سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 13 من 13

الموضوع: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

  1. #1
    أبو حماد غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    525

    افتراضي سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    [justify]وافاني صديقنا النابغة الشيخ المتفنّن بندر بن عبدالله الشويقي – أسعد الله أيامه – برسالة كريمة، حملتْ جواباً من الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة – حرس الله مُهجته – عن سؤال ورد إليه بخصوص الدكتور محمد بن عابد الجابري، فأفاض الشيخ في الجواب بما رأيت أنه يحمل تبسيطاً مخلاً عن حال الجابري.

    وللشيخ سلمان قدم صدق في الدعوة وآثار حميدة في الصحوة ومعرفة عزيزة في العلم، غير أن جوابه المُشار إليه آنفاً قعد به عن النهوض إلى حيث بلغ، فقد كان جواباً منقوصاً غير واف، كما أنه تضمّن في ثناياه – بحسب ما ظهر لي من سياق الجواب - قلة اطلاع ومعرفة من الشيخ بالجابري.

    وإن آية نقصه أن أشار الشيخ إلى كتابين للجابري هما "تفسيره" بما حوى من "المدخل" وهو من أواخر ما كتبَ، والثاني "دراسته عن ابن خلدون" وهو من أوائل ما كتب – دع ذكره لسيرته الذاتيّة "حفريات في الذاكرة" فالسير الذاتية ضربٌ من الهذيان - وهذان الكتابان لا يؤخذ عنهما فكر الجابري ولا يؤسسان منهجه.

    أما الأول منهما فهو كتاب حيكت خيوط فصولهِ بوعْي"عرفانيٍّ" "بيانيٍّ" من رجل يرى "العقلَ البرهانيَّ" متفرداً بأحقية التأصيل وبناء الاستدلال، فلا مكانة له إذاً في فكر الرجل وإلى مدرسته نحاكمه، أو هو كتاب "سواليف" بحسب تعبير صاحبنا العذب الدكتور محمد العبدالكريم – متعه الله بالعافية -، وأما الثاني فهو دراسة اجتماعيّة سياسيّة، وكتاب عادي لا يمثل ذروة الإنتاج العقلي والمعرفي والبحثي للجابري.

    والشيخ سلمان – وفقه الله – طلب من الباحثين في حال الجابري أن يقرؤوه قراءة وافية شاملة، وأن هذا أقوم قيلاً وأكثر إنصافاً، وهذا – والذي علّم بالقلم – من العدل الذي قامت عليه السموات والأرضون، وهو الحكم القسط والقضاء الأسنى، غير أني لم ألمس هذا في الشيخ – أعلى الله مقامه – بل رأيته يحيل على كتبٍ لا تمثّل الجابري ولا فكره، ويختزلُ إخلاص الجابري ودينه وإيمانه في كتاب واحدٍ من مؤلفاته، بل في عبارات يسيرة منه! معرضاً عن الإشارة للبقيّة أو آتياً عليها بالذكر مع أن فيها ما ينقض ذلك ويهدمه! وهذا نقض صريح للمنهج الشمولي الذي يقرّرهُ.

    فلم أر الشيخ يُحيل على ثلاثيته المعروفة في نقد العقل العربي "تكوين العقل العربي" و"بنيّة العقل العربي" و"العقل السياسي العربي" وهي التي تمثل ذروة ما كتبه الجابري، ومشروع عمره الذي أفنى فيه طاقة بحثه ونشاط ذهنه ومنتهى فكره، وأسقط من خلال نظريّته الخاصة بعصر التدوين تراثَ المسلمين وأزرى به وحكم عليه بالهشاشة داعياً إلى تجاوزه وانبعاث عصرٍ جديدٍ للتدوين وإسلام القياد للعقل البرهاني فهو الملاذ وإليه المنتهى، وتعظيمه المطلق للفلاسفة ولإنتاجهم العقلي، و "ثلاثيّته" هي التي جعلت عامة المنتقدين له ينفرون منه ويقرؤون في مؤلفاته اجتراراً مكرّراً لمناهج بحث المستشرقين في الإسلاميات وبالأخص منها موارد الشريعة وترديداً لمقولاتهم، وإن تنوّعت الأساليب واختلفت العبارات فمآلاتهم متفقة، ويجعلون من هذه "الثلاثية" ثورة باطلة على أصول المعرفة في الإسلام، وموارد استمداد الأحكام الشرعيّة، ومناهج البحث المعتبرة لدى المسلمين.

    وفي تحقيقه وتعليقه على "تهافت التهافت" لابن رشد من تعظيم الفلاسفة والميل إليهم وتوقير مذهبهم وأنهم رواد البحث العلمي الحر النزيه والحط على منتقصيهم – وعلى رأسهم علماء الشريعة - ووصفهم بالمؤدلجين واتهامهم في شرف مقصدهم وحسن غرضهم والنيل منهم بطريقة سافرة منكرة شيء كثير تنفر عنه النفوس المطمئنة بالإيمان.

    ولم أره يُحيل على كتاب "نكبة ابن رشد" وهو الكتاب الذي باح بمكنون فكره فأعاد مناهج البحث في الإسلاميات لدى المستشرقين إلى الواجهة، وكرّر شبههم حول العلماء ومواقفهم دون أن يُغادر منها صغيرة أو كبيرة إلا أوردها، ومن قرأ هذا الكتاب علم كيف أن الجابري ارتوى فتضلّع من مناهج المستشرقين فلما كتب وألف تجشّأ ذلك كله.

    ومن العجائب أن الجابري في "نكبة ابن رشد" وتقديمه وشرحه على "تهافت التهافت" يتماهى في استحضار العامل السياسيّ في محن العلماء ونكباتِهم ومواقفهم من الأهواء والبدع والمحدثات ومنكرات الحكام وظلمهم وجورهم، وكأنَّ القسمة التحليليّة منحصرةٌ في العامل السياسيِّ فقط، ويرى كل تفسير عدا ذلك تفسيراً ناقصاً غير مستوف لحقيقة المشهد، فما الناس إلا أدواتٌ تُدار بإحكام من خلال حفنة من الساسة والحكّام، ولا رأي لأحد ولو كان من أعلم الناس وأكثرهم دهاءً وفطنة، ولا كأن أولئك العلماء كانوا من أغير الخلق على الشريعة وتحرّكهم أوامرها ويستجيبون لدواعيها، وبهم من الديانة والتعظيم لحرمات الله ما يمنعهم من الوقوف دون حِراك في وجه البدع المحدثة والأهواء الناشئة ولا يخافون في الله لومة لائم، وهذا التعميم الجائر للتفسيرات السياسية للمواقف والآراء واستدعائه بأثر رجعي هو من إنتاج المستشرقين وبضاعتِهم الفاسدة التي غصَّ بها الجابري.

    وكم ينبعث في نفسي من الدهشة وأنا أراه يخالف طريقته بتعميم التحليل والمنهج وطرده في الماضي انطلاقاً من صحّة بعض صوره في الحاضر حين ينتقد كارل ماركس ومنهجه التعميمي المخترق لطبقات الزمان الماضي من خلال توليد فكرة حاضرة تصحُّ بعض صورها في نقد الرأسمالية قائلاً: "إذا كان تحليل ماركس للمجتمع الرأسمالي تحليلاً علميّاً صحيحاً فإن ذلك لا يلزم عنه ضرورة صحة تحليله للمراحل التاريخية السابقة للمجتمع الرأسمالي حتى في أوروبا نفسها"!

    فاعجب غاية العجب لهذا الانتقاد الموضوعي من الجابري لماركس، وكيف عاد عليه الجابري بالإبطال في نظريّته الخاصة بأثر العوامل السياسيّة، والتي قام بنقلها معمّماً من بيئتها الحاضرة إلى المراحل التاريخية السابقة، بل وعدَّ غيرها من التحليلات قاصرة عن المطلوب وغير علميّة.

    واقض له بغاية الاضطراب المنهجي وأنت تقرأ قوله: "نحن لا ننكر مجهودات كثير من المستشرقين الذين ساهموا في نشر وتحقيق عدد مهم جداً من كتب التراث العربي الإسلامي، والذين سلّطوا كثيراً من الأضواء على جوانبه، ولكن يجب أن نكون واعين في ذات الوقت بأن اهتمامهم بهذا التراث سواءً على مستوى التحقيق والنشر، أو على مستوى الدراسة والبحث لم يكن في أية حال من الأحوال ولا في أي وقت من الأوقات من أجلنا نحن العرب والمسلمين، بل كان دوماً من أجلهم هم.. يبقى بعد ذلك كله أن تاريخ الثقافة العربيّة بما في ذلك تاريخ الفلسفة في الإسلام لم يُكتب بعد، إن جميع ما كتب في هذا الموضوع هو إما تكرار لطريقة مفكرينا القدماء وإما استنساخ لطريقة المستشرقين، وبالتالي تبنٍّ لا واعٍ لأهدافِهم وإشكالياتِهم".

    وإذا أردت أن تقف على حقيقة الاستنساخ لفكر المستشرقين وتبنّي أفكارهم وتشرّب مناهجهم – والتي يحذّر منها الجابري – فاقرأ كتابه "نكبة ابن رشد" وغيرها من مؤلفاته لترى كيف أنه كان ناقلاً ماهراً لتحليلاتهم وتابعاً منقاداً لأفكارهم.

    فما أسرع ما تؤوب النفوس إلى ما نفرت منه وكرهته وصدت عنه!

    وللجابري من التناقضات البيّنة والازدواجية الظاهرة في قضايا منهجيّة ما هو على طرف الثمام وحبل الذراع، وقد التقط منها جورج طرابيشي طرفاً صالحاً فأجاد وأوفى إلى الغاية وذلك في كتابه "إشكاليات العقل العربي" وللدكتور عبدالرزاق قسّوم في كتابه "مدارس الفكر العربي الإسلامي المعاصر" مقتنصات لطيفة منها.

    ونصيحة الشيخ سلمان للباحثين بقراءة مراحل الرجل وتتبعها نصيحة عزيزة ثمينة تنمُّ عن إنصاف وعقل وحكمة، لكنّها تصحُّ فيما لو كان للرجل مراحل مرَّ بها أو أفكار تقلّب في أعطافها كما هو الحال في أبي الحسن الأشعري، وأبي حامد الغزالي من الغابرين، ورشيد رضا، وسيّد قطب، ومحمد عمارة من المعاصرين، غير أن الجابري بقي وفيّاً لمشروعه النقدي حتى مماته، فبه يفتخرُ ومعه عرفه الناس وإليه حاكموه، وتفسيره الذي كتبه وألّفه لا يصطدم بمنهجه المعرفيِّ أو يأتي عليه بالنقض، فهو منفكُّ الجهة – بحسب تعبيرات سادتنا من الأصوليين -.

    والجابريُّ إن كان يوماً من الدهر ماركسيّاً أو اشتراكيّاً فإن ذلك كان فتنة العصر وبليّة الزمان، وهو بريق ساحر وداء وبيل لحق كثيراً من الناس وأطاح بهم في شركه ومنهم بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي، والماركسيّة إذّاك كانت توجهاً سياسيّاً وملاذاً اقتصاديّاً يتفقُ مع بداياتِ التحرّر والانعتاق من ربقة المحتل في العالم العربيِّ، فكثير من الدول العربية كانت ثوريّة الطابع، فانتحال الجابري لتلك الطريقة لم تكن انتحالاً عقديّاً (أيدلوجياً) بل كان بمثابة المُستراح السياسي الحزبيِّ بحسب مقتضيات العصر، لهذا انتقل أكثرهم عن الماركسيّة والاشتراكيّة إلى المناهج البديلة الأخرى وعادت أثراً بعد عينٍ، فلا يؤثر هذا في فكرة "التمرحل" التي يشير إليها الشيخ سلمان.

    والشيخ يتراخى تارة فيختار القراءة الشمولية لفكر الشخص كما يفعل هنا مع الجابري، وينصح بتتبع مراحله وعدم الحكم عليه من مرحلة واحدة، أو اختزاله في فكرة محددة، ثم إنه تارة أخرى يترك هذه الطريقة ويتشدد غاية التشدّد فيختار الحكم على الشخص من مرحلة واحدة من مراحل حياته يختزل من خلالها نشاطه الفكري والحركي ويحكم حكماً عنيفاً بموجب ذلك.

    فعلى أي جانبيك – يا حبيبنا أبا معاذ – تميلُ!

    وثمة إشكال آخر في جواب الشيخ وهو تعويله على حُسن مقصد الجابري وصحّة نيّته، وهذا غير مؤثر في الحكم على تآليفه أو معارفه، فالنيّة والمقصد باب وما يتضمّنه التأليف والكتابة باب آخر، والذين ردّوا من أهل العلم على الجابري وكشفوا خطورة منهجه إنّما حملهم على ذلك الانتصار لشرع الله وحده، والغيرة على الإسلام، والذب عن طريقة العلماء الربانيين ومناهجهم الأصيلة، فإن كان "حُسن المقصد" و"سلامة النيّة" هما المناط للحكم على الأفراد وإن شطّت آراؤهم وتناءتْ مذاهبهم فإن لهؤلاء مقاصد أسمى وأعلى من مقصد الجابري، وهم أقرب للإسلام منه وأكثر غيرة وأصوب طريقة وأولى بالاعتبار، وإن كان المعوّل على العلم والمعرفة فقد كشف أولئك - بعلم وفهم ونظر ثاقب واطلاع تام واف على جميع مؤلفاته وكتبه - عن سوءة الجابري في كتاباته وقصده إلى الشريعة بالتنقّص والتبديل والتطوير والإلغاء، فلم يكن حكمهم عليه انطباعياً أو مرتجلاً.

    فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟

    وإحقاقاً للحقِّ فإن الجابري كان مشغولاً في بعض ما كتبه بقضيّة النهضة وباحثاً ناقداً في إشكاليات التراجع المدني في العالم العربيِّ، غير أنّه لم يأتِ بيوت أمّته من أبوابها ولا استعان بأدواتها المنهجيّة أو طبّق مقدماتها المعتبرة، بل راح يلتمس العافية والبرء في مناهج أعداء الملّة والدّين، فأراد أن يُطبَّ زكاماً عارضاً فأحدث جذاماً راسخاً.

    ثمَّ إن هذا الهمَّ والباعثَ شاركه فيه عامّة المؤلفين الذين خاضوا لجّة هذا النوع من التأليف، وكتبوا فيه كما كتب الجابري وإن تعددت المقدمات والأدوات والأساليب والحِجاج وشطّت الدور وتناءت الأمصار وتباينت تبعاً لذلك المناهجُ والنتائجُ.

    وللمنتسبين إلى العلم الشرعيِّ وحاملي مشاعل الهدى والنور من العلماء والدعاة والمفكّرين كتاباتٌ كثيرة في هذا المجال وبحثٌ ونظرٌ وتأليفٌ جمعوا فيه بين الوعي بمشكلات العصر الحاضر وبين قدْر الله حقَّ قدره والتوقير لجناب الشرع والتزام أوامره وتعظيم نواهيه والخضوع لمناهج أئمة العلم وموازينهم، وهم أولى من يُحال إليهم الأمر ويُناط بهم الفصل فيه وتُربط به قلوب الباحثين عن الحق، ومن لعمري ينسى: رشيد رضا، وأبا الأعلى المودودي، وأبا الحسن الندوي، ومالك بن نبي، وسيد قطب، وأخوه محمد، والشيخ محمد الغزالي، والدكاترة عبدالله النفيسي، وسفر الحوالي، وعماد الدين خليل، وعبدالكريم بكّار، ومحمد العوضي، وحاكم المطيري، وآخرين، وبعضهم أفضل من بعض وهم درجاتٌ ومنازلُ.

    وأما الإيعاز للجيل بالقراءة للجابري، وخلع بعض النعوت المضلّلة وإيهام الناس بسلامة منهجه واستقامة أمره لولا هنات يسيرة وهفوات معدودة، فهذا ما أربأ بالشيخ سلمان أن يفعله وهو المربّي القدير والمفكّر الحصيف، وأي تعظيم أو توقير لمباني الشريعة وكتبها سوف يبقى في نفوس الشباب وهم يقرؤون الجابري يشكك فيها وفي أئمتها الذين نقلوها وحفظوها؟ وماذا يبقى لنا من الدّين إن صارت موارده – وعلى رأسها كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - جفلى لكل باحث في المناهج وناقد للعقول يهدم ما يشاء منها ويشكّك في صحّتها بحجّة التمسك بمناهج البحث المعاصرة وقواعد النقد العلمي الحادثة؟

    وبحثُ هذا له موضعه اللائق به.

    وجملة القول أن هذه السبيل جادة مطروقة للكثير من الباحثين والمفكّرين فمنهم من آمن فيه بالحق ومنهم من صدَّ عنه.

    فلم يكن الجابري إذاً وحيد عصره في هذا الميدان، ولا المجلّي فيه حتى يُشكر ويُمدح ويُلتمس له فيه العذرُ بحسن قصده وسلامة نيّته.

    وأود أن أُشير هنا إلى أن ثمّة أموراً ثلاثة هي مجمعُ الدوافع لدى كثير ممن خاض في الكتابات النقديّة المعاصرة:

    الأمر الأول: سؤال النهضة المشهور: لماذا تقدّموا وتقهقرنا؟

    الأمر الثاني: الثنائية المشهورة "التراث" و"الحداثة" أو "الأصالة" و"المعاصرة" أو "الثبات" و"التطوّر"، ومدى قدرة التراث بارتداده إلى الماضي ومخزونه الهائل على استيعاب الكم المتتابع من التغيّرات العصريّة الطارئة الآخذة في الاتساع، وهل يُبنى على التراث؟ أم يطوّع ويطوّر؟ أم يُطوى؟

    الأمر الثالث: نزعة المناهج البحثيّة المعاصرة والتفسيرات الماديّة التي طغت في القرون الأخيرة.

    وانبثق عن هذه الأمور الثلاثة غالب المؤلفات النقديّة، والتي على رأسها مؤلفات الدكاترة: محمد بن عابد الجابري، وفهمي جدعان، وحسن حنفي، وفؤاد زكريّا، وحسن الترابي، ومحمد أركون، وآخرين.

    وليت الشيخ سلمان أحال في مناقشة أفكار الجابري إلى طائفة هم من أعلم الناس به وبمنهجه، فقد أتوا على فكره وسبروا أغواره وتتبّعوه وحفروا فيه حتى صيّروه هباءً منثوراً، منهم الدكتور طه عبدالرحمن والدكتور عبدالرزاق قسّوم والنصراني الجلد جورج طرابيشي وغيرهم، كما أن الناس بحاجة ماسّة إلى معرفة الموقف الشرعي من فكر الجابري ولهذا سألوا عنه وأرادوا معرفة حاله، وليسوا بحاجة إلى معرفة سلامة نيّته وحُسن مقصده والثناء عليه بذلك، فإن سلامة النيّة وحُسن القصد حجّة لاجئ إليها الجميعُ، وما ذاك الذي يستل سيفهُ أو يتأبّط قنبلته فيعيث في ديار المسلمين فساداً وإفساداً باسم الجهاد والانتصار للدين إلا رجل يزعمُ أنه ذو مقصد حسنٍ، فما أغنى عنه مقصدهُ شيئاً ولا شفع له.

    وغالب الانحرافات التي وقعت في أصول الشريعة ومبانيها العظام إنما حمل أصحابها عليها محاولة التكيّف مع المرحلة الراهنة وتطويع الشريعة أو تطويرُها لتتناسب مع التغيّرات الحاصلة، فانبعث الخوارج من مراقدهم لمّا أحسّوا أن أحكام الشريعة آخذة في الاضمحلال، ونشأت المرجئة مع اليأس من تغيير الواقع على إثر اندحار ابن الأشعث ومن معه من العلماء، وبمثله نشأ القول بالجبر، وخرجت المعتزلة حين همَّ بعضُهم بالتماس التقريب للشريعة من التفسير العقلي، وتشظّى الإسلام بمثل هذه المحاولات التقريبيّة والمسارات التصحيحيّة والمشاريع النقديّة كما يزعم أصحابُها، ولو بقيَ القول باعتبار مقاصد الناس والحكم من خلالها على مناهجهم ومدارسهم لما بقيت للشريعة أحكامها الثابتة النافذة، ولأضحى دين الله حمى مُباحاً لآراء الناس واجتهاداتهم، غير أن علماء الشريعة تفطّنوا لهذا من قديم، فكانوا يقفون سداً منيعاً للمناهج البديلة الناشئة غاضّي الطرف عن المقاصد والنوايا.

    وما أرق حُكم الشيخ سلمان وألطفه وهو يقول: "القارئ للكتاب – أي التفسير - يحس بأن الجابري يتكلم عن قضية الألوهية وقضية النبوة بإيمان، إذًا هو رجل كان مخلصًا لأمته"

    وكأن الإيمان المجرّد بالألوهيّة والنبوّة قنطرة العبور إلى الإخلاص والنجاة وصحّة المناهج! ومن الغريب أن تغدو هذه الجملة اليسيرة من مسائل الإيمان - التي هي من بدائه المعتقدات وكُبرى اليقينيات لدى العجائز في خدورهنَّ والأطفال في ملاعبهم والشيوخ في محاريبهم - من مفاخر المفكّرين الكبار ومن مآثرهم ومن العلامات على صدقهم وإخلاصهم ووفائهم لأمتهم!

    وهذا الاستدلال من الشيخ يذكرني بقول الإمام ابن عطيّة في عبارة نُقلتْ عن عبدالله بن عباس – رضي الله عنهما -: هذا من مُلح التفسير لا من متين العلم!

    ومن عجيب ما علّق به الشيخ كذلك قوله عن تفسير الجابري: "وجدت أن هذا الكتاب مقلق، في بعض مواضع به، على الأقل أنه لم يوصل الرسالة بشكل جيد" وهذه التي سمّاها الشيخ "مواضع مقلقة" هي تلك المواضع التي تضمّنت أقوالاً غايةً في الشناعة كقوله في القرآن بأنه قد يكون ناقصاً – وهذا القولُ يعدُّ بإجماع المسلمين كفراً كما نقله غير واحدٍ من الأئمة - وقوله أن له رأياً في الفنَّ القصصي في القرآن قريباً من رأي محمد أحمد خلف الله، وهو الرأي الذي كفّره عليه – أي خلف الله – طوائف شتّى من علماء الإسلام في مختلف الأمصار والأقطار.

    وقول حبيبنا الشيخ سلمان: "كان في تصاعد مستمرّ" ينبؤك عن حقيقة حال الجابري، فإذا كان الجابري في صعوده وارتفاعه ودنوّه من الإسلام قد أتى بهذه الطوام الكاشفة لحقيقة منهجه وانحراف فكره في القضايا الشرعيّة، فكيف بحاله قبل ذلك!

    ختاماً: أرجو أن يتسع صدر الشيخ المُحب سلمان لهذه المناقشة، فما حملني عليها إلا المذاكرة العلميّة والمطارحة المعرفيّة، ولروحه العذبة منّي أرق التحايا، وإليه منّي السلامُ.
    [/justify]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    934

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    جزاكم الله خيرا
    وقد يكون الشيخ العودة حفظه الله لم يطلع على فكر الجابري كاملا ولاعلى مركزية فكرته في الوسط العلماني او صور نقدها عند القوم ولامن كتب عنه من الاسلاميين لو صح التعبير
    لقد قمت بدراسة عن اخر ماكتب الجابري وفي الحقيقة لم يسبقني اليه احد لاني قمت بنقد الثلاثة اجزاء المضافة على كتابه مدخل الى القرآن
    ولم اجد في دراسته عن القرآن الا تعميقا لفكرته عن الوحي وهي فكرة مادية علمانية واضحة في كتاباته وكتابات اركون وهاشم صالح ومحمود امين العالم وابو زيد وخليل عبد الكريم والقمني تيزيني وجعيط وغيرهم واغلب هؤلاء واضحين جدا
    http://majles.alukah.net/showthread....929#post277929
    لكننا لم نقرأ كلام الشيخ عودة حفظه الله في الجابري

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    27

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    رحل محمد عابد الجابري غير مأسوف عليه ... وأرجو أن تلحق به أفكاره .
    توفي يوم الاثنين (03-5-2010 م ) بمدينة الدار البيضاء بالمغرب .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    148

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    الحمد لله ، و الصلاة و السلام على رسول الله ، و على آله و صحبه ، و سلم :
    رحل محمد عابد الجابري غير مأسوف عليه ... وأرجو أن تلحق به أفكاره .
    توفي يوم الاثنين (03-5-2010 م ) بمدينة الدار البيضاء بالمغرب .
    الأسف مسألة نسبيّة ، في مكانٍ و زمان ٍ مختلفين ، بل ْ و في عقول أُخر و أذهان ٍ ثانيات ، بل و في نوايا و قلوب و أماني طيّبات ، بل و في إرادة الجنّة - كما نريد لأنفسنا - لمن آمن بالله رباً و بالإسلام دينا ً و بمحمد ٍ صلى الله عليه و سلم نبيّا و رسولاً ، و هي أمور جامعات فيها تتمعيرُ تصرافتنا و أحكمنا و نوايانا فيما يتعلق بما بعد ، و ما بعد لا حكم فيه لنا ، و الله ربنا .

    و لي تعليق على الهامش ، إلى أنْ يُيسر الله لي أنْ أكتب موقفاً سليماً صحيحاً من الجابري - رحمة الله عليه - ، و فكره ، أن إعطاء قيمة محمد آركون - قبحهُ الله - و متبوعه الأحمق هاشم صالح قيمة مماثلة ً لمحمد الجابري ، إجحاف أيما إجحاف ، و الله يرزقنا الإنصاف ، و بالاختصار فموقف طه عبد الرحمن - له من الله العفو و الإحسان - موقف صحيح و سليم ، و هو عين الإنصاف .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    148

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    و متبوعه الأحمق
    تصويب ، و تابعه الأحمق . و به تستقيم .

  6. #6
    أبو حماد غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    525

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    الأخوة الكرام شكراً لكم جميعا على تفضلكم بالمشاركة والتعقيب، فجزاكم الله خيراً.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    688

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    عوداً حميداً أبا حماد
    أين أنت يا رجل ، منذ مبطي لم نرك !!
    وقلَّ من جدَّ في أمر ٍ يؤملهُ **** واستعملَ الصبرَ إلا فازَ بالظفرِ

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    16

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    عرض موفق , ونقاش هادئ ينم عن نفسية طيبة تحب إيصال الفكرة إلى من يختلف معها بشكل يجعلها أدعى للقبول والتأمل ومراجعة الذات, فجزى الله الكاتب خير الجزاء وأنزل على قلوب المؤمنين السكينة حين يحتدم نزال الأفكار في ميادين الدفاع عن حياض الشريعة المطهرة.
    كما أدعو أخوتي الذين يضطلعون بالردود على من يختلفون معهم بمثل خلق أخينا الفاضل كاتب السطور أعلاه إن كانوا حريصين على إيصال ما معهم من الحق, فإنكم تلاحظون كثرة اللغط والسباب وكيل التهم والانهماك بالدعاء على المخالف بأشنع الدعوات.
    أحدهم يكتب في الدفاع عن الكتاب والسنة وفهم السلف, فإذا كتب متعقبا من يرى أنه يختلف معه, إذا به يدعو عليه بالهلاك والخذلان!! بدلا من الدعاء له بالهداية.
    وينسى هؤلاء أن أعظم الناس كفرا وجرما عند الله هو فرعون الذي قال "ما علمت لكم من إله غيري" , ومع ذلك أرسل الله تعالى إليه موسى وهارون " فقولا له قولا لينا".
    والأسوأ أن تجد أحدهم يرد على المخالف القريب جغرافيا بلغة راقية مهذبة, وبلغة سوقية مبتذلة على المخالف البعيد, فيعيد بهذا دعوى الجاهلية جذعة حية.
    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " ليس من أراد الحق فأخطأه، كمن أراد الباطل فأصابه "

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    136

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    كلام الشيخ سلمان العودة يراعي المكان الذي سُئل فيه بارك الله في علمه !

    وجوزيت خيرا أبا حماد جهد مباركــ

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    616

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    للاسف وُجد من يريد ان يتورع حتى فيمن طعن في كتاب الله وفي السلف الصالح واول تاويلات باطنية لبعض الايات فيترحم عليه ويُطالبنا بالانصاف فانا لله وانا اليه راجعون محمد الجابري هلك واسال الله ان يعامله بعدله سبحانه.
    اما سلمان العودة وان كان بعض الاخوة يريد ان يعتذر له وان لم يجد له مخرجا كمن يقول انه راعى المجلس الذي فيه الى متى نعتذر له بهذه الاعذار التى لم نجد لها محملا.
    الذي اقوله: رحم الله سلمان العودة الذي كنا نعرفه منذ السنوات اما الجديد فنسال الله ان يعفو عنه ويغفر له ويرده الى الصواب فما اكثر ما يصدر منه من المخالفات والتمييع وغير ذلك والناظر في فتاويه ومنهجه الاخير يدرك ذلك جيدا وخصوصا موقعه اسلام اليوم فالى الله المشتكى.
    غفر الله لك يا سلمان فوالله ما عهدناك هكذا من قبل ولا يغرنك الجماهير والقنوات.
    اماالجابري فقد هلك واراح الله منه العباد والبلاد

  11. #11
    أبو حماد غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    525

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله العلي مشاهدة المشاركة
    عوداً حميداً أبا حماد
    أين أنت يا رجل ، منذ مبطي لم نرك !!
    شكرا لك يا محب على نبلك ولطفك، وأنا موجود غير أني قللت الدخول إلى الشبكة، وإلا فإن ذكركم حاضر بالقلب ومكانكم الروح.

    جزاك الله خيرا على سؤالك ووصالك.

    واسلم لمحبك.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    82

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ::::::::::::::::: وبعد
    أخواني الكرام ::: أسئل الله ان يرد الشيخ سلمان العوده
    الى الحق انه على كل شي قدير .
    انا من من تأثر بشيخ سلمان العوده وبدعوته .
    وكنت والله الذي لااله الاهو من أشد المحبين لشيخ سلمان العوده .
    وكنت أبغض كثير من مشائخ المدينه واتكلام فيهم وعلى رئسهم الشيخ ربيع بن هادي المدخلي بسبب انهم يتكلمون في سلمان العوده .
    لكن المتابع لشيخ سلمان في الفتره الاخيره يرى العجب العجاب .
    فما ندري من الذي تغير هل الدعوه تغيرت ام سلمان العوده تغير أم ان الشيخ ربيع المدخلي كان يدرك بحقيقه الشيخ سلمان العوده .
    يحبذا لو نجد لهذ اسوال جوب من من يعرف الشيخ سلمان العوده او من منهم قريب من الشيخ .

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    42

    افتراضي رد: سلمان العودة ومحمد عابد الجابري.. إشكالية التبسيط المخل

    أحسن الله إليك - أبا حماد - فقد أجدت وأحسنت في ذكر أمر كان يجول في خاطري مذ سمعت كلاما للشيخ سلمان في برنامجه الذي يبث من قناة السوء والمنكر - mbc- حيث تحدث بجمل يسيرة عن منهج الجابري مشيدا بمنهجه في الفترة المتأخرة ، وكنت أدعو الله أن أرى ردا يشفي الغليل ويدحض رد الشيخ سلمان ، فكان أن رأيت ردك الجميل الذي كتب بلغة رصينة وبأسلوب محكم فجزاك الله خير الجزاء

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •