ملامح بلاغية من سورة الفاتحة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: ملامح بلاغية من سورة الفاتحة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    32

    افتراضي ملامح بلاغية من سورة الفاتحة

    الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, أما بعد؛
    تسميتها:
    فأما تسميتها فاتحة الكتاب, فقد ثبت في السنة في أحاديث كثيرة منها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) (متفق عليه).
    وفاتحة مشتقة من الفتح, وهو إزالة حاجز عن مكان مقصود, وتستعمل في معنى أول الشيء تشبيهًا للأول بالفاتح؛ لأن الفاتح للباب هو أول من يدخل.
    ومعنى فتحها الكتاب أنها جُعلت أول القرآن لمن أراد أن يقرأ القرآن من أوله, فتكون فاتحة بالجعل النبوي في ترتيب السور.
    - وأما تسميتها "أم القرآن" و"أم الكتاب" فقد ثبت في السنة: كما في صحيح البخاري أن أبا سعيد الخدري رقى ملدوغـًا, فجعل يقرأ عليه أم القرآن.
    ووجه التسمية بـ"أم القرآن" أن الأم يطلق على أصل الشيء ومنشئه, وفي الحديث: (مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهْي خِدَاجٌ) (رواه مسلم), وذكروا أوجهًا لذلك فقالوا:
    1- إنها مبدؤه ومفتتحه, فكأنها أصله ومنشؤه, يعني أن افتتاحه هو وجود أول أجزاء القرآن قد ظهر فيها, فجعلت كالأم للولد في أنها الأصل والمنشأ.
    2- أنها تحتوي على أنواع مقاصد القرآن, وهي ثلاثة أنواع:
    - الثناء على الله لوصفه بجميع المحامد, وتنزيهه عن جميع النقائص, ولإثبات تفرده بالإلهية, وإثبات البعث والجزاء, وذلك من قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة:2-4).
    - الأوامر والنواهي من قوله: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5).
    - الوعد والوعيد من قوله: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:7).
    3- أنها تشتمل على جملة معاني القرآن من الحِكَم النظرية, والأحكام العملية؛ فإن معاني القرآن إما علوم تقصد معرفتها, وإما أحكام يقصد منها العمل بها.
    - فالعلوم كالتوحيد, والصفات, والنبوات, والمواعظ, والأمثال, والحكم, والقصص.
    - والأحكام إما عمل الجوارح, وهو العبادات والمعاملات, وإما عمل القلوب, أو العقول, وهو تهذيب الأخلاق وآداب الشريعة, وكلها تشتمل عليها معاني الفاتحة.
    - وأما تسميتها السبع المثاني فهي ثابتة في السنة: ففي البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِي السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ).
    ووجه التسمية أنها سبع آيات باتفاق القراء والمفسرين، وأما وصفها بـ"المثاني", فهو جمع مثنى, أي أنها تثنى في كل ركعة, أي: تضم إليها السورة في كل ركعة.
    - وقيل: لعل التسمية بذلك كانت في أول فرض الصلاة, فإن الصلوات فرضت ركعتين, ثم أقرت صلاة السفر, وأطيلت صلاة الحضر كما ثبت في حديث عائشة -رضي الله عنها- في الصحيح.
    - وقيل: لأنها تـُثنى في الصلاة أي: تكرر, فتكون التثنية بمعنى التكرير, وذلك كقوله: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) (الزمر:23), أي: مكرر القصص والأغراض.
    هذه السورة وضعت في أول السور؛ لأنها تنزل منزلة ديباجة الخطبة, أو الكتاب مع ما تضمنته من أصول مقاصد القرآن كما سبق, وفيها براعة استهلال لبيان ما يتضمنه القرآن.
    البسملة:
    اسم لكلمة "باسم الله" وصيغ هذا الاسم من حروف الكلمتين "باسم" و"الله" على طريقة تسمى النحت, وهو صوغ فعل ماضٍ على زنة "فعلل" مكونة من حروف جملة, أو مركب إضافي اختصارًا عن ذكر الجملة كلها لقصد التخفيف, وذلك مثل "عبشمس" من عبد شمس, و"عبدري" من عبد الدار, و"حضرمي" من حضر موت, ومنها "سبحل" من سبحان الله, و"هيعل" من حي على الصلاة, و"حوقل" من لا حول ولا قوة إلا بالله.
    البسملة سُنت عند ابتداء الأعمال الصالحة: وقد حكى القرآن قول سحرة فرعون عند شروعهم في السحر بقوله: (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) (الشعراء:44)، وذكر صاحب الكشاف أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في ابتداء أعمالهم باسم اللات والعزى.
    وقال الأستاذ محمد عبده: "إن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم, فجاءت فاتحة كتاب الإسلام بالرد عليهم بأن الإله واحد, وإن تعددت أسماؤه, فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات".
    "باسم الله": الاسم لفظ يدل على ذات أو معنى, وهو مشتق من السمو, وهو العلو والرفعة.
    "الله": لفظ الجلالة علم على ذات الخالق تفرد به –سبحانه-, ولا يطلق على غيره, ولا يشاركه فيه أحد.
    قال القرطبي -رحمه الله-: "هذا الاسم أكبر أسمائه -سبحانه- وأجمعها, حتى قال بعض العلماء إنه اسم الله الأعظم, ولم يتسم به غيره, ولذلك لم يُثن ولم يجمع".
    فهو الاسم الجامع لصفات الإلهية, المنعوت بنعوت الربوبية, وفي الكلام حذف تقديره باسم الله أتلو أو أقرأ, وهذا الحذف له فائدة, وهي صلوحية البسملة ليبتدئ بها كل شارع في فعل.
    والباء في باسم للملابسة, وهي المصاحبة, وهي الإلصاق, وهي تعني زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء الفعل لاسمه -تعالى-.
    (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): صفتان مشتقتان من الرحمة, والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان, وهذا المعنى غير لائق بالله -عز وجل-, ومذهب السلف أنها صفة قائمة بذات الله -تعالى-, لا نعرف حقيقتها, وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان.
    - و(الرَّحْمَنِ): بمعنى عظيم الرحمة؛ لأن "فعلان" صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته, ويلزم منه الدوام.
    - (الرَّحِيمِ): بمعنى دائم الرحمة؛ لأن صيغة "فعيل" تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف.
    فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة, أو أن الرحمن صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة والإحسان, والرحيم صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإحسان, وتعديهما إلى المنعم عليه.
    - فلفظ الرحمن لم يذكر في القرآن إلا مجرى عليه الصفات, كما هو الشأن في أسماء الذات. قال -تعالى-: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه:5).
    - أما وصف الرحيم فقد كثر استعماله وصفـًا فعليًا, وجاء في الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (البقرة:143) (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِين َ رَحِيمًا) (الأحزاب:43).
    (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): (الْحَمْدُ) هو: الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.
    (رَبِّ الْعَالَمِينَ): أي مالكهم؛ إذ الرب مصدر "ربه يربه" إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئًا فشيئًا درجة الكمال, وهو اسم من أسماء الله -تعالى-, لا يطلق على غيره إلا مقيدًا, فيقال: "رب الدار" أي: صاحبها، والرب في كلام العرب له معانٍ ثلاثة: السيد, المطاع, والرجل المصلح للشيء, والمالك للشيء, فربنا -جل ثناؤه- السيد, المطاع في خلقه, والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه, والمالك الذي له الخلق والأمر.
    - و(الْعَالَمِينَ) : جمع عَالَم وهو كل موجود سوى الله, قال القرطبي: "وهو مأخوذ من العلم والعلامة؛ لأنه يدل على موجده".
    - وافتتحت السورة بهذه الجملة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)؛ لأنه -سبحانه- أول كل شيء, وآخر كل شيء, ولكي يعلمنا أن نبدأ كتبنا, وخطبنا بالحمد والثناء عليه, فالآية قررت ثبوت الثناء المطلق لله -تعالى-, وأنه ليس لأحد أن ينازعه إياه, وجملة الحمد لله مفيدة لقصر الحمد عليه نحو قولهم: الكرم في العرب.
    - و"ال" في الحمد للاستغراق, أي: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين, وإنما كان الحمد مقصورًا في الحقيقة على الله؛ لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه, ومرجعه إليه, فهو الخالق لكل شيء, وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم فهو في الحقيقة حمد لله؛ لأنه -سبحانه- هو الذي وفقهم لذلك, وأعانهم عليه.
    - ولم تفتتح السورة بصيغ الأمر بأن يقال: "احمدوا الله"؛ لأن الأمر يقتضي التكليف, والتكليف قد تنفر منه النفوس أحيانًا, فأراد -سبحانه- وهو يبادئهم بشرعة جديدة أن يؤنسهم, ويؤلف قلوبهم ترفقـًا بهم, حتى يديموا الإصغاء لما سيلقيه عليهم من التكليف.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    96

    افتراضي رد: ملامح بلاغية من سورة الفاتحة

    جزاك الله خيرا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    1,268

    افتراضي رد: ملامح بلاغية من سورة الفاتحة

    الحمدالله رب العالمين

    بوركتـم
    ]قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له"

    قلبي مملكه وربي يملكه>>سابقا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    32

    افتراضي رد: ملامح بلاغية من سورة الفاتحة

    وفيكم بارك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •