نعيمُ الجَنَّة حِسيٌّ ومَعْنَويٌّ - حوار مع د. أنور عشقي - للشيخ ربيع المدخلي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: نعيمُ الجَنَّة حِسيٌّ ومَعْنَويٌّ - حوار مع د. أنور عشقي - للشيخ ربيع المدخلي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    162

    افتراضي نعيمُ الجَنَّة حِسيٌّ ومَعْنَويٌّ - حوار مع د. أنور عشقي - للشيخ ربيع المدخلي

    نعيمُ الجَنَّة حِسيٌّ ومَعْنَويٌّ
    حوار مع د/ أنور ماجد عشقي


    بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد بن عبد الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم .
    أما بعد :
    فقد اطلعت على مقال باسم د/ أنور ماجد عشقي، نشر في ملحق جريدة المدينة (الرسالة) في العدد الصادر في يوم الجمعة 28/من جمادى الآخرة من عام 1431هـ، والموافق 11 يونيو 2010م.
    تضمن هذا المقال اعتقاداً خطيراً يخالف الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهو أمر لا يجوز السكوت عنه، ولا التغاضي عنه بحال من الأحوال، والله تعالى يقول : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )
    سورة آل عمران:( 110 )].
    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ".
    وامتثالاً للتوجيهات والأوامر الربانية والنبوية قمت بالرد على هذا المقال وتفنيد ما فيه من باطل من كتاب الله –عزّ وجلّ- وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- وإجماع المسلمين، كما سيقف على ذلك القراء الكرام.
    نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    - أولاً : قال الكاتب أنور عشقي :
    "دعاني إلى الكتابة عن الجنس في الجنة أمران، الأول: استغلال الإرهابيين للشباب من المراهقين، والإيحاء لهم بأنهم إذا قاموا بعملية انتحارية وقتلوا ودمروا فإنهم يصبحون شهداء، وحال موتهم تستقبلهم الحور العين في الجنة".

    - أقول : إن رد الفساد والباطل يكون بالحجج والبراهين القرآنية والنبوية وبفقه أئمة السنة المنضبط بالكتاب والسنة.
    ولا يكون رد الباطل بإنكار الحقائق والعقائد الثابتة الراسخة المسلمة التي أخبر الله بها في كتابه وتواترت عن رسوله صلى الله عليه وسلم ،ودان بها المسلمون قاطبة، فهي عند المسلمين من أعظم الأمور المعلومة بالضرورة، وإنما يكون الرد بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومن سنة رسوله المعصوم عليه الصلاة والسلام وبفقه أئمة الإسلام من الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان من أئمة العلم والهدى.
    فما رأيناك عرجت في رد باطلهم على كتاب ولا سنة ولا على فقه الأئمة، وإنما قابلت الهدم بهدم أشد منه.
    - ثانياً : ورد في هذه المقالة ما يأتي: الدوافع الجنسية غير موجودة في الجنة وآدم لم يغادرها إلا بعد انكشاف سوءته.
    - أقول : بأي كتاب أو بأي سنة تقول هذا القول الخطير؟
    إن عقائد المسلمين ومناهجهم قائمة على كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى، لا على الخيالات ولا على التخيلات، وكلامك هذا من الخيالات والتخيلات المصادمة للكتاب والسنة وعقائد المسلمين المستمدة منهما، وليس من العقل ولا من العلم في شيء.
    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه


    - ثالثاً : قال الكاتب :
    "والثاني: وجدت أن عدداً من طلبة العلم وكبار المثقفين، يعتقدون بوجود الممارسة الجنسية في الجنة، حتى بلغ الشطط ببعضهم أن ألف كتاباً وأفتن في هذا التصور العدمي، فقال بأن (الولدان المخلدون) الذين وردوا في القرآن الكريم هم لأهل الجنة الذين كانوا يميلون بشهوتهم في الدنيا إلى اللواط ومنعوا أنفسهم من ممارسة ذلك الشذوذ، فإن الله سيكافؤهم في الجنة بالولدان المخلدين، وهذا ما يشوه صورة الجنة في أذهان المسلمين، ويبعث على السخرية من قبل أعدائهم".
    - أقول :
    أما ما يعتقده طلبة العلم وكبار المثقفين فحق لا شك فيه، يؤمن به الأنبياء وأتباعهم المؤمنون من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وذلك من أعظم أنواع النعيم في الجنة.
    1- وليس التمتع الحسي والمعنوي بالحور العين من المستقذرات حتى تنـزه عنه الجنة وأهلها، وإذا سخر الملاحدة من هذا الإكرام فلا يستغرب منهم، فهم يسخرون بالأنبياء وبما جاؤوا به من الكتب، قال تعالى : ( وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ) [سورة الزخرف: 7]، فلا يبالى بهم.
    2- ولا ينـزه عن الصاحبة والولد إلا رب العالمين الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وخلقه لا يقاسون عليه تعالى الله عن ذلك.
    وأما ما قاله مؤلف الكتاب المذكور فإنه من الأباطيل ومن أقبح الأقوال وأفحشها، ويجب أن يؤدب ويحرق كتابه، وإن رُد عليه فبالحجج والبراهين.

    - رابعاً : قال الكاتب: " والإرهابيون وغيرهم من المنحرفين استفادوا من هذا الفهم الخاطئ فسخروه في غواية الشباب ليس في عصرنا فحسب، بل في عصر نظام الملك وعصر صلاح الدين الأيوبي عندما ابتدع الحشاشون من الباطنية، الذين أسس عصابتهم الحسن بن الصباح، وأنشأ لهم جنة وناراً ليتاجر بمشاعر الشباب ويدفعهم إلى الإرهاب والاغتيالات، واليوم نجد أن الإرهابيين في هذا العصر يوظفون جميع الأساليب التي كان يقوم بها الحسن بن الصباح، وأتباعه في إقناع الشباب بالحور العين، فزيفوا لهم الانتحار والقتل والتدمير، وأفشوا بينهم المخدرات".

    - أقول : ما يعتقده المسلمون جميعاً من التمتع الجسدي والروحي بالحور العين في جنات النعيم ليس فهماً خاطئاً، بل هو حقيقة ثابتة بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
    وأما عمل الباطنية الحشاشين ومن سار على نهجهم من الإرهابيين فهو الضلال والباطل، ويجب بيان ذلك لشباب الأمة وتحذيرهم منه أشد أنواع التحذير.
    أما أن يدفعك ذلك إلى إنكار التنعم بالحور العين وغير ذلك من النعيم، فهذه عقيدة باطلة مضادة للكتاب والسنة وما يعتقده المؤمنون.
    - خامساً : قال الكاتب: " فالجنس ما هو إلا مجموعة من الخصائص الفسيولوجية والتشريعية والسلوكية، نشأ بسبب انقسام الناس إلى ذكور وإناث، فقام بدور جذب الإنسان نحو الآخر بسبب الميول الفطرية. فالله عز وجل جعل الجنس في الحياة الدنيا سبيلاً لاهتمام الرجل والمرأة ببعضهما، فنشأ من جراء ذلك الحب والمودة والزواج وتوالد البشر فيما يعرف بالتكاثر الجنسي، وهو ما نجده أيضاً في الحيوان والنبات ومع ذلك فإن له في الإنسان تأثيرات طبيعية وحيوية ونفسية واجتماعية تؤثر في حياته".

    - أقول : كون الإنسان له في الدنيا مجموعة خصائص فسيولوجية وتشريعية وسلوكية تنشأ بسبب انقسام الناس إلى ذكور وإناث... الخ.
    فمن أين لك أن الله يسلب هذه الخصائص عن أهل الجنة ذكورهم وإناثهم ؟
    أ- إن الله يبعث الموتى بأجسادهم وأرواحهم التي كانت في الدنيا، ثم يتفضل الله على أهل الجنة فيزيدهم كمالاً وجمالاً على صورة أبيهم آدم طوله ستون ذراعاً، أما جمالهم ونورهم فقد قال عنه -صلى الله عليه وسلم-: " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة ..."
    ب- وكما قسم الله البشر في الدنيا إلى ذكور وإناث، كذلك يقسمهم الله في الآخرة إلى ذكور وإناث، فالذكور في الدنيا هم الذكور في الآخرة بخصائصهم، والإناث في الدنيا هن إناث في الآخرة بخصائصهن، ومثلهن الحور العين، بل ويزيد الله هذه الخصائص كمالاً في الآخرة.
    وقولك : "فالله عز وجل جعل الجنس في الحياة الدنيا سبيلاً لاهتمام الرجل والمرأة ببعضهما ،فنشأ من جراء ذلك الحب والمودة والزواج وتوالد البشر فيما يعرف بالتكاثر الجنسي، وهو ما نجده أيضاً في الحيوان والنبات ومع ذلك فإن له في الإنسان تأثيرات طبيعية وحيوية ونفسية واجتماعية تؤثر في حياته".

    - أقول : ما هي براهينك على أن الله لم يجعل سبيلاً لاهتمام الرجل والمرأة بعضهما ببعض في الجنة ؟ ومن أين لك أن الله لم يجعل سبيلاً إلى المحبة والمودة بين الرجال والنساء في الآخرة ؟
    الذي يدين به المسلمون أن المودة والمحبة وكمال حسن التبعل والعشرة موجودة على أشدها بين الجنسين في الجنة، فإن قلت: لا، فهات أدلتك مرة أخرى على ما تدعي.
    وهل سيجعل الله بين الجنسين العداوة والبغضاء والشقاق و..و..الخ، أو لا هذا ولا ذاك، أثبت ما تعتقده بالأدلة والبراهين.
    والدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء
    - سادساً : قال الكاتب : "والجنة تنعدم فيها الدواعي الجنسية لهذا فإن الأعضاء التناسلية سوف تختفي عند الإنسان في الدار الآخرة لأن الله عز وجل وصفها بالسوأة، فقال تعالى: «فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة»".
    - أقول :
    1- ما الدليل على أن الجنة تنعدم فيها الدواعي الجنسية ؟
    وما المراد بقولك: " فإن الأعضاء التناسلية سوف تختفي" ؟
    هل تريد أن تقول إن الله يبعث البشر لا فرق بين ذكر وأنثى، فكلاهما سواء، فلا يقال هناك ذكور وهناك إناث لانعدام الأعضاء التناسلية التي تميز بين الذكر والأنثى أو تريد أمراً آخر ؟ أرجو إبراز الأدلة الواضحة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    أما المسلمون فإنهم يؤمنون بالفرق بين الذكور والإناث في الجنة وأن الله خلق في الآخرة لكل من الجنسين أجهزة تخصه، ويفرق الله بها بين الذكور والإناث، ويعطي الله المؤمن زوجتين من الحور العين جزاءً لهم على إيمانهم وعملهم الصالح، والله يفرق في كلامه بين الذكور والإناث من أهل الجنة.
    يقول الله مخبراً عن جزاء المتقين : ( هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ )
    [سورة ص : ( 49 )].
    انظر إلى الإخبار عن الذكور بصيغ المذكر، فيقول الله عن المتقين: "متكئين فيها"، "يدعون فيها"، "وعندهم"، كلها بصيغ التذكير، ويقول تعالى مخبراً عن الإناث بصيغة التأنيث ( وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ).
    وهناك نصوص كثيرة في هذا التفريق في القرآن والسنة وفي إجماع المسلمين والعقلاء، فهل يأخذ المسلمون بأخبار الله الصادقة وأخبار الرسول الصادقة وإجماع المسلمين أو بقول أهل الباطل ؟؟
    - سابعاً : قال الكاتب: "فالله عز وجل لم يخرج آدم وزوجه من الجنة إلى الأرض بسبب المعصية التي ارتكباها، بل بسبب ظهور السوأتين بعد أكلهما من الشجرة، لأن الله عز وجل تاب عليهما بعد أن تليا كلمات علمهما الله إياها، فعفا عنهما، لكنهما بسبب ظهور السوأتين لم يعودا مؤهلين للبقاء في الجنة فأخرجهما عز وجل منها".

    - أقول : إن الله ما أخرج آدم من الجنة إلا بسبب خطيئته ألا وهي أكله من الشجرة التي نهاه الله وزوجه حواء أن يأكلا منها، والدليل ما رواه البخاري في صحيحه حديث (3340) و(4712)، ومسلم في صحيحه حديث (194) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السَّلَام فَيَقُولُونَ له: أنت أبو الْبَشَرِ خَلَقَكَ الله بيده وَنَفَخَ فِيكَ من رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لك اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ ألا تَرَى إلى ما نَحْنُ فيه ألا تَرَى إلى ما قد بَلَغَنَا فيقول آدَمُ إِنَّ رَبِّي قد غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لم يَغْضَبْ قَبْلَهُ مثله وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مثله وَإِنَّهُ نَهَانِي عن الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلى غَيْرِي اذْهَبُوا إلى نُوحٍ ... " الحديث.
    والقرآن لا يفهم منه الناس إلا هذه الخطيئة وهي أكلهما من الشجرة التي نهاهما ربهما أن يأكلا منها.
    وأقول: أين الدليل على أن الله خلق آدم وزوجه بدون سوأتين فلما وجدت سوأتاهما أخرجا من الجنة من أجل ذلك لا من أجل معصيتهما ؟وهل هما خلقا لأنفسهما هاتين السوأتين حتى يعاقبهما على هذه الفعلة ؟
    وهل نهاهما الله عن أكل الشجرة أو عن ظهور السوأتين ؟
    إن قلت: بل نهاهما عن أكل الشجرة ولم ينههما عن ظهور السوأتين.
    قلنا كيف لا يعاقبهما على مخالفة نهيه لهما ويعاقبهما على عمل لم ينههما عنه وحصل منهما بدون قصد ولا اختيار ؟
    على كل حال يظهر أن الرجل يعتقد أن الله خلق آدم بدون ذكر وخلق حواء بدون فرج، فلما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله أن يأكلا منها خلقت هاتان السوأتان، فاستحقا الإخراج من الجنة بسبب وجود هاتين السوأتين، ومن هنا يعتقد أن أهل الجنة تنعدم منهم هاتان السوأتن.
    ونحن نعتقد أنه يتكلم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
    ونحن نسوق الدليل على بطلان ما يقول وتهافته.
    قال تعالى في سورة الأعراف الآية (19-23):
    ( وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).

    1- تأمل قوله تعالى : ( لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ).
    أي ليظهر شيئاً موجوداً فِعْلاً قد واراه الله بنعمة اللباس، فلا يراه الملائكة ولا إبليس ولا غيرهما، فلما ظهرت سوأتا آدم وحواء الموجودتان فِعْلاً استحيا أشد الحياء من انكشاف سوأتيهما، وذهبا يخصفان عليهما من ورق الجنة كما أخبر الله عنهما.
    2- وتأمل قوله تعالى : ( فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ) أي يغطيان شيئاً كان موجوداً خجلاً وحياء.
    وقال تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ...)
    [سورة الأعراف: ( 27 )].
    تأمل قوله تعالى: ( يَنـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ ).
    ألا تراه واضحاً في أن لهما سوأتان موجودتان كساهما الله لباساً يغطيهما، فأراد الشيطان بمكره بهما أن ينـزع عنهما هذا اللباس ليظهر عوراتهما.
    وقال تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذالِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) [سورة الأعراف : ( 26 )].
    فهذا اللباس يواري سوءات بني آدم الموجودة.
    أليس هذا يؤكد أن الله خلق آدم بشراً سوياً كامل الرجولة، وكساه وزوجه حواء وزينهما باللباس الذي يستر عوراتهما، ونعمهما في الجنة يأكلان من كل ما فيها إلا من شجرة واحدة.
    فحسدهما إبليس على هذه النعم وعلى هذه المنـزلة لينـزع عنهما لباسهما وليخرجهما من الجنة إلى آخر ما قصه الله عن آدم وحواء.
    أليس من أبطل الباطل أن يقرر إنسان ضد ما يقرره الله في كتابه ليصل إلى قوله : تنعدم السوآت في الجنة كما سيأتي.
    - ثامناً : قال الكاتب: "وشرع الله للبشر ما إذا سار الإنسان عليه تأهل من جديد وعاد إلى مقام العندية عند الله في الجنة، وهذا ما وقع فيه (ليوناردو دافنشي) الرسام الكبير عندما تخيل صورة لآدم وحواء فجعل لكل منهما سرة في بطنه، وفاته أنهما لم يولدا من رحم أنثى وبحبل سري، ولم تكن لهما سوأتين( 1) عند بدء الخلق".
    - أقول : يقصد الكاتب أن الله شرع للبشر ما إذا عملوا به دخلوا الجنة مجردين من الرجولة، وبالتالي ينعدم جماع الحور العين وما يناسبه من المودة والمحبة؛ لأن ذلك مما لا يليق بالجنة على حد زعمه.
    ومن أجل ما وقع فيه الرسام المذكور من خطأ على حد زعمه يريد أن يصحح هذا الخطأ بقوله : " وفاته أنهما لم يولدا من رحم أنثى وبحبل سري، ولم تكن لهما سوأتين(2 ) عند بدء الخلق ".
    - أقول : فما هو المانع الشرعي والعقلي أن يكون لآدم وحواء سرَّتان وسوأتان عند بدء خلقهما ؟؟

    - تاسعاً : قال الكاتب : "ولعدم وجود الجنس في الجنة فإن الله عز وجل خلق آدم من طين واستنسخ حواء من ضلع آدم. فالجنة لا جنس فيها لأن الأجهزة التناسلية للإنسان تختفي لأنه ليس في حاجة إليها في الجنة، كما ليس في حاجة إلى كل الغرائز التي ابتلى الله بها الإنسان على وجه الأرض لتستقيم الحياة، لكن الله شرع له ما يضبط سلوكه في الدنيا ليتأهل إلى مقام العندية في الآخرة".

    - أقول :
    1- إن الله خلق حواء من آدم ولم يستنسخها منه.
    2- من أين لك أن الأجهزة التناسلية تختفي أي لم يخلق لهم الأجهزة وأن أهل الجنة ليسوا بحاجة إليها ؟!
    3- من أين لك أن الله يسلبهم كل الغرائز ،ومنها حب الطعام والشراب والجماع، فكيف يتلذذون بنعيم الجنة وهو على هذه الحال ؟!
    إن هذه العقيدة ليبرأ منها القرآن والسنة وكل المسلمين.
    وأسوق هنا بعض الأحاديث التي تبطل هذه العقيدة.
    قال المنذري كما في "صحيح الترغيب والترهيب" للألباني (ص512-513):
    " فصل في أكل أهل الجنة وشربهم وغير ذلك
    3737 - عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النَّفَس " رواه مسلم ,وأبو داود وقال الألباني : حديث صحيح.
    3738 - وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال : " إنَّ الرجل من أهل الجنة ليشتهي الشراب من شراب الجنة فيجيء الإبريق فيقع في يده فيشرب ثم يعود إلى مكانه " رواه ابن أبي الدنيا موقوفا بإسناد جيد وقال الألباني حديث حسن.
    3739 - وعن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : " يا أبا القاسم تزعم أنَّ أهل الجنة يأكلون ويشربون ؟ قال : نعم ،والذي نفس محمد بيده إنَّ أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع قال : فإنَّ الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى ! قال : تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه " رواه أحمد والنسائي ورواته محتج بهم في الصحيح .
    والطبراني بإسناد صحيح.
    ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم ولفظهما : " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ؟ -ويقول لأصحابه : إن أقر لي بهذا خصَمْتُه-، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بلى والذي نفس محمد بيده إنَّ أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع . فقال له اليهودي : فإنَّ الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا البطن قد ضمر ". ولفظ النسائي نحو هذا. وقال الألباني حديث صحيح.
    3740 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة . فقال أبو بكر : يا رسول الله إنَّ هذه لطير ناعمة . فقال : أكلتها أنعم منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها " رواه أحمد بإسناد جيد، والترمذي وقال : "حديث حسن" ولفظه قال : "سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما الكوثر ؟ قال : " ذاك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزر .قال عمر : إنَّ هذه لناعمة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكلتها أنعم منها ".وقال الألباني حديث حسن.

    - أقول : وستأتي آيات وأحاديث في آخر هذا البحث إن شاء الله تؤكد بطلان ما يقول هذا الرجل.

    - عاشراً : قال الكاتب : "والله عز وجل نهى آدم عن الاقتراب من الشجرة، وعندما أكلا منها بدت لهما سوآتهما عندما حول الشيطان شهوة الطعام التي قادت آدم وزوجته إلى الأكل من الشجرة فانفجرت لديهما الغريزة الجنسية، ثم تبعتها غريزة الخوف فتلقى آدم كلمات من ربه فتاب عليه، وهكذا أخذت الغرائز والدوافع تظهر تباعا فلم يعد الإنسان صالحاً للجنة، لأن الجنة ليس فيها جنس وليس فيها خوف، بل تنعدم فيها معظم الغرائز".

    حاصل هذا الكلام أن آدم وحواء ما كانت لهما سوآت فلما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها انفجرت لهما سوأتان وخلقت لهما غريزة الخوف بعد هذه الحادثة؛ لأن الله خلقهما أولاً بدون غرائز بشرية، وأن معظم الغرائز تنعدم في الجنة.
    ونقول : هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
    - الحادي عشر : قال الكاتب : "صحيح أن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فالله سبحانه وتعالى يعلم أن عقول البشر لا تدرك ما في الجنة من متع ونعم، فقربها إليهم بأن ذكر فيها الحور العين، وأن فيها الخمر واللبن والفاكهة، فالله عز وجل لم يقل إلا الحق فهناك خمر ليست كخمر الدنيا، وطعام ليس كطعام الدنيا، بل متع معنوية تتصاغر أمامها المتع الحسية. ولأن عقول أطفالنا لا ترقى إلى فهم كثير من الأمور المعنوية، فإننا نقرب الفهم لعقولهم بأمثال حسية يدركونها، فإذا سألك طفلك قائلا: كيف هو الحب؟ قلت له: أنه حلو مثل العسل، عندها يدرك أن الحب شيء مستساغ ومرغوب، وهكذا قرّب الله سبحانه وتعالى لأفهامنا نعيم الجنة بالحور العين وأنهار الخمر واللبن والله لا يقول إلا حقا، ولأن العرب وهم حملة الرسالة، كان أقصى ما لديهم من اللذة هو الجنس والخمر واللبن، لكنه لم يثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم ركزوا في دعوتهم للشعوب الأخرى على الخمر واللبن والجنس في الجنة، ولو أنا قلنا للغرب الذي أطلق العنان للجنس بأن الجنة فيها الحور العين لما أسلم".

    أقول : ما المراد من الحديث الذي ترى أنه صحيح ؟
    الجواب عند الكاتب المراد منه ما ذكره أن المراد مما ذكره في القرآن الكريم وما ذكره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في سنته من الحور العين والخمر واللبن والفواكه المراد منها متع معنوية لا جسدية ولا حسية ،وأن الله يذكرها لهم على سبيل التقريب، لكن الواقع أنها متع معنوية لا حسية !

    وهذه عقيدة خطيرة مصادمة لنصوص الكتاب والسنة وما أجمع عليه المسلمون واعتقدوه.
    ومن العجائب أن يقول : "فالله عز وجل لم يقل إلا الحق".
    يعني ما ذكره الله عن نعيم الجنة وأن فيها خمراً وطعاماً ولبناً وفاكهة.
    ثم تعقب بقوله الباطل: "بل متع معنوية تتصاغر أمامها المتع الحسية".
    ثم يضرب لذلك بمثالين تقريبيين ليؤكد ما يقول، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
    ومن المناسب أن أذكر الحديث الذي أشار إليه الكاتب فأقول :
    روى البخاري في "صحيحه" حديث (4780) ومسلم في "صحيحه" حديث (2824) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبي  : " يقول الله تَعَالَى أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ ما لَا عَيْنٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا، بَلْهَ ما أُطْلِعْتُمْ عليه". ثُمَّ قَرَأَ : ( فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).
    قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " فلا يعلم أحد عظمة ما أخفي الله لهم في الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد لما أخفوا أعمالهم كذلك أخفى الله لهم من الثواب جزاء وفاقا فإن الجزاء من جنس العمل ".
    ثم أطال النفس في تفسير هذه الآية ينقل في معناها أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حديث أبي هريرة هذا وما في معناه منها : حديث سهل بن سعد الساعدي وعزاه إلى مسند أحمد وإلى صحيح مسلم.
    وحديث أبي سعيد الخدري وعزاه إلى تفسير ابن جرير, وحديث المغيرة بن شعبة وهو حديث طويل، يتضمن ما رواه أبو هريرة وسهل –رضي الله عنهما-.
    أقول: ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : " بَلْهَ ما أُطْلِعْتُمْ عليه " دع واترك ما اطلعتم عليه من نعيم الجنة وعرفتموه من لذاته، فالذي عرفه الصحابة من النعيم الذي أطلعهم الله عليه أنه أكل حقيقي وشرب للخمر واللبن شرباً حقيقياً، وتنعم وتلذذ بالحور حقيقي لا يشكون في ذلك بل هم على غاية الإيمان واليقين منه.
    سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن رجل قيل له : إنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إنَّ أهل الجنة يأكلون ويشربون ويتمتعون ولا يبولون ولا يتغوطون " فقال: من أكل وشرب بال وتغوط، ثم قيل له: إن في الجنة طيورا إذا اشتهى صار قدامه على أي صورة أراد من الأطعمة وغيرها، فقال: هذا فشار، هل بجحده هذا يكفر ويجب قتله أم لا ؟
    فأجاب : الأكل والشرب في الجنة ثابت بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين وهو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وكذلك الطيور والقصور في الجنة بلا ريب كما وصف ذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك إن أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون لم يخالف من المؤمنين بالله ورسوله أحد وإنما المخالف في ذلك أحد رجلين إما كافر وإما منافق.
    أما الكافر فإن اليهود والنصارى ينكرون الأكل والشرب والنكاح في الجنة يزعمون أن أهل الجنة إنما يتمتعون بالأصوات المطربة والأرواح الطيبة مع نعيم الأرواح وهم يقرون مع ذلك بحشر الأجساد مع الأرواح ونعيمها وعذابها.
    وأما طوائف من الكفار وغيرهم من الصابئة والفلاسفة ومن وافقهم فيقرون بحشر الأرواح فقط وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط.
    وطوائف من الكفار والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية فلا يقرون لا بمعاد الأرواح ولا الأجساد وقد بيَّن الله تعالى في كتابه على لسان رسوله أمر معاد الأرواح والأجساد وردَّ على الكافرين والمنكرين لشيء من ذلك بياناً في غاية التمام والكمال.
    وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة فإنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون هذه أمثال ضربت لنفهم المعاد الروحاني وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية الذين قولهم مُؤلَّفٌ من قول المجوس والصابئة ومثل المتفلسفة الصابئة المنتسبين إلى الإسلام وطائفة ممن ضاهوهم من كاتب أو متطبب أو متكلم أو متصوف كأصحاب "رسائل إخوان الصفا" وغيرهم أو منافق وهؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان فإنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم قد بيَّن ذلك بيانا شافيا قاطعا للعذر، وتواتر ذلك عند أمته خاصها وعامها وقد ناظره بعض اليهود في جنس هذه المسألة وقال يا محمد : أنت تقول إنَّ أهل الجنة يأكلون ويشربون ومن يأكل ويشرب لابد له من خلاء ! فقال النبى  : " رشح كرشح المسك ".
    ويجب على ولي الأمر قتل من أنكر ذلك ولو أظهر التصديق بألفاظه، فكيف بمن ينكر الجميع ؟! والله أعلم " "مجموع الفتاوى" (4/313-315).



    يتبع - إن شاء الله - .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: نعيمُ الجَنَّة حِسيٌّ ومَعْنَويٌّ - حوار مع د. أنور عشقي - للشيخ ربيع المدخلي

    - الثاني عشر : قال الكاتب أنور: " لقد كان الأنبياء عليهم السلام أكثر فهما وأعمق إدراكا في التعامل مع الله سبحانه وتعالى، فلم يعبدوه لأجل الحور العين، ولا للجنة ونعيمها، ولا خوفاً من النار وشررها، بل عبدوه حباً لذاته.
    وفي هذا يقول عيسى عليه السلام: قوم عبدوا الله خوفاً من ناره وتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله طمعاً في جنته وتلك عبادة التجار، وقوم عبدوا الله حبا في ذاته وتلك عبادة الأحرار. أما النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يتعامل مع الله بمنطق لا ندرك أبعاده حتى أصبح يجد المتعة في الذكر وفي الصلاة، فكان يقول لبلال: أرحنا بها يا بلال، وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ثم يجيب عائشة رضي الله عنها بالقول: أفلا أكون عبداً شكوراً، فلم يقل أريد الجنة والحور العين، بل كان يقول: أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم وأحبوني لحب الله إياي".

    - أقول : من أنبأك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتعاملون مع الله على هذا الوجه الذي ذكرته ؟
    في أي كتاب وفي أي سنة صرّحوا أو أشاروا إلى هذه العلاقة العجيبة أنهم كانوا يعبدون الله لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته ؟!
    الذي يعرفه المسلمون أن الأنبياء أشد الناس خوفاً من الله وأشد الناس رغبة ورجاء لما عند الله.
    فهذا أول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام يخبر الله عنه أنه قال : " وَيا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )
    [سورة هود: (29)].
    فهو يعمل ويدعو إلى الله رجاء الأجر من الله.
    ومن خوفه من الله يقول : " وَيا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ " فهو يجمع بين الخوف والرجاء.
    وعن عبد الله بن الشخير قال : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل يعني : يبكي "
    وفي رواية قال : " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء " رواه أحمد .وروى النسائي الرواية الأولى وأبو داود الثانية .وهو حديث صحيح .
    وهذا أفضل الأنبياء والرسل يقول الله له : ( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) [سورة الأنعام: (15)].
    ويقول عليه الصلاة والسلام كما أخبر الله عنه : ( إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) [سورة يونس: (15)].
    ويقول الله له : ( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) [سورة الزمر: (39)].
    وفي الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم : "... والله إني لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ له " .
    وهذا خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام- يقول: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) [سورة الشعراء: (82-85)].
    ويقول الله عن زكريا وأسرته : ( وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ )
    [سورة الأنبياء : (90)].
    أي أنهم كانوا قد جمعوا بين الرغبة والرهبة في حياتهم وعبادتهم، والخوف والرغبة هما أعظم محاور توحيد الله وعبادته، وهما منقبتان عظيمتان لأنبياء الله وأوليائه.
    والله يقول : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) [سورة فاطر : (28)].
    وسادة العلماء وفي طليعتهم وقادتهم هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
    وهذا القول : إني أفعل كذا لا خوفاً منك ولا طمعاً فيك إنما يقوله الإنسان لِندِّه ونظيره أو لمن هو دونه، وحرام وكفر أن يقوله أحد لرب العالمين؛ لأنه منطق المستكبرين.
    وعلى كل حال هذا القول يردده جُهَّال الصُّوفية ،ويُنسب إلى رابعة العدوية ،وما أظنه يثبت عنها ،وبرَّأ الله رسولَه عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم من هذا القول.
    وقولك : "وفي هذا يقول عيسى عليه السلام : قوم عبدوا الله خوفاً من ناره وتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله طمعاً في جنته وتلك عبادة التجار، وقوم عبدوا الله حبا في ذاته وتلك عبادة الأحرار".
    - أقول : أين إسناد هذا الكلام إلى عيسى أو إلى رسول الله محمد – عليهما الصلاة والسلام- ؟!.
    أما أنا وكل مسلم فنُبرئ محمداً -صلى الله عليه وسلم- وما جاء به من هذا القول الباطل المغرق في الضلال، كما نُبرئ عيسى وجميع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من هذا الجهل والضَّلال.
    أستغفر الله، فهل كان عيسى يرى نفسه حُراً من عبوديته لله ويدعو إلى هذه الحرية ؟
    ألم يقل صلَّى الله عليه وسلَّم وهو في المهد : ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً )
    [سورة مريم: (30-31)].
    ومحمد -صلى الله عليه وسلم- يقول الله في شأنه : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) [سورة الإسراء: (1)].
    ويقول له : ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي ) [سورة الزمر: (11-14)].
    وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبه : " ... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله "
    وأخذ ذلك عنه المسلمون يرددونه في خطبهم على امتداد تأريخهم إلى يومنا هذا.
    وكان يقول في تشهده صلَّى الله عليه وسلَّم : " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله "
    وعلمنا صلى الله عليه وسلم أن نقول في تشهدنا : " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " ويقول ذلك المسلمون في جميع صلواتهم.
    وقولك : " أما النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ،فكان يتعامل مع الله بمنطق لا ندرك أبعاده حتى أصبح يجد المتعة في الذكر وفي الصلاة ...الخ ".
    هذا صحيح، بل هو يجد المتعة في الذكر والصلاة منذ بعثه الله، ثم فرض عليه الصلاة والذكر، ومع ذلك كان يأكل ويشرب ويجاهد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويتزوج النساء ،ونهى عن التبتل عليه الصلاة والسلام ويحث على العمل والزراعة، ويبين ما في ذلك من الفضل، وبرَّأه الله من رهبانية النصارى، وبرَّأه الله من طرق غلاة الصوفية.

    أما قولك : "بل كان يقول : أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم وأحبوني لحب الله إيَّاي".
    فهو حديث ضعيف، رواه الترمذي والحاكم وأبو نعيم في "الحلية".
    وقد ضعَّفه ابن الجوزي في " العلل المتناهية "(1/ 262).
    وشيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (5/ 396).
    والألباني في "الجامع الصغير" حديث (176).
    لأن في إسناده عبد الله بن سليمان النوفلي.
    قال الذهبي في "الكاشف": "روى عنه هشام بن يوسف بس. ت ".
    يعني أنه مجهول، وقال في "المغني": "لم يرو عنه سوى هشام بن يوسف"، يعني أنه مجهول.
    وأورده الذهبي أيضا في "الميزان" ( 2/432)، وقال فيه جهالة، ما حدَّث عنه سوى هشام بن يوسف.
    وأورد هذا الحديث لبيان ضعفه.
    وقال الحافظ فيه : "مقبول" يعني إذا توبع، وإلا فهو لين الحديث عنده، وهذا الحديث ليس له متابعة.
    والظاهر أنَّ أنور أورده لدعم مذهب الصوفية الذين يركزون في صلتهم بالله على الحب فقط!.
    يقول بعض السَّلف : " من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو خارجي، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو الموحد ".

    - الثالث عشر : قال الكاتب أنور : " ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدنا أول سورة جاء فيها ذكر الحور العين هي سورة الدخان وهي سورة مكية يقول فيها سبحانه وتعالى ( كذلك وزوجناهم بحور عين ) فكانت في وصف ما أنعم الله به على المتقين قال يونس بن حبيب في تفسير هذه الآية : إن ذلك لا يعني النكاح بل المقارنة، والعرب لا تقول تزوجت بها، بل تقول تزوجتها، واتفق معه الواحدي والفراء في ذلك.
    إن التنـزيل يدل على ما ذهب إليه يونس فقد قال سبحانه وتعالى ( فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها )، وإذا قيل زوجته بفلان ولم يقل زوجته لفلان فهذا يعني أني شفعته به أي جعلته مرافقا معه، وقد قال سبحانه وتعالى ( قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ) وقد قال تعالى ( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) " .

    - أقول : لقد ذكر الكاتب في هذا السياق يونس بن حبيب والواحدي والفراء -والله أعلم- ليوهم أن هؤلاء العلماء على طريقته في أنه لا يوجد الجنس أي الجماع في الجنة وإنما هو متاع معنوي لا جسدي!
    وحاشاهم ثم حاشاهم من هذا الضَّلال.
    - أقول : ويونس بن حبيب تكلم بمبلغ علمه، وفاته لغة بعض العرب في هذه اللفظة، فقد أورد الشوكاني قوله هذا القول، ثم قال: "وقال الفراء : زوجته بامرأة لغة أزد شنوءة " "فتح القدير" (5/117).
    فعلى هذا يتعدى لفظ زوَّج بالباء، فيسقط ما توهمه هذا الرجل.
    ومما يدلك على براءة الواحدي -رحمه الله- من هذا المذهب المهلك قوله في تفسيره "الوسيط" (4/93) في تفسير قول الله تعالى من سورة الدخان ( وزوجناهم بحور عين ) : "أي قرناهم بهن وليس من عقد التزويج ،لأنه لا يقال : زوجته بامرأة، وقال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجاً بهن كما يزوج النعل بالنعل أي جعلناهم اثنين اثنين ونحو هذا، قال الأخفش: جعلناهم أزواجاً بالحور وهن البيض الوجوه. وقال أبو عبيدة : الحوراء الشديدة بياض العين الشديدة سوادها، والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين".
    فهو لا ينفي أن الله يزوج أهل الجنة بالحور العين ليتمتعوا بهن تمتع الأزواج بالزوجات.
    وإنما نفى أن يكون التزويج بصيغة العقد كما هو الحاصل في الدنيا بين الزوج وولي الزوجة، ولا ينفي أن الله قد زوجهم بهن وأباح لهم جماعهن، بل هو وكل مؤمن لا ينفون هذا، بل يؤمنون ويوقنون به.
    ولا ينفيه إلا اليهود والنصارى ونحوهم من أهل الضلال كما ذكر ذلك العلماء.
    وانظر إلى قوله في بيان معنى قوله تعالى: ( يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ) حيث يقول: "من التخم والأسقام والأوجاع"، أي التي تصيب أهل الدنيا بسبب الأكل، يعني فأهل الجنة مهما أكلوا من الفواكه وغيرها لا تصيبهم الآفات من التخم والأوجاع كما تصيب أهل الدنيا، وذلك من تمام إنعام الله عليهم.
    ومما يدلك على براءة الواحدي من هذا المذهب تفسيره لقول الله تعالى: ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [سورة البقرة : ( 25 )].
    قال بعد أن فسر الجنات والثمار وأكل أهل الجنة منها – تفسيراً صحيحاً لا تحريف فيه-.
    قال : " وقوله تعالى: ( وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ) "الأزواج" : جمع زوج وزوجة وشكل كل شيء : زوجه، و"مطهرة" قال مجاهد : لا يتغوطن ولا يبلن ولا يمنين ولا يحضن، فهن مطهرات من الحيض والبول والنخام والبزاق والمني والولد.
    وقيل "مطهرة" من مساوئ الأخلاق ،لما فيهن من حسن التبعل ،ودل على هذا قوله: (عرباً أتراباً).
    (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء هناك كما أن التغيض( 3) بالزوال والفناء.
    أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبرهيم النجار، حدثنا أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني، حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وثيمة، وحدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن أزواج الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط وإن مما يغنين به: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان، وإن مما يغنين به : نحن الخالدات فلا نموت، نحن الآمنات فلا نخاف نحن المقيمات فلا نظعن"( 4)".
    انظر إلى قوله: " "الأزواج": جمع زوج وزوجة وشكل كل شيء: زوجه ".
    فهو يبين لك أن هذا اللفظ مشترك، فهو يشمل الزوج باللفظ المذكر والزوجة باللفظ المؤنث، ويزيد أنه يشمل شكل كل شيء.
    وانظر إلى قوله في تفسير الزوجات من الحور العين :
    " قال مجاهد: لا يتغوطن ولا يبلن ولا يمنين ولا يحضن، فهن مطهرات من الحيض والبول والنخام والبزاق والمني والولد".
    أقول : وذلك لتمام نعيمهن وتنعم أزواجهن به.
    يؤكد ذلك ما رواه البخاري( 5) ومسلم( 6) عن أبي هريرة – رضي الله عنه –قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة. لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون. أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة (عود الطيب) أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم؛ ستون ذراعا في السماء".
    قال الواحدي نفسه في تفسير قول الله تعالى : ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ) الوسيط (3/ 516) في تفسير الآية (58) من سورة يس قال :
    " ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليَوْمَ ) يعني في الآخرة (فِي شُغُلٍ) وقُرِئ شُغْلٍ وهما لغتان، قال مقاتل: شُغِلوا بافتضاض العذارَى عن( 7) أهل النَّار فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم، وهذا قول جماعة المفسرين، وقال الحسن : شُغِلوا بما في الجنة من النعيم عمَّا فيه أهل النار من العذاب (فَاكِهُونَ) ناعمون معجبون بما هم فيه، قال أبو زيد : الفكه الطيب النفس الضحوك يُقَال رجل فكه وفاكه ولم يسمع لهذا أفعل في الثلاثي (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ ) يعني حلائلهم (فِي ظِلَالٍ) قال مقاتل : في أكنان القصور ،وقرئ في ظلل وهي جمع ظلة (عَلَى الأرَآئِكِ) وهي السرر عليها الحجال قال أحمد بن يحيى : الأريكة لا تكون إلا سريراً في قبة عليه سواره ومتاعه ( لَهُمْ فِيهَا ) في الجنة ( فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ) يتمنون ويشتهون".
    انظر تفسيره لقوله تعالى: (فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) وقوله: "وهذا قول جماعة المفسرين" وكلام الحسن لا يناقض قول جماعة المفسرين، فتفسيرهم خاص بهذه الجملة وتفسير الحسن عام يدخل فيه قول جماعة المفسرين.
    3- وقد فَسَّر قول الله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) إلى قوله ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) تفسيرا واضحا كما يفهمه المسلمون.
    ثم قال في قول الله تعالى : ( فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) : " قال قتادة : قصرن طرفهنَّ على أزواجهنَّ فلا يردن غيرهم .
    وقال ابن زيد : إنَّها تقول لزوجها : وعزَّةِ ربي ما أرى في الجنَّة شيئاً أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي" .
    وقال في تفسير قوله تعالى : (لم يطمثهن): " قال الفراء : الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية يقال : طمث ويطمث وطمثت الجارية إذا افترعها ".
    والله وعد المؤمنين بالجنة وما فيها من نعيم من ثمار وأنهار وقصور وحور عين إلى جانب ما أخفاه من نعيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
    وذلك كله نعيم روحي ونعيم جسدي لا يختلف فيه اثنان من المسلمين.
    وقوله : فقد قال سبحانه وتعالى : ( فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها ).
    - أقول : هذا لا يتعارض مع قوله تعالى : ( وزوجناهم بحور عين ).
    ولم يفهم أي مسلم هذا التعارض لا الفراء ولا يونس ولا الواحدي ولا غيرهم.
    وقوله : وقد قال سبحانه وتعالى : ( قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ).
    - أقول : لا حجة له فيه !
    قال الواحدي -رحمه الله- : " قوله: (قلنا احمل فيها) في السفينة، (من كل زوجين اثنين) الذكر زوج والأنثى زوج وهو قول الحسن وقتادة قالوا : (ذكر وأنثى) وقرأ حفص (من كُلٍّ) بالتنوين : أراد من كل شيء ومن كل زوج زوجين اثنين فحذف المضاف إليه"، "الوسيط" (2/573).

    وقال ابن كثير : " فحينئذ أمر الله نوحاً -عليه السلام- أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين : ذكراً وأنثى" "تفسير القرآن العظيم" (7/437)، تفسير الآية (40) من سورة هود.

    وقال الشوكاني في "فتح القدير" (2/599) : "قوله: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين) أي قلنا: يا نوح احمل في السفينة من كل زوجين مما في الأرض من الحيوانات اثنين ذكراً وأنثى. وقرأ حفص "من كل" بتنوين كل، أي: من كل شيء زوجين، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ويطلق على كل واحد منهما زوج، كما يقال للرجل زوج، وللمرأة زوج، ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلاً للفرد، ويطلق الزوج على الضرب والصنف، ومثله قوله تعالى: (وأنبتت من كل زوج بهيج)".

    - أقول : والحكمة من أمر الله رسوله نوحاً عليه الصلاة والسلام أن يحمل من كل زوجين اثنين الحكمة هي بقاء النسل من البشر والحيوانات عن طريق التزاوج بين الذكور والإناث، فلا وجه لاستدلال الكاتب بهذه الآية بل هي عليه لا له!.
    - الرابع عشر : قال الكاتب: " ولم ترد كلمة زوجناهم بحور عين إلا في آيتين سورتي الدخان والطور، ولم يقل في الآيتين سنزوجهم في المستقبل بل جاءت في الماضي مما يؤكد على أن القصد هو القران والمرافقة، وليس النكاح المعروف في الدنيا، بالإضافة إلى أن الاستمتاع بالحور ليس استمتاعاً جنسياً لهذا أعطاهم( 8) الله أحسن ما في صورة الآدمي هو الوجه وأجمل ما في الوجه وهو العين مما يدل على حسن المزاج في الخلقة وأحسن ما في الإنسان من خلق، فهو استمتاع معنوي لا ندرك مداه بعقولنا الدنيوية ".

    - أقول : وهل ورود قول الله: ( وزوجناهم بحور عين ) في سورتين فقط مع عدم قوله تعالى (سنـزوجهم) يدل على عدم استمتاع أهل الجنة بنساء الجنة عن طريق الجماع ؟!
    أقول مع الأسف هذا ما يراه الكاتب ! وهو رأي يصادم نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وقد صرّح هذا الرجل بهذا الرأي مرَّات !.

    انظر إلى قوله : " مما يؤكد على أن القصد هو القران والمرافقة، وليس النكاح المعروف في الدنيا، بالإضافة إلى أن الاستمتاع بالحور ليس استمتاعاً جنسياً ".
    - أقول : سبحان الله ،فلماذا خلق الله الحور العين في الجنة على أحسن الصور وقرنهن بالرجال بل زوَّجهم بهن ،ففهمك هذا يرفضه العقل والشرع والحكمة من خلقهن، كيف يستمتع الرجال بالنظر والسماع إلى الحور العين ثم يحال بينهم وبين جماعهن ملايين السنين محرومين من أعظم متعة بالحور العين ؟!.
    ثم ما المراد من قولك : " ولم ترد كلمة زوجناهم بحور عين إلا في آيتين سورتي الدخان والطور" ؟
    فهل هذا جهل منك بما ورد من إكرام الله أهل الجنة بهذا الجزاء العظيم في سور كثيرة وبأساليب معجزة متنوعة، فأرهف سمعك إلى بعض ما ذكره الله في القرآن الكريم من هذا الجزاء وغيره.
    قال تعالى في سورة الصافات : ( إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنـزَفُونَ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ) الآية (40-49).
    وقال تعالى في سورة : ( هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ). الآيات (49-54).

    فقاصرات الطرف هن الحور العين المذكورات في سورتي الدخان والطور، وتنويع العبارات من بلاغة القرآن المعجز العظيم.
    وقال تعالى في سورة الزخرف : ( الأخِلاَءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ) الآيات (67-73).
    وانظر إلى قوله تعالى: ( لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ) نص على أن أهل الجنة يأكلون فعلاً، وقوله تعالى : ( يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ ) أي من الملابس والمطاعم والمشارب.
    وقوله تعالى : ( أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) أي تنعمون.
    وهنا قال : ( وأزواجكم ) يعني نساؤهم المؤمنات والحور العين ,فما رأيك في هذا التعبير ؟
    ولم يقل الواحدي هنا في تفسير الأزواج بالقران، مما يدل على أنه فهم من الأزواج الزوجات، وفسر "تحبرون" بمعنى تكرمون وتنعمون.
    وقال الشوكاني في تفسيره ( ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) : " المراد بالأزواج : نساؤهم المؤمنات، وقيل: قرناؤهم من المؤمنين، وقيل زوجاتهم من الحور العين".
    أقول : والذي يظهر أن المراد بالأزواج ما يشمل نساءهم المؤمنات والحور العين.
    وقال تعالى في سورة الرحمن: " فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ)، وقد تقدم تفسير (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ)، وقبل هذه قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).
    تأمل قوله تعالى : (فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) مرات عديدة عقب كل وصف من أوصاف الجنة وما فيها، من قوله: (ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ) إلى قوله: (هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)، وعقب هذه الآية كغيرها بقوله: (فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).
    واقرأ ما بعد ذلك من الآيات إلى نهاية سورة الرحمن، واحسب ألف حساب لهذا الوعيد.
    وقال تعالى في سورة الواقعة : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنـزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ).
    وقال تعالى في سورة النبأ : ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَاباً جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً ).
    والكواعب الأتراب هن الحور العين.
    وقال تعالى في سورة محمد الآية (15) : ( مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ).
    - أقول : لا يشك مسلم أن هذه حقائق، أنهار من كل الأصناف التي ذكرها الله، وفيها من الثمرات مما لا يحصيه إلا الله –عزّ وجلّ- يتمتع بكل ذلك أهل الجنة أكلاً محسوساً وشرباً محسوساً لا معنوياً خيالياً، وأهل النار مخلدون فيها؛ يسقون فيها ماء حميما يقطع أمعاءهم، ولهم غير ذلك من أصناف العذاب كما ذكر الله ذلك في غير موضع، ومنها قوله تعالى: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً ) [ سورة الإنسان : (4)].
    وقال تعالى: (...فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ)، [سورة الحج: (19-22)].

    - أقول : إن المسلمين ليؤمنون بأن هذه الأمور المفزعة التي يلقاها أهل النار حقائق واقعة محسوسة، يعذب بها أعداء الله، وليست أمور معنوية.
    ولا أدري ماذا يقول فيها هذا الكاتب، وإني لأخشى أن يقول ويعتقد أنها أمور معنوية، وأعيذه بالله من ذلك.
    وقال صلى الله عليه وسلم : " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة. لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون. أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة (عود الطيب) أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم؛ ستون ذراعا في السماء". متفق عليه.
    وفي رواية للبخاري ومسلم: " آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحُسْنِ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا ".
    وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة فإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام ".
    وفي رواية : " وإن لريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام " رواه ابن حبان في صحيحه.
    وقال الألباني: حديث صحيح.
    وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا ". رواه البخاري ومسلم والترمذي إلا أنه قال : "عرضها ستون ميلا". وهو رواية لهما. وقال الألباني: حديث صحيح.
    والأهلون هنا هن : الأزواج.
    وعن جَابِرٍ قال سمعت النبي  : " يقول إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فيها وَيَشْرَبُونَ ولا يَتْفُلُونَ ولا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ ولا يَمْتَخِطُونَ قالوا فما بَالُ الطَّعَامِ قال جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كما تُلْهَمُونَ النَّفَسَ " (9 ).
    - أقول : انظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فيها وَيَشْرَبُونَ... ".
    فما رأي أنور عشقي ؟

    روى مسلم(10 ) بإسناده إلى أَيُّوبُ عن مُحَمَّدٍ قال : إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا الرِّجَالُ في الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمْ النِّسَاءُ فقال أبو هُرَيْرَةَ : أولم يَقُلْ أبو الْقَاسِمِ  : " إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ على صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّتِي تَلِيهَا على أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ لِكُلِّ امْرِئٍ منهم زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا من وَرَاءِ اللَّحْمِ وما في الْجَنَّةِ أَعْزَبُ(11 )".

    وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : " جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ؟ قال : نعم والذي نفس محمد بيده إنَّ أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع. قال : فإنَّ الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى ! قال : تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه ".
    رواه أحمد والنسائي ورواته محتج بهم في الصحيح.
    والطبراني بإسناد صحيح.
    ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم ولفظهما : " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويقول لأصحابه إن أقر لي بهذا خصمته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع فقال له اليهودي فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا البطن قد ضمر " . ولفظ النسائي نحو هذا. قال الألباني: حديث صحيح.
    - أقول : انظر إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: " إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع".
    وانظر جوابه -صلى الله عليه وسلم- على استشكال اليهودي.

    وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " إنَّ طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة فقال أكلتها أنعم منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها ". رواه أحمد بإسناد جيد. والترمذي وقال : "حديث حسن" ولفظه قال : سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- ما الكوثر؟ قال : " ذاك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزر"، قال عمر: إن هذه لناعمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكلتها أنعم منها". قال الألباني: حديث حسن صحيح.
    انظر إلى قوله -صلى الله عليه وسلم- عن الطير التي هي أمثال البخت أن أكلتها أنعم منها.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " رواه مسلم. وقال الألباني: حديث صحيح.

    وعن عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم ضوء القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة، يُرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء " رواه الطبراني بإسناد صحيح والبيهقي بإسناد حسن. وقال الألباني: حديث صحيح لغيره.

    ويأتي حديث أنس المرفوع : " ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولأضاءت بينهما ولنصيفها يعني خمارها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " رواه البخاري ومسلم. وقال الألباني: حديث صحيح.

    وأنا أسأل هذا الرجل هل هذه الصفات للجنة وما فيها حقائق ثابتة من أشجار وثمار وعيون ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) يتمتع أهل الجنة بما فيها فِعْلاً من أكل وشرب ولباس ومساكن طيبة وزوجات حسان من الحور العين يتمتعون بهن وبجمالهن جماعاً ورؤية ومضاجعة أو كل هذه الأمور إنما هي أمور معنوية ؟
    إن قلت : نعم، هذه الأمور حقائق ثابتة كما أخبر الله ويتمتع بها أهل الجنة حسياً ومعنوياً حمدنا الله على توبتك ورجوعك إلى الحق، وإن قلت: لا، هذه أمور معنوية، فلا أكل فيها ولا شرب ولا جماع ولا متاع جسدي قلنا : لقد صادمت كتاب الله وسنة رسوله مصادمات كثيرة، وصادمت المسلمين وإجماعهم مصادمات كثيرة، وتابعت أعداء الله المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته من اليهود والنصارى وغيرهم، وبئست المتابعة والحكم معروف.


    يتبع - إن شاء الله - .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: نعيمُ الجَنَّة حِسيٌّ ومَعْنَويٌّ - حوار مع د. أنور عشقي - للشيخ ربيع المدخلي

    - الثالث عشر : قال الكاتب أنور : " ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدنا أول سورة جاء فيها ذكر الحور العين هي سورة الدخان وهي سورة مكية يقول فيها سبحانه وتعالى ( كذلك وزوجناهم بحور عين ) فكانت في وصف ما أنعم الله به على المتقين قال يونس بن حبيب في تفسير هذه الآية : إن ذلك لا يعني النكاح بل المقارنة، والعرب لا تقول تزوجت بها، بل تقول تزوجتها، واتفق معه الواحدي والفراء في ذلك.
    إن التنـزيل يدل على ما ذهب إليه يونس فقد قال سبحانه وتعالى ( فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها )، وإذا قيل زوجته بفلان ولم يقل زوجته لفلان فهذا يعني أني شفعته به أي جعلته مرافقا معه، وقد قال سبحانه وتعالى ( قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ) وقد قال تعالى ( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) " .

    - أقول : لقد ذكر الكاتب في هذا السياق يونس بن حبيب والواحدي والفراء -والله أعلم- ليوهم أن هؤلاء العلماء على طريقته في أنه لا يوجد الجنس أي الجماع في الجنة وإنما هو متاع معنوي لا جسدي!
    وحاشاهم ثم حاشاهم من هذا الضَّلال.
    - أقول : ويونس بن حبيب تكلم بمبلغ علمه، وفاته لغة بعض العرب في هذه اللفظة، فقد أورد الشوكاني قوله هذا القول، ثم قال: "وقال الفراء : زوجته بامرأة لغة أزد شنوءة " "فتح القدير" (5/117).
    فعلى هذا يتعدى لفظ زوَّج بالباء، فيسقط ما توهمه هذا الرجل.
    ومما يدلك على براءة الواحدي -رحمه الله- من هذا المذهب المهلك قوله في تفسيره "الوسيط" (4/93) في تفسير قول الله تعالى من سورة الدخان ( وزوجناهم بحور عين ) : "أي قرناهم بهن وليس من عقد التزويج ،لأنه لا يقال : زوجته بامرأة، وقال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجاً بهن كما يزوج النعل بالنعل أي جعلناهم اثنين اثنين ونحو هذا، قال الأخفش: جعلناهم أزواجاً بالحور وهن البيض الوجوه. وقال أبو عبيدة : الحوراء الشديدة بياض العين الشديدة سوادها، والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين".
    فهو لا ينفي أن الله يزوج أهل الجنة بالحور العين ليتمتعوا بهن تمتع الأزواج بالزوجات.
    وإنما نفى أن يكون التزويج بصيغة العقد كما هو الحاصل في الدنيا بين الزوج وولي الزوجة، ولا ينفي أن الله قد زوجهم بهن وأباح لهم جماعهن، بل هو وكل مؤمن لا ينفون هذا، بل يؤمنون ويوقنون به.
    ولا ينفيه إلا اليهود والنصارى ونحوهم من أهل الضلال كما ذكر ذلك العلماء.
    وانظر إلى قوله في بيان معنى قوله تعالى: ( يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ) حيث يقول: "من التخم والأسقام والأوجاع"، أي التي تصيب أهل الدنيا بسبب الأكل، يعني فأهل الجنة مهما أكلوا من الفواكه وغيرها لا تصيبهم الآفات من التخم والأوجاع كما تصيب أهل الدنيا، وذلك من تمام إنعام الله عليهم.
    ومما يدلك على براءة الواحدي من هذا المذهب تفسيره لقول الله تعالى: ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [سورة البقرة : ( 25 )].
    قال بعد أن فسر الجنات والثمار وأكل أهل الجنة منها – تفسيراً صحيحاً لا تحريف فيه-.
    قال : " وقوله تعالى: ( وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ) "الأزواج" : جمع زوج وزوجة وشكل كل شيء : زوجه، و"مطهرة" قال مجاهد : لا يتغوطن ولا يبلن ولا يمنين ولا يحضن، فهن مطهرات من الحيض والبول والنخام والبزاق والمني والولد.
    وقيل "مطهرة" من مساوئ الأخلاق ،لما فيهن من حسن التبعل ،ودل على هذا قوله: (عرباً أتراباً).
    (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء هناك كما أن التغيض( 3) بالزوال والفناء.
    أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبرهيم النجار، حدثنا أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني، حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وثيمة، وحدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن أزواج الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط وإن مما يغنين به: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان، وإن مما يغنين به : نحن الخالدات فلا نموت، نحن الآمنات فلا نخاف نحن المقيمات فلا نظعن"( 4)".
    انظر إلى قوله: " "الأزواج": جمع زوج وزوجة وشكل كل شيء: زوجه ".
    فهو يبين لك أن هذا اللفظ مشترك، فهو يشمل الزوج باللفظ المذكر والزوجة باللفظ المؤنث، ويزيد أنه يشمل شكل كل شيء.
    وانظر إلى قوله في تفسير الزوجات من الحور العين :
    " قال مجاهد: لا يتغوطن ولا يبلن ولا يمنين ولا يحضن، فهن مطهرات من الحيض والبول والنخام والبزاق والمني والولد".
    أقول : وذلك لتمام نعيمهن وتنعم أزواجهن به.
    يؤكد ذلك ما رواه البخاري( 5) ومسلم( 6) عن أبي هريرة – رضي الله عنه –قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة. لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون. أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة (عود الطيب) أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم؛ ستون ذراعا في السماء".
    قال الواحدي نفسه في تفسير قول الله تعالى : ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ) الوسيط (3/ 516) في تفسير الآية (58) من سورة يس قال :
    " ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليَوْمَ ) يعني في الآخرة (فِي شُغُلٍ) وقُرِئ شُغْلٍ وهما لغتان، قال مقاتل: شُغِلوا بافتضاض العذارَى عن( 7) أهل النَّار فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم، وهذا قول جماعة المفسرين، وقال الحسن : شُغِلوا بما في الجنة من النعيم عمَّا فيه أهل النار من العذاب (فَاكِهُونَ) ناعمون معجبون بما هم فيه، قال أبو زيد : الفكه الطيب النفس الضحوك يُقَال رجل فكه وفاكه ولم يسمع لهذا أفعل في الثلاثي (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ ) يعني حلائلهم (فِي ظِلَالٍ) قال مقاتل : في أكنان القصور ،وقرئ في ظلل وهي جمع ظلة (عَلَى الأرَآئِكِ) وهي السرر عليها الحجال قال أحمد بن يحيى : الأريكة لا تكون إلا سريراً في قبة عليه سواره ومتاعه ( لَهُمْ فِيهَا ) في الجنة ( فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ) يتمنون ويشتهون".
    انظر تفسيره لقوله تعالى: (فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) وقوله: "وهذا قول جماعة المفسرين" وكلام الحسن لا يناقض قول جماعة المفسرين، فتفسيرهم خاص بهذه الجملة وتفسير الحسن عام يدخل فيه قول جماعة المفسرين.
    3- وقد فَسَّر قول الله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) إلى قوله ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) تفسيرا واضحا كما يفهمه المسلمون.
    ثم قال في قول الله تعالى : ( فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) : " قال قتادة : قصرن طرفهنَّ على أزواجهنَّ فلا يردن غيرهم .
    وقال ابن زيد : إنَّها تقول لزوجها : وعزَّةِ ربي ما أرى في الجنَّة شيئاً أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي" .
    وقال في تفسير قوله تعالى : (لم يطمثهن): " قال الفراء : الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية يقال : طمث ويطمث وطمثت الجارية إذا افترعها ".
    والله وعد المؤمنين بالجنة وما فيها من نعيم من ثمار وأنهار وقصور وحور عين إلى جانب ما أخفاه من نعيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
    وذلك كله نعيم روحي ونعيم جسدي لا يختلف فيه اثنان من المسلمين.
    وقوله : فقد قال سبحانه وتعالى : ( فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها ).
    - أقول : هذا لا يتعارض مع قوله تعالى : ( وزوجناهم بحور عين ).
    ولم يفهم أي مسلم هذا التعارض لا الفراء ولا يونس ولا الواحدي ولا غيرهم.
    وقوله : وقد قال سبحانه وتعالى : ( قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ).
    - أقول : لا حجة له فيه !
    قال الواحدي -رحمه الله- : " قوله: (قلنا احمل فيها) في السفينة، (من كل زوجين اثنين) الذكر زوج والأنثى زوج وهو قول الحسن وقتادة قالوا : (ذكر وأنثى) وقرأ حفص (من كُلٍّ) بالتنوين : أراد من كل شيء ومن كل زوج زوجين اثنين فحذف المضاف إليه"، "الوسيط" (2/573).

    وقال ابن كثير : " فحينئذ أمر الله نوحاً -عليه السلام- أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين : ذكراً وأنثى" "تفسير القرآن العظيم" (7/437)، تفسير الآية (40) من سورة هود.

    وقال الشوكاني في "فتح القدير" (2/599) : "قوله: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين) أي قلنا: يا نوح احمل في السفينة من كل زوجين مما في الأرض من الحيوانات اثنين ذكراً وأنثى. وقرأ حفص "من كل" بتنوين كل، أي: من كل شيء زوجين، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ويطلق على كل واحد منهما زوج، كما يقال للرجل زوج، وللمرأة زوج، ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلاً للفرد، ويطلق الزوج على الضرب والصنف، ومثله قوله تعالى: (وأنبتت من كل زوج بهيج)".

    - أقول : والحكمة من أمر الله رسوله نوحاً عليه الصلاة والسلام أن يحمل من كل زوجين اثنين الحكمة هي بقاء النسل من البشر والحيوانات عن طريق التزاوج بين الذكور والإناث، فلا وجه لاستدلال الكاتب بهذه الآية بل هي عليه لا له!.
    - الرابع عشر : قال الكاتب: " ولم ترد كلمة زوجناهم بحور عين إلا في آيتين سورتي الدخان والطور، ولم يقل في الآيتين سنزوجهم في المستقبل بل جاءت في الماضي مما يؤكد على أن القصد هو القران والمرافقة، وليس النكاح المعروف في الدنيا، بالإضافة إلى أن الاستمتاع بالحور ليس استمتاعاً جنسياً لهذا أعطاهم( 8) الله أحسن ما في صورة الآدمي هو الوجه وأجمل ما في الوجه وهو العين مما يدل على حسن المزاج في الخلقة وأحسن ما في الإنسان من خلق، فهو استمتاع معنوي لا ندرك مداه بعقولنا الدنيوية ".

    - أقول : وهل ورود قول الله: ( وزوجناهم بحور عين ) في سورتين فقط مع عدم قوله تعالى (سنـزوجهم) يدل على عدم استمتاع أهل الجنة بنساء الجنة عن طريق الجماع ؟!
    أقول مع الأسف هذا ما يراه الكاتب ! وهو رأي يصادم نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وقد صرّح هذا الرجل بهذا الرأي مرَّات !.

    انظر إلى قوله : " مما يؤكد على أن القصد هو القران والمرافقة، وليس النكاح المعروف في الدنيا، بالإضافة إلى أن الاستمتاع بالحور ليس استمتاعاً جنسياً ".
    - أقول : سبحان الله ،فلماذا خلق الله الحور العين في الجنة على أحسن الصور وقرنهن بالرجال بل زوَّجهم بهن ،ففهمك هذا يرفضه العقل والشرع والحكمة من خلقهن، كيف يستمتع الرجال بالنظر والسماع إلى الحور العين ثم يحال بينهم وبين جماعهن ملايين السنين محرومين من أعظم متعة بالحور العين ؟!.
    ثم ما المراد من قولك : " ولم ترد كلمة زوجناهم بحور عين إلا في آيتين سورتي الدخان والطور" ؟
    فهل هذا جهل منك بما ورد من إكرام الله أهل الجنة بهذا الجزاء العظيم في سور كثيرة وبأساليب معجزة متنوعة، فأرهف سمعك إلى بعض ما ذكره الله في القرآن الكريم من هذا الجزاء وغيره.
    قال تعالى في سورة الصافات : ( إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنـزَفُونَ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ) الآية (40-49).
    وقال تعالى في سورة : ( هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ). الآيات (49-54).

    فقاصرات الطرف هن الحور العين المذكورات في سورتي الدخان والطور، وتنويع العبارات من بلاغة القرآن المعجز العظيم.
    وقال تعالى في سورة الزخرف : ( الأخِلاَءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ) الآيات (67-73).
    وانظر إلى قوله تعالى: ( لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ) نص على أن أهل الجنة يأكلون فعلاً، وقوله تعالى : ( يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ ) أي من الملابس والمطاعم والمشارب.
    وقوله تعالى : ( أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) أي تنعمون.
    وهنا قال : ( وأزواجكم ) يعني نساؤهم المؤمنات والحور العين ,فما رأيك في هذا التعبير ؟
    ولم يقل الواحدي هنا في تفسير الأزواج بالقران، مما يدل على أنه فهم من الأزواج الزوجات، وفسر "تحبرون" بمعنى تكرمون وتنعمون.
    وقال الشوكاني في تفسيره ( ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) : " المراد بالأزواج : نساؤهم المؤمنات، وقيل: قرناؤهم من المؤمنين، وقيل زوجاتهم من الحور العين".
    أقول : والذي يظهر أن المراد بالأزواج ما يشمل نساءهم المؤمنات والحور العين.
    وقال تعالى في سورة الرحمن: " فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ)، وقد تقدم تفسير (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ)، وقبل هذه قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).
    تأمل قوله تعالى : (فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) مرات عديدة عقب كل وصف من أوصاف الجنة وما فيها، من قوله: (ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ) إلى قوله: (هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)، وعقب هذه الآية كغيرها بقوله: (فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).
    واقرأ ما بعد ذلك من الآيات إلى نهاية سورة الرحمن، واحسب ألف حساب لهذا الوعيد.
    وقال تعالى في سورة الواقعة : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنـزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ).
    وقال تعالى في سورة النبأ : ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَاباً جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً ).
    والكواعب الأتراب هن الحور العين.
    وقال تعالى في سورة محمد الآية (15) : ( مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ).
    - أقول : لا يشك مسلم أن هذه حقائق، أنهار من كل الأصناف التي ذكرها الله، وفيها من الثمرات مما لا يحصيه إلا الله –عزّ وجلّ- يتمتع بكل ذلك أهل الجنة أكلاً محسوساً وشرباً محسوساً لا معنوياً خيالياً، وأهل النار مخلدون فيها؛ يسقون فيها ماء حميما يقطع أمعاءهم، ولهم غير ذلك من أصناف العذاب كما ذكر الله ذلك في غير موضع، ومنها قوله تعالى: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً ) [ سورة الإنسان : (4)].
    وقال تعالى: (...فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ)، [سورة الحج: (19-22)].

    - أقول : إن المسلمين ليؤمنون بأن هذه الأمور المفزعة التي يلقاها أهل النار حقائق واقعة محسوسة، يعذب بها أعداء الله، وليست أمور معنوية.
    ولا أدري ماذا يقول فيها هذا الكاتب، وإني لأخشى أن يقول ويعتقد أنها أمور معنوية، وأعيذه بالله من ذلك.
    وقال صلى الله عليه وسلم : " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة. لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون. أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة (عود الطيب) أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم؛ ستون ذراعا في السماء". متفق عليه.
    وفي رواية للبخاري ومسلم: " آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحُسْنِ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا ".
    وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة فإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام ".
    وفي رواية : " وإن لريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام " رواه ابن حبان في صحيحه.
    وقال الألباني: حديث صحيح.
    وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا ". رواه البخاري ومسلم والترمذي إلا أنه قال : "عرضها ستون ميلا". وهو رواية لهما. وقال الألباني: حديث صحيح.
    والأهلون هنا هن : الأزواج.
    وعن جَابِرٍ قال سمعت النبي  : " يقول إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فيها وَيَشْرَبُونَ ولا يَتْفُلُونَ ولا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ ولا يَمْتَخِطُونَ قالوا فما بَالُ الطَّعَامِ قال جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كما تُلْهَمُونَ النَّفَسَ " (9 ).
    - أقول : انظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فيها وَيَشْرَبُونَ... ".
    فما رأي أنور عشقي ؟

    روى مسلم(10 ) بإسناده إلى أَيُّوبُ عن مُحَمَّدٍ قال : إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا الرِّجَالُ في الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمْ النِّسَاءُ فقال أبو هُرَيْرَةَ : أولم يَقُلْ أبو الْقَاسِمِ  : " إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ على صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّتِي تَلِيهَا على أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ لِكُلِّ امْرِئٍ منهم زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا من وَرَاءِ اللَّحْمِ وما في الْجَنَّةِ أَعْزَبُ(11 )".

    وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : " جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ؟ قال : نعم والذي نفس محمد بيده إنَّ أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع. قال : فإنَّ الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى ! قال : تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه ".
    رواه أحمد والنسائي ورواته محتج بهم في الصحيح.
    والطبراني بإسناد صحيح.
    ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم ولفظهما : " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويقول لأصحابه إن أقر لي بهذا خصمته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع فقال له اليهودي فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا البطن قد ضمر " . ولفظ النسائي نحو هذا. قال الألباني: حديث صحيح.
    - أقول : انظر إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: " إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع".
    وانظر جوابه -صلى الله عليه وسلم- على استشكال اليهودي.

    وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " إنَّ طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة فقال أكلتها أنعم منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها ". رواه أحمد بإسناد جيد. والترمذي وقال : "حديث حسن" ولفظه قال : سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- ما الكوثر؟ قال : " ذاك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزر"، قال عمر: إن هذه لناعمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكلتها أنعم منها". قال الألباني: حديث حسن صحيح.
    انظر إلى قوله -صلى الله عليه وسلم- عن الطير التي هي أمثال البخت أن أكلتها أنعم منها.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " رواه مسلم. وقال الألباني: حديث صحيح.

    وعن عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم ضوء القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة، يُرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء " رواه الطبراني بإسناد صحيح والبيهقي بإسناد حسن. وقال الألباني: حديث صحيح لغيره.

    ويأتي حديث أنس المرفوع : " ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولأضاءت بينهما ولنصيفها يعني خمارها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " رواه البخاري ومسلم. وقال الألباني: حديث صحيح.

    وأنا أسأل هذا الرجل هل هذه الصفات للجنة وما فيها حقائق ثابتة من أشجار وثمار وعيون ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) يتمتع أهل الجنة بما فيها فِعْلاً من أكل وشرب ولباس ومساكن طيبة وزوجات حسان من الحور العين يتمتعون بهن وبجمالهن جماعاً ورؤية ومضاجعة أو كل هذه الأمور إنما هي أمور معنوية ؟
    إن قلت : نعم، هذه الأمور حقائق ثابتة كما أخبر الله ويتمتع بها أهل الجنة حسياً ومعنوياً حمدنا الله على توبتك ورجوعك إلى الحق، وإن قلت: لا، هذه أمور معنوية، فلا أكل فيها ولا شرب ولا جماع ولا متاع جسدي قلنا : لقد صادمت كتاب الله وسنة رسوله مصادمات كثيرة، وصادمت المسلمين وإجماعهم مصادمات كثيرة، وتابعت أعداء الله المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته من اليهود والنصارى وغيرهم، وبئست المتابعة والحكم معروف.

    - الخامس عشر : قال الكاتب: " إن أصحاب الأغراض المنحرفة ينتقون من القرآن ما يعجبهم، ويتأولون بما يخدم أهدافهم ويتلاقى مع أهوائهم ليصلوا إلى غاياتهم فقد أصبحنا في عصر نستخدم فيه الدين ولا نخدم الدين".
    - أقول : "رمتني بدائها وانسلت".
    فمن هم أصحاب الأغراض المنحرفة الذين ينتقون من القرآن ما يعجبهم ثم يحرفونه بما يخدم أهدافهم...الخ
    فهذا والله ينطبق عليك وعلى عملك مائة في المائة.
    فلقد أعرضتَ عن كثير وكثير من نصوص الكتاب والسنة ذكرت ذلك لك وللقراء وحرفتَ نصين من القرآن الكريم، وابتعدت بهما عما أراده الله وأجمع عليه المسلمون، فبأي وجه وبأي حق تصف الأبرياء بهذه الأوصاف الشنيعة وتنسى نفسك ؟
    وإني لأدعوك إلى التوبة الصادقة إلى الله وإعلان هذه التوبة على رؤوس الأشهاد ونشرها في أي صحيفة شئت، فإن أبيت فإنك لن تفلت من قبضة الله إن أفلت من أيدي الناس في هذه الدنيا، وأسأل الله أن يوفقك الأولى.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    وكتبه : ربيع بن هادي عمير المدخلي
    وكان الفراغ منه ليلة 8 من شهر رجب لعام 1431
    من هجرة المصطفى
    صلَّى الله عليه وسلَّم
    *****

    =======

    الحواشي:

    1 - كذا، والصواب سوأتان.
    2 - كذا، والصواب سوأتان.
    3 - كذا ولعل الصواب: التنغيص.
    4 - رجال إسناده ثقات سوى عمارة بن وثيمة فلم أقف له على ترجمة.
    5 - في "بدء الخلق" حديث (3327).
    6 - في "الجنة ونعيمها" حديث (2834) مكرر.
    7 - في الأصل "من" وهو خطأ.
    8 - كذا، والصواب: "أعطاهن".
    9 - رواه مسلم حديث (2835).
    10 - حديث (2834).
    11 - وهو الذي حُرِم من الزواج.

    الملفات المرفقةنعيم الجنة.rar‏ (48.1 كيلوبايت, المشاهدات 45)
    __________________
    www.rabee.net
    rabee@rabee.net

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •