قاض يرد شهادة سلطان

يعتبر العلامة محمد بن محمد بن حمزة الفناريَّ من أشهر وأمهر علماء الدولة العثمانية في الصدر الأول من حياتها، ولقد ولد هذا الشيخ الإمام بالأناضول سنة 751هـ، ثم ارتحل إلى مصر لطلب العلم، ولما أنهى رحلته في طلب العلم والحديث عاد إلى بلاده واشتغل بالقضاء والفتيا والدرس والتآليف، وهو مصنف كتاب [فضول البدائع في أصول الشرائع] وهو من أجل الكتب الأصولية وأنفعها، والذي مكث في تصنيفه ثلاثين عامًا.

وبسبب علمه وورعه وحسن قضائه ارتفع قدره عند السلطان بايزيد الصاعقة* سلطان الدولة العثمانية، وحل عنده المحل الأعلى، وجعله في منصب القضاء الأعلى للدولة العثمانية، وأغدق عليه الأموال والعطايا والمنح، ومع ذلك كان القاضي متزهدًا في ملبسه ومسكنه ومأكله، لا يبالي بفتوح الدنيا التي تنهال عليه.

ومن تصلب ذلك الإمام في الحق وتثبته في القضاء أنه رد شهادة السلطان بايزيد الصاعقة في قضية معينة، ولنا أن نتخيل ذلك الموقف العجيب، أقوى سلاطين المعمورة وقتها، صاحب الفتوحات الرائعة في أوروبا، وبطل معركة نيكوبوليس، وفاتح بلغاريا، وقاهر الحلف الصليبي المقدس بزعامة البابا بونيفاس التاسع، يتقدم للشهادة فيرده القاضي الفناريّ، على الرغم من العطايا والمناصب التي أعطاه إياها من قبل، فيسأله السلطان بايزيد عن سبب ذلك، فيقول القاضي الفناريّ: «لأنك تارك لصلاة الجماعة».

فما كان من سلطان الدولة العثمانية إلا أن قام ببناء جامع كبير أمام قصره ولم يترك صلاوة الجماعة بعد ذلك مطلقًا في حل ولا ترحال.

فرحم الله عز وجل الرجلين القاضي الصادع بالحق والسلطان السامع له.


قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) متفق عليه.
ــــــــــــــ
* بايزيد الأول: لقب بالصاعقة: وباسم يلدرم أي الصاعقة نظرًا لحركته السريعة بجيوشه وتنقله بين عدة جهات بمنتهى السرعة، كان غاية في الشجاعة والجهاد في سبيل الله.