بسم الله الرحمن الرحيم
خطر التزلف على المجتمع وجنايته على المفاهيم ( الحسبة أنموذجاً )
بقلم : عبد الوهاب بن عبد الله آل غظيف - الرياض
استهجان التزلف ، وازدراء المتزلفين ، في فطرة الناس ؛ لا يعدو أن يكون ثمرة من ثمار إدراك العقل البشري لأصول الأخلاق السيئة ، الإدراك الذي جعل الطباع السليمة تنفر منها ، نظراً لما تنطوي عليه من تشويه للتصورات ، وحرف للسلوكيات .
والتزلف مركب وضيع ، لا يكاد يركبه من يحترم نفسه ، بل لا يدفع المرء لركوبه إلا علة تصيبه ، فينقلب معها وقد آمن بأنه ناقص !
والتزلف داء وبيل ، على المتزلف ومن يتزلف إليه وعلى المجتمع الحاضن للمتزلفين ، فإن المتزلف يضطر لمقارفة ما يخرم دينه ومروءته ، من اصطناع الوجوه ، والكذب ، والوشاية ، وغير ذلك من الدنايا ، والمتزلف إليه : لا يزال مغشوشاً ومكذوباً عليه ما طوقه المتزلفون ، ولا يزال بوجودهم محجوباً عن أهل الصدق والرأي والنصح وما فيه النجاة من كل داهمة .
وجناية المتزلف على المجتمع تجمع ذلك كله ، وتزيد عليه ما يفرزه كذب المتزلفين من صناعة وعي منحرف ، أو تغييب حقيقة ، أو ظلم بريء ، أو تبرئة ظالم ، إذ تقوم صناعة التزلف في الغالب : على إحقاق الباطل ، وإبطال الحق .
ذلك ما أقدمه بين يدي ومضة خطرت ببالي وأنا أقف على ما افتعله بعض المتزلفين ، من استعداء سياسي وتحريض على المحتسبين ، وعلى واحد من الشيوخ الذين بعث الله بهم هذه الفريضة المهمة ، المنجاة من غرق السفينة ، وصمام الأمان للمجتمع الإسلامي .
في خطوتهم الأولى : راح المتزلفون من أصحاب المناصب الشرعية يشذون عن الشرع بآراء لا دليل عليها ، يظنون أنها تجري مع هوى ولي الأمر ، وتبعاً لعلاقة التنافر التي تربط التزلف بالصدق : هاجموا الصادقين من إخوانهم العلماء والدعاة وحرضوا عليهم ، وسلكوا في سبيل هذا الهجوم تصوير ما هم عليه من صدق وحسبة وديانة ، بصورة المناكفة لولي الأمر و التشغيب عليه ، غير آبهين بما يعود به صنيعهم هذا على الموقف الشرعي وعلى المجتمع والدولة من أخطار ، وغير ملتفتين إلا إلى مصالحهم الذاتية ، ومواقفهم الأنانية .
ولنتأمل جنايتهم على مفهوم الحسبة بصنيعهم هذا :
فإنها في الإسلام كالشمس في كبد السماء ، وقد رتب الشرع لها أحكامها الحافظة لمصالح الناس في دينهم ودنياهم ، فكانت سلطة لولي الأمر بها يردع من لم يجد له واعظاً من نفسه ، ولم يكن له من ماء وجهه ما يجعل في سلطة المجتمع له زاجراً ، وكانت سلطة للمجتمع ، بها يتواصى أهله على الحق وعلى الصبر ، بما لا يدفع لفوضى ولا منكر أكبر وبما لا يدخل فيما هو من اختصاص ولي الأمر ، وقد أُصل هذا المفهوم الإسلامي في آيات وأحاديث وآثار كثيرة ، بما يجعله من بدهيات الإسلام وأساسياته ، ويجعل أي محاولة لتغييبه أو حرفه عن حقيقته محض عبث و تلاعب .
والحسبة بضربها الثاني الذي هو حق مشروع للناس ، من أبعد ما تكون عن المتزلفين ، غير أنهم يجدون فيها بغيتهم إذ يظهرونها لولي الأمر وكأنها قفز على صلاحيته ، طارقين جادة تحريف المفهوم إذ يقصرونها على ما هو من ولاية ولي الأمر فقط ، ومن ثم : يكون المحتسب بقلمه ولسانه ، عرضة لوشايتهم و استعدائهم .
وهم بهذا الصنيع يقفون بالمجتمع على شفا جرف هار :
فإنهم يؤدون بولي الأمر إلى مجابهة المحتسبين وعداوتهم ، حينما يقتنع بقولهم ، ويخرمون بذلك نظام الدولة الإسلامية المستوعب لاحتساب أفراد المجتمع بما لا يلزم منه خروج ولا تشغيب ، ولا يعود بضرر على جماعة المسلمين ، وتصير الحسبة في الواقع العملي جريمة يعاقب عليها القانون ، بينا هي في الأصول الشرعية من الوضوح والتأكد بما أسلفنا ، فيصير المحتسب والحال هذه مأطوراً على مخالفة نظامية مختلقة ، مضطراً إلى تشغيب مفتعل ما كان أغنى المسلمين عنه !
وبين ركام التزلف : تغيب حقيقة الاحتساب الشرعي الذي هو من حق كل مسلم ، بما يتوافق مع وحدة الجماعة ، وما يندرج تحت طاعة ولي الأمر .

خاتمة :
إن أهل العلم والدعوة والاحتساب في هذه البلاد ، وعلى رأسهم الشيخ يوسف الأحمد وفقه الله ، لا يزايد أحد من الناس كائن من كان على وطنيتهم وصدقهم وإخلاصهم – نحسبهم والله حسيبهم – وتحريهم لما فيه الخير والصلاح لهذا الوطن ، وموقفهم الحازم الرافض لممارسات التكفير والتفجير التي تلحق الضرر والشر بهذا الوطن وأهله ، وما احتسابهم في وجه الليبراليين والمجترئين على حرمات الله عز وجل إلا ثمرة من ثمار موقفهم الصادق المطرد ، فإن هذا الانسلاخ عن الدين الذي يزرعه أعداؤه في تربة المجتمع لا مبرر له ولا بديل إلا إضفاء هالة من الإعجاب بالغرب الكافر ونظمه في الاجتماع والفكر والسياسة ، والنظر إليه بعين القدوة في شتى المجالات ، وما يتبع ذلك من ضياع الهوية ، وثورة على أنظمة الأمة الشرعية والسياسية والاجتماعية ، وما يزرعه هذا التغريب في وعي الناس من تقبل للتغيير إذا جاء على ظهر بوارج الغرب ودباباته ، وهي ذات النتيجة التي يريد الإرهابيون إلحاقها بالوطن وأهله ونظامه .


17 / 6 / 1431