قال الجرجاني صاحب كتاب ^ الوساطة بين المتنبي و خصومه ^ : و الشعر بمعزل عن الدين .
فهل نناقش النصوص الإبداعية و نحاكمها بمعيار خلقي؟ و ما هي الحدود التي يجب أن نقف عندها ؟
أفيدوني جزاكم الله خيرا
قال الجرجاني صاحب كتاب ^ الوساطة بين المتنبي و خصومه ^ : و الشعر بمعزل عن الدين .
فهل نناقش النصوص الإبداعية و نحاكمها بمعيار خلقي؟ و ما هي الحدود التي يجب أن نقف عندها ؟
أفيدوني جزاكم الله خيرا
سؤال يحتاج الى جواب وتأويل
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد
هناك بعض الضوابط الشرعية للشعر التزم بها من التزم وخالفها من خالف ،ومن هذه الضوابط ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الشِّعْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « هُوَ كَلاَمٌ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ ». والحديث مخرج في السلسلة الصحيحة للألباني
والحديث السابق يعطي حكما عاما على الشعر وسائر الأجناس الأدبية
والإنسان المسلم المتمسك بدينه عليه أن ينتقي ويبحث فالنصوص الإبداعية فيها الغث والسمين .
والأدب العربي قديمه وحديثه يضم بين دفتيه نماذج مختلفة متباينة وأغراض الشعر خير دليل على هذا التنوع من مدح وهجاء وفخر و رثاء و غزل وتشبيب وحكمة إلى غير ذلك
اما مقولة الجرجاني فيجب أن تفهم في سياقها
جاء في الوساطة (والعَجَب ممن ينقص أبا الطيب، ويغضّ من شعره لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة وفساد المذهب في الديانة كقوله:
يترَشفْن من فمي رشَفاتٍ ... هنّ فيهِ أحلى من التوحيد
.........فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسمُ أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولَكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزِّبَعري وأضرابُهما من تناول رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعاب من أصحابه بُكْماً خرساً، وبِكاء مفحمين؛ ولكنّ الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر.)
الجرجاني هنا يفرق بين أمرين الحكم على الشعر والحكم على الشاعر ، ويرى أن تدين الشاعر ليس سببا كافيا لتقديمه على من سواه، كما أن سوء اعتقاده ليس سببا كافيا لتأخيره .
والجرجاني محق في قوله ، فالشعر عنده بمثابة الصنعة والشاعر كالصانع . يقول الجرجاني
(إن الشعر علمٌ من علوم العرب يشترك فيه الطبعُ والرّواية والذكاء، ثم تكون الدُّرْبَة مادةً له، وقوة لكل واحد من أسبابه؛ فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرِّز؛ وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان، ولست أفضّل في هذه القضية بين القديم والمحدث، والجاهلي والمُخضرِم، والأعرابي والمولَّد؛ )
ورأي القاضي الجرجاني ، يجب أن يفهم جيدا ، فلو سب شاعر الرسول في شعره ، لطبق عليه الجرجاني شرع الله
يسيء الكثيرون فهم الآراء بل يفسرونها على ما يوافق هواهم ، فالذي يسب الرسول أو الصحابة في كلامه شعرا أم نثرا ليس بمعزل عن الدين ، والذي يدعو إلى الإلحاد والكفر وينشر القاحشة ليس بمعزل عن الدين .
وللحديث بقية
بداية يجب علينا تحديد المصطلحات تحديدا يجنبنا سوء الفهم ، ولنبدأ بالمصطلح الأول
النصوص الإبداعية : المراد بها الفنون الأدبية من شعر ورواية وقصة ومسرحية ومقامة إلى غير ذلك من الفنون الأدبية ،وتتفق هذه الفنون في أنها تحمل فكر صاحبها وتختلف في وسيلة التعبير عن هذا الفكر ، فالشعر على سبيل المثال فكرة في قالب شعري ،فإذا أردنا أن ننقاش نصا شعريا فسوف نناقش الأمرين معا : الفكرة والوسيلة المعبرة عن تلك الفكرة ، ولكل أمر منهما أداة أو معيار نحتكم إليه عند تقييم العمل الأدبي ، والمعيار الخلقي أو الدين هو معيار الحكم على الفكرة أما الوسيلة فالدين أو المعيار الخلقي بمعزل عنها ، فالمعيار الخلقي مجاله الفكرة أما الوسيلة المعبرة عن هذه الفكرة فمعيارها القوانين اللغوية من نحو وصرف وبلاغة وفصاحة .
وفي حقيقة الأمر يصعب الفصل بين الأمرين في كثير من الأحيان ، ولكن من الممكن أن نضع قواعد نسير عليها :- فالفكرة إذا كانت تحمل الكفر وتدعو إليه أو تدعو إلى الفواحش بأسلوب لا يحتمل التأويل ،فيجب التعامل معها كفكرة مجردة اتخذت الفن الأدبي وسيلة وهي في الواقع أبعد ما تكون عن الأدب ،فالأدب وسيلة لتربية النفس وتهذيبها .
- إذا كانت الفكرة في أصلها مقبولة شرعا وعرفا كحب الوطن مثلا ولكن احتوت على تعبيرات مخالفة للعقيدة مثل قول شوقي
وَطَــــني لَو شُـــغِلتُ بِالــخُلدِ عَـــنهُ
نازَعَــتني إِلَــيهِ في الــــخُلدِ نَفـــسي
فهذا يحمل على المبالغة ، ويؤخذ على الشاعر أنه أساء التعبير عن حبه لوطنه
فيجب علينا ان نحاكم الفكرة العامة بمعيار الخلق والدين ، وإذا أساء المبدع التعبير عن فكرته نؤاخذه وننتقده .
وخلاصة الأمر أن الدين لا يدخل في تقييم الشعر كوسيلة لغوية ولكن هو المرجع الوحيد في الحكم على الفكرة في أية صورة جاءت