كنت أرجو أن يكون ظنك فيّ بخلاف ذلك! إنما أكره أن تظن أن طول الحوار والمناقشة في جزئيات الكلام - وقد وقع هذا بيني وبينك في غير مرة كما تعلم = الانتصار للنفس ولو بالباطل، فهذا لا يلزم منه ذاك كما أرجو ألا يخفاك. وهذه طبيعة المنتديات: إنما فتحت للحوار العلمي، مع استصحاب حسن الظن فيمن يحاورك من الإخوة. وليس كل حوار علمي مآله جدل مذموم ولابد، إلا إن كنت تجزم يقينا من قبل أن تخوض غمار المناقشة بأن ما تراه : حق لا يقبل النقاش أو التعقب، ولا يتطرق إليه الخطأ، فكل تعقب عليه حينئذ يكون جدلا مذموما مهما كان! أو أنك تراني من أهل الجدال المذموم، فهذا شأن آخر.
    يا شيخ أبا القاسم أنت تقول:
    فإن المفكر الإسلامي المثقف الواعي الذي نشجعه هو من يحترم هذا الحمى فلا يفتي فيما ليس من شأنه
    فاسمح لي أن أسألك: المفكر المثقف الواعي هذا، إن لم يكن قد استكمل قدرا كافيا من الدراسة في الشرع، فما يدريه أصلا أين هي تلك الحمى حتى يحترمها ويقف عندها ويدري أنه بذلك لا يخوض فيما ليس له به علم؟ أنت تتكلم عن الفتوى، ومن الذي قال إن المشكلة في الفتوى؟ إن خطورة التنظير والتأصيل والتقعيد في مسائل تتعلق بالشرع أكبر بمراحل من مجرد الإفتاء وإطلاق الفتاوى، وما أكثر ما ترى أحدهم يقول إنني لا أفتي والفتوى أتركها للعلماء، ثم تراه ينظِّر ويؤصل ويقرر ما ينهدم به شطر الدين وهو لا يدري، ويحسب أن له في ذلك سعة ما دام لا يفتي!
    للمرة الثانية أراك تخطئ فهم مقصدي من تعقبي على الدكتور بكار وغيره، وقد سبق أن بينت لك هذا في موضوع مشابه. لا يلزم - إطلاقا - من إنكاري على من يسعى لتقرير صنعة جديدة اسمها المفكر الإسلامي متغافلا في ذلك ما أراه فريضة في حق من يتصدر للكلام في دين الله تعالى أيا كانت طبيعة ذلك الكلام، أن أسقط جهود فلان وفلان ممن لم يعرف عنهم طلب للعلم الشرعي وكانت لهم - مع ذلك - كتابات أصابوا فيها الحق ونفعوا بها غيرهم.. إنما غاية كلامي أني أقول للدكتور بكار لا تسوغ للناس أن يصبحوا مفكرين إسلاميين وهم في منزلة العامة في العلم الشرعي، ولكن إن كنت ولابد فاعلا فشجع طلبة العلم والعلماء على توسيع قاعدة الاطلاع والنظر حتى يحسنوا الإفادة من أهل الاختصاصات الدقيقة الكثيرة التي أمسى حصرها - مجرد الحصر - صعبا في هذا الزمان.. هذه غاية المسألة عندي، وهي واضحة إن شاء الله تعالى، فأرجو ألا تكرر إلزامي بهذا اللازم، بارك الله فيك، لأني لا أقصده بحال من الأحوال.

    هذا تعقيبي على ما تفضلت به، وقد أوجزته كما أوجزت أنت تعقيبك، ولكني حملت نفسي على استصحاب حسن الظن بك لا كما يظهر لي من ظنك فيّ سامحك الله، فلقد كتبت هذا الكلام وأنا أرجو أن يتسع له صدرك وألا يحملك - لمجرد أني تكلفت عناء كتابته - على نسبتي إلى الجدل المذموم، أو إلى ضيق الصدر بالمخالف! والشأن شأنك إن رغبتَ عن الرد عليه، لا عليك من شيء إن شاء الله، والله المستعان لا رب سواه.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,372

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    الحمد لله رب العالمين..وجزاكم خير الجزاء كما دعوتم لي وزيادة
    -قولتي لا تعني إساءة الظن..ولكن لمست من مواقف سابقة ما جعلني أقول ذلك..وهو شيء أعده مخالفا لسعة الصدر
    -كل ما يقال عن التخوف من شأن هذا المصطلح ومن يحمله تهويل في غير محله ,ربما هذا الموضوع العاشر في الملتقى يطرق نفس القضية!...أما سؤالك:فقد جاء جوابه في ثنايا كلامي ..وزيادة عليه:يستطيع كل امريء أن يعرف حدود اختصاصه
    وما يحسنه ..بل للجاهل العاقل حسٌ يميز به ,إن طالب العلم المتوسط يميز بين مراتب العلماء في الغالب..وأذكر أنني لما كنت في الجامعة ,حين كان يأتي الدكتور ليشرح :من اول محاضرة ندرك مستواه مع كون المادة جديدة علينا ولم نفقه منها حرفاً..وهذا مثال ,لا يعترض عليه بأن يقال:لا نتكلم عن مراتب العلماء فإن كثيرا من الناس تقول:لا يعرف مراتب العلماء إلا من كان مثلهم..وهذا غير دقيق
    والعلماء جلهم لا يحسن هذه الصناعة التي يقوم به المفكرون الأفذاذ, خلافا لما تقول
    ومن يتقنها منهم يعترف أنه استفاد من كتابات فلان وفلان
    -أما كونك لا تنكر جهدهم فهو مخالف لبخس وظيفتهم ومحاولة إلغاء مهمة المفكر(بينت وظيفة المفكر في ردي الأول) ..والصواب أن يقال فيهم ما يقال في غيرهم:نفيد من الحق الكثير الذي يقررونه ونترك ما يخطئون فيه
    -ومسألة التكلم في غير الاختصاص ليست مقصورة على فئة من الناس..وجدت من العلماء من يفتي في أمور اقتصادية أو سياسية لا يحسنها..فهذه الظاهرة إن وجدت عند بعض المفكرين ,فلا يعني إلغاء وظيفته وكسر قلمه
    -وإن كان الإشكال في التسمية فلا مشاحة..هم دعاة على أي حال
    -مسألة توسيع دائرة الاطلاع للعلماء وطلبة العلم نعم محمودة..ولا يعارضها وجود مفكرين ذوي اقلام فذة,فيكون هنالك تكامل بين هؤلاء وهؤلاء
    قال الإمام ابن تيميّة رحمه الله تعالى:
    والفقرُ لي وصف ذاتٍ لازمٌ أبداً..كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي

  7. #7
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    أخي الفاضل، لا أجد الآن إلا أن أوافق على قولك هذا:
    فحسبنا هذا وليس ثم داع أن نكرر "موال" الجدال كل مرة..أرجو ذلك حقاً
    فلا أحسبك تلين لتصور ما أقصد في هذا المقال ولا لإسقاط هذا الإلزام الذي تصر عليه إلا أن يشاء الله، ولا يظهر لي إلا أنك تكره مواصلة هذا النقاش، فلا بأس عليك، بارك الله فيك، وقد قال كل منا ما عنده والله الموفق للسداد.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,372

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    فلا أحسبك تلين لتصور ما أقصد في هذا المقال
    لماذا يا اخي ..؟ وأين حسن الظن الذي تقول انك تعاملني به..؟
    أم تراني غبياً لا يمكنني فهم ما تفصد في هذا المقال؟
    قال الإمام ابن تيميّة رحمه الله تعالى:
    والفقرُ لي وصف ذاتٍ لازمٌ أبداً..كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي

  9. #9
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    معاذ الله يا شيخنا الفاضل، ولكن قد سبق لنا - أنا وأنت - أن خضنا هذا الحوار بعينه من قبل ولم نصل فيه إلى شيء، فليسعنا التوقف عند هذا القدر، وقد قال كل منا ما عنده، ومقامك محفوظ عندي إن شاء الله.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    138

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الفداء مشاهدة المشاركة
    إن خطورة التنظير والتأصيل والتقعيد في مسائل تتعلق بالشرع أكبر بمراحل من مجرد الإفتاء وإطلاق الفتاوى، وما أكثر ما ترى أحدهم يقول إنني لا أفتي والفتوى أتركها للعلماء، ثم تراه ينظِّر ويؤصل ويقرر ما ينهدم به شطر الدين وهو لا يدري، ويحسب أن له في ذلك سعة ما دام لا يفتي!
    أحسنت أيها الشيخ الفاضل فلقد وضعت يدك على الجرح, وبلغت الغاية في بيان تلبيس القوم -كما كنا نسمع من المدعو عمرو خالد وأشباهه- !!
    ((فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول)) = ((ابن تيمية))

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    406

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    بارك الله فيك شيخنا أبا الفداء , وسددك , ووفقك لكل خير .
    وإن أغلب نقداتك في محلها -كما يظهر لي- بيد أني أرى تعسفاً في تفسير بعض الجزئيات , والذي أحبذه أن نقيس كل مفكر بما عنده من علم وفقه ودين , فبعضهم أيمة في شؤون كثيرة , ويُعَوّل عليهم في ذلك , وبعضهم عريا عن كل شيء غير الكلام الفارغ , والسفسطة المملة , وهذا المذموم .
    فأفراد هذا المصطلح بين إفراط وتفريط , وقليل منهم على الجادّة , والله المستعان !
    ونحسب الدكتور البكار وفقه الله من المجتهدين الذين بذلوا وسعهم في ذلك , وتحوير فكرة المفكر حسبما تقتضيه الصحة عقلا ونقلاً ..

    بارك الله فيكم , ولا حرمنا خيركم , وعلمكم .

    محبكم .
    رجمت بشهب الحرف شيطانة الهوى..فخرت مواتا تشتـهـيها المقابـر
    ويممــت مجـدافاً تحـرك غيـلة..فحطمتـه هجـوا وإنـي لشـاعر
    أبوالليث

  12. #12
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي رد: تعقيبا على مقال (بين المفكر والمختص) للدكتور بكار.

    والذي أحبذه أن نقيس كل مفكر بما عنده من علم وفقه ودين , فبعضهم أيمة في شؤون كثيرة , ويُعَوّل عليهم في ذلك , وبعضهم عريا عن كل شيء غير الكلام الفارغ , والسفسطة المملة , وهذا المذموم .
    جزاكم الله خيرا، وهذا لا خلاف فيه البتة بيننا. وقد قررت أن صفة المفكر هذه يوصف بها كل نابغ له بُعد نظر وإضافة نافعة في تخصصه، وله إحاطة بما يلزمه الإحاطة به من المعارف مما سوى ذلك التخصص، فتعقيبي هذا لم يوضع من أجل الحكم على أعيان من يطلق عليهم هذا اللقب الآن، من أدباء أو فلاسفة أو باحثين في الإنسانيات (من علوم اقتصادية وسياسية واجتماعية وغيرها) كانت لهم جهود طيبة ومساهمات نافعة في دراسة ونقد وتحليل مستحدثات الفكر الغربي المعاصر، ولم يكن لهم - مع ذلك - حظ من طلب العلم الشرعي ولم يُعرفوا به يوما ما. هؤلاء لم أتعرض لهم من قريب ولا بعيد، وهم كثيرون لا أنفي جهودهم ولا مساس لي بفضلهم! وإنما وضعت هذا التعليق لنقد ما يؤسسه الدكتور بكار وفقه الله ههنا من جعل المفكر قسيما للمختص، ومن تعريف حرره لما يسميه بالمفكر الإسلامي، يبدو لي - بجلاء - أنه قد جعله به (وبما يضربه عليه من أمثله) نظيرا للفقيه المجتهد، بيد أنه لم يشترط فيه ما يجب أن يُشترط في الفقيه المجتهد، وهنا بيت القصيد لمن تأمل!
    ليس الإشكال عندي محصورا في المسمى نفسه، وأرجو ألا يظن الإخوة أن يكون اعتراضي ههنا على هذا القدر من السطحية! فأنا أدري جيدا أنه ليس كل من يُطلق عليه لقب مفكر إسلامي في زماننا هذا، هو بالضرورة لا يزيد على أن يكون صحفيا أو نحوه! وقد رأينا طلبة علم وباحثين شرعيين يسميهم الناس بالمفكرين الإسلاميين، نظرا لجهود مباركة قاموا بها في نقد ودراسة لبعض النظريات الحديثة في فرع أو أكثر من فروع العلوم الإنسانية ونحوها، وذلك من غلبة هذا المسمى على المادة المسموعة والمقروءة في فضاء الإعلام في زماننا، وهم - أعني هؤلاء الباحثين وطلبة العلم بل والعلماء - لا يجدون حرجا أو إشكالا في ذلك المسمى. وأنا أحترم رأيهم وإن كنت لا أوافقهم عليه لأسباب قد بسطتها في غير هذا الموضع.
    ولكن الإشكال عندي ههنا في أن ينظَّر لاختصاص مستقل يسمى "بالمفكر الإسلامي" دونما اشتراط لقدر ضروري من العلم بدين الله جل وعلا في ذلك، ثم يستساغ لذلك (المفكر) بناء على ذاك التعريف أن يزاحم أهل الاختصاص في صناعاتهم وأن يخوض في قضايا شديدة الدقة في النوازل الشرعية المعاصرة وفي السياسة الشرعية وغيرها، تحتاج إلى قوم أفنوا أعمارهم في فقه الشريعة حتى يحق لهم الاجتهاد والنظر فيها!
    ولهذا قلت، تلخيصا لما أريد:
    فإن كان الكلام في أمور العامة لا يتطلب من المرء أكثر من أن يكون على هذا الوصف الذي وصفه الدكتور بكار، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •