الرد على شبهة أثارها بعض الأشاعرة على كلام شيخ الإسلام في درء التعارض.
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: الرد على شبهة أثارها بعض الأشاعرة على كلام شيخ الإسلام في درء التعارض.

  1. #1
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي الرد على شبهة أثارها بعض الأشاعرة على كلام شيخ الإسلام في درء التعارض.

    الحمد لله وحده.
    أما بعد.. فقد ساق إلي أخ فاضل كلاما في أحد المنتديات هذا نصه:
    ابن تيمية يقدم العقل على النقل
    -بعد أن شنع ابن تيمية على العلماء فى بداية كتابه درء التعارض وأقام الدنيا عليهم , واتهمهم بأنهم يضعون لأنفسهم قانونا يعارضون به النصوص فما وافق عقولهم قبلوه وما خالف قانونهم رفضوه [ مع أن هذا اتهام باطل ] الا أنه تراجع تماما ولم يجد بدا من القول بنفس الكلام , واتباع نفس القانون , بعد خطوات قليلة من بداية الكتاب
    وهذه عبارة الفخر الرازى فى اساس التقديس [ اعلم ان الدلائل القطعية العقلية اذا قامت على ثبوت شيئ ثم وجدنا ادلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك , فهناك لا يخلو الحال من احد امور اربعة : -1-اما ان يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال ,-2-واما ان يبطل [اى يكذب مقتضى النقل والعقل ]فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال -3- واما ان يصدق الظواهر النقلية ويكذب الظواهر العقلية , وذلك باطل [ لاحظ اخى الحبيب ان معنى هذا الكلام ليس ردا للنصوص كما يدعى ابن تيمية واذياله وانما معناه البحث عن معنى آخر للظواهر النقلية غير ما يبدو منها لأول وهلة لأن الظواهر النقلية ظنية الدلالة تحتمل اكثر من معنى , مرة اخرى ركز معى العلماء لم يردوا النصوص بالعقل كما يشغب عليهم ابن تيمية واتباعه وانما بحثوا عن معنى آخر غير الظاهر على مقتضى اللغة العربية كما فعل اهل الفقه والاصول والتفسير واللغة ] لأنه لا يمكننا ان نعرف صحة الظواهر النقلية الا اذا عرفنا بالدلائل العقلية اثبات الصانع وصفاته وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم , ولو جوزنا القدح فى الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهما غير مقبول القول , ولو كان كذلك لخرج ان يكون مقبول القول فى هذه الأصول , واذا لم تثبت هذه الاصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة –فثبت ان القدح فى العقل لتصحيح النقل يفضي الى القدح في العقل والنقل معا , وأنه باطل
    ولما بطلت هذه الاقسام , لم يبق الا ان يقطع بمقتضي الدلائل العقلية القاطعة , بأن هذه الدلائل النقلية اما ان يقال انها غير صحيحة [إنتبه:هذا ليس ردا لها وإنما بحث في السند ربما تكون ضعيفة او مروية بالمعني او غير ذلك فليس ردا لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم ] او يقال انها صحيحة الا ان المراد منها غير ظواهرها [مثل الآيات القطعية الثبوت الظنية الدلالة , والاحاديث الصحيحة السند الظنية الدلالة ] [التوضيح الذي بين الاقواس من عندي]
    ثم ان جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات علي التفصيل , وان لم يجز التأويل فوضنا العلم بها الي الله تعالي , فهذا هو القانون الكلي المرجوع اليه في جميع المتشابهات
    - وارجو التركيز علي النقطة الاخيرة من هذا القانون , اذا تعذر اجراء المتشابهات علي الظاهر لجأنا الي التأويل واشتغلنا به ,واذا تعذر التأويل ووجدنا ان التأويل سيضر النص وسيخالف قواعد وثوابت اخري فى الشرع لجأنا الي التفويض أى تفويض العلم الي الله تعالي كما قال [فردوه الي الله والرسول]
    -ركز فى هذا الكلام [ يقول ابن تيمية –درء التعارض ج1 ص 86-87]
    [-الوجه الأول :
    -اما ان يريد به[ أى بهذا التعارض ] القطعيين فلا نسلم امكان التعارض حينئذ ] وهذا ما قرره الفخرالرازى [لا تعارض بين قطعيين]
    واما ان يريد به ---اى التعارض –الظنيين فالمقدم هو الراجح مطلقا ] وهذا ما قرره الفخر الرازى [ لا تعارض بين ظنيين]
    -واما ان يريد به ما احدهما قطعى , فالقطعى هو المقدم مطلقا ] وهذا ما قرره الفخر الرازى [ لا تعارض بين قطعى وظنى]
    -واذا قدر ان العقلى هو القطعى كان تقديمه لكونه قطعيا لا لكونه عقليا ] ما هذا ؟ هذا اعتراف بوجود الدليل العقلى القاطع , ومعارضته للدليل النقلى الظنى , فيقدم القطعى على الظنى , ولكنه اضاف اضافة جديدة وهى : ان التقديم حصل لكونه قطعيا وليس لكونه عقليا , ما الفرق ؟ اذا كان الدليل العقلىمقدما فى الحالين ؟
    [فعلم ان تقديم العقلى مطلقا خطأ ] لم يقل احد بذلك , لم يقل الفخر الرازى بتقديم العقلى مطلقا و فى كل حال على النقلى وانما ربط تقديم العقلى على النقلى اذا كان العقلى قاطعا والنقلى ظنيا ,
    [كما ان جعل جهةالترجيح كونه عقليا خطأ ] لماذا ؟ لم يوضح ذلك ولم يذكر مثالا , ام ان الموضوع مجردرفض لكلمة عقلى ؟ ام ان الموضوع مجرد الكلام واللعب بالالفاظ ؟
    وبهذا يتبين انه فى لم يرد عليهم وانما كرر نفس الفاظ الفخر الرازى

    -واليك هذا الكلام لابن تيمية يصرح بتقديم علم العقل على النقل بنفس الشروط التى اشترطها الأشاعرة :
    [ يقول ابن تيمية فى درء التعارض ج1 ص137 –الوجه الخامس :
    [ أنه اذا علم صحة السمع , وأن ما أخبر به الرسول فهو حق , فاما أن يعلم أنه أخبر بمحل النزاع , أو يظن أنه أخبر به ,أو لا يعلم ولا يظن , فإن علم أنه أخبر به[ أى أخبر بمحل النزاع فى المسألة ] امتنع أن يكون في العقل ما ينافي المعلوم بسمع أو غيره , فإن ما علم ثبوته أو انتفاؤه لا يجوز أن يقوم دليل يناقض ذلك ، وإن كان مظنونا أمكن أن يكون في العقل علم ينفيه, وحينئذ فيجب تقديم العلم على الظن لا لكونه معقولا أو مسموعا بل لكونه علما , كما يجب تقديم ما علم بالسمع على ما ظن بالعقل وإن كان الذي عارضه من العقل ظنيا فإن تكافآ وقف الأمر وإلا قدم الراجح ، وإن لم يكن في السمع علم ولا ظن فلا معارضة حينئذ فتبين أن الجزم بتقديم العقل مطلقا خطأ وضلال , [ نفس الكلام السابق بأسلوب آخر , مع ملاحظة أن الأشاعرة ولا واحد منهم قال بتقديم العقل مطلقا , مهما كان , على النقل وانما محل النزاع هو : التعارض بين الدليل العقلى القاطع وظاهر الدليل النقلى الصحيح او القاطع ايضا , وهذا ما اوجب على العلماء التأويل , اى تأويل ظاهر الدليل النقلى وحمله على ما يليق بالله تعالى, لأن ظاهر الدليل النقلى فى هذه الحالة يصبح ظنى الدلالة مثل : الدليل العقلى يقطع بأن الله ليس بجسم ولا مركب من اعضاء , والدليل النقلى القاطع يقول [ يد الله فوق ايديهم ] فاما ان نتوقف كما توقف الصحابةولم يسألوا , ولم يحملوا على الظاهر , واما ان نؤول هذا الظاهر الى معنى يليق بالله تعالى وتتحمله اللغة , فتؤول [ اليد] حسب السياق داخل النص
    -ومثل قوله تعالى [سنفرغ لكم أيها الثقلان ]
    -لايمكن نسبة الفراغ من العمل الى الله تعالى فلا بد من التأويل
    قال اصحاب اللغة :
    ان الفراغ من العمل لايليق بالله تعالى لأنه لايشغله شيء عن شيء, ولا شأن عن شأن , سواء فى الدنيا او الآخرة , فشبّه سبحانه وتعالى الفراغ من العمل بالقصد ,اى القصد الى حسابكم , بجامع التمكن فى كلّ , ثم حذف المشبّه , وتنوسي التشبيه , وادعى ان المشبّه من جنس المشبّه به , ثم استعار من الفراغ الفعل --فرغ --على سبيل الاستعارة التصريحية , وخرجت الآية مخرج التهديد .
    قال الزجاج :
    ان الفراغ فى اللغة على ضربين احدهما الفراغ من الشغل , والآخر القصد للشيء والاقبال عليه ,كما هنا , وهو تهديد ووعيد تقول , سأفرغ لفلان اى سأجعله قصدى شبّه تدبيره تعالى أمر الاخرة من الاخذ فى الجزاء , وايصال الثواب والعقاب الى المكلفين بعد تدبيره امر الدنيا , بحال من اذا كان فى شغل يشغله فاذا فرغ من ذلك الشغل شرع فى امر آخر
    -وقال الزمخشرى :
    مستعار من قول الرجل لمن يتهدده سأفرغ لك , يريد ’ سأتجرد للايقاع بك
    -الخلاصة : ابن تيمية تراجع وهدم ما بناه فى كتابه درء تعارض العقل والنقل –هدم ما بناه فى نفس الكتاب –واعترف بصحة قانون تأويل المتشابه عند الأشاعرة لأنه قانون متين وضعه علماء كبار استمدوه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ,
    ابن تيمية قدم العقل على النقل –هل من معترض ؟


    وسأجيب - بعون الله تعالى - عن هذا الكلام فقرة فقرة، ولكن سأبدأ أولا بتمهيد قد يطول بعض الشيء، أحرر فيه المصطلح قبل استعماله، فإن أكثر النزاع والخلط في معرفة مراد المتكلم من كلامه إنما يأتي من الغفلة عن تحقيق هذه الضرورة العلمية قبل الاعتراض.
    أولا: عندما نطلق الكلام عن العقل، فماذا نقصد؟ أي عقل نريد؟ عقل زيد أم عقل عمرو أم عقل فلان أم فلان؟ فإن العقول تتفاوت وتختلف اختلافا لا ينكره عاقل! ولو قال قائل "إنني لا أقبل الدلالة الظنية للنص (س) إذ خالفت ما هو عندي بمثابة الدليل العقلي القطعي (وسمِّه: ص)، فأنا أنصرف إلى تأويل ظني للنص (س) يتسع له لسان العرب بما يوافق هذا المعنى القطعي عندي أو أتوقف وأفوِّض العلم لله"، هذا القائل بأي ضابط نقبل منه صنيعه ذاك؟ إن قلنا إننا نعدم ذلك الضابط بسبب هذا التفاوت بين عقول البشر، فقد أضعنا الدين وفتحنا الباب لكل أحد يقول هذا النص ظاهره يخالف ما هو من القطعيات العقلية عندي فأنا أذهب إلى تأويله وصرفه عن ظاهره وجوبا لهذه السبب! فأين ضابط ذلك وأين جِماعه وخطامه؟
    الضابط أن نبدأ أولا بتحرير معنى القطعيات العقلية تحريرا واضحا نتفق عليه. فنقول إن
    القطعي العقلي هو ذلك المعنى الذي لا يختلف العقلاء في صحته، ويلزم من بطلانه فساد العقل وفساد الدين نفسه. إلى هذا الحد وبهذا التحرير، لا أظن أنه يسع أحدا من مخالفينا أن يقول أنتم تحجرتم أو تعسفتم في تعريف معنى القطعي العقلي وإخراج ما سواه منه! بل هذا التحرير واضح ولله الحمد لا يخالف ولا يماري فيه أحد. وهذا القطعي العقلي - بهذا المعنى - هو ما يتفق كل من شيخ الإسلام ابن تيمية والفخر الرازي رحمهما الله على أنه لا يتعارض بحال من الأحوال مع ما هو قطعي الدلالة من النصوص، وعلى أنه إن جاءنا نص ظني الدلالة ظاهره معارضته فإننا ننظر في ثبوته فإن ثبت فإننا ننظر في تأويله وهكذا.
    وإنما يظهر الإشكال ويقع النزاع عند تنزيل صفة القطعية على بعض المعاني التي ظهرت في عقول بعض الناس، وصفة الظنية على بعض النصوص التي لم تكن من قبل داخلة عند أحد من المسلمين في معنى الدلالة الظنية التي تحتمل التأويل (فضلا عن أن يكون تأويلها واجبا)! يظهر النزاع عندما ينتقل المخالف إلى تقعيد قاعدة عقلية مفادها إطلاق صفة القطع على لزوم عقلي باطل يتوهمه في إثبات ظاهر بعض النصوص، فيشذ بذلك عما كان عليه الأولون، إذ يدعي أن هذا الظاهر (الذي جعله ظني الدلالة) يتعارض مع القطع العقلي (ويعني بذلك تنزيه رب العالمين عن مشابهة المخلوقين)!
    فإن سلمنا له بأن هذا المعنى الظاهر في تلك النصوص ظني الدلالة، فمن أين له الزعم بمعارضته لذاك المعنى القطعي العقلي الذي لا يخالف فيه أحد من المسلمين (أي تنزيه الله تعالى عن المشابهة)؟ وهذه القاعدة التي قعَّدها المخالف للتعامل مع ظواهر نصوص الصفات، من الذي قال إن قطعيات العقل توجبها؟؟
    هنا بيت القصيد! وهنا يظهر مراد شيخ الإسلام رحمه الله عندما ينسب القوم إلى رد ما يتعارض مع عقولهم هم من ظواهر النصوص، بدعوى أن (العقل) - هكذا بهذا الإطلاق - يعارضه!
    لم نر أحدا من الصحابة - مع شدة الداعي لنقل هذا المعنى - يقول إن معنى اليد أو معنى النزول أو الاستواء أو غيره من المعاني يجب أن تؤول (أو تفوض) لأن ظاهرها يعارض القطع العقلي الذي هو وجوب تنزيه الله عن المشابهة!! وإنما جاءنا عن السلف تفسير لبعض النصوص على ظاهرها، وتفسير لنصوص أخرى على خلاف الظاهر، ولم نرَ ذاك التعليل العقلي العليل في شيء مما فسروه على خلاف الظاهر لا تصريحا ولا تلميحا! وإنما كانت القرائن المحتفة بالنص هي التي تذهب بهم أو ببعضهم أحيانا - كما يكون من المجتهد في أي زمان كان - إلى حمل معنى النص على خلاف الظاهر، فكانوا يتبعون تلك القرائن، ويختلفون فيها أحيانا خلافا نسوغه نحن ولا نبطله، يقول أحدهم هذه صفة أُثبتها لله بهذا المعنى الظاهر، ويقول الآخر ليست هذه بصفة إذ السياق لا يدل على ذلك، وما رأينا أحدا منهم يقول إن من تلك القرائن المانعة من الأخذ بالظاهر: لزوم المشابهة عقلا، ولا رأينا أحدهم ينكر على الآخر نسبته ذلك المعنى لله لأن لازمه التشبيه، ولا قال أحدهم هذا نص ظاهره التشبيه فإنني أؤوله أو أثبته كصفة لله ثم أفوض معناها خروجا من لزوم التشبيه!! وإنما كانوا جميعا على قلب رجل واحد في أنه سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

    فعندما يكتب شيخ الإسلام كتابا يقرر فيه عدم تعارض العقل مع النقل، ويثبت فيه بطلان مذاهب هؤلاء المتكلمين فيما قرروه من قواعد للتعامل مع نصوص الصفات، فإنما يريد بالعقل: كل معنى صحيح بضرورة العقل فلا يماري في صحته عاقل.. وفي مقام الرد على مثل الرازي فإنما يريد بالنقل: كل نص ثابت لم يبلغنا أن أحدا من الصحابة تخوَّف من حمله على ظاهره أو توقف فيه تحرزا من التشبيه!
    يريد شيخ الإسلام رحمه الله بيان أن إدخالهم تأويلهم وتعطيلهم لظواهر تلك النصوص في بابة تقديم القطع العقلي على الظن النقلي عند التعارض (التي هي من حيث الأصل قاعدة عقلية صحيحة لا نزاع عليها) = باطل، إذ لا تعارض أصلا، وما كان هذا التعارض المزعوم من سبيل المؤمنين الأولين في شيء!

    يقول كاتب هذه السطور المقتبسة أعلاه - هداه الله:
    بعد أن شنع ابن تيمية على العلماء فى بداية كتابه درء التعارض وأقام الدنيا عليهم , واتهمهم بأنهم يضعون لأنفسهم قانونا يعارضون به النصوص فما وافق عقولهم قبلوه وما خالف قانونهم رفضوه [ مع أن هذا اتهام باطل ] الا أنه تراجع تماما ولم يجد بدا من القول بنفس الكلام , واتباع نفس القانون , بعد خطوات قليلة من بداية الكتاب

    وأقول: إن التعارض - كما بينت في التمهيد الآنف - ليس واقعا مع (العقل) هكذا وإنما مع عقولهم هم، إذ يزعمون أن "قطعيات العقل" تضطرهم إلى التأويل أو التفويض! ولهذا شنع عليهم شيخ الإسلام إطلاقهم هذا المعنى على صنيعهم المعوج في باب الصفات. فالذي ينكر أن المتكلمين اخترعت كل طائفة منهم لنفسها قاعدة عقلية خاصة بها - بناءً على ذلك التعارض الباطل في عقولهم جميعا - للنفي والإثبات في الأسماء والصفات، وجعلوها حاكما على ما يقبل من النصوص وما يرد (إلى حد ردهم الاحتجاج بحديث الآحاد في العقائد كما هو معلوم) = فهذا إما جاهل بمذاهب القوم أو عنيد مكابر، والله المستعان.
    فإن معارضة ظاهر النص بغير موجب عقلي معتبر لذلك، وإنما بناءً على تقعيد عقلي باطل = هي في معنى معارضة النقل بالعقل وتقديم العقل عليه وهي ما شنع به شيخ الإسلام على المتكلمين على نحو ما ترون.

    يقول القائل من المتكلمين عند ظاهر من النصوص: لا يمكن أن يكون هذا هو مراد الله من كلامه، فإن (العقل) يأبى هذا! فماذا يقصد هذا المتكلم بالعقل؟ يقصد لزوما عقليا مبتدعا لا قائل به من السلف الأول! فهذا عند شيخ الإسلام رحمه الله، يقدم عقله هو - أو عقل من يقلده - على النص، ثم يدعي أن هذا من إجراء القاعدة العلمية المتبعة عند تعارض القطع العقلي مع الظن النقلي!

    فعندما يأتي كاتب هذا الكلام يقول إن شيخ الإسلام تراجع عن كلامه ولم يجد بدا من تطبيق "نفس القانون"، فأي قانون يقصد؟؟؟ قانون تأويل الصفات الي (ظاهرها المشابهة)؟؟ أم قانون تفوضيها كلها؟ أم قانون تأويل بعضها وتفويض بعض؟ أم إثبات سبعة أو عشرة أو عشرين وتفويض الباقي أم ماذا؟؟ أي قانون يقصد هذا الرجل؟ لا يلزم من إثبات المعنى الصحيح عند المخالف، قبول ما أدخله تحته من أباطيل!!

    يقول بعد ذلك في التعليق على الأقسام الأربعة التي قسمها الرازي:
    واما ان يصدق الظواهر النقلية ويكذب الظواهر العقلية , وذلك باطل [ لاحظ اخى الحبيب ان معنى هذا الكلام ليس ردا للنصوص كما يدعى ابن تيمية واذياله وانما معناه البحث عن معنى آخر للظواهر النقلية غير ما يبدو منها لأول وهلة لأن الظواهر النقلية ظنية الدلالة تحتمل اكثر من معنى , مرة اخرى ركز معى العلماء لم يردوا النصوص بالعقل كما يشغب عليهم ابن تيمية واتباعه وانما بحثوا عن معنى آخر غير الظاهر على مقتضى اللغة العربية كما فعل اهل الفقه والاصول والتفسير واللغة ]


    قلت: أولا، الرازي لم يقل (الظواهر العقلية)، ولو قالها لشككنا في قوته العقلية أصلا، رحمه الله، وإنما قال:
    ـ وإما أن نكذب الظواهر النقلية، ونصدّق الدلائل العقلية.
    أما (الظواهر العقلية) هكذا، فعبارة لا يطلقها عاقل أصلا، إذ ليس للقواطع العقلية ظواهر وبواطن، بخلاف النصوص ظنية الدلالة التي يصح أن يقال فيها (الظواهر النقلية)!
    فبئس المنافح أنت عن الرازي يا أخانا!!
    ثانيا: تأمل أيها القارئ الكريم ما علمتُ عليه بالأحمر من كلام الكاتب! لو أطلقنا هذا المعنى على نحو إطلاق صاحبنا ههنا، لما استقام لنا نص واحد نتفق على كون ظاهره قطعي الدلالة قطّ!! الظواهر النقلية - هكذا - ظنية الدلالة تحتمل أكثر من معنى؟ سبحان الله.
    الذي بحث عن تأويل تجيزه اللغة لنص من النصوص بناءً على قاعدة عقلية عنده مفادها أن حمل ذاك النص على الظاهر (الذي لم ير أحد من السلف قرينة نقلية أو عقلية توجب صرفه عنه) إنما يفضي إلى التشبيه، هذا صاحب شبهة عقلية باطلة، ولا يقاس صنيعه ذاك على صنيع أهل الفقه واللغة والأصول والتفسير، الجاري اجتهادهم ونظرهم على قواعد العلم الصحيحة، إلا كما يقاس صنيع الباطنية - مثلا - على تأويلات أصحاب التفاسير المعتبرة!!
    ومن علامات الاضطراب في كلام الرازي - بالمناسبة - ما أنهى به هذه الفقرة نفسها التي قدمها بالكلام عن تعارض قواطع العقل وظواهر النقل وتقديم الأخرى منها على الأولى، بقوله:
    "فثبت ان القدح فى العقل لتصحيح النقل يفضي الى القدح في العقل والنقل معا , وأنه باطل"
    فمقدمته لا تفضي - عقلا - إلى هذه النتيجة! يعني ألا يرد احتمال أن يكون النص ثابتا قطعي الثبوت، وظاهره محل إجماع - أو لم يخالف في ظاهره أحد - ومع ذلك يرى أحد النظار أن ذاك الظاهر يعارض معنىً صحيحا في عقله هو (مع كونه باطلا في الحقيقة)؟ ألا يراجع ذلك المعنى العقلي عنده حينئذ ويتحقق من كونه قطعيا كما يظن، أو من كون المعارضة لازمة كما يتوهم؟ ألا يحتمل أن يكون عقل ذلك الناظر معقودا على معنى باطل بالأساس (كمعنى لزوم التشبيه من ظاهر النص كذا وكذا) وهو يرى أن صرفه ذاك الظاهر إلى التأويل، من حمل المتشابه على المحكم، مع أنه عند التحقيق، يكون من اتباع ما تشابه منه؟
    أيدخل ذلك الاحتمال في معنى "القدح في العقل" - بهذا الإطلاق - عند ذاك الناظر صاحب ذاك العقل؟؟
    هذا الإشكال يتجلى بوضوح في تحريره للقسم الرابع حيث يقول:
    وإما أن نصدق الظواهر النقلية ونكذب الدلائل العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية . إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع، وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول، وظهور المعجزات على يد محمد صلى الله عليه وسلم، ولو ساغ القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول. وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة.
    فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً. وإنه باطل.
    هذا التحرير على هذه العبارات المطلقات لا يدع مجالا البتة لاحتمال أن يكون ما يظنه الناظر دليلا عقليا قطعيا، ليس إلا ظنا باطلا في الحقيقة!! وهذا أصل خلاف أهل السنة مع هؤلاء، وسبب قولنا بأنهم يقدمون عقولهم وأوهامهم على ظواهر النقل!
    فلو أحسن الرازي ورام الاستقراء والسبر بحقه، لحرر قسما خامسا قال فيه:
    5 - وإما أن نرجع بالتأمل والنظر فيما اعتبرناه من الدلائل العقلية القطعية (وقد رأينا أن غيرنا من العقلاء يخالفنا فيه)، فإنها قد يثبت أنها ظنيات في الحقيقة وليست قطعيات، وحينئذ يتعين النظر في الظواهر الظنية للنقل بالبحث عن مرجح خارجي إضافي لمعرفة المراد منها أهو الظاهر أم خلافه.. فإن لم يوجد ذاك المرجح، بل جاءنا ما يشعر ببطلان الدليل العقلي القائم في أذهاننا ابتداءً، اتبعنا سبيل المؤمنين من قبْلنا وقبِلنا تلك الظواهر النقلية كما قبلها الذين سبقونا!

    حرروا معنى (العقل) بوضوح والمصدر الذي أخذتم عنه قواعد العقل التي اعتمدتموها في باب الصفات، يتضح لكم وجه الخلل فيما عددتموه من موجبات (العقل) وقطعياته!!
    ثم إنك أيها المتكلم لن تجد عاقلا في الأرض يدع أمرا من قطعيات العقل التي لا مراء فيها، من أجل تأويل ظني ذهب إليه في نص من النصوص ظنية الدلالة، إلا أن يكون مكابرا صاحب هوى، أو مريضا مخبولا لا يدري يمينه من شماله! كما أنك - وتأمل هذه جيدا - لن تجد نصا صحيح الثبوت مما نحن فيه، مر قرن الصحابة به دون أن نرى أحدهم يتكلف صرفه عن ظاهره أو النكير على من حمله عليه بدعوى لزوم المشابهة = يدخل في تلك البابة أصلا، سواء وصفنا دلالته الظاهرة تلك بأنها ظنية أو بأنها قطعية! وعلى من يخترع تأويلا جديدا لا قائل به منهم لا لشيء إلا لهذا التعليل العقلي المتهافت، أن يتأمل مرارا وتكرارا فيما عقد عليه عقله، وما يدعي أنه مراد الله تعالى من كلامه ومراد نبيه مما يقول! فإن لم يوصف هذا بأنه مبتدع يقدم عقله على النقل فليس في الأرض صاحب هوى ولا صاحب بدعة!!

    ثم يقول الكاتب في تعقيبه على تقريرات شيخ الإسلام:
    واذا قدر ان العقلى هو القطعى كان تقديمه لكونه قطعيا لا لكونه عقليا ] ما هذا ؟ هذا اعتراف بوجود الدليل العقلى القاطع , ومعارضته للدليل النقلى الظنى , فيقدم القطعى على الظنى , ولكنه اضاف اضافة جديدة وهى : ان التقديم حصل لكونه قطعيا وليس لكونه عقليا , ما الفرق ؟ اذا كان الدليل العقلى مقدما فى الحالين ؟

    قلت وهل أنكر أحد وجود الدليل العقلي القاطع (جنسا) يا أخانا؟؟ وهل ينكر هذا المعنى عاقل؟؟ إنما المسألة في حقيقة ذلك الدليل العقلي عندكم ومصدره وتحريره. فإن كان حقا دليلا عقليا قاطعا، قبلناه ولا مراء، وإلا رددناه على صاحبه وبينا تهافته.
    والفرق الذي يسأل عنه كاتب هذا التعقيب على كلام شيخ الإسلام، بين أن يكون التقديمُ لكون الدليل قطعيا وأن يكون لكونه عقليا، يظهر عند تأمل الاضطراب الذي سبق التمثيل عليه سواء في تحرير الرازي نفسه أو في كلام الأخ، عند إطلاق الكلام عن (العقل) و(النقل).. فإن قانون الرازي على هذا التحرير يفتح الباب لكل صاحب عقل أعوج يقول هذا (دليل العقل) وهو عندي قطعي وهو مقدم على ظاهر النقل عند التعارض، بدعوى أن القدح في العقل - بهذا الإطلاق - انتصارا لظاهر ظني - بهذا الاطلاق - قدحٌ في النقل نفسه وهدم لما به يناط التكليف عند بني آدم!
    فلما جعلنا الكلام - في تحرير شيخ الإسلام - حول ما هو قطعي من الدلالات، سواء كان مصدره النقل أو العقل، استقام لنا المعنى، وبقي لنا أن ننظر فيما يدخل فيه وما لا يدخل، بتحرير معنى القطع العقلي وبيان حقيقة ما يدخله المتكلمون في معناه وفي حكمه (كما صنع شيخ الإسلام في الدرء وفي غيره).
    فشتان بين التحريرين، تحرير شيخ الإسلام رحمه الله، وتحرير الرازي وغيره من أهل الكلام..
    ويقول الكاتب:

    مع ملاحظة أن الأشاعرة ولا واحد منهم قال بتقديم العقل مطلقا

    وأقول مكررا ما ذكرته آنفا: حرروا معنى العقل بتجرد، وافهموا ما يريده مخالفوكم من (تقديم العقل)، يتبين لكم أن هذا المعنى ملازم لكم ملازمة الرجل لأعضاء جسمه! ذلك أنكم ما تميزتم عن فرق المسلمين كلها إلا بتلك الأصول العقلية التي وضعتموها وقدمتموها على ظواهر النصوص وعلى ما جاءنا عن الصحابة والتابعين، تزعمون - كما تزعم سائر طوائف المخالفين لأهل السنة - أنها اجتهاد سائغ، بل أنها ضرورة توجبها قطعيات العقل، ومن خالفها فقد ضل وزاغ!!
    فإن قلتم: "وهل يخلو علم من العلوم من أصول عقلية كلية وضعها أربابه لضبط ما يصح مما لا يصح فيه من طرائق النظر؟"
    قلنا: كلا ولا شك، ولكن عندما تكون تلك الأصول الكلية = بدعا محدثة ما أنزل الله بها من سلطان، يصبح أرباب تلك الأصول أئمة للفرق الضالة، لا أئمة لصنعة من صناعات العلم!! وأنا إذ أحرر هذا المعنى، لا أعني به - ولابد - قانون الرازي سالف الذكر، وما جاء في كلام ابن تيمية رحمه الله من موافقة لبعض أقسامه، فإن بعض هذه المعاني = أصول عقلية عامة نرتضيها في سائر فنون العلم (مع تنقيح تحريرها وضبطه)، وإنما أعني تلك القواعد والقوانين التي نحلها أرباب الفرق الكلامية للتعامل مع نصوص الصفات، يزعمون أن قطعيات العقل توجبها!! وهي قواعد مطلقة، على شاكلة: مهما وقعتَ على نص يظهر لك منه التشبيه، فأوله أو فوضه أو افعل به كذا وكذا..
    فبأي ضابط قرر صاحبنا أن هذا يظهر منه التشبيه وهذا لا يظهر منه؟؟ ومن سلفه في هذا الضابط؟ وهل رجع في ذلك إلى قطعيات عقلية لا نزاع فيها كما تدَّعون أم إلى ظنون وتصورات عقله هو ومن قلده؟؟؟ هذا هو وجه تقديمكم العقل - أي عقل من قلدتموه - على النقل!
    عندما يقول الكاتب إن محل النزاع هو: "
    التعارض بين الدليل العقلى القاطع وظاهر الدليل النقلى الصحيح او القاطع ايضا" وهو يعني بذلك ما اختلفت فيه الطوائف في باب الصفات إذ يقول (وهذا ما اوجب على العلماء التأويل) = فهو يقدم عقل إمامه الذي يقلده، على ظاهر النص وما جاءنا من خبر قبول الصحابة له بلا صارف عقلي ولا نقلي، بمجرد تقريره ذاك التعارض المزعوم! وإلا فليس هذا اللازم الذي ادعى صاحبنا لزومه من قبول ظاهر النص = من قطعيات العقول في قليل ولا كثير، حتى ينصرف الناظر من أجله عن الدلالة الظاهرة الصريحة للنص، إلى تأويل يأتي به من غير سلف ولا إمام إلا ذاك العقل الذي وضعه لهم من أئمة المتكلمين!
    هل يدَّعون أن العقل يقطع بلزوم التشبيه من ظاهر معنى النزول (مثلا)؟ أو أنه يقطع بلزوم التشبيه من ظاهر معنى السمع والبصر؟ لا يدعون هذا ولا يستطيعون، بل هم مختلفون فيما يلزم منه التشبيه وما لا يلزم = خلافا لا يعلمه إلا الله! فأي دليل عقلي قطعي هذا الذي "أوجب على العلماء التأويل"؟؟

    وإن كانوا يسوغون الخلاف بين طوائف الأشاعرة في قاعدة التأويل والتفويض، فلماذا لا يسوغونه مع المعتزلة والجهمية؟ مع أن الطريقة العقلية واحدة (أعني طريقة تقعيد القواعد العقلية العامة للفرار من التشبيه والتجسيم)!! فأين (الدليل) القطعي العقلي في هذا كله يا معاشر العقلاء؟؟؟
    يقولون إن القطعي هو معنى تنزيه الله عز وجل عن المشابهة، وصحيح هو قطعي ولا ريب، ولكن بأي قطع عقلي يلزم من إثبات هذا المعنى وتقريره = نفي ظواهر الصفات التي جاءت بها النصوص (وقبلها الصحابة والسلف على مقتضى لسانهم العربي)، أو تفويضها أو تأويلها، وقد علموا أن المعنى القطعي في قوله تعالى ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) ينفي المشابهة عن كل ما ثبت لله من الصفات؟ ليسوا على شيء من قطعيات العقل أصلا وإنما هي ظنون وأوهام ولوازم يتنازعونها فيما بينهم، قد شحنت بها الفلسفة اليونانية عقولهم، فقدموها على ظواهر النصوص التي لم يسبقهم أحد إلى القول بوجوب تركها!

    ثم يضرب الكاتب مثلا، فيقول:
    مثل : الدليل العقلى يقطع بأن الله ليس بجسم ولا مركب من اعضاء , والدليل النقلى القاطع يقول [ يد الله فوق ايديهم ] فاما ان نتوقف كما توقف الصحابةولم يسألوا , ولم يحملوا على الظاهر , واما ان نؤول هذا الظاهر الى معنى يليق بالله تعالى وتتحمله اللغة


    قلت أولا العقل لا يقطع أصلا بهذه المقدمة: الله ليس بجسم ولا مركب من أعضاء! وإنما العقل يقطع بأن الله ليس كمثله شيء، فلا يقاس على المخلوقين في حقيقة ذاته وصفاته. هذا ما نتفق على قطعيته عقلا!
    أما أن يقال لنا: العقل يقطع بأن الله (ليس بجسم)، فالعقل يسأل أولا قبل أن يقطع أو يظن أو يتوقف هنا (ويجب عليه أن يسأل) = ما معنى جسم؟؟؟ إن قلنا إن له ذاتا حقيقية منفصلة عن ذوات المخلوقين، لا يعلم حقيقتها إلا هو سبحانه، أيكون هذا داخلا في معنى "الجسم" لغة أم خارجا منه عندكم؟؟ بل دعكم من هذا، إن قال لكم واحد من المتكلمين =
    كل ما يسمع أو يبصر على المعنى الذي نعقله معاشر البشر، فإن له جسما ولابد، فأنا أعطل معنى السمع والبصر عن الله تعالى لهذا السبب، فهو عندي منزه عن (الجسمية والجارحية).. من جعل هذا النص المعلم بالأحمر، قاعدته ودليله العقلي (القطعي) هل توافقونه على معنى الجسم إن كنتم أنتم ممن يثبتون معنى السمع والبصر؟ هذا قطعيه العقلي قد تناقض مع قطعيكم العقلي في معنى الجسم نفسه، فلا هذا قطعي ولا ذاك قطعي، ولا شيء في هذا الغثاء الذي تتنازعونه يصلح أن يقال له إنه من (قطعيات العقل) أصلا، والله المستعان!!
    أما قولك (مركب من أعضاء) فنعم الله تعالى ليس بمركب لا من أعضاء ولا من غيرها لأن معنى التركيب كما هو واضح بصريح اللغة وظاهرها = الخلق والتكوين، والله ليس بمخلوق، سبحانه وتعالى! فتأمل أيها القارئ الفطن تلك التحريرات المختلطة التي يطلق عليها القوم أنها من قطعيات العقل، يقدمونها على ظواهر النص وعلى ما جاءنا من خبر الصحابة فيها، والله المستعان.
    ثانيا: من الذي قال إن الصحابة توقفوا في فهم قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم)؟؟ كونهم لم يسألوا - على التسليم بهذا تنزلا - فليس لأنهم يخافون التجسيم والتشبيه كما تزعمون، ولا لأنهم توقفوا! ولكن لأن سليقة الرجل العربي أفهمتهم المعنى المراد بوضوح، ولم يجدوا في ظاهره اللغوي ما يضطرهم إلى تنبيه من يأتي بعدهم لخطورة إثبات أن لله يدا حقيقية من هذا النص أو غيره!!! وإلا فلو كان ذلك كذلك حقا، وكانت المفسدة متحققة - بالدليل العقلي القطعي - من حمل تلك النصوص على ظواهرها، أفكانوا يسكتون عن هذا؟؟؟؟ أمثل هذا المعنى الخطير يتصور العقل المستقيم أن أمثالهم يسكتون عن بيانه وتحذير الناس منه؟؟؟ هذا افتراء عليهم رضي الله عنهم وأرضاهم، ورمي لهم في دينهم وتنقص من عقولهم جميعا لو كنتم تعقلون!! وكفى به فسادا أن يكون لازمه إجماع الأمة في قرن الصحابة أنفسهم على باطل، أو - على الأقل - على كتمان الحق والسكوت عنه في أصل أصول الدين، مع شدة الداعي لتقريره وبيانه!!
    الذي يقول إنهم لم يحملوا على الظاهر مطلقا = مطالب بتقديم الدليل على تلك الدعوى، لأن لازمها كما لا يخفى على ذي عينين، نسبتهم جميعا إلى التأويل، فأين ذاك الدليل؟؟؟ بل جاءنا عن بعضهم تفسير بظاهر المعنى، ولم يأتنا نكير أو تشنيع عليه من أقرانه (مع قوة الداعي)!
    والذي يقول منهم من تأول ومنهم من أثبت المعنى على الظاهر، قلنا له أثبت إذن أنه تأول بسبب قيام ذلك (الدليل العقلي القاطع) عنده، ودونك إلى ذلك خرط القتاد، بل من تأول منهم نصا وأخرجه من باب الصفات فإنما فعل لقرائن أخرى واضحة رجحت عنده، لا علاقة لها بقطعيات عقولكم!!
    والذي يقول فوَّضوا جميعا ولم يفسروا ولم يخوضوا في المعنى، فهو ينفي ما توافرت به الأخبار عنهم، وهذا إلى الجهل أقرب!!
    والذي يقول منهم من فوض ومنهم من فسر = هذا مطالب بتقديم الدليل على تفويض من يدعي أنه فوض! أم أن مجرد سكوت الصحابي عنده - أو عدم وصول النص عنه إلينا - تفويض؟؟؟؟

    أما المثال الثاني الذي ساقه بعد ذلك في تفسير (سنفرغ لكم أيها الثقلان) فأوهن وأضعف من سابقه، فإنه لم يقل عاقل قط إن ظاهر قوله تعالى إنه سيفرغ للثقلين يوم القيامة يفضي إلى التنقص منه أو مساواته بالمخلوقين، كأن يوحي - مثلا - بأنه يحتاج إلى ذلك التفرغ كما يحتاج المخلوقون، أو بأنه يشغله شأن عن شأن فلهذا سيفرغ للحساب يومها .. سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا!
    قال ابن جرير:

    وأما تأويله : فإنه وعيد من الله لعباده وتهدد , كقول القائل الذي يتهدد غيره ويتوعده , ولا شغل له يشغله عن عقابه , لأتفرغن لك , وسأتفرغ لك , بمعنى : سأجد في أمرك وأعاقبك , وقد يقول القائل للذي لا شغل له , قد فرغت لي , وقد فرغت لشتمي : أي أخذت فيه وأقبلت عليه , وكذلك قوله جل ثناؤه : { سنفرغ لكم } سنحاسبكم , ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن , فنعاقب أهل المعاصي , ونثيب أهل الطاعة . وبنحو الذي قلنا في ذلك , قال أهل التأويل
    وقال ابن كثير رحمه الله:
    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى " سنفرغ لكم أيها الثقلان " قال وعيد من الله تعالى للعباد وليس بالله شغل وهو فارغ وكذا قال الضحاك هذا وعيد وقال قتادة قد دنا من الله فراغ لخلقه وقال ابن جريج " سنفرغ لكم " أي سنقضي لكم وقال البخاري سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء وهو معروف في كلام العرب يقال لأتفرغن لك وما به شغل يقول لآخذنك على غرتك . وقوله تعالى " أيها الثقلان " الثقلان : الإنس والجن كما جاء في الصحيح" يسمعه كل شيء إلا الثقلين " وفي رواية " إلا الإنس والجن " وفي حديث الصور " الثقلان الإنس والجن"
    فأنا أسألهم ابتداءً، كيف أنتم بقول ابن عباس رضي الله عنه عن الله تعالى: (وهو فارغ)؟ ابن عباس لم يكن يحسن الأدب في الكلام عن ربه؟؟؟ أم تراه كان في غفلة عن كون هذا المعنى من التنقص لذات الله تعالى؟؟ كلا ولكنها لوثة التجهم والتفلسف التي ضربت رؤوس القوم، والله المستعان!
    وأقول، سواء صح هذا الأثر عنه رضي الله عنه أم لم يصح، فلا إشكال في معنى أنه سبحانه يوم القيامة سوف لا يكون له شاغل إلا محاسبة الثقلين، وإثبات هذا المعنى - إن صح - لا يلزم منه التنقص من ذاته سبحانه، إذ لم يقل أحد بأن شغله سبحانه كشغلنا! فنحن إذا ما شغلنا شاغل عجزنا عن الاشتغال بغيره معه، أما هو سبحانه فلا يشغله شغل عن شغل! فعلى القول بما في هذا الخبر المروي عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره، نقول إن الله تعالى أراد الوعيد والتخويف، الذي يقع في قلب السامع عندما يقال له ما معناه كيف أنت ورب العالمين سبحانه قد تفرغ لمحاسبتك، ولا شغل له يومئذ إلا هذا؟؟ فلا يلزم من هذا المعنى تنقص ولا أنه يشغله شيء عن شيء، حتى يقال إننا حملنا المعنى على الوجه الثاني هروبا من (القطع العقلي) كما يدعي صاحبنا!!! وإنما هو من تعظيم معنى ذلك الحساب في نفس السامع والترهيب منه، إذ ليس لله يومئذ شغل سواه!
    فالحاصل أن كلا الوجهين (حمل الفراغ على الظاهر، وحمله على المعنى الآخر) جائز ولا تعارض بينهما ولا صرف لأحدهما دون الآخر بمثل قطعيات القوم العقلية هذه!! والذي يرجح من هذا عندنا = حمله على ظاهره كما هو منقول عن ابن عباس وغيره من السلف، مع نفي اللوازم الباطلة عنه، على نحو ما قررنا آنفا، والله أعلى وأعلم.


    فالآن وبعد كل ما تقدم، تأمل أيها القارئ الكريم، كيف ينتهي صاحبنا كاتب هذا الكلام إلى خلاصة يقول فيها:
    الخلاصة : ابن تيمية تراجع وهدم ما بناه فى كتابه درء تعارض العقل والنقل –هدم ما بناه فى نفس الكتاب –واعترف بصحة قانون تأويل المتشابه عند الأشاعرة لأنه قانون متين وضعه علماء كبار استمدوه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ,
    ابن تيمية قدم العقل على النقل –هل من معترض ؟
    ابن تيمية اعترف للأشاعرة بصحة قانونهم في تأويل المتشابه؟؟ أي قانون؟؟؟
    ابن تيمية قدم العقل على النقل؟؟
    أي عقل وأي نقل؟؟ سبحانك ربي!
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    أوجَاع أمّة
    المشاركات
    15

    افتراضي رد: الرد على شبهة أثارها بعض الأشاعرة على كلام شيخ الإسلام في درء التعارض.


    أَسْأَل الْلَّه أَن تَكُوْن مِمَّن يُمْسِك صَحِيْفَتِه بِيُمينَة
    ( يُرِيْدُوْن أَن يُطْفِئُوْا نُوْر الْلَّه بِأَفْوَاهِهِم وَيَأْبَى الْلَّه إِلَا أَن يُتِم نُوْرَه وَلَو كَرِه الْكَافِرُوْن )

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    114

    افتراضي رد: الرد على شبهة أثارها بعض الأشاعرة على كلام شيخ الإسلام في درء التعارض.

    جزاك الله خيرا. رد قوي وتحرير سديد. أثابك الله.
    عجبا لمن وقع على كتاب كهذا ثم لم يستفد منه. حُرم العلم لتتبعه المتشابه.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    956

    افتراضي رد: الرد على شبهة أثارها بعض الأشاعرة على كلام شيخ الإسلام في درء التعارض.

    يرفع .. رفع الله قدر الكاتب
    قال الشيخ العلامة حمود بن عبدالله التويجرى - رحمه الله - :" الألبانى علم على السنة والطعن فيه طعن فى السنة "

  5. #5
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي رد: الرد على شبهة أثارها بعض الأشاعرة على كلام شيخ الإسلام في درء التعارض.

    يرفع للفائدة.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •