الجري وراء الآخرين الاحد 06

د. أحمد بن صالح الزهراني
بنهاية المرحلة المكية بدأت مرحلة جديدة ذات طابع استعدادي؛ فالمعروف أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- كان ممنوعاً من القتال حتّى على سبيل الدفاع عن أصحابه، وإنّما أُمر بالصّبر، واستمرّ على ذلك طيلة فترة بقائه في مكة.
وبعد الهجرة نزل الإذن للأمّة بالقتال والدفاع عن أنفسهم، واستمر ذلك برهة من الزمن حتّى قويت شوكة المسلمين فنزل الأمر بقتال المشركين.
ومن ضمن الوقائع المشهورة في عهد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- غزوة الأحزاب، التي التأم فيها شمل أخلاط شتّى من أعداء النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ممّن كانت لهم مصلحة مشتركة في قتله والقضاء على أعظم عمل إصلاحي عرفه التاريخ في مهده، لكن الله تعالى قيّض للثلّة الصابرة جند الأرض والسّماء حتّى انجلت تلك الحادثة مسجّلة انتصاراً نوعياً للدّعوة يبرز في عنصرين:
الأوّل: الكشف عن صدق من كان مع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- من المهاجرين والأنصار، وأنّهم مستعدون للقتال بين يديه حتّى لا ينبض منهم عرق نابض، فلم يكن بين النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وبينهم عقد دنيوي يتأثر بالضغط العسكري أو النفسي أو الإعلامي، بل كان عقداً علوياً لا يعرف أثره إلاّ من جرّب اللقاء معهم في ميادين القتال، ورأى بأمّ عينيه حرصهم على الموت كحرص الآخرين على الحياة.
والعنصر الآخر - وهو الذي يعنيني هنا - هو انتقال زمام المبادرة إلى يد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وأصحابه، وقد أعلن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ذلك بعد الغزوة مباشرة حين قال: "الآن نغزوهم ولا يغزونا.. نحن نسير إليهم"..
وحقق النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- هذا في الواقع، فكانت السرايا تخرج من المدينة لبسط الأمن وتحقيق العدالة الإسلامية في ربوع الأرض، ولمّا سمع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّ الروم يجمعون لغزو المدينة لم يجلس النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في المدينة ينتظر قدومهم بل سار إليهم فيما سُمّي بـ"جيش العسرة" في غزوة تبوك المشهورة..
العبرة:
كان هذا في الجانب العسكري، وهو جانب مهم وضخم في السيرة النبوية ولكنه لم يكن الوحيد، ولهذا فإنّ هذه المقولة منه -صلّى الله عليه وسلّم- تأسيس عميق في جانب تنموي مهم أصّله النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ويجب أن يفيد منه المسلمون في كلّ المساحات الممكنة والمباحة..
ونعني بذلك ألاّ يبقى المسلمون حبيسي الخوف على قيمهم وتراثهم؛ لأنّ الخوف يعني أنّ الأمّة - بما فيها من المبدعين والقادرين على المنافسة - تظل تتلقّى الضربات تلو الضربات، وتعاني من النّهسات من مختلف جهاتها، فمهما كانت قوّتها فلا بدّ أنّ يأتي يوم يصيبها الكلل والملل والضعف..
وهو ما نعانيه الآن بسبب انتهاج سياسات شرعية لم تراعِ أو ربّما غاب عنها – لأسباب ليس هذا مكان بيانها- حقيقة المتغيرات من حولنا، وهي متغيرات متسارعة متلاحقة مختلفة الدوافع والمقاصد والغايات كذلك، تحتاج إلى قدر كبير من المرونة في الحيّز المتاح، كما تحتاج إلى عنصر المبادرة..
أمثلة من الواقع:
لقد ظللنا منذ سنوات بعيدة قبل أن تنشأ القنوات الفضائية نحذر من البث المباشر، وما سيحمله إلى بيوتنا من أفكار ومفاهيم تضرب في عمق العقيدة، وتمارس الهدم من الأساس..
سنوات مديدة لم نفعل سوى التحذير والخوف والتربص والتهديد والوعيد ومحاولة المنع بالقوة والتجريم.. لكن أحداً منا لم يفكر بطريقة أخرى.. أو ربّما فكّر وأحجم خوفاً من الاتهام..
لماذا ننتظر حتى يأتينا الطوفان؟
لِمَ لَمْ نبادر باستنهاض الهمم والقدرات المالية والفنية والإعلامية التي يزخر بها عالمنا العربي والإسلامي لاستباق هذا المدّ الإعلامي الهائل بتأسيس صناعة إعلامية قوية تمتص الضربة، وتقلل من أثرها أو على الأقل تجرّها إلى المحاكاة، فإنّ العادة جرت أنّ التالي يحاكي من سبقه ولا يبتعد عنه كثيراً..
بل لماذا لم نبادر نحن بغزو تلك المجتمعات التي لا تعرف عنا إلاّ ما يلقيه عليها الحاقدون.. ولا تعرف عن الإسلام بكل سعته ورونقه وسماحته إلاّ غزوات جماعات التكفير والتفجير وقتل الأبرياء.. ومنع المرأة من قيادة السيارة، والتعدّد في الزواج، وقطع يد السارق، ورجم الزاني.. وهي مسائل محدودة منتقاة بعناية لاستعمالها في تشويه صورتنا في الغرب، وكل من وصلته هذه المسائل قبل غيرها فلا عجب أن يكنّ للإسلام والمسلمين كلّ الكراهية والنفور: انظر لقول عائشة رضي الله عنها: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد -صلى الله عليه وسلم- وإني لجارية ألعب:(بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ). [القمر:46]، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلاّ وأنا عنده» [أخرجه البخاري]، قال الحافظ: «أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل, وأنّ أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد, والتبشير للمؤْمن والمطِيع بالجنةِ وللكافر والعاصي بالنار, فلما اطْمانت النفوس على ذلك أُنزِلت الأحكام, ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندعها؛ وذلك لما طُبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف» [الفتح: 9/40].
كل هذا لم يحدث، بل الذي حصل أنّنا بعد سنوات من اختراق القنوات لآلافٍ من أكثر البيوت تحصناً منها، وتربّعت الأطباق الفضائية - بأشكالها وأنواعها - على أسطح منازل كثير ممّن كان يحرّمها من قبل، بدأنا بعد ذلك نجري خلفها نحاول أن ننقذ ما يمكن إنقاذه لكن هيهات.. الصيف ضيّعت اللبن..!!
لقد كان المشاهد العربي المسلم - الذي نلقي عليه اليوم باللوم لدعمه ومتابعته لقنوات تفسد عليه دينه ووعيه – كان هذا المشاهد ليقف معنا ويرضى منا بأقل القليل من إعلام واعٍ هادف يرفع من سقف الحرية - الذي كان مدفوناً تحت الأرض - ويتيح له بعض القدرة على التنفس والمناقشة والحوار وطرح الآراء، ويناقش همومه، ويعلي صوته المكتوم منذ دهور، ويخرج عن الأداء الرتيب المملّ الذي كان يفرض عليه عبر التلفاز الرسمي..
أنا على مثل اليقين أن لو سبق الإعلام الملتزم إلى الساحة لوضع هو قواعد اللعبة وفرض هو أصول أخلاقيات المنافسة.. ولأحرج مَن بعده، أو على الأقل ضيّق الفجوة بين القيم وبين ما تعرضه الفضائيات من مضامين مخالفة للموروث القيمي لهذه المجتمعات.
وحتى الآن لم يولد بعد إعلام إسلامي محترف، بل أفضل الموجود هو ممارسة هواة تذكرنا بحفلات الجوالة في الجامعات، وبعض القنوات لا يجوز أن تُصنف أصلاً كإعلام لأنّها أقرب ما يكون إلى تصوير ونقل أو محاكاة لمحاضرات وأنشطة تُمارس خارج الأستوديو، وليس هذا من شأننا الآن.
لكن غرضي أنّ من عارضوا القنوات الفضائية، وحذروا منها هم أنفسهم – في الجملة – من يحاولون اليوم المنافسة فيما أحجموا عنه بالأمس.
منهج (توجّس شراً):
وإذا نظرت حولك الآن فلن تعجز عن معرفة أنّ المأساة تتكرر في مجالات عدة؛ في مجال حقوق الإنسان والمرأة بالذات، في مجال الفن والإعلام، في مجال العلم والتقنية.. وغير ذلك، ترى المشهد نفسه يتكرر..
فبدلاً من المبادرة ندفع بالصدر في وجود مشاريع مهمة، فيها كثير وكثير من الحق لأجل أنّ فيها بعض الباطل.. ولا أريد تسمية نشاط معيّن؛ لأنّ ذلك سيجرّ إلى نقاش في الجزئيات وغرضي هنا أصل الفكرة..
حسناً لماذا كان فيها هذا الباطل؟
لأنّ أصحاب المبادرة إليها لا يرون ذلك باطلاً، بل أسّسوها حسب رؤيتهم هم وثقافتهم هم..!!
ولو كنا نحن أصحاب المبادرة لكان لنا أن نقدمها ونؤسسها بعيداً عن الباطل..أليس كذلك؟
أيضاً في جانب المواثيق والمعاهدات الدولية - وكمثال - في مجال الحريات نقف دائماً موقف المتفرج.. ونرى بأمّ أعيننا سياسات كتم الأنفاس ومصادرة الآراء التي تدور في فلك المعقول والممكن شرعاً دعك من غيرها..
حتى إذا بادر غيرنا وأسس ميثاقاً أو جمعية وصاغ مبادئها بحسب ثقافته هو، فبدلاً عن المشاركة والنصح والحوار واستغلال المشترك وبيان وجهة النظر، نكتفي بالطعن في تلك الجمعيات وثلبها وسلبها كل حسنة بسبب بعض مبادئها المخالفة في نظرنا لديننا وهويتنا، مع أنّ هذه الجمعيات في كثير من الأحيان هي التي تقف مع كثير من المعارضين لها في وقت المحنة.. وكم من قضية إسلامية بحتة لم يقف معها ويساندها إلاّ جمعيّات نحن أكثر المخالفين لأساس وجودها..
حقوق المرأة: عنوان يحمل الكثير من الريبة لنا.. وهذا صحيح، لماذا؟
لأنّ الذين أسّسوا هذا الشعار وما تحته من جمعيات ومواثيق ومؤسسات ضمّنوه ما يصادم شريعة الله.. وهذا طبيعي لأنّهم أصلاً لا يؤمنون بالإسلام ديناً، ولا بهذه الشريعة.. هكذا هي ثقافتهم وهذا هو واقعهم الذي انطلقوا منه..
ونحن ظلَلنا هنا في مجتمعاتنا في مباينة ومصادمة شديدة لأي نداء بحقوق المرأة، متوجسين من تسرّب شيء من ثقافة الجمعيات الدولية وقوانينها إلينا..
لكن السؤال: ألم تكن المرأة لعقود - ومازالت – تتعرض للظلم من فئات كبيرة في المجتمع، كونها الأضعف والأقل قدرة على رفع الصوت؟
لقد شهدت بأمّ عيني حالات من الظلم الذي لا حدود له على بعض النساء في محيطنا الاجتماعي..
كنت عاجزاً عن مد يد العون لهنّ؛ لأنّه لا يوجد المساند الحقوقي ولا القانوني.. ولا القناة الصّحيحة لإيصال العون والمساندة، وحتى عندما أوصلت شكوى بعضهن إلى القضاء أو الجهات الرسمية لم يكن لهنّ القدرة على الخروج والتواصل مع ساحات القضاء والجهات المعنية.. فلا مال ولا معين ولا سامع شكوى إلاّ الله تعالى..
لماذا لم يبادر المتوجسون – وأنا منهم – إلى تأسيس المواثيق والجمعيات التي تنادي بحقوق المرأة (المشروعة)، وتدافع عن المظلومات منهن ممّن لا ناصر لها.. وتتواصل مع الجمعيات الدولية وتتحاور معها، وتطرح فكرها وتفسّر مواقفها التي يفهمها الآخرون على أنّها عداء سافر للمرأة.. وتمييز ضدّها، وما أجمل ذلك إن كان المتولي لهذا الحوار الكفاءات النسائية التي متّع الله بها هذه البلاد، وهنّ كثيرات.. بدلاً عن القطيعة التي سمحت لبعض التائهات أن يترشّحن ليكنّ هنّ صوت المرأة في المحافل الدولية.
ألم يكن ذلك أجدى وأنفع من البقاء في سجن الخوف والتوجس حتى جاءت المبادرة من غيرنا، فأسسوا وطالبوا وفق معاييرهم التي نختلف معهم فيها؟ فأصبح كلّ همّنا توقيع البيانات التي تعاند الكلّ من أجل البعض، وتحرم الحقوق المشروعة مع غير المشروعة.
ماذا كان ينقصنا حتّى نفعل ذلك؟
هل كان ينقصنا المال أو القدرات؟ الجواب: لا.
بدليل أنّ مشاريع التفجير والتكفير وتأسيس المجموعات التخريبية استهلك أموالاً طائلة، وكان بعض التجار يدفع تحت تأثير بعض الفتاوى مبالغ كبيرة لو وجهت ووظفت في الجانب المدني الإسلامي الذي يتفق معنا فيه حتى الذين نخالفهم في توجّهات ليبرالية أو علمانية لكان نفعه وأثره صعب التصوّر.
لِمَ لم نفعل كل ذلك إذاً؟
هل كان ينقصنا القدرات؟ الجواب: لا.
بدليل أنّ بعض الجمعيات الإسلامية الناجحة – بغض النظر عن اختلافنا مع بعضها - تديرها عقول وقدرات في غاية الذكاء والاحترافية، لو أنّها وجدت من يفعّلها ويطوّرها.
الموضوع كبير واسع.. وغرضي أن أنتزع من سيرة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ومن مواقفه ومقولاته الإشارات ذات المغزى البنّاء الذي وظّفه الصحابة -رضي الله عنهم- وبان أثره، وكذلك فعلت الأمّة في كلّ الأزمنة التي شهدت قوّتها وتحضّرها ورقيّها..
آن الأوان لتوجيه بوصلة التفكير والعمل نحو تلمّس الخطر قبل أن يقع ومواجهته مواجهة نابعة من العمق الحضاري للإسلام..
لا بد من إعادة توزيع مناطق التفكير والتحليل في العقل الإسلامي؛ لإحلال المشاركة بدلاً عن المقاطعة.. وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم»
والمبادرة بدلاً عن قلق الانتظار، ومن ثمّ السقوط من أوّل مواجهة.
ما زالت كثير من المساحات شاغرة تحتاج إلى مشاريع مبادرات واستباق، وعلينا أن نفكر من الآن بمبدأ "الآن نغزوهم ولا يغزونا"..
فهي معادلة حتمية النتيجة، إن لم تبادر بالغزو غزاك الآخرون.. نحن في تنافس حضارات إن لم يكن صراعاً..
فلابدّ من المبادرة والسّبق إلى كلّ ميدان لنا فيه فسحة.. والفسحة يعني أن يكون لديّ سعة في تقبل الخلاف في مسائل معيّنة..
فالفرد يسعه ما لا يسع الجماعة.. والفسحة ألاّ تقف مشاريعنا الكبرى من أجل رأي مخالف.. فالمخالف يسعه ألاّ يشارك، وأن ينصرف لما يحسنه.. وليعذر من خالفه..
ولا ينبغي أن تكون الأمّة كلّها حبساً ووقفاً على رأي البعض، بل كلّ مسألة فيها خلاف معتبر -خاصة المسائل الحادثة – فإنّ ذلك مجال للمبادرة والسبق والتأسيس فيه..
أنا أعلم أنّ مثل هذا الكلام لا يروق لكثيرين..لكنّ التفكير الواعي المنطقي كفيل بأن يثبت صحّته، والله من وراء القصد.