ثبات شيخ وانهيار أديب !!
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: ثبات شيخ وانهيار أديب !!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    88

    افتراضي ثبات شيخ وانهيار أديب !!

    كان الخليفة الأندلسي المستنصر بالله يدني الأديب الكبير أباعلي القالي ويعده لكبار المهام ، وذات يوم وفد رسول الروم فأعد له الخليفة حفلا عظيما ليظهر عظمة دولة الإسلام أمام رسول الروم ، وطلب الخليفة من أبي علي القالي أن يقوم خطيبا في الحفل ، وحين شاهد الجمع العظيم وهيبة الملك لم تحمله رجلاه ولم ينطلق لسانه بكلمة !! ففطن له الفقيه منذر بن سعيد البلوطي فقام مكانه وارتجل في الحال خطبة بديعة طرزها بشيئ من السجع وختمها بأبيات من الشعر ! وقد أخذت هذه الخطبة بمجامع القلوب ، وأبهتت الحاضرين بما فيهم رسول الروم الذي صلب بيده وقال : هذا كبش الدولة !!
    هذا الثبات في هذا الموقف المهيب لم يأت من فراغ ، فالرجل كان متضلعا في اللغة ، فقيها في الشريعة ، وفوق ذلك كله كان قوي الصلة بالله تعالى ، كثير الصلاة والصيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأخباره العطرة تشهد بذلك ؛ فمن ذلك أنه أراد الخروج إلى الاستسقاء فصام أياما وخطب باكيا مبكيا حتى إنه لم ينفض الجمع إلا وقد نزل غيث عظيم !!

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    12

    افتراضي رد: ثبات شيخ وانهيار أديب !!

    الله أكبر
    هذه السير العطرة لأولئك الكرام قدوتهم نبينا صلى الله عليه وسلم
    شكر الله لكم ..
    ولدي سؤال عافاك الله :
    مامعنى قول الرومي هذا كبش الدولة ؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    1,364

    افتراضي رد: ثبات شيخ وانهيار أديب !!

    منذر بن سعيد البلوطي

    أبو الحكم الأندلسي قاضي الجماعة بقرطبة ينسب إلى قبيلة يقال لها : كزنة ، وهو من موضع قريب من قرطبة ، يقال له : فحص البلوط .

    [ ص: 174 ] كان فقيها محققا ، وخطيبا بليغا مفوها ، له اليوم المشهور الذي ملأ فيه الآذان ، وبهر العقول ، وذلك أن المستنصر بالله ، كان مشغوفا بأبي علي القالي ، يؤهله لكل مهم ، فلما ورد رسول الروم أمره أن يقوم خطيبا على العادة الجارية ، فلما شاهد أبو علي الجمع العظيم جبن فلم تحمله رجلاه ، ولا ساعده لسانه ، وفطن له منذر بن سعيد ، فوثب في الحال ، وقام مقامه ، وارتجل خطبة بديعة ، فأبهت الخلق ، وأنشد في آخرها لنفسه :
    هذا المقال الذي ما عابه فند لكن صاحبه أزرى به البلد لو كنت فيهم غريبا كنت مطرفا
    لكنني منهم فاغتالني النكد لولا الخلافة أبقى الله بهجتها
    ما كنت أبقى بأرض ما بها أح‏د
    فاستحسنوا ذلك ، وصلب الرسول ، وقال : هذا كبش رجال الدولة .

    ومن تصانيفه : كتاب " الإنباه عن الأحكام من كتاب الله " وكتاب " الإبانة عن حقائق أصول الديانة " .


    قال
    ابن بشكوال في بعض كتبه : منذر بن سعيد خطيب بليغ مصقع لم يكن بالأندلس أخطب منه ، مع العلم البارع ، والمعرفة الكاملة ، واليقين في العلوم ، والدين ، والورع ، وكثرة الصيام ، والتهجد ، والصدع بالحق . كان لا تأخذه في الله لومة لائم ، وقد استسقى غير مرة ، فسقي .

    ذكر أمير المؤمنين
    الحكم فقال : كان فقيها ، فصيحا ، خطيبا ، لم [ ص: 175 ] يسمع بالأندلس أخطب منه ، وكان أعلم الناس باختلاف العلماء ، شاعرا لبيبا أديبا ، له تصانيف حسان جدا ، وكان مذهبه النظر والجدل ، يميل إلى مذهب داود بن علي .

    وذكره
    محمد بن حارث القروي ، فقال : كان من أهل النفاذ والتحصيل ، متدربا للمناظرة ، متخلقا بالإنصاف ، جيد الفهم ، طويل العلم ، بليغا موجزا ، يميل إلى طرق الفضائل ، ويوالي أهلها ، ويلهج بأخبار الصالحين .

    حج سنة ثمان وثلاثمائة ، فأقام في رحلته أربعين شهرا ، وانصرف ، فأدخل
    الأندلس من علم النظر ومن علم اللغة كتبا كثيرة . وامتحنه الناصر بغيرما أمانة ، وأخرجه رسولا إلى غيرما وجه ، فخلص محمودا ، وأقام بما حمل مشكورا ، ثم ولاه قضاء كورة ماردة ثم ولاه قضاء الثغور الشرقية كلها ، ثم نقله إلى قضاء القضاة ، والصلاة بجامع الزهراء .

    قال
    أبو محمد بن حزم : أخبرني حكم بن منذر بن سعيد ، أخبرني أبي أنه حج راجلا مع قوم رجالة ، فانقطعوا وأعوزهم الماء في الحجاز وتاهوا .

    قال : فأوينا إلى غار ننتظر الموت ، فوضعت رأسي ملصقا بالجبل ، فإذا حجر كان في قبالته ، فعالجته ، فنزع
    ته ، فانبعث الماء ، فشربنا وتزودنا .

    وقال
    ابن عبد البر : حدثت أن رجلا وجد القاضي منذر بن سعيد في بعض الأسحار على دكان المسجد ، فعرفه ، فجلس إليه ، وقال : يا [ ص: 176 ] سيدي إنك لتغرر بخروجك ، وأنت أعظم الحكام ، وفي الناس المحكوم عليه والرقيق الدين ، فقال : يا أخي وأنى لي بمثل هذه المنزلة ؟ وأنى لي بالشهادة ، ما أخرج تعرضا للتغرر ، بل أخرج متوكلا على الله إذ أنا في ذمته . فاعلم أن قدره لا محيد عنه ، ولا وزر دونه .

    قال
    الحسن بن محمد : قحط الناس في بعض السنين آخر مدة الناصر ، فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس ، فصام أياما وتأهب ، واجتمع الخلق في مصلى الربض ، وصعد الناصر في أعلى قصره ليشاهد الجمع ، فأبطأ منذر ، ثم خرج راجلا متخشعا ، وقام ليخطب ، فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته بأن قال : سلام عليكم ، ثم سكت شبه الحسير ، ولم يكن من عادته ، فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه ، ثم اندفع ، فقال : سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة الآية ، استغفروا ربكم وتوبوا إليه ، وتقربوا بالأعمال الصالحة لديه ، فضج الناس بالبكاء ، وجاروا بالدعاء والتضرع ، وخطب فأبلغ ، فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم . واستسقى مرة ، فقال يهتف بالخلق : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله الآيتين فهيج الخلق على البكاء .

    قال : وسمعت من يذكر أن رسول الناصر جاءه للاستسقاء ، فقال للرسول : ها أنا سائر ، فليت شعري ما الذي يصن
    عه الخليفة في يومنا هذا ؟ فقال : ما رأيته قط أخشع منه في يومه هذا ، إنه منفرد بنفسه ، لابس أخشن الثياب ، مفترش التراب ، قد علا نحيبه واعترافه بذنوبه ، يقول : رب هذه ناصيتي بيدك ، أتراك تعذب الرعية وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم ، أن [ ص: 177 ] يفوتك مني شيء . فتهلل منذر بن سعيد ، وقال : يا غلام احمل الممطرة معك ، إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء .

    قال
    ابن عفيف : من أخباره المحفوظة : أن أمير المؤمنين عمل في بعض سطوح الزهراء قبة بالذهب والفضة ، وجلس فيها ، ودخل الأعيان ، فجاء منذر بن سعيد ، فقال له الخليفة كما قال لمن قبله : هل رأيت أو سمعت أن أحدا من الخلفاء قبلي فعل مثل هذا ؟ فأقبلت دموع القاضي تتحدر ، ثم قال : والله ما ظننت يا أمير المؤمنين أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ ، أن أنزلك منازل الكفار ، قال : لم ؟ فقال : قال الله عز وجل : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة إلى قوله : والآخرة عند ربك للمتقين فنكس الناصر رأسه طويلا ، ثم قال : جزاك الله عنا خيرا وعن المسلمين ، الذي قلت هو الحق ، وأمر بنقض سقف القبة .

    وخطب يوما فأعجبته نفسه ، فقال : حتى متى أعظ ولا أتعظ ، وأزجر ولا أزدجر ، أدل على الطريق المستدل
    ين ، وأبقى مقيما مع الحائرين ، كلا إن هذا لهو البلاء المبين . اللهم فرغبني لما خلقتني له ، ولا تشغلني بما تكفلت لي به .

    وقد استغرق مرة في خطبته
    بجامع الزهراء فأدخل فيها أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فتخير الناصر لخطابة الزهراء أحمد بن مطرف إذا حضر الناصر .

    [ ص: 178 ] توفي منذر في انسلاخ ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثلاثمائة .

    وقد سمع عن
    عبيد الله بن يحيى بن يحيى ، وأخذ عن ابن المنذر " كتاب الإشراف " .

    ومن خطبته إذ ارتجل على
    أبي علي القالي : أما بعد : فإن لكل حادثة مقاما ، ولكل مقام مقالا ، وليس بعد الحق إلا الضلال ، وإني قد قمت في مقام كريم بين يدي ملك عظيم ، فأصغوا إلي معشر الملأ بأسماعكم إن من الحق أن يقال للمحق : صدقت ، وللمبطل : كذبت . وإن الجليل تعالى في سمائه ، وتقدس بأسمائه ، أمر كليمه موسى أن يذكر قومه بنعم الله عندهم ، وأنا أذكركم نعم الله عليكم . وتلافيه لكم بولاية أميركم التي آمنت سربكم ، ورفعت خوفكم ، وكنتم قليلا فكثركم ، ومستضعفين فقواكم ، ومستذلين فنصركم ، ولاه الله ( أياما ) ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق ، وأحاطت بكم شعل النفاق ، حتى صرتم مثل حدقة البعير ، مع ضيق الحال والتغيير ، فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخاء . . . إلى أن قال : فناشدتكم الله ، ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها ؟ والسبل مخوفة فآمنها ، والأموال منتهبة فأحرزها والبلاد خرابا فعمرها ، والثغور مهتضمة فحماها ونصرها .

    فاذكروا آلاء الله عليكم . وذكر باقي الخطبة .


    وذكر بعضهم أن مولده سنة خمس وستين ومائتين فيكون عمره تسعين سنة كاملة ، رحمه الله تعالى .

    سير أعلام النبلاء
    طالب الحق يكفيه دليل وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل
    الجاهل يتعلم وصاحب الهوى ليس لنا عليه سبيل

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    88

    افتراضي رد: ثبات شيخ وانهيار أديب !!

    الأخ الكريم البحاث أشكرك على اهتمامك بالموضوع وبخصوص الكلمة التي سألت عنها وهي كبش الدولة فالمراد بها كبير القوم ولهذا ورد في نفح الطيب هذا كبير القوم أو كبش القوم أ.ه فرسول الروم لإعجابه بالبلوطي مدحه بأنه كبير خطباء المحفل وكبير رجال الخليفة . وهو كذلك بالفعل حتى إن أخباره ومواقفه ومواعظة لازالت حية تهز القلوب وتبكي العيون على الرغم من تباعد القرون ! فرحمه الله وجمعنا به في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •