الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد
قال ابن القيم رحمه الله :- "ولو قدر أن يتخيل أهل العلم للعلم صورة لكانت أبهى من ضوء الشمس "
وكيف لا والعلم هو أشرف شيء يطلب وأعلى شيء يتمناه العقلاء ، قال تعالى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة ُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] ، وقال تعالى : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] ، وقال تعالى : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]
العلم أشرف مطلوب وطالبه *** لله أكرم من يمشي على قدم
لأنه أرث حق دائـم أبـدا *** وما سواه إلى الإفناء والعدم[1]
ولما كان العلم بهذه المكانة السامية والرتبة العالية استمد أهله شرفهم من شرفه ومكانتهم من مكانته ، فإن شرف العلم من شرف المعلوم ، ولذا قسم العلماء العلم إلى علم ممدوح وعلم مذموم ، فالعلم الممدوح يفخر به أهله ، والعلم المذموم يكون عاراً وشناراً على أهله .
ومن أهم العلوم التي يتشرف الساعي إليها بسعيه وينفق فيها أوقاته ويهلك فيها ماله ، ويستثمر فيها قوته ونشاطه علم أصول الفقه الذي هو بمثابة الموازين التي يبني عليها الفقيه فقهه والعالم رأيه ، والتي بدونها يضيع العلم ويذهب العدل وينحرف ميزان القسط ، وقد قالوا : " ما منعهم من الوصول إلا تضييع الأصول "
وقد أجمع العلماء على أن الفقيه والمفتي والمجتهد لا يستغني أحدهم عن معرفته ولا يستقيم رأيه إلا به قال ابن بدران رحمه الله تعالى: (وأعلم أنه لا يمكن للطالب أن يعتبر فقيهاً ما لم تكن له دراية في الأصول ولو قرأ الفقه سنين وأعوام.... ثم يقول: ومن أدعى غير ذلك كان كلامه جهلاً ومكابرة) أ.هـ.
*وقد توالى حمل هذا العلم خلفاً عن سلف حتى وصل إلينا بأبهى صوره وأجمل حلله في المذاهب الأربعة المتبوعة .. وغيرها ، ما بين ملخص ومسهب ومتن وشرح وحاشية ونظم ومسائل مفردة كانت الغاية في الترف العلمي النافع الذي يدل على نضوج الفكرة وبعد النظرة وقوة الفهم.
ولما كان علم الأصول بهذه المكانة تلقيت النصائح من مشايخي وأساتذتي واحداً تلو الآخر بأن أوليه إهتمامي وأن أصرف فيه أوقاتي تعلماً وتعليماً ومحاضرة ومذاكرة ، فاختلفت في طلبه (سوى دراستي الجامعية) إلى عدد كبير من الأساتذة والمختصين ، وقرأت فيه بعض الكتب المفيدة وكتبت فيه ملخصات لبعض أبحاثه ، فلم أجد فارساً أعلى كعباً ولا أشرف مكاناً من شيخي وأستاذي وقدوتي ووالدي الأستاذ الدكتور / عمر بن عبد العزيز الشيلخاني (رحمه الله) الذي كان لي بمثابة الوالد والصديق قبل أن يكون شيخاً ومعلماً وأستاذاً وقد حُمل إليَّ نبأ وفاته في صبيحة يوم / الأحد 25 يوليو 2010م ، 13 شعبان 1431هـ
فانخلع قلبي لنبأ وفاته وانهملت عيني بدموع تختلط بالحزن والأسى لفقد الأمة عالماً من علمائها وأصولياً – ولست مبالغاً –لم أر مثله في عصرنا ، فَقَدَت توجيهه وفَقَدَت الأمة علمه .
قال الحسن : كانوا يقولون : " موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار "[2]
وموت قوم كثير العد أيسر من *** حبر يموت مصاب واسع الألم
كما منافعه في العالم اتسعـت *** وللشياطيـن أفـراح بموتهـم
تالله لو علموا شيئاً لما فرحـوا *** لأن ذلك مـن أعلام حتفهـم[3]
طلبه للعلم :
- تلقى الشيخ علمه في المراحل الدراسية ببلدته (شيلخان) وذلك بعد أن حفظ القرآن الكريم ، وفي أثناء دراسته للعلوم الشرعية كان يتلقى عن والده الشيخ / عبد العزيز الشيلخاني – رحمه الله – علوم الفقه والأصول واللغة والمنطق وقد كان يمدح شيخنا - رحمه الله – والده كثيراً ويثني عليه في علمه ويطلب منا الدعاء له ويذكر لنا أنه كان ينصحه بدراسة الكتب القديمة في الأصول وغيرها ، وأن والده كان له تعليقات وحواشي على كتب الفقه والأصول واللغة وهكذا مدحه غير واحد ممن كان معنا من أهل بلدة الشيخ – رحمه الله .
وبعد أن أتم الدراسة النظامية جاء إلى "الأزهر" قبلة العلم والعلماء ومنارة الدين في أرض الله تعالى ، فحصل من الأزهر على الدراسات العليا ثم الماجيستير ثم الدكتوراه .
شيوخه من الأزهر ورأي الشيخ في الأزهر :-
كان شيخنا يمدح الأزهر كثيرا ، ويثني على علمائه ، ويثني على شعب مصر ثناءاً حسناً ، بل قال لي مرة : "أريد شراء قطعة أرض بمصر وبناء بيت عليها لأعيش في مصر بقية عمري وفاءاً بحقها ورضاً بأخلاق أهلها" ، وكان يمزح ويقول : "بس الأرض هاتبقى بإسمك يا علي ، وبعدين أخاف تقولي مالكش حاجة"[4].
- ولم يمدح شيخي أمامي ولا أمام طُلابه غير شيخ واحد وهو الشيخ العلامة الأُصولي الفقيه اللغوي / مصطفى عبد الخالق[5] ، وكان من كلامه عنه : "أنه كان لا يمسك ورقة ولا يُحْضر كتاب بل كان يُحَاضر من حفظه ، قال : وكنتُ أكتب خَلْفَه حتى اجتمع لي عددٌ كبير من الأوراق يليق بأن يكون كتاباً – قال : فقلت له : يا شيخنا نريد طباعة هذه الأوراق فقال : ليس لها قيمة ، فقلت له أطبعها بإسمي ؟ قال : اطبعها ، ، فالعلم علم المصطفى ، والكتاب باسم عمر ، وهكذا غاية الإخلاص والتجرد لله تعالى " .
وقال لي مرة : "يا عليّ كان شيخي مصطفى مجتهداً ، فنظرتُ إليه ! نظرَ المتعجب ! لأني أعلمُ تشدد شيخي في شروط المجتهد ، فقال لي بصوت ذي نبرة عالية ، يا علي كان مجتهداً بالمعنى الإصطلاحي، وأنا أعي ما أقول" .
وإن كان الشيخ لم يمدح لنا أحداً باسمه غير الشيخ مصطفى إلا أنه كان يذكر كثيراً أنه تتلمذ في مصر على يد مجموعة كبيرة من أهل العلم الذين لا يُشهد غُبارهم ، ولم يجد الزمان بمثلهم ، على حد تعبير شيخنا – رحمه الله .
علم الشيخ :-
كان الشيخ من علماء الأصول الأفذاذ الذين قل أن نجد مثلهم في جودة الفهم وحسن التعبير والمهارة في التعليم ، فقد جلست بين يدي كثير من أساتذة الأصول فلم أفهم من أحد ذلك الفهم مثل ما فهمت من شيخنا – رحمه الله – فقد كان يُفَصِّل المسائل ويَفْضِل بينها ، في حين تجد الكثير ممن يتصدون للتعليم تختلط في ذهنك المسائل إذا استمعت إلى شرحهم ، وتلتبس عليك الأمور ، وهذا يعني أن الشيخ – رحمه الله عانى في طلب العلم وعرف غوامضه وما يُشكِل على طلابه .
وقد أثنى على شيخنا جميعٌ من رآه واستمع إليه وعايشه في حياته ، ومنهم :
- الأستاذ الدكتور / علي محيى الدين القُرة داغي ( شيخي وأستاذي ) فقد ألقى شيخنا – رحمه الله – محاضرة في الجامعة القطرية يحضرها أساتذة الفقه والأصول والحديث والعقيدة وغيرها ، وكان عنوانها "سد الذرائع" فقال في تقديمه له : فارس ميدان علم الأصول .
- الأستاذ الدكتور / محمد الدسوقي أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة بقطر وكلية دار العلوم بمصر ، وكان مما قال عقب هذه المحاضرة "الشيخ يتكلم في الأصول بلغة القدماء ، وهذه لغة صعبة ، الشيخ كانه يخاطب التفتازاني أو ابن النجار أو الغزالي .
- الأستاذ الدكتور / أكرم ضياء العُمَري ، وقد كان ممن حضر هذه المحاضرة ، وأثنى على شيخنا كثيراً ودعا له بخير .
- الأستاذ الدكتور /سُعود الشُريم ، فقد زار قطر وسأل عن الشيخ وقال كنت أتمنى أن يكون مشرفاً على رسالتي .
- الشيخ / محمد إسماعيل المقدَّم ، وقد كان يوصي بالشيخ وملازمته وممن أخبرني بذلك صهر الشيخ المقدَّم الشيخ / محمد القفاش – حفظه الله .
- جميع الذين لازموا الشيخ في المدينة المنورة شهدوا بعلمه وخبرته وعلو كعبه ، وقد أخبرني بنفسه أنه كان في المدينة المنورة منذ فترة مبكرة من عمره ، وأنه ساهم بنصيب كبير في تأسيس قسم أصول الفقه بالجامعة الإسلامية .
كتب الشيخ شاهدة بعلمه وثقابة فهمه ودقة بحثه ، ومنها :-
1- مباحث التخصيص عند الأصوليين (وهي رسالة الدكتوراه) مطبوعة بحمد الله .
2- الزيادة على النص عند الأصوليين .
3- النقص من النص .
وهذه الكتب الثلاثة أهداني إياها الشيخ – حفظه الله – وغير هذه الكتب أيضاً مما حصلت عليه من المكتبات .
نشاط الشيخ العلمي :-
كان الشيخ– رحمه الله – (ورغم كبر سنه) شعلة من النشاط في حركته وطريقة تدريسه فتراه يشرح ويتحرك كأنه شاب صغير السن في حكمة الكبار وتؤدة المجربين الممارسين للعلم بكل صُوَره وأنواعه .
1- في الجامعة : كان يُدرِّس في الجامعة ما تُقرره على الطلاب من كتب ولا يبالي أي كتاب قررته ،لأنه كان ذو موسوعية في تخصصه ، فكان يُصوب ويُصحح ويبين ويلتزم في تدريسه بألفاظ القدماء من أهل هذا الفن ، فشرح لنا كتاب أصول الفقه للأستاذ عبد الوهاب خلاف ، وأصول الفقه لمحمد شلبي .
2- في المسجد : درَّسَ لنا في المسجد المجاور لبيته ونحن في دولة قطر ، كتاب شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلي ، واستمر في تدريسه أربعة أعوام تقريباً ، وسجلها أحد الإخوة ، وهو الأخ خالد مفتاح الليبي[6]، وكنا نكتفي بتسجيله نائباً عنا ، وكان ذلك بطلب الشيخ – رحمه الله –، وقد كان الشيخ – رحمه الله – يخاطبني أثناء الشرح كثيراً بإسمي ويدعو لي ويمزح معي.
- وكان للشيخ درس في تفسير القرآن بمسجد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو المسجد الذي يخطب فيه الدكتور/ يوسف القرضاوي.
3- في البيت : كان الشيخ يدعو الناس لزيارته في بيته وكان لا يرد أحداً فكنا نغشاه في بيته ونسأله ويجيب بكل أدب ورحابة صدر ، وأذكر أن الأستاذ الدكتور المربي / أسامة عبد العظيم حمزة – حفظه الله – زار الشيخ في بيته ، وأثنى عليه كثيراً ، وكنت ممن حضر معهم على الغداء ، وذكروا لي أن شيخي – رحمه الله – أجَّلَ تقديم الغداء لهم حتى أحضُر ، وكنتُ تأخرتُ عليهم ، فأثنى الشيخ الأصولي / أسامة عبد العظيم على الدكتور عمر وأمرنا بلزومه والاستفادة من غزير علمه ووفير أدبه ، بل ذكر لنا الدكتور عمر – رحمه الله – أنه لما زار مصر ، وزاره الدكتور أسامة في مسكنه كان الدكتور أسامة يحمل معه مختصر ابن الحاجب ويسأل شيخنا عن بعض ألفاظه ، فقال له شيخنا : أحب أن نجلس هكذا فقد حجبني عنك ابن الحاجب .
4- وللشيخ كثير من المؤلفات التي تشهد بغزير علمه وتحقيقه وتدقيقه وذكرت بعضها آنفا .
الأعمال التي تولها الشيخ :-
تولى الشيخ كثير من الأعمال معظمها في التدريس والبحوث العلمية ، ومن ذلك :-
1- تولى تدريس علم الأصول في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وذلك لمدة خمسة عشر عام تقريباً ، وقد قام خلال هذه المدة بالإشراف على كثير من رسائل الماجيستير والدكتوراه وقد قال لي مرة "كنت أشرف على بعض رسائل الموضوعات في الأصول ، وكنت أظن أن رسائل تحقيق المخطوطات أيسر ، فلما أشرفت على رسالة تحقيق ودراسة مخطوط وجدتها صعبة جداً ، فقلت له : ولم ؟ فقال : صاحب الموضوع يكتب ما يفهم ، وصاحب المخطوط يفهم ما كتبه غيره ، وهذا أصعب ، فلما عملت أنا في رسالتي للماجستير وكانت مخطوطاً عرفت حقيقة ما ذكر لي شيخي – رحمه الله .
2- تولى تدريس علم الأصول في جامعة أم القرى مدة أذكر أنها تزيد على أربعة أعوام – كما ذكر لي بنفسه .
3- تولى تدريس مادة أصول الفقه في جامعة قطر – كلية الشريعة – قسم الفقه والأصول ، وكانت آخر الجامعات التي دَرَّسَ فيها .
4- كان - رحمه الله - يحضر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بدعوة رسمية منه .
5- كان آخر عمل للشيخ في إدارة الشئون الإسلامية بقطر في تحقيق مخطوطات في الأصول.
ديانة الشيخ وورعه : -
كان شيخنا – نحسبه كذلك والله حسيبه – تقياً ورِعاً يخافُ من القول بلا علم ومن التعدي في أمور الدنيا فيبتعد عن الشُبُهات ، ويتحاشى المُحرَّمات .
أما في أمور العلم فأذكر لي معه موقفين : -
الأول : أنني لما كتبت بحثاً في الفقه المقارن وهو "تحقيق المقال في رمي الجمار قبل الزوال " طلبت من شيخي أن يقرأه ، ففعل تواضعاً منه – رحمه الله – كلما سألته قال : البحث طيب ، فقلت له : أطمع في مقدمه من فضيلتك لهذا البحث قبل طباعته ، فقال لي : لا ، لكن إذا كتبت في علم الأصول سأفعل إن شاء الله .
وهذا يدل على ورع الشيخ العلمي ، فإنه يؤْمِن بالتخصص ، وهذا لا يعني أنه ليس بفقيه بل هو فقيه حنفي بارع ، وأصولي متين ، لكنه يريد أن يستمر طالب العلم في تخصص بحيث يمهر فيه ويتقنه فلا تزل قدمه ولا يضل فهمه ولا يطيش قلمه ، ويطبق ذلك على نفسه .
الثاني : أنه اتفق معنا على أن يدرس لنا يوماً آخر غير يوم تدريس الأصول ، والمادة المقررة كانت كتاب النكاح من بداية المجتهد لابن رشد ، وكان هذا بناء على توجيه ومشورة من الدكتور / أسامة عبد العظيم حمزة ، واتفق على هذا الدرس الأخ الفاضل الشيخ / محمد بيضون التميمي ، فلما بدأنا في الدرس قرأنا تعريف النكاح فمن ذاهب إلى أنه ملك البضع ومن ذاهب إلى أنه إباحة البضع فقال الشيخ – رحمه الله – وإيه الفرق يعني ، هو الزوج لو كان يملك البضع هيأجره ، فقلت : شيخنا قد ذكر بعض أهل العلم الثمرة المترتبة على هذا الإختلاف في التعريف ، فقالوا : إذا وُطئت المرأة بنكاح فيه شبهة وهي متزوجة ، كأن يطأها أجنبي على أنها زوجته فهذا يوجب مهر المثل ، فإن قلنا أنه ملك البضع يكون مهر المثل للزوج ، وإن قلنا : إنه إباحة البضع فيكون مهر المثل للمرأة ، فسكت الشيخ ولم يبد شيئاً ، فلما جن علينا الليل اتصل بي وقال لي كرر لي ما ذكرت في الدرس فإني لم أنتبه له ، فاعتذرت منه وحاولت عدم الكلام حياءاً وخجلاً ، وأنا والله لم أقصد شيئاً ، فقال هذا حق فأعده عليَّ فأعدت عليه الكلام فقال جزاك الله خيراً ، ثم اعتذر عن الدرس ولم يكمله وأنا لم أفاتحه في سبب توقف الدرس ، لكن أظن أن ورع الشيخ وإيمانه بالتخصص هو الذي منعه ، وأما أنا فعاتبت نفسي كثيراً على ذلك ، قلت : سوء أدبي تسبب في توقف مثل هذا الخير ، أسأل الله العافية والمغفرة .
وأما في أمور الدنيا :-
فقد كان الشيخ يتحرز منها جداً ، فيحافظ على موعد المحاضرة ويخلص فيها ويتحر الحلال ، وأذكر منها أيضاً موقفين :-
الأول : أني زرته في بيته بعد إجازة الصيف ، وأخذت معي كيلوان من عسل النحل المصري ولم يرها وتركتها بعد جلوسي معه وخرجت ، فما أن وصلت إلى البيت حتى اتصل بي وكلمني وهو مغضب جداً : ما هذا ؟ فقلت : هذا شيء يسير وبيني وبين فضيلتكم من الود ما يسمح بذلك ، فقال لي : أنا أستاذك في الجامعة أليس كذلك ؟ قلت : بلى ، قال : وهل يجوز أن يُهدي الطالب لأستاذه ؟ قلت : لا ، لكن الشبهة أنت بريء منها ! قال : لا ، فإذا تخرجت من الجامعة فأهدني ما شئت ، تعالى الآن فخذ هذا العسل .
الثاني : أنه كان إذا غاب محاضرة في الجامعة أو تأخر عنها يحاول أن يعوض طلبته الوقت قدر طاقته ولا يألو جهداً في ذلك ، وكان يصرح لنا بذلك أحياناً ليدفع عن نفسه الشبهة وليبين لنا الطريق الصحيح .
أخلاقه وأدبه وكرمه وتواضعه :
كان شيخنا – رحمه الله – شديد التواضع يعامل جميع من يلقاه ببشاشة الوجه ولين الجانب حتى يشعر العامي إذا عامله أنه عامي مثله ، ولا يشعر طالب العلم أن الشيخ يفوقه في شيء ، ولا يتسلل إلى نَفْس العَالِم أن الشيخ إمام جِهبِز ، وفارس في علمه لا يبارى إنما يعرفه إذا نزل حلبة الميدان ولبس لأمَة أهل العلم التي لها وقتها ، وهذه السمة مفقودة في كثير من الناس بل أكثرهم ، حتى نجد بعض الطلاب الذين لا يبلغون درجة طالب من طلاب شيخنا يحاولون التزييف على الناس بسمتهم المقفهر الوجه المتقطب الجبين المتشبع بما لم يُعْط من زَعْمِ العلم والعمل والتُقى والوَرَع .
وكان من تواضعه أنه كان يسألني الدعاء ، ولا سيما إذا كنت في حج أو عمرة ، ثم إذا قلت له أفعل ، قال : وماذا ستقول ؟ قلت : أقول اللهم اغفر لشيخي ووفقه ونحو ذلك ، فيقول لي : ولكن قل : اللهم اغفر لعبدك عمر ...... إلخ .
ومن تواضعه – رحمه الله - أنه كان يقبل الهدية ولو كانت ممن هو أدنى منه مثلي ويطمئن على طلابه ، فقد كان يتصل بي من حين لآخر ، ويقول : أين أنت ؟ أنا قلقت عليك ، وهذا مما إذا فعله الشيخ مع تلميذه يظن بعض الأغرار أنه شيء أو أمر يحتاج الشيخ إليه ولا يستغني عنه ، - ولا حول ولا قوة إلا بالله – ولا يدر أنه كمال أدب الشيوخ الذين هم آباء طلابهم .
آبَاءُ أَجْسَادِنَا هُمْ سَبَبٌ ***لَأَنْ جُعِلْنَا عَرَائِضَ التَّلَفِ
مَنْ عَلَّمَ النَّاسَ كَانَ خَيْرَ أَبٍ ***ذَاكَ أَبُو الرُّوحِ لَا أَبُو النُّطَفِ[7]
كرمه :-
كان الشيخ كريماً في بيته وخارج بيته ، حريصاً على الوفاء بحقوق المسلمين فيعود المريض ويصحب له معه هدية ، وقد حصل هذا معي منه مراراً وإذا دخلت بيته تجد أسلوباً عجيباً في الضيافة ما بين طعام وشراب وحسن لقاء ونحو ذلك .
سخاء نفسه :-
كان شيخنا – رحمه الله – سخي النفس لا يحمل في قلبه ضغينة لأحد ، شديد التسامح مع من أخطأ في حقه ، محباً لأهل العلم غير حاقد عليهم ولا ناقماً ، بل كان يحب لقاء الدعاة البسطاء ويستفيد منهم وكثيراً ما سمعته يمدح الدعاة المشهورين بالوعظ والإرشاد ، مع أنهم بالنسبة له في العلم لا يبلغون قلامة ظفر وهم أعلم بذلك ، ولطالما دعاهم إلى بيته وقبل زيارتهم إذا طلبوها ، ومثل هذه النفس قلما تجتمع في قلب عبد مع ما هو فيه من المكانة العلمية .
ضبطه نفسه عند الغضب :
كان شيخنا - رحمه الله – لا يغضب غضباً يخرجه عن طوره أو يدفعه إلى نسيان الخلق الكريم الذي يجب أن يكون عليه المسلم بل كان دائماً بَاسم الثغر ، حُلو المنطق ، لا يقول هجراً ، ولا يسفه ولا يجهل ولا يجرح بل كان ينهى عن ذلك ، وقد ذكرتُ أمامه مرة بعض الطلاب فتجاوزت حدي فنهاني وأدبني – فجزاه الله عني خيرا – مع أنه لم يُسيء إليَّ وإنما قال لي : أنا أعلم حسن نيتك وحبك للخير ، وأنك لا ترجو بما قلت إلا وجه الله ، ولكن رفقاً بطلاب العلم وكل واحد منا لا يخلو من شيء يشينه ، ولكن الله تعالى ستير يحب الستر .
خاتمة :-
أشهد الله يا شيخي أني أحببتك في الله ، ولن يتوقف لساني عن الدعاء لك والوفاء بعهدك الذي فارقتنا عليه .
ويا أيها الطالبون للعلم هذا هو العلم يقبض أمامنا بقبض العلماء ، فهل من مشمر لحمل الراية وسد الثغر والقيام بالحق ، فالزموا طريق الحق ولا تلتفتوا فإن من أكثر الإلتفات فاته من الخير الكثير ، رحم الله شيخنا وجعله في عليين وألحقنا به غير خزايا ولا مبدلين ولا مفتونين ، اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وألق على قبره الضياء والنور والفسحة والسرور وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وجيراناً خيراً من جيرانه وولداً خيراً من ولده ، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النيران آمين آمين آمين .
وهذا آخر ما سال به القلم في رثاء شيخي وأستاذي فضيلة الدكتور /
عمر بن عبد العزيز الشيلخلاني – رحمه الله -.
وكتبه الفقير الحقير / علي بن محمد ونيس
الروضة الشريفة – المدينة المنورة
فجر يوم الإثنين الموافق 2 أغسطس 2010 م
21 شعبان 1431 هـ


[1]{المنظومة الميمية للحكمي}

[2]سنن الدارمي رقم ( 333)

[3]{المنظومة الميمية للحكمي}


[4]( هكذا باللهجة العامية المصرية )

[5]وهو أخو العلامة الشيخ عبد الغني عبد الخالق – رحم الله الجميع -

[6]وأنا أطالب الأخ خالد بأن يعطينا نسخة من هذه الأشرطة لنقوم بخدمتها والإستفادة منها

[7]أدب الدنيا للماوردي ص 79

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...48#post1346848