تحرير مذهب الشيخ محمد العثيمين في حكم المستغيثين بالقبور
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: تحرير مذهب الشيخ محمد العثيمين في حكم المستغيثين بالقبور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    781

    افتراضي تحرير مذهب الشيخ محمد العثيمين في حكم المستغيثين بالقبور

    " تحرير مذهب الشيخ محمد العثيمين في حكم المستغيثين بالقبور"



    سلطان العميري

    الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين , وعلى آله وصحبه أجمعين ..... أما بعد
    فقد أخذت قضية العذر بالجهل في مسائل الشرك قدرا كبيرا من البحث في عصرنا الحاضر , ووقع فيها اختلاف كبير بين العلماء وطلبة العلم .
    ومن يتتبع هذه القضية وأحوال الخلاف فيها يدرك أنها تحتاج إلى تحرير أمور هامة , تساعد على تبين الحق فيها ووضوح القول الصحيح المواقف لدلالات الكتاب والسنة , والجاري على مقتضى أصول التكليف الشرعي , فمما تحتاج هذه المسالة : تحرير الدلالات الشرعية المتعلقة بها , وتحرير الأصول الكلية التي تبنى عليها , وتحتاج أيضا إلى تحرير مذاهب العلماء المحققين فيها , وقد سبق لي أن اجتهدت في تحرير مذهب ابن تيمية في حكم المستغثين بالقبور , وانتهيت إلى أنه -رحمه الله- يعذر الجاهل الذي يقع في المخالفة الشركية , ويرى أن المسلم الذي يستغيث بالقبور وهو جاهل لا يعلم حكم فعله لا يكفر ولا يخرج عن دائرة الإسلام .
    وهذا البحث يقصد إلى تحرير قول عالم آخر من العلماء المحققين في هذا العصر , وهو الشيخ محمد العثيمين , فإن تحرير قوله مما يزيد هذه القضية نضجا وقيمة معرفية هامة .
    فالمتأمل في كلام الشيخ محمد العثيمين مما هو مطبوع من مؤلفاته أو منشور في موقعه بعد أن يجمع متفرقه ويوفق بين تفاصيله ويحاول أن يفهم مجمله بناءً على مفصله يدرك بوضوح أن الشيخ يرى أن المسلم الذي يشتغيث بالقبور وهو جاهل بحكم فعله لا يكفر ولا يخرج عن دائرة الإسلام , بل يبقى وصف الإسلام ويعامل معاملة المسلم.
    وقبل أن نذكر مذهبه في العذر بالجهل في مسائل الاستغاثة لا بد أن نبين أن الشيخ -رحمه الله- قرر أن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر مخرج من الملة , وأن أي إنسان يدعو غير الله تعالى فهو مشرك كافر , فقد سئل عن " رجل يستغيث بغير الله ويزعم أنه ولي الله " فأجاب بجواب قال فيه ": أي إنسان يدعو غير الله أو يستغيث بغير الله بما لا يقدر عليه إلا الله – عز وجل – فإنه مشرك كافر , وليس بولي لله ولو ادعى ذلك "([1]), وهذا التقرير من الشيخ رحمه الله بيان لحكم الاستغاثة بغير الله من حيث هي , وإذا كانت الاستغاثة بغير الله شركا أكبر ففاعلها لا بد أن يكون مشركا كافرا ؛ إذ كيف يكون الفعل شركا في الشرع ثم لا يكون فاعله مشركا , ولكن هذا الحكم لا يتحقق في المكلف بعينه إلا بتوفر شروط وانتفاء موانع , وهذا ما تدل عليه تأصيلات الشيخ -رحمه الله- وتفصيلاته وتطبيقاته , فإنه إذا كان في مقام بيان الحكم الشرعي يطلق القول من غير تفصيل , وإذا كان في مقام بيان حكم المكلف بعينه فإنه يفصل القول ويعتبر الشروط اللازم توفرها والموانع اللازم ارتفاعها .
    وأما موقف الشيخ من كون الجهل مانعا من تكفير المسلم بالاستغاثة بغير الله تعالى فتقريراته التي تدل على هذا الحكم كثيرة جدا , وقد ذكرها في مواطن متعددة من كتبه , وفي مقامات متنوعة , تارة في جواب على سؤال وتارة في تفسير آية ما وتارة في تقرير قاعدة فقهية وتارة في تأصيل مسألة شرعية , وقد ساق أدلة متنوعة في تأكيد هذا الحكم , وهو في حقيقة مذهبه وفي بيانه أدلته وفي تفصيلاته لا يخرج عما قاله ابن تيمية.
    وتتبين حقيقة مذهب الشيخ في هذه المسألة في مستويين : الأول : المستوى التنظيري التأصيلي , والثاني : المستوى التطبيقي العملي .
    أما المستوى الأول : وهو مستوى التنظير العلمي والتأصيل الشرعي : فقد قرر أن العذر بالجهل عام في كل مسائل الدين , ولم يستثن من ذلك شيئا , فإنه كرر أن العذر بالجهل شامل لكل ما يدين الإنسان به ربه , فقال لما سئل عن الإعذار بالجهل في مسائل التوحيد :" العذر بالجهل ثابت في كل ما يدين به العبد ربه –ثم ساق نصوص الإعذار بالجهل ثم عقب عليها قائلا - والنصوص في هذا كثيرة، فمن كان جاهلًا فإنه لا يؤاخذ بجهله في أي شيء كان من أمور الدين"([2]) .
    ولما سئل عن الجهل هل يعذر به في مسائل العقيدة , ذكر أن الجهال بمسائل العقيدة نوعان ثم قال :" النوع الثاني : أن يكون من شخص يدين بالإسلام ولكنه عاش على هذا المكفر ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام ، ولا نبهه أحد على ذلك فهذا تجري عليه أحكام الإسلام ظاهرًا ، أما في الآخرة فأمره إلى الله - عز وجل - وقد دل على ذلك الكتاب ، والسنة ، وأقوال أهل العلم"([3]).
    وكذلك لما شرح قاعدة العذر بالجهل بين أنها عامة في كل الأحكام حتى في الشرك , فقال حين كان في معرض شرحها :" وهنا مسألة : لو كان الجهل في أمر يكون ردة وكفرا مع العلم , مثل أن يكون عامي قد عاش بين قوم يدعون الأموات , ولم يبين له أحد أن هذا من الشرك , ولكنه يدين بالإسلام , ويقول إنه مسلم , فهل يعذر بدعائه غير الله ؟
    الجواب : نعم , يعذر , لأن هذا الرجل قد عاش على هذا الحال , ولم يبين له أحد أن هذا شرك , وهو يعتقد أن هذا من الوسائل وليس من المقاصد , يعني : يعتقد أن هذا الميت وسيلة له إلى الله عز وجل , يقربه إليه , فنقول : هذا لا يكفر ؛ لأنه منتسب إلى الإسلام"([4]) .
    ومما يؤكد عموم الإعذار بالجهل : أنه جعل قاعدة العذر بالجهل في المكفرات كقاعدة العذر بالجهل في المفسقات سواء بسواء , فإنه سئل " عن حكم من يجهل أن صرف شيء من الدعاء لغير الله شرك؟ , فأجاب بقوله :" الجهل بالحكم فيما يكفر كالجهل بالحكم فيما يفسق، فكما أن الجاهل بما يفسق يعذر بجهله فكذلك الجاهل بما يكفر يعذر بجهله ولا فرق لأن الله - عز وجل - يقول: { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } . ويقول الله - تعالى - : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } . وهذا يشمل كل ما يعذب عليه الإنسان ويقول الله -عز وجل - : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } "([5]) .
    ومما يؤكد عموم الإعذار بالجهل عنده : تصريحه بأنه لا فرق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية في الإعذار ,حيث يقول :" تجب إقامة الحجة قبل التكفير، وذلك في كل المسائل التي يمكن أن يجهلها الناس، فلا نقسم المسائل إلى مسائل ظاهرة ومسائل خفية؛ لأن الظهور والخفاء أمر نسبي، قد تكون المسألة ظاهرة عندي وخفية عند غيري، فلابد إذاً من إقامة الحجة وعدم التسرع في التكفير؛ لأن إخراج رجل من ملة الإسلام ليس بالأمر الهين"([6]) .
    ومما يؤكد عموم الإعذار بالجهل : أنه حين يبين دلالة النصوص على الإعذار بالجهل أطلق الإعذار به ولم يقيده في أي موطن بالشرك , ومن جوامع تقريراته التي تبين هذا المعنى قوله :" الآياتِ الصريحةَ كثيرة في أنه لا يُحكم بالكفر إلا بعد العلم، يقول الله عز وجل: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } [القصص:59] ولا ظُلْم إلا بالعناد والمُشاقَّة.
    ويقول تعالى: { رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [النساء:165]، فبيَّن أنه لا حجة للخلق على الله إلا إذا أرسل الرسول، وأعلمهم بأن هذا حرام وهذا شرك.
    وقال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [الإسراء:15] , وقال تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً } [النساء:115] , وقال الله تبارك وتعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [التوبة:115] , والآيات في هذا المعنى كثيرة . والإنسان لا يعرف ما حرَّم الله سبحانه وتعالى إلا بعلم مِن قِبَل الرسل.
    فإذا كان هذا الإنسان مسلماً يصلي، ويصوم، ويزكي، ويحج، ويستغيث بغير الله وهو لا يدري أنه حرام، فهو مسلم؛ لكن بشرط أن يكون مثله يجهله، بحيث يكون حديث عهد بالإسلام، أو في بلادٍ انتشر فيها هذا الشيء، وصار عندهم كالمباح، وليس عندهم علماء يبينون لهم , أما لو كان في بلدٍ التوحيدُ فيها ثابتٌ مطمئنٌ فإن ادعاءهَ الجهلَ قد يكون كاذباً فيه"([7]) , فهذا التقرير يدل على أن الشيخ العثيمين يرى أن من يقع في المخالفة الشركية وهو جاهل لا يخرج عن دائرة الإسلام .
    ومما يؤكد العموم في الإعذار بالجهل : أنه قرر أن الردة لا تتحقق في المسلم وهو جاهل , ولم يفرق بين الردة الشركية وغيرها , بل بعض الأمثلة التي ضربها داخلة في باب الشرك , فقال لما ذكر شروط الردة :" الشرط الخامس: أن يكون عالماً بالحال والحكم، أما كونه عالماً بالحال، فأن يعلم أن هذا القول أو الفعل مُكفِّر، فإن لم يعلم أنه مُكَفِّر فلا يكفر، مثل أن يتكلم رجل بكلمة كفر، وهو لا يدري ما معناها، كأن يتكلم رجل عربي بكلمة الكفر في لسان العجم، وهو لا يدري أن معناها الكفر، فهذا لا يكفر. وكذلك أن يتكلم عجمي بكلمة الكفر في لسان العرب وهو لا يدري ما معناها فإنه لا يكفر.
    فلو سجد لصنم ما يظن أن ذلك كفر فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يدري ما معناه، ولو علم أنه كفر لكان أشد الناس فراراً منه.
    وأما كونه عالماً بالحكم الشرعي، أي: بأن هذا مكفر شرعاً، وهذا أمر خطير جداً.
    فالعلم بالحال من باب تحقيق المناط، وهذا من باب العلم بالحكم الشرعي، الذي هو معرفة الدليل، فإنه لا بد من معرفة الدليل، وأن هذا مما يدخل في الدليل.
    فلا بد أن يعلم أن هذا الفعل أو القول مكفر، فإن لم يعلم بأن لم يبلغه الشرع أن هذا مكفر فإنه لا يكفر"([8]).
    المستوى الثاني : مستوى التطبيق العملي : : فللشيخ العثيمين تطبيقات عملية عديدة دالة على الإعذار بالجهل في مسائل الشرك , ومن تلك التطبيقات : أنه سئل عن أقوام يستغيثون بغير الله , فنص على لا يكفرون إذا فعلوا ذلك عن جهل , فقد سئل " عمن كان يعتقد بأن الأولياء المقبورين ينفعونهم أو يضرونهم! مع اعتقادهم بوجود الخالق، وإقامتهم للصلاة، فما مصير هؤلاء الناس بعد مماتهم؟ هل يكونون بحكم الكفرة أم الموحدين؟" , وابتدأ الشيخ جوابه بأن بين ضابط أولياء الله , وبين الموقف الصحيح في التعامل معهم , ثم قال :" لكن مع ذلك فهؤلاء الذين يأتون إلى الأولياء ويدعونهم وهم جهال، ليس عندهم من يعلمهم، ولا من ينبههم، ولكنهم يقولون: نحن مسلمون يُصلون، ويتصدقون، ويصومون، ويحجون، ويجتهدون، ويتهجدون، لكن لا يعلمون عن هذا الأمر شيئاً، ولم ينبهم عليه أحد، ولم يخبرهم به أحد، فهؤلاء معذورون بجهلهم، ويُحكم بأنهم مسلمون، وأما من بلغه أن هذا شرك ولكنه أصر وقال: إن هذا دين آبائي وأجدادي ولا يمكن أن أحيد عنه، فهذا يحكم بكفره"([9]) .
    وسئل في موطن آخر فقال السائل :" هل مَن وقع في الشرك الأكبر؛ مثل: مَن استغاث بغير الله، أو نَذَر نَذْراً لغير الله، هل يقال: إنه كافر، أم يقال: لا بد من قيام الحجة عليه؟" فأجاب الشيخ :" كلُّ إنسان يقع في شرك ومثله يجهله فإنه لا يُحكم بشركه حتى تقوم عليه الحجة، كما أنَّ مَن وقع في معصية دون الشرك فإنه لا يُعاقب عليها إذا كان مثله يجهلها؛ فلو أن رجلاً زَنا وهو قريب عهد بالإسلام ولا يعلم أن الزنا حرام فإننا لا نقيم عليه الحد؛ لأنه جاهل، وكذلك الذي يستغيث بغير الله أو يدعو غير الله وهو جاهل ونعلم أن مثله يجهله فإنه لا يُحكم بكفره؛ لأن الآياتِ الصريحةَ كثيرة في أنه لا يُحكم بالكفر إلا بعد العلم.... فإذا كان هذا الإنسان مسلماً يصلي، ويصوم، ويزكي، ويحج، ويستغيث بغير الله وهو لا يدري أنه حرام، فهو مسلم؛ لكن بشرط أن يكون مثله يجهله، بحيث يكون حديث عهد بالإسلام، أو في بلادٍ انتشر فيها هذا الشيء، وصار عندهم كالمباح، وليس عندهم علماء يبينون لهم.
    أما لو كان في بلدٍ التوحيدُ فيها ثابتٌ مطمئنٌ فإن ادعاءهَ الجهلَ قد يكون كاذباً فيه"([10]).
    فهذه الفتاوى تدل على أن الشيخ محمد العثيمين يرى أن المسلم الذي يقع في الشرك جهلا منه لا يكفر ولا يخرج عن الإسلام , ولا يستثنى من ذلك إلا من قامت عليه الحجة , وقد بين أن قيام الحجة لا يكون إلا بفهمها , وأن قيامها أمر نسبي يختلف من إنسان إلى آخر , وفي هذا يقول " الذي نراه: أن الحجة لا تقوم إلا إذا بلغت المكلف على وجه يفهمها، لكن نعرف أن أفهام الناس تختلف، من الناس من يفهم من هذا النص معنىً جلياً مثل الشمس، ومعنىً لا يحتمل عنده أي شك، ومن الناس من يفهم النص فهماً أولياً مع احتمال شك في قلبه، فالأول في قمة المعرفة والعلم، والثاني في أول العلم، والثاني قد قامت عليه الحجة لا شك؛ لأنه فهم منه ما يراد به، لكن ليس على الفهم التام الذي فهمته الطائفة الأولى كـ أبي بكر و عمر ، وأما من بلغه النص ولكنه لم يعرف منه معنىً أصلاً كرجل أعجمي بلغه النص باللغة العربية ولكن لا يدري ما معنى هذا النص، فهذا لم تقم عليه الحجة بلا شك"([11]).
    وهذه التقريرات تؤكد بوضوح أن الشيخ العثيمين ممن يرى أن المسلم الذي يقع فيما هو شرك جهلا منه بحكمه لا يكفر ولا يرتفع عنه وصف الإسلام ولا تثبت في حقه أحكام الكفر حتى تبلغه الحجة الرسالية , وهو بذلك يكون موافقا لما كان عليه ابن تيمية في هذه المسألة , فقد اتفقا جميعا على أن الجهل مانع من التكفير حتى في مسائل الشرك , وهو بذلك يختلف عما كان عليه عدد من كبار العلماء في عصرنا , كالشيخ ابن باز وعلماء اللجنة الدائمة – مثلا- , فإنهم لا يرون الجهل عذرا من التكفير في باب الشرك , فكل من فعل الشرك فهو غير مسلم ولا يعطى أحكام المسلم في الدينا ولو كان جاهلا , ومن الفتاوى التي تدل على هذا المعنى قول اللجنة الدائمة :" كل من آمن برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر ما جاء به في الشريعة إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي وصاحب قبر أو شيخ طريق يعتبر كافرا مرتدا عن الإسلام مشركا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده؛ لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله. لكنه قد يعذر لجهله فلا تنزل به العقوبة حتى يعلم وتقام عليه الحجة ويمهل ثلاثة أيام؛ إعذارا إليه ليراجع نفسه، عسى أن يتوب، فإن أصر على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من بدل دينه فاقتلوه » أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، فالبيان وإقامة الحجة للإعذار إليه قبل إنزال العقوبة به، لا ليسمى كافرا بعد البيان، فإنه يسمى: كافرا بما حدث منه من سجود لغير الله أو نذره قربة أو ذبحه شاة مثلا لغير الله"([12]) .
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



    ([1]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (2/176) .

    ([2])مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (2/127) .

    ([3])المرجع السابق (2/131) , وانظر : شرح كشف الشبهات (51 -52) .

    ([4])شرح منظومة أصول الفقه , العثيمين (74) , وانظر : شرح الأصول من علم الأصول , له أيضا (224) .

    ([5]) المرجع السابق (2/126) .

    ([6]) لقاءات الباب المفتوح (48) , العثيمين (3/45) , وانظر : الشرح الممتع (2/25) .

    ([7]) لقاءات الباب المفتوح (43) , العثيمين (2/433) , وانظر : شرح كشف الشبهات , العثيمين (52 -53) .

    ([8])الشرح الممتع , العثيمين (14/447) , وانظر : شرح الأصول من علم الأصول (242) .

    ([9]) لقاءات الباب المفتوح (36) , العثيمين(2/315, 316) .

    ([10]) لقاءات الباب المفتوح (43) , العثيمين (2/432) .

    ([11]) لقاء الباب المفتوح رقم (58) .

    ([12]) فتاوى اللجنة الدائمة (1/334) .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,173

    افتراضي رد: تحرير مذهب الشيخ محمد العثيمين في حكم المستغيثين بالقبور

    مع فتوى ابن جبرين في الرد على الإسلام اليوم / خاص !

    (17565) ســـؤال: نشر بحث بعنوان: (تحرير رأي ابن تيمية في حكم المستغيثين بالقبور) في أحد المواقع الإسلامية، قرر فيه الباحث أن رأي ابن تيمية أن من وقع في الشرك جاهلاً يبقى له حكم الإسلام حتى يُتحقق من حاله ووضعه، فهل هذا رأي ابن تيمية؟ أم رأي مخالفيه الأشاعرة الذين لا يرون التحسين والتقبيح لأفعال العباد إلا بعد قيام الحجة؟ وما حكم نشر هذا البحث؟ وجزاك الله خيراً. الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد... نرى أن هذا الكاتب عنده قدرة على البحث والتتبع، وأن ما ذكره قد يكون صحيحًا في أن الجاهل لا يحكم بكفره ولو عمل ما هو شرك أو كفر، حتى يُعلَّم ويبين له أن ما فعله محرم، وإذا أصر على ذلك وعاند حكم بكفره، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، وعومل بعد قتله معاملة الكفار، وأما إذا لم تبلغه الدعوة، ولم يُبين له الحكم، فلا يحكم بكفره، ولكن لا يحكم بإسلامه، حيث يعمل ما ينافي تعاليم الإسلام، ومن مات وهو على هذه الأفعال، إما تقليدًا لمشايخ جهلة، وإما عن جهل رآه وعمل عليه، ومات وهو على ذلك، فحكمه حكم أهل الفترات، وحكم من لم تبلغه الدعوة المتواجدين في أطراف الأرض. وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يوصي كل سرية أو جيش بقوله: "وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال: ادعهم إلى الإسلام، فإن هم قبلوه فاقبل منهم وكف عنهم"، فكان لا يقاتل قومًا إلا إذا بلغتهم الدعوة، وقد أغار على بني المصطلق وهم غارّون، ولكن قد قامت عليهم الحجة وبلغتهم الدعوة. وعلى كل حال فإن كلام ابن تيمية ظاهر في أن من يستغيث بالقبور ويدعوهم مع الله ويصر على ذلك وتقوم عليه الحجة فإنه يحكم بكفره، وأما من يفعل ذلك عن جهل أو تقليد فلا يحكم بإسلامه ولا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة ويزول العذر، ويصر على فعله. ونرى في هذه الأزمنة أن الحجة قد قامت على الجميع، حيث طبع القرآن وانتشر في أرجاء البلاد، وترجمت معانيه إلى عدة لغات، وترجمت التفاسير وانتشرت كتب التوحيد التي تعتمد الاستدلال بالآيات والأحاديث، ووجدت الإذاعات الفضائيات ومواقع الشبكة العنكبوتية، وفي الإمكان معرفة الحق والصواب، ومن اتبع الباطل تقليدًا للرؤساء ودعاة الضلال فإنهم يقولون يوم القيامة: ]رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ[ الأعراف:38، ويقولون: ]رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ[ الأحزاب:67، وأمرهم إلى الله تعالى. والله أعلم. قاله وأملاه عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين 11/11/1429هـ

    رحمك الله يا شيخنا فقد أتعبت من بعدك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •