يا قلب ...كن قمرا ..


بقلم / عوض الجبوري

"منذ أربع مليارات سنة ونصف، كان القمر مغطّى بالحمم البركانية المنصهرة والتي شكّلت محيطات من الحمم على سطح القمر.ومنذ هذا الوقت إلى اليوم القمر يبعد عن أرضنا 2.5 أنش كل عام. وتتكون قشرة القمر من المواد الأوّلية كاليورانيوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم والحديد وغيره. وعندما تسقط الإشعاعات الكونية على تلك العناصر الأولية، تقوم تلك العناصر على إنعكاس تلك الإشعاعات بخواصّ مختلفة تعتمد على طبيعة العنصر الأولي العاكس للإشعاع وبصورة إشعاعات "جاما". " الموسوعة الحرة / الانترنيت .
نخلص من هذا أن القمر ما هو إلا جرم سماوي مظلم لولا تلك الإشعاعات الكونية والأنوار الربانية التي تسقط عليه فيقوم بعكسها على الأرض قال تعالى :تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا سورة الفرقان(61) قال ابن كثير :" قمرا منيرا " اي مشرقا مضيئا بنور أخر من غير نور الشمس " تفسيرابن كثير 3 ص324 .. فكذا القلب شبيه بالقمر تماما فما هو إلا كتلة لحم ميتة مظلمة لولاأنوار الله قال تعالى أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ..سورة الأنعام(122)وقد مثل الله نوره في هذا القلب فقالمثل نوره كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء سورة النــور(35) " فمثل الله النور الذي في قلب المؤمن بالمشكاة فشبه قلب المؤمن وما يتلقاه من النور بالقنديل من الزجاج وفوق هذا نور على نور قال ابن عباسررر :يعني به إيمان العبد وعمله ، وهذا مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ فمن أصاب من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله عز وجل " رواه احمد ...
ليس هذا فحسب فعلاقة القلب بالقمر متأصلة فالله سبحانه ما جعل في جوف ابني ادم إلا قلبا واحدا مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ سورة الأحزاب (4) وكذا الأرض ما جعل الله لها إلا قمرا منيرا واحدا بينما غير الأرض كزحل مثلا له ثمانية عشر قمرا فمكانة القمر بالنسبة إلى الأرض كمكانة القلب بالنسبة إلى الجسد ،فكما أن القمر الذي يدور بمدار حول الأرض تتعلق به الحياة على الأرض فكذا القلب تتعلق به حياة الجسد كله ..قال (ألا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) رواه البخاري .. ومن أوجه الشبه أيضا أن القمر قدره الله منازل قال تعالى{وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} سورة يــس(39) قال ابن كثير : يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور ثم يزداد نوره في الليلة الثانية ويرتفع منزلة ثم كلما ارتفع ازداد ضياءا حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة ثم يشرع في النقص إلى أخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم " تفسير ابن كثير 3 ص 572، كالعذق التمر اليابس ولصاحب الظلال التفاته طيبة بقوله : والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة يدرك ظل التعبير القراني العجيب " حتى عاد كالعرجون القديم " وبخاصة في ذلك اللفظ " قديم " فالقمر في لياليه الأولى هلال وفي لياليه الأخيرة هلال .. ولكنه في الأولى يبدو وكان فيه نظارة وفتوة وفي الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم ،ويكسوه شحوب وذبول ذبول العرجون القديم !فليست مصادفة أن يعبر القران الكريم عنه هذا التعبير الموحي العجيب!" الظلال 7 ص25 وكذا القلب في بداية إيمانه يبدو وكان فيه نظارة وفتوة واندفاع وحيوية وحينما ينتكس والعياذ بالله كأنما يغشاه سهوم ووجوم وشحوب وذبول وقد تنبه لها صاحب الظلال فقال "والحياة مع القمر ليلة بعد ليلة تثير في الحس مشاعر وخواطر ندية ثرية موحية عميقة والقلب البشري الذي يعيش مع القمر دورة كاملة لا ينجو من تأثرات واستجابات .." الظلال 7 ص 25 هكذا قدره الله في الإيمان منازل فكلما ازداد القلب إيمانا كلما زاد نوره وكلما ازداد القلب معصية كلما خبا نوره ونطفئ حتى يكون القلب مغلفا عن دخول النور والعياذ بالله قال تعالى وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَسورة البقرة (88) ، قال القرطبي : " أي عليها أغطية " تفسير القرطبي 1ص418 ، أي قلوب مغلفة لا ينفذ إليها النور مطلقا ويعزز من هذا حديث عن أبي سعيد الخدري رررقال :قال رسول الله" القلوب أربعة : قلب اجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب اغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس وقلب مصفح ، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره ، وأما قلب الأغلف فقلب الكافر وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر ، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه " رواه احمد قال ابن كثير / اسناده جيد ولم يخرجوه . تفسير ابن كثير 3 ص 292. وأعجب ما في القمر جماله يوم تمامه بدرا منيرا وكذا القلب أعجب ما فيه جماله يوم تمام نوره فيكون تقيا نقيا فعن عبد الله بن عمرو ررر قال : قيل يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا : صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب ؟ قال :هو التقي النقي ،لا اثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد " رواه ابن ماجه في سننه
ثم بعد كل هذا يعتري القمر كل ما يعتري القلب فما خسوف القمر إلا صورة معبرة عن خسوف النور في القلب فالخسوف يحدث عندما يكون [COLOR=window****]القمر[/COLOR]والأرض والشمس على خط واحد مستقيم وكذا خسوف نور القلب يحدث عندما يكون القلب والمعصية والنور على خط واحد مستقيم فتحجب المعصية أشعة النور النافذة من والى القلب فعن [COLOR=window****]أبي هريرة [/COLOR][COLOR=window****]أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه فإن زاد زادت فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه [/COLOR]"[COLOR=window****]كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" [/COLOR]. والران هو حاجز يكون على القلب يمنع نفاذ النور منه وإليه ، وقد تعتري القمر أيضا سحب ممتدة طويلة تغطيه لفترة ثم تنجلي وسحب أخرى صغيرة جدا لا تغطي تلك الأنوار المنبعثة من القمر إلا للحظات وهي ما بين بيضاء وأخرى معتمة ،وكذا القلب فقد تصيبه كبيرة من كبائر السحب الممتدة فتغطي نوره لفترة ثم تنجلي وقد تصيبه من صغيرة من صغائر سحب اللمم فلا تغطي تلك الأنوار المنبعثة من القلب إلا لحظات يسيرة ثم تنجلي بتوبة قال النبي صلى الله عليه وسلم " انه ليغان على قلبي حتى استغفر الله في اليوم مائة مرة " رواه مسلم وقال ( ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر ، بينما القمر يضيء إذ علته سحابه فاظلم إذ تجلت عنه فأضاء ، وبينما الرجل يحدث إذ علته سحابة فنسي ، إذ تجلت عنه فذكره ) أخرجه الطبراني وحسنه الألباني (ص ج/ص5558) ثم خاصية الانتظام في القمر التي ذكرها الله في كتابه {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} سورة يــس(40) ، إن لكل نجم أو كوكب فلك أو مدار لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه .وكذا قلب المؤمن منتظم في جريانه أو دورانه لا يجري إلا في طريق الإسلام {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ } سورة الأنعام (153) ولا يدور إلا في فلك القران (ألا إن رحا الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار)حلية الأولياء / 5/188
ثم القمر يعلو في منازله حتى يكون بدر منيرا ابيض يطارد فلول الظلام بنوره وبياضه وكذا القلب يعلو في منازله حتى يكون قلبا سليما ابيض يطارد ظلام الفتن فلا تضره فتنة بعد. لحديث " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا . فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء . وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء . حتى تصير على قلبين ، على أبيض مثل الصفا . فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض . والآخر أسود مربادا ، كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا . إلا ما أشرب من هواه " رواه مسلم