"العربية نت" من ترويج الشذوذ إلى إعادة إنتاج الروايات الإسرائيلية
الاربعاء 13 اكتوبر 2010



د.أحمد بن راشد بن سعيّد
drahmadr@hotmail.com

ينطلق موقع "العربية نت" في سياسته التحريرية من منطلقين أساسيين: انتقاء الخبر وهو العملية المتصلة بما يعرف في الدراسات الإعلامية بــــ "حارس البوابة" أو "الحاجب" أو "المغربل"، وبنظرية "ترتيب الأولويات" التي تنسب إلى وسائل الإعلام قدرة كبيرة على رسم اهتمامات الجمهور أو التأثير في تفكيره بشأن القضايا والأشخاص. المنطلق الثاني هو أدلجة الخبر وتلوينه، وقد أسفرت دراسات التحليل النقدي للخطاب التي أجريت في السنوات الأخيرة عن حقيقة مؤداها أن الخبر لا يمكن أن يكون موضوعياً، ولا يمكن أن يقدم منظوراً خالياً من التفسير الذاتي للأحداث، بل إنه يسعى إلى تشكيل حقائق متناغمة مع الإيديولوجيات التي تحرك منظمات الأخبار. وموقع العربية يهتم كثيراً بالعناوين، لأسباب مفهومة تتعلق بتأثير العنوان الذي يختزل قصة طويلة معقدة في بضع كلمات، وبدوره في لفت النظر واستثارة الفضول. ولذلك فإن إنتاج عنوان لافت وناجح يعتمد على استراتيجيات عدة أبرزها: الاختيار اللفظي، التلاعب بالكلمات، واللغة المشحونة. في غضون ذلك يقوم المحرر بتطعيم العنوان بنظامه العقائدي أو رؤيته الكونية، فيبدو الخطاب كامناً وراء العناوين وفي ثناياها. وفي هذا الإطار، فإن "العربية نت" يشحن العناوين بمفردات مؤدلجة تجسد رؤيته، ويتلاعب بالألفاظ بطريقة يصعب على القارىء العادي أو غير الدقيق اكتشافها. ومن خلال الاستقراء والملاحظة يتضح أن هناك استراتيجيات عامة تحكم انتقاء الأخبار وصياغتها من حيث العنوان والسياق والمتن.

استراتيجيات الاختيار والصياغة
من أبرز استراتيجيات الخطاب السياسي والإعلامي ما يعرف بــ "تلطيف القبيح" (euphemism)، والذي يهدف بحسب تعريف خبير الاتصال السياسي دان نيمو إلى "جعل الحقيقة السيئة مقبولة لغوياً". موقع العربية يوظف هذه الاستراتيجية الخطابية كوصفه الخمور بـــ "المشروبات الروحية"، ووصفه الشذوذ الجنسي بـــ "المثلية الجنسية"، وهي ترجمة حرفية للشذوذ باللغة الإنكليزية، وإشارته المستمرة إلى ملابس الابتذال والانحلال بكلمات تلطيفية وغير حقيقية مثل "مثيرة" و "ساخنة"، وهاتان الكلمتان تحديداً يستخدمهما الموقع بكثرة عند الحديث عن بعض الفنانات أو الممثلات. والأمثلة أكثر من أن تحصر. لنتأمل فقط بعض العناوين: "أولمبياد بكين يتحول لاستعراض للجنس بتزايد الغزل والثياب المثيرة" (19 آب/أغسطس 2008)؛ "بائعات الهوى في سوريا يرفعن أسعارهن "ويحسنَّ الخدمة" مع تدفق المال" (20 تشرين الثاني/نوفمبر 2008)؛ "صحافية لبنانية تطلق أول مجلة متخصصة في الجسد وتعد باختراق الرقابة: المثليون والعادة السرية والرعشة والشهوة في العدد الأول" (27 تشرين الثاني/نوفمبر 2008)؛ "منع اللبنانية كارول سماحة من الغناء في مصر بسبب رقصها "الغرائزي": "المغنية بررت أداءها الساخن بالقول إن الجمهور يعرف كم أنا مثيرة" (21 آب/أغسطس 2008)؛ "مسلمات ومسيحيون بسوريا "يتمتعون" وينجبون بلا زواج" (24 كانون الثاني/يناير 2007).

لماذا يهتم "العربية نت" بتناول الجنس؟
اهتمام موقع العربية بالمسائل الجنسية عموماً أمر ملحوظ ويدعو إلى الدهشة. لا يكاد يمر يوم من دون إشارة إلى الجنس بشكل أو بآخر. وأكثر ما يركز عليه الموقع أخبار الشذوذ الجنسي، حتى يبدو لي أحياناً أن هناك جهداً متعمداً لنشر ثقافة الانحطاط الجنسي عبر انتقاء الأخبار وتلوينها. لنتأمل بعض العناوين: "بلغاريا تشهد المسيرة الأولى للشواذ في تاريخها: عشرات الآلاف يشاركون في تظاهرات مثليي الجنس في العالم" (29 حزيران/يونيو 2008)؛ "كاتبة عربية تدعو المسلمين للاجتهاد في زواج المتعة والمثلية الجنسية" (2 حزيران/يونيو 2008)؛ "مثليو لبنان يخرجون إلى العلن للمشاركة بنشاطات جمعية تعنى بشؤونهم" (8 تموز/يوليو 2008)؛ "وثائقي عن المثليين المسلمين يفوز بجائزة مهرجان تورنتو الخاصة: يُصوّر إمام مسجد شاذ ومثليتان محجبتان ومتدينتان" (11 تشرين الأول/أكتوبر 2007)، وفي ثنايا الخبر نطالع عبارة تقول: "مسلمون أولاً، مثليون ثانياً"، وفي العنوان خطأ لغوي إذ إن عبارة "مثليتان" وما بعدها كان يجب أن تنصب، لكن المشكلة ليست في النصب النحوي، بل في النصب على القراء من خلال الإيحاء بأن الشذوذ أو عمل قوم لوط هو أمر عادي ولا يتناقض مع كون المرء مسلماً أو ملتزماً بالدين. عنوان آخر يقول: "دراسة علمية تقترح أن مثلية الجنس فطرية وليست وليدة الخبرة" (5 حزيران/يونيو 2005).

الشذوذ في أعمدة الرأي أيضاً
ترويج الشذوذ الجنسي لا يقتصر على التناول الإخباري فقط، بل يمتد أيضاً إلى أعمدة الرأي، مثل المقال الذي نشره الموقع لكاتب اسمه محمد نبيل يقول فيه إن "ظاهرة ممارسة الجنس المماثل...ليست بجديدة علينا لكنها تفرض مقاربة بعيدة عن منطق الإبعاد والإقصاء الذي لا يزيد إلا الطين بلة" (يقصد لا يزيد الطين إلا بلة)، ويهاجم الكاتب ما وصفه بالعقلية المتجذرة التي "تريد تسييد الممنوع وتوسيع رقعته". ويمضي مؤكداً ما أذهب إليه من اتهام "العربية. نت" بترويج الشذوذ قائلاً إن "وسائل الإعلام وجل المؤسسات العربية تنعت المثلي بالشاذ جنسياً" الأمر الذي "ينبذ المثلي ويحرمه من التواجد اجتماعياً، بل يمارس عليه عقاباً جمعياً بكل أنواعه". ثم يدعو الكاتب إلى إعطاء الشواذ الحق في ممارسة الرذيلة و"الاستفادة من كل الحقوق التي يتمتع بها المواطن في إطار المساواة بين الجميع، بل المشاركة في المؤسسات الاجتماعية والدينية كمؤسسة الزواج" (7 آب/أغسطس 2005). هذا المقال يلخص موقف العربية المروج للرذيلة والفساد في المجتمع العربي.

تناول الإسلام في "العربية نت"
يتعمد الموقع الإساءة إلى الدين الإسلامي سواء في انتقاء الأخبار أو في صياغة العناوين والنصوص. هذه الإساءة تتمثل في جعل كل ثوابت الدين قابلة للأخذ والرد بوصفها آراء واجتهادات. وقد لاحظنا قبل قليل كيف نشر الموقع "رأياً" يدعو المسلمين إلى "الاجتهاد" في إباحة الشذوذ. وهذه عناوين أخرى: "طبيب تونسي: الرقص الشرقي علاج طبي لكآبة النساء العربيات، ]و[ السنة أو الأحاديث النبوية لا تحرمه" (25 تشرين الثاني/نوفمبر 2008)؛ "جدل كبير بين مسلمي بلجيكا بعد تعيين جزائرية بمنصب إمام مسجد" (26 تشرين الأول/أكتوبر 2008)؛ "مسرحية تونسية رافضة للحجاب تشهد إقبالاً واسعاً في سوريا" (22 نيسان/أبريل 2008). كما تحدث الموقع عن لقاء لقناة "العربية" بمهندس سوري اسمه محمد شحرور أسبغ عليه صفات "المفكر الإسلامي" و"الشيخ"، ثم نقل عنه زعمه بعدم وجود علاقة في القرآن بين الشهادة والقتال، وأن المراد بالشهيد في القرآن هو "سامع الحدث ومبصره" لا من يُقتل في سبيل الله (وهو أمر ينسجم مع هوى "العربية" ومديرها الذي يصر على تسمية شهداء الغدر الإسرائيلي بالقتلى والصرعى، ويصم عملياتهم الفدائية بالعبث والانتحار). ووعد الموقع القراء بعرض اللقاء كاملاً في برنامج "روافد" في قناة العربية. ومن المعلوم أن المهندس شحرور ماركسي منكر للسنة النبوية، وتحفل كتبه بضلالات يضيق المقام عن حصرها.
الإساءة إلى الدين أيضاً تتمثل في اعتبار انتقاصه أو تجريحه "رأياً" أو "اجتهاداً ". في 17تشرين الأول (أكتوبر) 2008 نشر الموقع خبراً عنوانه: "أساقفة كاثوليك يتهمون الدين الإسلامي بانتهاك حقوق النساء"، وكان من الممكن لو أصر الموقع على نشر الخبر أن يصوغه بحيث يستبعد فعل "يتهمون"، ويضع عبارات أكثر اعتدالاً وأكثر تماهياً مع معتقدات الجمهور العربي/المسلم ومشاعره مثل: "يسيئون إلى"، أو "يتطاولون على"، أو "يتهجمون على".. لكن الموقع اختار استخدام "يتهمون" في هذا السياق، وهو مثال على ما يعرف في الدراسات الإعلامية والخطابية "بالتأطير" (framing). الإطار هنا مؤداه أن الإساءة إلى الإسلام وجهة نظر..لا سلوك مدان. في 29 نيسان (أبريل) 2010 نشر الموقع خبراً عنوانه: "برلمان بلجيكا يؤيد حظر النقاب في أول بادرة من نوعها في أوروبا"، وللمرء أن يتخيل ظلال هذا الإطار؛ "بادرة"، والدلالات الإيجابية التي يحملها. لنلاحظ أيضاً خبراً آخر نشره الموقع في 8تشرين الأول (أكتوبر) 2009 وكان عنوانه: "سعوديات يكسرن حاجز الخوف من سفر المرأة وحدها"...وهو عنوان ملون يحمل في طياته تأطيراً إيديولوجياً للحدث. كما أجرى الموقع مقابلة مع نائب كويتي اسمه علي الراشد تضمن عنوانها الإشارة إلى أن النائب يرفض إدخال "الألف واللام على مادة الشريعة الإسلامية في الدستور"، وهو تعبير ملطف وغير مباشر مؤداه أن تبقى الشريعة "مصدراً رئيساً للتشريع"، لا أن تصبح "المصدر الرئيس للتشريع" (27 نيسان/أبريل 2010).

العناوين: أدلجة أم إثارة؟
صياغة العناوين المثيرة أمر مطلوب بالطبع، لكن ليس على حساب الصدقية والتوازن. والعنوان حق للقارىء، وجدير بالوسيلة الإعلامية التي تحترم المتلقي أن تحرص على صناعة العنوان اللافت وتتفادى في الوقت نفسه "تلغيمه" أو "تفخيخه". يجب أن يبتعد الخبر وعنوانه عن رأي المحرر قدر الإمكان، ضماناً لصدقية الوسيلة وابتعاداً عن فرض القيم والأحكام أو الإيحاء بها، لكن موقع العربية يؤدلج كل شيء حتى العناوين، وهو بذلك يبتعد عن المعايير المهنية والأخلاقية للصحافة. وقد يذهب الموقع بعيداً في هذه الأدلجة فيمارس التشويه أو الخداع، وربما الكذب. لنأخذ مثلاً لقاء أجراه الموقع مع حسن الشلهومي، إمام مسجد باريس في 3 أيار (مايو) 2010، اختار له العنوان: "إمام مسجد يطالب مسلمات فرنسا بترك النقاب والتركيز على التعليم". الذي يفهمه القارىء من العنوان أن الرجل يطالب المسلمات بترك النقاب واللجوء إلى التعليم بدلاً منه، وهو ما لم يقله أصلاً، إذ ينص متن الخبر على مطالبة شلهومي بارتداء الحجاب بدل النقاب، وفي ثنايا المقابلة وردت دعوته المسلمات إلى الاهتمام بالعلم. وبهذا فإن العنوان مضلل ويفتقر إلى النزاهة، وكان يمكن أن يكون مثلاً: "إمام مسجد يطالب مسلمات فرنسا بارتداء الحجاب بدل النقاب"، ولكن الموقع اختار عنواناً يوحي بدعوة الإمام المسلمات إلى ترك النقاب من دون طرح بديل، موحياً أنه يتعارض مع الثقافة أو الحداثة. في 9 كانون الأول (ديسمبر) 2008 نشر الموقع خبراً مصدره "العربية. نت" بدا أنه مختلق من الأساس أو مبالغ فيه، وكان عنوانه: "صلاة التراويح بالجزائر فرصة لاختيار شريكة العمر الملتزمة". وفي ثنايا الخبر حديث عن مناسبة التراويح التي "أصبحت فرصة مواتية لانتقاء زوجة ملتزمة أو اختيار رجل متدين"، واستشهاد بـــ "فتوى" تقضي بجواز النظر إلى النساء اللاتي يصلين التراويح إذا كان الهدف هو الزواج. تصور جماعة من المؤمنين والمؤمنات يذهبون إلى الجامع ليضربوا عصفورين بحجر، ليقيموا الصلاة، ولينظر بعضهم إلى بعض "لهدف شريف". إن كثيراً من العناوين والتقارير التي ينشرها موقع العربية تصب في هذا الإطار، ومن خلال النظر إلى بعض أساليب الدعاية أو التأطير أو التحليل الخطابي، فإن المراقب يلمس توظيفاً لهذه الأساليب في تناول الموقع للأحداث والقضايا، لا سيما في العناوين.

أساليب التناول
هناك مثلاً أسلوب دعائي شهير يعرف بـــ "النبز باللقب" (name calling) يربط فكرة ما بلقب سيء، وهو أسلوب درج عليه موقع العربية، كما حدث مثلاً عندما تناول الموقع خبر اتهام التيار الصدري في العراق هيئة علماء المسلمين بالتسبب في أحداث العنف التي أوقعت قتلى وجرحى من الشيعة في أواخر آب (أغسطس) 2006. كان عنوان الخبر: "التيار الصدري يتهم ميليشيا "علماء المسلمين" بأحداث ذكرى الإمام الكاظم" (21 آب/أغسطس 2006)، ولم يضع الموقع كلمة "ميليشيا" بين مزدوجين رغم شغفه بهذه الأقواس ووضعها بمناسبة وبدون مناسبة؛ لأنه أراد الإساءة إلى هيئة علماء المسلمين عبر الإصرار على ربطها بلقب "ميليشيا". ولننظر إلى الخبر الذي نشره الموقع في 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2010 عن إقبال نساء كثيرات في جنوب السودان، أغلبهن متزوجات، على ما وصفه "بأقدم مهنة في التاريخ" (يقصد الدعارة) بسبب بحثهن عن "الحرية الجنسية" التي صادرتها "القوانين الإسلامية الصارمة بشمال السودان". ولننظر الخبر الذي نشره الموقع عن قيام "حزب الإسلام" الصومالي بتهديد إذاعات صومالية بأعمال انتقامية إن لم توقف بث الأغاني، وكان العنوان نموذجياً في النبز باللقب: "بعد تهديدات متطرفين.. إذاعات صومالية توقف بث الأغاني خوفاً من تعرضها لأعمال انتقامية" (13 نيسان/أبريل 2010). ولنقرأ أيضاً الخبر الذي نشره الموقع عن الداعية الكويتي مشاري الخزاز، والعنوان الغريب الذي اختاره له: "داعية كويتي يجمع عشرات آلاف المصلين لتعليمهم "التلذذ بالصلاة"..أعلن عن مكان مخصص للنساء..والبعض وصفه بمايكل جاكسن" (8 تموز/يوليو 2008). من الذي ربطه بمايكل جاكسن، وأين وجه الشبه؟ يبدو أن الموقع اختلق هذا الربط للإساءة إلى الرجل، وإلى الفكرة التي يدعو إليها. خبر آخر نشره الموقع في 11 أيار (مايو) 2010 يقول عنوانه: "سلفيون بالناصرة يطلبون عدم استقبال البابا لأنه أساء للإسلام"..وقد وضع الموقع الكلمتين الأخيرتين بين قوسي تنصيص نأياً عن دلالتها ومعناها، لكن الشاهد في العنوان هو لقب "سلفيون" الذي يرمي إلى الإيحاء بأن هناك فئة صغيرة وهامشية في مجتمع الناصرة تعارض وحدها زيارة البابا. وعندما تطاول الأنبا بيشوي في مصر على القرآن الكريم، وسارت تظاهرات حاشدة في ميدان رمسيس بالقاهرة مطالبة بمحاكمة الأنبا نشر موقع العربية خبراً بعنوان: "سلفيون مصريون ينظمون مظاهرة حاشدة ويطالبون بمحاكمة نائب البابا.. ]و[ الكنيسة المصرية رفضت الرد عليهم". هكذا تُختزل جماهير غاضبة لدينها في مجرد مجموعة من "السلفيين"، وهكذا "تكبّر" الكنيسة عقلها وتعرض عن هؤلاء "الغوغاء"، آخذة فيما يبدو بقوله تعالى: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما". هذا هو النبز بالألقاب أو الإيحاء الضمني (connotation) كما يعرف في التحليل النقدي للخطاب. للمرء أن يقارن بين تناول موقع العربية للمتدينين المسلمين وبين تناوله لغيرهم كالفنانين والممثلين الذين يسبغ عليهم ألفاظ "النجومية" و"التألق" و"الشهرة"، بل ليقارنه بتناول المتدينين اليهود الذي لا يمكن أن يطلق عليهم لفظ "أصوليين", وكأن هذا اللفظ ذا الجذور المسيحية حكر على المسلمين، وكأن العربية بموقعها وقناتها أرادت توثيق الحالة العربية والإسلامية فوصلت في نهاية المطاف إلى توثيق منظورها وتفكيرها هي، تماماً كما هي أطروحة إدوارد سعيد القاضية بأن الاستشراق أراد توثيق الشرق فانتهى إلى توثيق نفسه. هناك أنباء رواها موقع العربية تذكرني بما كانت تكتبه جوديث ميللر عن الإسلام والجماعات الإسلامية في "النيويورك تايمز"، ومن ذلك ما نقله الموقع عن وجود جماعات في العراق تطبق "نمطاً متشدداً من الإسلام" يشمل منع النساء من شراء الخيار والسماح للرجال فقط بشرائه، بدعوى أن الخيار "ذكر والطماطم أو البندورة أنثى"، والقيام بقتل إناث الماعز "لأن أعضاءها التناسلية غير مغطاة وذيولها موجهة إلى أعلى، وهو ما قالوا إنه حرام"، إضافة إلى تقطيع أصابع المدخنين، وتفجير محال تصفيف الشعر وأدوات التجميل وقتل باعة الثلج؛ بحجة أن الثلج لم يكن موجوداً في عهد النبوة..إلخ (9 آب/أغسطس 2008). الحقيقة أن توظيف الكليشهات الاستشراقية بما فيها التقليل من شأن المتدينين المسلمين شائع في تناول موقع العربية. لنطالع مثلاً الخبر الذي نشره في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2007 والذي كان عنوانه: "إمام أردني يخير المصلين بين مسلسل باب الحارة والتراويح" و"فقيه آخر حرم مشاهدته في ليلة القدر". الخبر مصدره "العربية. نت"، وقد صُمم ليظهر هؤلاء الأئمة بالغباء أو بضحالة الاهتمامات، أو ربما بالانفصال عن واقع الناس الذين شغلهم المسلسل وانهمكوا في متابعته، وكل هذه صور نمطية ترمي إلى التشويه والانتقاص.

إثارة أم تحامل؟
تحرص أي وسيلة إعلامية على نشر الأخبار الطريفة والمثيرة، ولكن عندما تُستهدف فئة محددة بانتقاء أخبارها، وتكون هذه الأخبار محصورة في مجال واحد من مجالات نشاط هذه الفئة، ثم تصاغ بطريقة تقولب شخوصها ورموزها في كليشهات جامدة ورتيبة، فإن الأمر قطعاً يدعو إلى التساؤل. لنضرب هنا بعض الأمثلة. نشر "العربية نت" في 7 تموز (يوليو) 2008 خبراً بعنوان: "فتوى سورية بعدم جواز الصلاة بقمصان عليها صور لميس ومهند.. قالت ]الفتوى[ إن صورهم "تثير المنكر" وتطرد الملائكة من مكان العبادة". الخبر مصدره الموقع نفسه، والفتوى منسوبة إلى أحد أئمة المساجد في حلب، ويبدو أن الموقع صنع من الحبة قبة، وأن الأمر ليس فتوى وطنية كما يوحي العنوان. ثم هل حرمة الصلاة بقميص تتوسطه صورة لميس تحتاج إلى فتوى؟ إن الصورة الدرامية أو الكوميدية المبثوثة في العنوان، والتي استعارت كلمتي "المنكر" و"الملائكة"، هي صورة مقصودة أريد بها السخرية واللمز. ونطالع خبراً آخر نشره الموقع في 30 تموز (يوليو) 2008 ينص عنوانه على أن هيئة الأمر بالمعروف في السعودية حظرت بيع القطط والكلاب في مدينة الرياض؛ لأن "الشباب يصطحبونها لمعاكسة الفتيات". وفي ثنايا الخبر يتبين أن الذي أصدر قرار الحظر هو الأمير سطام بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض بالإنابة وقتها، وليس الهيئة كما يوحي العنوان الذي صمم ليعطي الانطباع بأن المتدينين ينتهكون الحريات الشخصية ويكرهون القطط. المتدينون أو "الأصوليون" كما يحلو لموقع العربية أن يسميهم ليسوا في حصانة من النقد، ولديهم بالفعل أخطاء كبيرة، ومظاهر تخلف مزعجة، ولكن المطلوب هو العدل والتوازن في تناول القضايا ذات الصلة بهم.

هل يستهدف موقع العربية الاتجاه المتدين؟
يقول أرسطو في كتابه الأشهر "الخطابة: "ليس كافياً أن يعرف المرء ما ينبغي أن يقال، بل يجب أن يقوله كما ينبغي". واللغة الصحافية الناجحة هي التي تتجنب الألفاظ السوقية والإشارات العنصرية والقوالب النمطية، وتحاول صياغة أخبارها وتقاريرها بلغة غير دعائية معبرة بنزاهة عن الظواهر والأحداث والأشخاص. لكن موقع العربية لا يستطيع التخلص من أسر إيديولوجيته وهو ينتقي الأخبار ويصوغ المفردات ويرسم الصور. لننظر مثلاً إلى الخبر الذي ساقه في 25 نيسان (أبريل) 2006 ووضع له عنواناً يقول: "إمام مسجد مغربي يحاول ذبح زوجته بعد أن رفضت تلبية "رغباته الشاذة: وضع رأسها على صخرة وبدأ يكبّر".. وفي متن الخبر إشارة إلى أن هذا الزوج كان "ملتحياً"، وأن الزوجة كانت تعيش معه "حياة البؤس والعذاب"، وأن له صلات محتملة "بتيار متطرف متعصب"..إنه يبدو وحشاً..حسناً.. سنصدق ذلك، وسنصدق أنه "كبّر" ليذبح أضحيته، لكن لم يخبرنا الموقع هل وجهها إلى القبلة وسمى أم لا! الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن: هل كان لا بد للموقع من الإشارة إلى أنه "إمام مسجد" في العنوان، وهل كان مضطراً إلى التشديد على أنه "ملتح" في المتن، ولماذا وظف استراتيجية "الربط" متهماً الرجل بصلات "مشبوهة" بجماعات متطرفة من دون دليل؟ إن رسم صورة نمطية مخيفة بهذا الشكل يزيف الواقع ويخدع القارىء ويصيب كل ما ترمز إليه الصحافة المسؤولة في مقتل.

العناوين والقراءة النقدية
أصبحت القراءة النقدية أو التفكير النقدي مقرراً مفتاحياً يدرّس في كثير من المدارس والجامعات الأميركية والأوروبية، وهي التي تحصن المتلقي من الاستغلال وتعلمه استكناه المقاصد والنفاذ إلى ما بين السطور. ثمة نقطة لا بد من الإشارة إليها فيما يتعلق باستراتيجية الخطاب الدعائي لموقع العربية، وهي ما يمكن وصفه بنشر "تداعيات الخبر" أو "تطوراته"، وإغفال الخبر الأصلي. في هذه الحال، قد تغض الوسيلة الإعلامية الطرف عن خبر ما، محاولة تهميشه ودفعه إلى الظل، وعندما تتوالى فصول الخبر وتنجم عنه تداعيات ملائمة لأجندة الوسيلة يتم تناوله. لنر مثلاً بعض النماذج من تناول الموقع: عندما طالبت المخرجة المصرية إيناس الدغيدي بترخيص الدعارة في مصر في آخر شهر تموز (يوليو) 2008 أغفل موقع العربية الخبر، وبعد أيام نشره بهذا العنوان: "إيناس الدغيدي تتحدث عن حملة ضدها لطلبها ترخيص الدعارة بمصر.. ] و[ أزهري اتهمها بنشر الكلام الفاحش" (5 آب/أغسطس 2008). لقد دفع العنوان "ترخيص الدعارة" إلى الظل، مسلطاً الضوء على "حملة" تشن ضد المخرجة. ثم إن الأزهري "اتهم"، ما يوحي بأن الأمر مجرد رأي انفرد به، وليس بالضرورة توصيفاً موضوعياً لدعوة المخرجة، ثم إن الاتهام أمر يتضمن الإساءة والقدح، فالشيخ لم ينتقد ولم يعارض وإنما "اتهم", وهو مثال لما يعرف في تحليل الخطاب بـــ "التركيب السلبي" (negative lexicalization). وقد توسط صفحة اللقاء مع الدغيدي اقتباس بارز يقول: "مهنة الدعارة موجودة في كل مكان في العالم، وفي مصر قبل الثورة، وكانت مهنة معترف بها ولها أحياء معروفة" (يقصد الموقع طبعاً "معترفاً" بها لكن تشابهت على المدقق....). خبر مشابه نشره الموقع في 12 نيسان (أبريل) 2008 ينص عنوانه على: "خطباء مساجد يهاجمون وزيرة شيوعية بالمغرب بسبب أذان الفجر: طالبت بمنعه "حفاظاً" على راحة السواح في البلاد". الخبر هنا ليس الدعوة إلى منع الأذان، بل "الهجوم" الذي شنه الخطباء. وحدهم الخطباء ومن لف لفهم "يهاجمون" و "يتهمون"، أما "النقد" و "الاحتجاج" و "التعبير السلمي" فهو محجوز لعناصر وفئات أخرى. في تفاصيل الخبر يثني الموقع على الوزيرة بكلمات مثل: "مدافعة نشطة عن حقوق النساء"، ويزعم الخبر أن 91 في المئة من المغاربة، وفقاً لاستطلاع رأي، أيدوا "استخدام مكبرات الصوت للدعوة إلى صلاة الفجر، علماً بأن 25 في المئة منهم فقط يؤدون تلك الصلاة". ولو كنت مغربياً لاحتفظت بحقي في مقاضاة موقع العربية على هذا النص الذي يزعم أن ثلاثة أرباع الشعب المغربي لا يصلون الفجر بتاتاً. وفي 3 أيار (مايو) 2010 نشر الموقع خبر وفاة محمد عابد الجابري بطريقته: "مواقع إسلامية "تحتفي" بوفاة المفكر المغربي محمد عابد الجابري". حتى مناسبة الموت لم يرد "العربية نت" أن يجعلها تمر من دون تصفية حساباته مع من يختلف معهم. ولما طالب عبد الرحمن البراك بطرد خالص جلبي من السعودية، استبق الموقع نشر الخبر بإجراء مقابلة مع جلبي، كان عنوانها: "جلبي للعربية نت: اتهام البراك لي بالزندقة تسرع وهفوة لا يليقان به" (10 أيار/مايو 2010)، وفي ثنايا الخبر يظهر كلام يقطر عذوبة لجلبي، بينما تبدو لغة البراك "المثير للجدل" كما وصفه الموقع هادرة وقاسية. اللافت أن الموقع نشر وجهة نظر جلبي بالتفصيل الممل على صفحتين، ولم يشر أبداً إلى حيثيات دعوة البراك إلى طرد جلبي, وهي استراتيجية دعائية تعرف بـــ "التلاعب بالأوراق" (card stacking)، حيث يتم إبراز وجهة نظر طرف ما، فيما يجري التعتيم على رأي الطرف الآخر، الأمر الذي قلما يكتشفه القارىء غير الناقد. ظهر جلبي في اللقاء داعية إلى الحوار وحرية الاختلاف، مبدياً استعداده "لتقبيل رأس الشيخ البراك"، وكأن بينهما ثأراً شخصياً، بينما ظهر البراك الذي لم يتصل به الموقع ولم يأخذ رأيه متهوراً في إطلاق نعوت التكفير والزندقة على مخالفيه (uncompromising)! خبر آخر ظهر في الموقع يقول عنوانه: "محكمة بحرينية تدين كاتباً كويتياً تحدث عن نشر الإسلام بالسيف" (2 حزيران/يونيو 2008). مرة أخرى، يجري الحديث عن ثمرة الخبر لا عن الخبر الأصلي، والكاتب (أحمد البغدادي) "تحدث" فقط, ولم يتلفظ بإساءة إلى التاريخ الإسلامي أو انتقاص منه. أخيراً، يدخل في هذا السياق خبر قيام جنود مصريين برش غازات سامة في نفق محاذ لقطاع غزة، ما أسفر عن استشهاد أربعة شبان فلسطينيين وإصابة عشرة آخرين. "العربية نت" تناول الجريمة التي أدانتها منظمات حقوقية عربية ودولية بهذا العنوان: "حماس تحمل مصر مسؤولية مقتل 4 فلسطينيين في نفق حدودي"، وفي تفاصيل الخبر إشارة إلى "حكومة حماس" و"شرطة حماس"، وغيرها من التوصيفات التي تشي بالانحياز والتحامل. هذا العنوان كان يمكن أن يكون بصيغ متباينة...مثل: "جنود مصريون يقتلون 4 فلسطينيين ويصيبون آخرين في "نفق الموت" على الحدود مع غزة". وبهذا يمكن أن تتشكل حقائق مختلفة من حدث واحد. هناك أيضاً تكتيك مستخدم في تحليل الخطاب النقدي يعرف بــــ "الدس المبطن" (insinuation)، يتسم بكونه "مزدوج المعاني" أو حمّال أوجه. هذا التكتيك يمنح منتج الخطاب القدرة على التظاهر "بالبراءة", ورفض أي اتهام بتعمد التضليل. نلحظ تطبيقات عدة لهذا التكتيك في عناوين "العربية نت" مثل ذاك العنوان الذي يقول: "مصري يطالب برفع آيات القرآن من المحاكم لأن أحكامها خاطئة"، وفي ذلك تعريض بالآيات القرآنية ووصم لها بالخطأ، وربما يجادل الموقع بالقول إن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهو (المحاكم)، لكن هذا العرف اللغوي ليس على إطلاقه، إذ إن هناك قرائن لا بد من توافرها كانسجام النص وانسياب السياق. أول ما يتبادر إلى ذهن القارىء عند قراءة هذه الجملة أن الضمير في (أحكامها) يعود إلى آيات القرآن. يقول تعالى: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب".. الضمير في "ذريته" يعود إلى إبراهيم، مع أن يعقوب هو الأقرب، وسبب ذلك أن السياق يتحدث أصلاً عن إبراهيم. يمكن مقارنة العنوان بهذه العبارة: "سعودية تطالب بمراقبة مستحضرات التجميل في أسواق المملكة لأن أسعارها مرتفعة". إلى أين يعود الضمير في "أسعارها": إلى المستحضرات أم إلى الأسواق؟ معيار النص الدلالي والمنطقي يخبرنا أنها المستحضرات.

صهينة العناوين
هناك خبر استوقفني عن افتتاح أول شاطىء للعراة في تركيا، وهو ما استقبله موقع العربية بمزيج من الحفاوة بالحدث والتعريض بحكومة أردوغان. جاء في عنوان الخبر: "في خطوة ملفتة بعهد حكومة أردوغان: تركيا تشهد افتتاح أول شاطىء للعراة..." (26 نيسان/أبريل 2010). وورد في سياق الخبر أن افتتاح الشاطىء "خطوة جريئة" في ظل حكومة أردوغان، غير أنها تطرح "الكثير من علامات الاستفهام في وقت باتت تتجه فيه تلك الحكومة "ذات الجذور الإسلامية" إلى العالم الإسلامي بشكل كبير على مختلف الأصعدة...". بعد أسبوعين نشر الموقع خبراً ينعى فيه الشاطىء بإيقاع حزين: "لأسباب هندسية: إغلاق أول شاطىء للعراة في تركيا بعد أيام من افتتاحه" (9 أيار/مايو 2010). لم يشر الموقع إلى دور محتمل للحكومة التركية في إغلاق الشاطىء، وهو احتمال تحدثت عنه بعض وسائل الإعلام العالمية مثل بي. بي. سي، التي نقلت عن مدير المشروع رفضه التعليق على ما إذا كان مسؤولون من حزب العدالة والتنمية يقفون وراء الإغلاق، وعزمه على نقل مشروع منتجعه إلى كرواتيا إذا استمرت إعاقته (بي. بي. سي، 7 أيار/مايو 2010).
أما ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، فيحرص موقع العربية على تخفيف اللوم على إسرائيل، والتماهي مع سياساتها وممارساتها. ويستخدم الموقع التأطير والدعاية لرسم صور زائفة لمشهد الصراع في المنطقة. هناك مثلاً تكتيك شائع يسمى "إخفاء الفاعل" (omission of the agent)، يجري توظيفه غالباً بصيغة الفعل المبني للمجهول، أو بتحويل الفعل إلى اسم. مثلاً، نشر الموقع في 30 أيلول (سبتمبر) 2009 خبراً بعنوان: "مصرع فلسطينيين اثنين في قصف إسرائيلي على مدينة غزة". هنا غُيب الفاعل عمداً، من أجل تخفيف وطأة عدوانه، ولنتأمل استخدام "مصرع" ودلالته المناقضة لثقافة الجمهور الذي يؤمن باستشهاد مثل هذين الفلسطينيين دفاعاً عن أرضهم ودينهم ووجودهم. ورافق العنوان عنوان شارح يقول: "استهدف مجموعة كانت تعد لعمل عسكري"، وهو تكتيك مرد عليه موقع العربية وقناتها، والهدف: تبرير عدوان الإسرائيلي؛ كانت المجموعة تريد أن تتعشى عليه، فتغدى عليهم! ونطالع خبراً آخر بعنوان: "إسرائيل تقتل قيادياً في "القسام" ...شارك في هجوم قتل عنصراً من حرس حدودها". إذن إسرائيل مارست عملاً "انتقاميا" لا "عدائياً"، وهي "قتلت" ولم "تغتل" القيادي في "القسام". ومن المعلوم أن إسرائيل احتجت مراراً على استخدام الصحافة العالمية كلمة "اغتيال" (assassination) وطالبتها بالعدول عنها إلى "القتل المستهدف" (targeted killing)، وقد استجاب الكثيرون لهذا الطلب بما فيهم "بي. بي. سي" البريطانية. كما أن هذا القيادي (وهو علي السويطي) ظل "نكرة" في العنوان، ولو كان جندياً إسرائيلياً لتصدر اسمه صفحة الموقع, وأقول للعربية ما قاله مواطن أميركي نشر مقالاً ساخناً في صحيفة "الواشنطن بوست" (16 نيسان/أبريل 1988) ينتقد فيه افتتاحية لها نصت على ذكر اسم قتيلة إسرائيلية شابة، وتجاهلت أسماء ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية من الفلسطينيين مكتفية بالإشارة إليهم بعبارة "رقم كبير" (considerable number)، وكان عنوان المقال: "للفلسطينيين أسماء أيضاً" (Palestinians have names too).
لننظر أيضاً على سبيل المثال إلى هذا العنوان الذي ظهر على صفحة الموقع في 25 نيسان (أبريل) 2010: "جرح 10 فلسطينيين في مواجهات مع الأمن الإسرائيلي بالقدس".. إنه مثال صارخ على تغييب الفاعل، فالفلسطينيون أصيبوا في "مواجهات", ربما أصاب بعضهم بعضاً عندما اختلط الحابل بالنابل، ولا دليل في العنوان يدين الفاعل، والأدهى من ذلك أن الطرف الذي قام بالاعتداء على الفلسطينيين هو "الأمن الإسرائيلي" لا جنود الاحتلال، وهي عادة درجت عليها العربية قناة وموقعاً، تهدف إلى نزع صفة "المحتل" عن ما تصفه دائماً بـــ "الجيش الإسرائيلي" من دون أدنى اعتبار للجمهور الذي تخاطبه، بل من دون اعتبار للمواثيق والقرارات الدولية التي ما فتئت تؤكد عدم شرعية احتلال الضفة وغزة على الأقل. لكن "العربية نت" يعرف متى يُظهر الفاعل..تأمل مثلاً العنوان: "طالبان باكستان تقطع أيدي ثلاثة رجال متهمين بالسرقة"..الفاعل معلوم، و "القطع" حصل بناء على "اتهام" لا إدانة. المشهد كله يشي بالقسوة والتوحش. ولننظر إلى خبر آخر نشره الموقع في 15 نيسان (أبريل) 2010 كان عنوانه: "الحكومة المقالة في غزة تُعدم فلسطينيين بالرصاص في تجاوز للدستور". الخبر لا يفتقر إلى الصدقية والمهنية فحسب، بل إلى أدنى ذرة من خلق كريم. ولو تجاوزنا تعبير "المُقالة" الذي يمثل انحيازاً إلى طرف دون آخر، لوجدنا أن الفعل ليس مبنياً للمجهول، بل ظاهر للعيان: "تُعدم"..وبماذا ؟ بالرصاص؟ وفي أي سياق قانوني؟ "في تجاوز للدستور". عنوان مترع بالإيديولوجيا، ويصلح أنموذجاً لتدريس طلاب الإعلام عن "اصفرار" الصحافة، والحاجة إلى تطبيق نظريات أخلاقية مثل "المسؤولية الاجتماعية" للصحافة.
الميول الصهيونية "للعربية نت" تؤكدها عناوين مثل ذلك الذي اختاره لخبر عن احتفال "إسرائيل" باغتصاب القدس وضمها، وكان نصه: "إسرائيل تحتفل بالذكرى الـــ 43 "لإعادة توحيد" القدس" (12 أيار/مايو 2010). ولا عبرة هنا بوضع عبارة "إعادة توحيد" بين مزدوجين، لأنه لا سياسة تحريرية واضحة تحكم وضع الأقواس في الموقع، وحتى لو سلمنا بأن هذين المزدوجين يبرئان الموقع من دماء الفلسطينيين والعرب ودموعهم، فإن وضع العبارة يمثل استخفافاً بهذه الدماء والدموع، وتهويناً من مرارة القهر والابتلاع الذي يتجرعه أهل القدس والعرب جميعاً منذ احتلال المدينة. ونقرأ في تفاصيل الخبر الإشارة إلى حائط البراق بــ "حائط المبكى"..وهي تسميته الصهيونية، ولا عجب أن يعيد موقع العربية إنتاج المصطلحات الصهيونية، ولا يسعنا بالطبع افتراض سذاجة القائمين عليه أو جهلهم باسم الحائط، ولو فعلنا، إنا إذن لمن الجاهلين.

أسباب الهجوم على "حماس"
تزدري "العربية" موقعاً وقناة حركة "حماس" ولا تستسيغها؛ لأنها، ببساطة، تقاوم المشروع الصهيوني في فلسطين. الأمر أبعد من كونه مساواة بين الضحية والجلاد؛ إنه تخندق في صف الجلاد. موقع العربية ليس أكثر من بيدق، ومدير قناتها ليس أكثر من بندقية مستأجرة للدفاع عن مصالح إسرائيل. لنتأمل بعض العناوين المتعلقة بحركة "حماس" التي تصدرت "العربية نت". في 12 نيسان (أبريل) 2008 ظهر هذا العنوان على صفحة الموقع: "حماس تهدد بتصفية وزراء إسرائيليين إذا تم استهداف هنية أو أحد قادتها"، لكن متن الخبر تضمن تصريحاً بين مزدوجين للقيادي في "حماس" مشير المصري يقول فيه "إن أية حماقة إسرائيلية باستهداف...الوزر ء والنواب والقيادات الفلسطينية في قطاع غزة، أو استهداف رئيس الوزراء إسماعيل هنية، أو أي قيادي..فإن الرأس بالرأس والوزير بالوزير على يد كتائب القسام". وهكذا يتضح أن المصري لم يخصص قادة الحركة، بل كل أطياف العمل السياسي والمقاوم في غزة، ولكن الموقع أراد الإيحاء بأن الحركة لا تفكر إلا في أمن قادتها ومصالحها الحزبية. إن تحامل "العربية نت" على حركة "حماس" وعلى سائر أطياف المقاومة الفلسطينية أمر لا تخطئه عين الناقد. لننظر مثلاً كيف صاغ الموقع عنوان خبر عن ذكرى تولي "حماس" مقاليد الأمور في غزة: "عام "مثقل بالآلام" في الذكرى الأولى لسيطرة حماس على قطاع غزة" (12 حزيران/يونيو 2008). العنوان صارخ في تحامله ومشبع بالرأي، ولكن ربما يزعم الموقع البراءة؛ إذ إن متن الخبر ينسب إلى إسماعيل هنية قوله: "هذا العام كان مؤلماً على الصعيد الوطني". كان هنية، بالطبع، يقصد الانقسام في الصف الفلسطيني، لكن "العربية نت" اختار أن يضع عبارته في العنوان ويربطه بسيطرة "حماس" على القطاع، وهو ما لم يقصده هنية، لكنه في نهاية المطاف خدم الأجندة المتصهينة للموقع. لاحظ مثلاً خبراً نشره الموقع في 24 حزيران (يونيو) 2008 يقول عنوانه: "حماس متمسكة بالهدنة رغم إطلاق صواريخ على إسرائيل"، وخبراً آخر بعنوان: "إسرائيل ترد عرض حماس للتهدئة بعد قتل حارسين ]إسرائيليين[ بهجوم قرب الضفة" (25 نيسان/أبريل 2008)، وفي العنوانين ما فيهما من الطعن في موقف الحركة، وتبرير العدوان الإسرائيلي عليها، وإظهار إسرائيل بمظهر الضحية، وتبني الرواية الإسرائيلية كاملة.
لذلك كله لم يكن غريباً أن ينحاز "العربية نت" إلى العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة، ويتخندق في حرب الدعاية ضد الشعب الفلسطيني في القطاع. لنتأمل مثلاً خبراً نشره الموقع بُعيد بدء العدوان ابتكر له عنواناً صهيونياً: "هنية يرفض الاستسلام حتى لو أبيدت غزة" (27 كانون الأول/ديسمبر 2008). لكن ذلك التعبير لم يكن دقيقاً، بل مشوهاً، إذ صرح هنية، بحسب صحيفة القدس الفلسطينية (27 كانون الأول/ديسمبر 2008) بما يلي: "نقول للاحتلال لن نتنازل ولن نتراجع حتى لو أبدتم غزة، ولن تتمكنوا لأنها عصية على الكسر". تحاشى الموقع بالطبع نشر التصريح كاملاً، مجتزئاً منه ما يخدم أجندته، ومظهراً هنية في صورة القائد اللامسؤول واللامبالي بمعاناة شعبه، ومتحدثاً عنه بصفته الفردية "يرفض الاستسلام"، لا بصفة تمثيله للشعب "لن نتنازل". هكذا يبدو خطاب "العربية" المتصهينة المتماهية حتى النخاع مع أولمرت وليفني وبقية العصابة.

لماذا التركيز على العنوان؟
العنوان هو أول ما تقع عليه عين الناظر، وربما يكتفي القارىء بقراءته، ولكن المشكلة هي افتراض نقاء الصياغة وتجرد المحرر، ومن هنا يؤتى غير الحذر. لنطرح هنا بعض الأمثلة عن أسلوب من أساليب التحليل النقدي للخطاب يعرف بـــ "الافتراض المسبق" (presupposition)، ويهدف إلى تشكيل انطباع مؤداه أن المعلومة الواردة في الخبر "أمر مسلم بصحته", ما يضعف رغبة القارىء في مساءلة هذه المعلومة أو التشكيك فيها. من ذلك العنوان الذي ظهر على صفحة الموقع في 30 نيسان (أبريل) 2010: "على خلفية تسليم أسلحة لحزب الله اللبناني: كلينتن تحذر الرئيس السوري من خطر اندلاع حرب إقليمية". سوريا نفت مراراً تسليم حزب الله أي سلاح، ولكن عنوان "العربية نت" يسلم بأمر التسليم بوصفه حقيقة، متبنياً الرواية الأميركية والإسرائيلية. مثال آخر: عنوان نشره الموقع في 30 نيسان (أبريل) 2010 يقول: "كرّوبي يدعو الإيرانيين لاستمرار الاحتجاج ضد الحكومة غير الشرعية"، وهو افتراض مسبق بعدم شرعية الحكومة القائمة، ولم يكلف الموقع نفسه وضع هذه العبارة بين مزدوجين.

اللغة بوصفها سلاح دمار شامل
السياسة والإعلام، في جوهرهما، لعبة كلمات. وقد أسفرت دراسات كثيرة في مجالات الاتصال السياسي وتحليل الخطاب عن التأثير واسع النطاق للنعوت والتوصيفات في رسم المشهد السياسي وتعبئة الرأي العام والحث على العمل. وبالعودة إلى "العربية نت" نلاحظ لعبة الكلمات المؤدلجة في تناول موضوعات شتى. لنختصر هذه الفكرة في الأمثلة التالية: وصف الموقع العدوان الإسرائيلي على غزة "بالهجوم"، ودأب على وصف أي اعتداء على حياة الفلسطينيين بكلمات مطاطة وهلامية مثل ""عملية" و "غارة" و "توغل". كما دأب على وصف المقاومين المجاهدين بــــ "المسلحين"، وربما "المتشددين". لنقارن بين هذه الصور وبين تناول الموقع لقضايا أخرى. مثلاً، نشر الموقع خبراً يقول عنوانه: "الدانمارك تدين اعتداء على سفارتها بباكستان أودى بحياة 8 أشخاص: قالت إنها لن تغير سياستها بسبب الإرهاب" (2 حزيران/يونيو 2008). "اعتداء".. و "أودى بحياة".. ليسوا صرعى ولا قتلى.. ولولا الحياء لأصبحوا شهداء.. والدانمارك التي دافعت عن شتم محمد (صلى الله عليه وسلم) لن ترضخ "للإرهاب". خبر آخر حمل العنوان التالي: "اعتقال سويدي يشتبه بإحراقه منزل رسام الكاريكاتور المسيء للرسول ] وهو[ الاعتداء الثاني على الرسام خلال أسبوع". وفي 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 نشر الموقع خبراً بعنوان: "غارة جوية بباكستان تصفي العقل المدبر لمحاولة اعتداء ببريطانيا وأميركا..مقتل 5 متشددين بينهم عرب". لنلاحظ الفعل "يصفي" الذي يدخل في إطار "تلطيف القبيح"، وكلمة "اعتداء" المنحازة، وكلمة "متشددين" التي هي نبز باللقب. لنتأمل أيضاً التبرير الكامن في هذا العنوان: "مقتل 9 من الشرطة الأفغانية في قصف جوي خاطىء للقوات الدولية" (20 تموز/يوليو 2008). إذن هو "خاطىء"، ومن ثم فهو معذور ومبرر، لكن القوات المعتدية ليست "دولية" كما يزعم الموقع، بل غربية يقودها حلف النيتو. وأخيراً، ينشر الموقع خبراً عن شهزاد الباكستاني الذي حاول تفجير تايمز سكوير في نيويورك، ويضع له عنواناً يقول إن "الاعتداء الفاشل كان يفترض أن يقتل العشرات" (5 تشرين الأول/أكتوبر 2010). لنقارن ذلك بالعنوان السمج والباهت الذي اختاره الموقع لتلخيص حادثة الاعتداء على حياة سعوديين كانوا يصلون الفجر في صحراء النيحر، والذي أسفر عن استشهاد أربعة منهم وإصابة خمسة: "النيجر توقف 8 أشخاص على خلفية مقتل 4 سعوديين" (30 كانون الأول/ديسمبر 2009). وسفر الصهينة مازال جمّاً.

الإعلام المتصهين: ماذا يمكن للمواطن العربي أن يفعل؟
أعتقد أن المواطن العربي أخذ يتعرف على مفردات الخطاب المتصهين، ويطور مناعته ضدها. يخطىء موقع قناة العربية إذا ظن أنه بهذا التلاعب وبهذه اللغة المزدوجة المخاتلة يستطيع التشويش أو التعتيم على المعلومة والصورة والكلمة. يخطىء حين يلفق ردوداً لقراء وهميين على أخباره، متناغمة تعليقاتهم ومفرداتهم، كأنما هم "شلة" التأمت في مقهى لتكيل الثناء لما يقول الموقع. يخطىء حين يضع عموداً للآراء ينتقي فيه غالباً من المقالات المنشورة في الصحافة الورقية كل "رأي" يشتم العرب أو يسخر من ثقافتهم وتاريخهم. الجماهير ليست غبية كما تظن "العربية" قناة وموقعاً. نحن في عصر السماوات المفتوحة؛ عصر المجتمع المدني والتفكير النقدي، عصر الإعلام الجديد/البديل الذي يمكنه رصد الظواهر الشاذة والزائفة وتعريتها. نحن أيضاً نعيش عصر المواطن المنغمس في الشأن العام، المدافع عن قضاياه، المشارك في صراع المعلومات، والقادر على مقارعة سدنة الإعلام المترهل/المتصهين. حان الوقت للمواطن العربي أن يصدع برأيه مجسداً حقه الديموقراطي في التعبير، ومستفيداً من مساحات الحرية التي تتيحها له منافذ الإعلام الجديد. الإعلام أصبح، في معنى من المعاني، حرباً ضروساً، ولا يمكن للمواطن أن يقف مكتوف اليدين أمام فضائيات وشبكيات وورقيات تشن حرباً عليه وعلى كينونته وثقافته وأمنه القومي. إنها حرب معلومات من طرف واحد قائمة على التجهيل والتضليل وخذلان الصالح العام، ولا يمكن لنا نخباً وجماهير ومثقفين ومواطنين عاديين أن نترك لمجموعات فارغة إلا من المال أن تستأثر وحدها بإدارة المعلومات. أنا واثق بوعينا وبقدرتنا على المقاومة ثقتي بهزيمة الإعلام المتصهين ورموزه ومموليه، ولكن هذا يتطلب منا تنويع مصادر المعلومات، وتعلم القراءة الذكية للنصوص، وعدم أخذ العناوين والصور على محمل التسليم. الحفاظ على عقولنا من التلاعب يتطلب حذراً مستمراً.

** الدكتور أحمد بن راشد بن سعيّد، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود في الرياض