وصية الأمير شكيب أرسلان
عاد شكيب إلى وطنه، ورأى بيروت بعد الهجرة الطويلة في الثلاثين من تشرين الأول سنة 1946م، وسعد بمشاهدة وطنه حراً مستقلاً طليقاً من أغلال الاحتلال والاستبداد، وتحرك لبنان والبلاد العربية للقاء البطل بعد عودته إلى العرين، ومكث فترة يزور ويزار ويجهد نفسه بالرد على الرسائل التي كانت ترده بكثرة، وتحالف على الرجل تصلب الشرايين والنقرس، والرمل في الكليتين، وثقل الثمانين عاماً، فلم تطل مقاومته، وعجزت يدر البشر، وأقبلت يدر القدر في 9 كانون أول سنة 1946م.
وكان آخر ما قاله للأستاذ عبد الله المشنوق، حينما التقى له قبل موته بأيام: أحمد الله عزَّ وجل الذي سهل أن أفارق الحياة على أرض هذا الوطن الذي أحببته، وأنا سعيد أن أدفن أن أُلاقي وجه ربي الكريم، فأعيد هذه الأمانة إلى بارئها بعد أن تحققت أحلام طفولتي في هذه الجامعة ـ حرسها الله ـ، وسأخب رفاقي في الجهاد بأن تضحياتهم لم تكن عبثاً.
وتحدرت من عيني الأمير دمعتان، ونهض واقفاً و جذب يد الأستاذ المشنوق، وقال له: لي وصية أود أن أوصي بها، فهل تعدني بأن تنقلها إلى العالم العربي بعد وفاتي؟
فأجابه: لك العمر الطويل ـ إن شاء الله ـ.
فقال شكيب: لا بل تعدني بنقل الوصية.
قال: نعم.
وهنا طوقه شكيب بذراعيه المرتجفتين، وقال بصوت تكاد تخنقه العبارات:
أوصيكم بفلسطين.
(( لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، 18ـ 19، مراجعة الشيخ : حسن تميم، الناشر:دار مكتبة الحياة))