وهج القناديل..
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: وهج القناديل..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    20

    افتراضي وهج القناديل..

    باسم الله الرحمان الرحيم.

    تشكراتي القلبية
    دب العياء في جسم الفتى وألح عليه النوم الذي ظل يداعب أجفانه منذ وطأت قدماه درجالحافلة. استوى على المقعد الخلفي جهة اليمين مما يلي النافذة، ودس رأسه بين ذراعيهالمتشابكتين معتمدا على ظهر المقعد أمامه. بدا وكأنه في سبات عميق من دون أن يأبهلأزيز المحرك المتواصل ولا لهذه الحرارة المفرطة التي تكاد تخنق الأنفاس، أنفاس كتلمن البشر أضناهم طول الرحلة فأخذ منهم التعب كل مأخذ، وغسل صبيب العرق وجوههموأعناقهم. ساد المكان صمت رهيب كصمت المقابر كسره صوت محتد ندَ عن رضيع في حضنامرأة، ما فتئت رغم سطوة الحر تهدهده في رفق وتلقمه حلمة ثديها محاولة تهدئتهوإجبار خاطره. لم يجد ذلك فتيلا، توالى صياح الرضيع دون انقطاع حتى ضج منه شيخ قابعفي مقعد خلف المرأة يسار الحافلة. بدا الانزعاج مرسوما على جبهته المربدة، انتفض منمكانه مستشيطا غضبا معتمدا على كتف شاب يجاوره فسدد إلى ظهر المرأة لكزة مدوية ثمطفق يلوح بيمناه في عصبية لاغطا بلهجة مغربية ملتوية: "أطبقي بكفك على فمه أو القيبه من النافذة فتريحينا من صخبه المزعج!" كذلك قصف المرأة بنيران لسانه البغيضواستوي على مقعده وفرائصه ترتجف من هرم لائكا بصوت مبحوح: "الويل لهذا المغربالسائب.. سبع وثلاثون سنة من عمر هذه الحضارة التي ما فتئت تطرق أبوابهم بلا جدوى.. وحوش قذرون.." طن هذا القذف في أذن الفتى طنينا كاد يمزق طبلتها ويخترق جدارها. كانفي ذروة أحلامه محلقا في أجواء تلك الربوع التي ودعها بجسمه دون روحه، وكيف لا وقدنسج على بساطها أحلى لياليه، وفضاؤها الذي يعبق بأريج الذكريات لا يزال يداعبخواطره ويستفز جوارحه. فمن معين تلك الربوع نهل ومن زلال منابعها ابتلت عروقه، ولمتكن المتاعب التي تقاذفته رياحها الهوجاء لتثنيه عن عزمه أو تفل من شعاع ضميره، بلظل صامدا قوي الشكيمة جلدا صلب العزيمة. ما يزال يجتر ذكرياته بتلذذ لولا زعيق هذاالخنزير الأجلف الذي آذى منه السمع على حين غرة لينكأ بتوجهه العنصري البغيض جراحالم تندمل. لقد فطن لمصدر الصوت وصاحبه وأدرك بما جبل عليه من سرعة بديهة وسلامة حسما يرمي إليه ذلك الشيخ الناقم الذي حقن المرأة بسم لسانه. رفع الفتى رأسه من بينذراعيه وأداره يسرة صوب الرجل فرمقه بنظرات وشت بما يعتمل في صدره من حيرة وغضب. طرق خاطره فصل من حديث الذكريات مع ميسيو ريز أستاذ الرياضيات بثانوية المولى إدريسحيث درس الفتى . وعلى الرغم من سلاطة لسان المدرس لم يكن الفتى الوسيم يتوانى فياستفزازه بشجاعة استفزازا جر عليه جملة من متاعب.. راح يجتر جانبا من هذه الخواطربقلب حسير ونفس جريحة وعيناه الطافحتان بشرارة الغضب لم تبرحا الشيخ الغاضب ولالسانه كف عن تأنيبه في صمت: "أنت وميسيو ريز من فصيلة واحدة.. كلاكما فرع من شجرةخبيثة، ولئن شق اجتثاثها من تحت الأرض فمناشيرنا جاهزة في درب صفيفح بفاس وحومةسيدي بوكيل بقصبة تادلة لفصلها من الساق" ثم التفت صوب أم الرضيع: لا عليك أيتهاالمسكينة، فلن تغفر وداعتك وضعفك لهذا الوحش جبروته وركوب رأسه. ثم ابتلع ريقه ومدد رأسه إلى خلف متنهدا في أسف عميق. كان الشاب الجالس يمين الشيخيتابع حركات الفتى ويتفرس في عينيه الشاخصتين بكثير من الاهتمام وكأنه يستطلع ماتنطق به حالهما من انفعال يتأجج في النفس كاللظى. لقد ظل يساير أطوار الحادث الذياستهدف المرأة ولم يحرك ساكنا ولا أبدى امتعاضا حين رأى الحمامة تذل وتهان بغيرجريرة. كان جل همه أن يجيل بصره بين المرأة المنكل بها وبين الفتى يتجرع زعاف ماعاين وسمع، وأكثر ما هاله من أمره ذلك التنهد الصاعد من الأعماق كحمم بركان، وسرعانما افتر فوه عن ابتسامة تحمل أكثر من معنى حين رآه يستسلم لغفوة ألمت به. وبعدهنيهة انفرجت عينا الفتى على إيقاع يد تربت على كتفه فارتسم على وجهه بعض الانفعالوهو يحملق في الرجل المنتصب أمامه كالسارية، وكانت الحافلة قد توقفت عند مشارفمدينة خنيفرة لطارئ. قال الرجل وقد اعتمد بيمناه على ركيزة من حديد:
    ـ معذرةسيدي إذا كنت قد عكرت عليك الصفو بالإجهاز على أحلامك وإيقاف لذيذ نومك..
    لميطمئن الفتى للرجل يختال في بزة زرقاء ازدانت بأزرار ونياشين نحاسية، ومن حزامهالجلدي يتدلى مسدس لف في غشاء. كان في حدود الثلاثين من عمره، طويلا في غير إفراط،ذا جسم ضامر تضيء في وجهه عينان خضراوان. لم يعرف الفتى أي تيار جارف ألقى به فيغياهب عالم من الأوهام، ولكن سرعان ما جنح بخياله هاتكا حجب تلك الأوهام، محلقا فيأجواء أنفس الذكريات، فراح يستعيد أطوار آخر نشاط له في جامع القرويين توج به زادانفيسا ما يزال مختزنا في وجدانه، تذكر مشاركته بالأمس في التجمع الاحتجاجي الذينظمه أساتذة القرويين وطلبتهم إحياء للذكرى السادسة لإبعاد ثلة من رموز الوطنيةوإجلائهم عن وطنهم.وتذكر كيف كان في مقدمة السيل العارم مرفوعا على سواعد المحتجينالذين ارتفعت حناجرهم بالتهليل والتكبير. والحق إن اليوم كان مشهودا جسد فيه حضورهكل مقومات الشخصية الفذة التي صقلت مواهبها في رحاب ثانوية مولى إدريس وجامعةالقرويين. انتابه هاجس سرى في جسمه كالتيار لما استحضر جملة من الشعارات المناوئةلسلطة الحماية القائمة، وكان لا يتورع في ترديدها غير مبال بالعيون المنبثة هنالك،بيد أن ما جبل عليه من جرأة وتحد وما عهد فيه من رباطة جأش، كل ذلك أملى عليه أنيتمالك نفسه في مثل هذه الظروف الحساسة. نفض عن كاهله غبار الأوهام وما أوحت به منمعاناة في الأقبية المعتمة ومكاتب الاستنطاق، واستبعد أن يكون مستهدفا فرد علىموقظه ومزعج أحلامه:
    ـ كيف يتسنى للنوم أن يطيب والأحلام أن تلذ داخل هذا الحمامالساخن؟ أما أحرجك العرق يغسل وجهك وسائر بدنك؟
    صدرت عن الرجل ابتسامة تمج سخريةوتقطر استعلاء، إذ لمس في كلام الفتى بعض التحدي لسلطته والتطاول على شخصه، لكنه لميجد من عزاء يعيد إليه اعتباره سوى أن رد في لهجة مستخفة تضمر سخطا وتبرما:
    ـعلى أي فهذه بلادكم وأنت مواليها.. حرارة ملهبة صيفا وبرد قارص شتاء..
    تعمدالفتى أن يجاريه فأجاب على التو مصعدا من لهجته:
    ـ ومن أرغمكم على البقاء فيهايا هذا؟ نحن هنا وأنتم هنالك فيما وراء البحر! أليس البحر يحجز بيننا وبينكم؟
    لميستطب الضابط هذه الجرأة الموسومة بالتحدي لأنها روعت نفسه كالصاعقة، ورام التظاهربشيء من الهدوء تخالطه استهانة فطلب منه ما يثبت هويته من وثائق...
    كان الفتى فيشغل شاغل غير عابئ بالضابط يتفحص الوثيقتين، إذ سرعان ما سرح ببصره عبر زجاجالنافذة يتملى في رحاب هذا العالم الرحب الذي لا تحده العين؛ فهذه النجود تجللهاأشجار البلوط ونبات الحلفاء والسدر، وهذه الوهاد المحصنة بعواتي الصخور انبثت فيهاالآجام التي اتخذت منها الأسد عرانين تأوي إليها، وجعلت منها الذئاب والثعالب جحوراتهرع إليها. سكنت الحركة وساد منطق الهدوء حتى الطيور التي كانت تصدح في أول النهاراحتمت في أوكارها اتقاء حمَارة القيظ، ولم يعد يسمع من الأصوات إلا أزيز بعضالحشرات الذي يزداد حدة كلما احتد الهجير. ظل الفتى في أوج التملي بروعة ها المشهديغمر سائر وجدانه حين بادر الضابط مستفسرا عما يعنيه الاسم المثبت على ظهر بطاقةالتعريف! أدار الفتى رأسه على مهل صوب الرجل في استهانة دلت عليها حركات عينيهالشاخصتين المستفسرتين في رزانة كأنما يقول له: لم أفهم قصدك! ثم خاطبهمتسائلا:
    ـ لم تجشم نفسك عناء البحث عن طبيعة الاسم؟

    أجاب ساخرا
    ـ لأنه بدا لي غريبا وغير مألوف في أوساطكم كأحمد والعربي!
    أبدى الفتى انشراحا ورد مستنكرا:
    ـ وما وجه الغرابة في "بدر" ألا يعني ذلك الكوكب الذي يشع بنوره في هذه الأرجاء فيبدد ظلمات الليالي الداجية؟ (وهو يشير ببنانه إلى ما وراء النافذة)
    قال الدركي وهو يلامس شاربه الكث:
    ـ اسمك يعني القمر إذن؟ (ثم واصل وعيناه تجوسان في الوثيقة الثانية) لو تفضلت بفك هذه الرموز المستعصية!
    أجاب بدر من دون مبالاة بالرجل يعيد إليه الوثيقة:
    ـ إنها شهادة تقدير من إدارة القرويين!
    ندت عن الضابط ابتسامة باهتة لم تنفرج لها شفتاه وقال:
    ـ وما شأنك أنت والقرويين؟ ألست طالبا بثانوية مولاي إدريس كما هو مثبت على ظهر بطاقتك؟ على أي لم تتعب نفسك وتحملها ما لا يطاق؟
    ـ كيف ينال مني التعب في تلك الأجواء التي تسخو وتجود؟
    وتساءل الضابط باستغراب:
    ـ تسخو وتجود؟ بماذا؟

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    20

    افتراضي رد: وهج القناديل..

    ـ بما تمدنا به من الطاقة! إن بدرا ليستمد نوره من فضاء تلك الأعتاب التي يجد فيها الجريح ما يضمد جروحه ويخفف أوصابه ومتاعبه..
    عاد الوسواس يدغدغ ما بين جوانحه حين حلق بخياله إلى الوراء، فذكر كيف كان يناوش بعض زملائه التلاميذ من الفرنسيين أو بعضا من الأطر الإدارية العاملة في المؤسسة، فتراه يلح في استفزاز مشاعرهم وإثارة حفيظتهم بدعاباته المشربة بسخرية لاذعة، قال لأحدهم مرة: " لم تركتم بلادكم ونزلتم في أرضنا كالجراد؟ كيف سيكون موقفكم لو داهمنا نحن بيوتكم وصرنا أوصياء على مأكلكم ومشربكم وضابطين حركاتكم وسكناتكم؟ فهل يرضيك هذا يا سليل الغرباء؟" وذكر كيف أثار هذا الاستفزاز عواصف من الاعتراض والتنديد حركت في نفوس بعض المندسين في صفوف الطلبة كل نوازع الشر، فكانت السعاية وتعاقبت المتاعب باحتداد الفتنة، سواء في مكتب المدير عين الحاكم والكومسير أوفي مخفر البوليس. تساءل بدر في خاطره وهو شارد يختلس النظر إلى الضابط: هل يروم هذا المخلوق إيذائي ؟ وإلا فما شأنه بالقرويين؟ وإلى ماذا يرمي بسؤاله هذا الذي يعدم براءة "لم تتعب نفسك وتحملها ما لا يطاق؟" لا لا أعتقد أنه يضمر لي مكروها أو يبيت شرا، ولو كان الأمر كذلك لما توانى في الانقضاض علي وإخراجي مهانا مقرنا في الأصفاد. والحق إن بدرا لم يكن في غفلة عن تبعات مواقفه، إذ كان ذلك الهاجس يروع فؤاده ولا يبرح عقله أينما حل وارتحل، ولكن أخوف ما يخافه أن يؤذي أمه في مشاعرها إذا ما وقعت الواقعة، فيؤنبه آنئذ ضميره على ما استهان به من وصاياها الثلاث، تلك التي كانت تشيعه بها كلما حزم حقيبته وتأهب للسفر ميمما شطر عاصمة المغرب العلمية: (احذر الانزلاق في مهاوي الرذيلة والسير في مسالك الموت!.. اهتم بدروسك وجانب رفقة السوء ..) وسرعان ما انقشعت غيوم الأوهام وعاد إلى الذهن صفاؤه وإلى النفس انشراحها، فاستطرد قائلا وهو الذي أخذ على نفسه وعدا بألا يندحر أمام هذه النماذج البشرية:
    ـ وهل الانتماء إلى القرويين والنهل من منابعه جريمة؟ اللهمَ إن كان ذلك بندا من بنود شريعتكم!
    ندت عن الرجل ابتسامة افتر لها فوه واقترب من الفتى كأنما يريد أن يسر له أمرا فقال بصوت خفيض "كفاك منابع مولاي إدريس التي تسقيك الماء الزلال وأرح نفسك من منابع البلادة وبؤر الدجل!" في هذه الأثناء تراجع الضابط إلى الوراء بعد أن سلم الفتى وثيقتيه، وجعل يلوح بسبابته فيما يشبه التحذير "رد بالك يا قمر! ثم نكص على عقبيه. مافتئ بدر يشيع الرجل بنظراته احتقارا، وحاول أن يهضم ما لهج به ولم ينهضم فاكتفى بأن مقته في نفسه ثم أسند رأسه إلى خلف وهو كظيم. وقبل أن يغمض عينيه تفاجأ بالشاب الذي كان جالسا يسار الشيخ الأحدب ينتقل إلى المقعد الشاغر بجنبه ويملأه بدون استئذان مخاطبا إياه:
    ـ كيف اختارك القدر وسلط عليك ببغاوين نغصا عليك الرحلة؟
    اتسعت عينا بدر دهشة ولاح فيهما انزعاج مشوب بإنكار كأنما يقول للشاب المتطفل "خلت أنني انتهيت من أمر ببغاوين فحط بجانبي ببغاء ثالث.. لعنة الله عليكم جميعا أبناء عيسى المتمردين!
    بات بدر مترددا في أن يبقي الباب موصدا في وجه محدثه تلافيا لعواقب محتملة وإراحة للضمير أو يفسح له المجال ليصول كسابقيه؟ راح يسائل نفسه وعيناه شاخصتان في سقف الحافلة: وما أدرانا في أمر هذا الشاب الذي آثر الجلوس إلى جانبي؟ ومن عساه يكون؟ ثعبان؟! فليكن.. ولساني ميزاني نزولا عند رغبة أمي.. فكلما طاب الحديث وتشنج رسمت له حدودا ما أجدر ألا يجنح وراءها، واللبيب من عرف قدره... جزاك الله خيرا ـ سيدي أحمد الفاسي ـ لقد علمتنا أصول الحكمة والتعقل وغرست في نفوسنا فلسفة الحذر، أنت الذي لا تفتأ تردد على مسامعنا قول الشاعر:
    من استنام إلى الأشرار نام وفي ** قميصه منهم صل وثعبــــــان
    ثم التفت جهة محدثه واستفسر فيما يشبه الاستنكار:
    ـ هل أشفى الببغاء الأول غليلك؟
    تنفس الشاب الصعداء بعد أن بلغ قصده في استدراج الفتى إلى الحديث فرد كمن فكت عقدة لسانه بعد خرس:
    ـ صراحة لم ترضني شطحاته.. لقد حز في نفسي تصرفه الأرعن في حق امرأة مسالمة! ثم استطرد كالمتسائل: ولكن ما العمل؟ الرجل طاعن في السن ولا يتمالك نفسه من ارتعاش.. (قال ذلك وهم بفتح كتاب وضعه على ركبتيه)
    آثر بدر نهج هذا النوع من الحوار ليتسنى له بعد ذلك أن يجس النبض ويسبر الأغوار مجنبا نفسه مغبة الانسياق مع كل تيار جارف قد يلقي به في مزالق التهلكة، هو في غنى عنها اللحظة، ولكن إلى حين.. إلى حين تعلق وصية الأم.. حين يفرض مبدأ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    20

    افتراضي رد: وهج القناديل..

    نفسه، ثم التفت إليه بعينين شبه زائغتين وقد اكتفى بأن ردد في خاطره.."يعلم الله ما تنطوي عليه نفسك وما يتحرك في وعاء دماغك". كان الشاب منهمكا في تصفح كتابه حين داهمه بدر بسؤال ثان:
    ـ وما رأيك في الببغاء الثاني؟
    رفع الشاب رأسه مبقيا على سبابته تفصل بين دفتي الكتاب وأجاب:
    ـ لا أخفي عنك سرا فقد كان الضابط فضوليا بعض الوقت، لكن سداد رأيك وصلابة موقفك وأنت تقرع الحجة بالحجة أهزأ من شطحاته وأكثر عبثا بها.. فما أخطأ السبيل من أسماك بدرا!
    لم يجد الفتى من فائدة في التعليق على هذا الإطراء الموضوع في حكم المشبوه، فتوجه إلى جليسه مستفسرا بعد أن أثنى على نبل عواطفه كما يقتضي أدب الحديث:
    ـ وما اسم حضرتك أنت؟
    ـ أنا فيليب كمناسبة فتحدثليسي ليوطي في كازا!
    ـ أنت تقيم إذن في مدينة الدار البيضاء؟
    ـ لا، حاليا نقيم في تادلة.. ولكن لا أبرح الدار البيضاء إلا لماما لما لدي فيها من مآرب!
    وحين سأله بدر عن طبيعة المآرب اغتنمها الآخر مناسبة فتحدث بإسهاب عن نشاطه في الحزب الشيوعي وارتباطه بنقابة الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالمغرب.. وازداد بدر يقينا وهو يختلس النظر إلى الكتاب الذي يضعه فيليب على ركبتيه فيقرأ على الغلاف"نقد الاقتصاد السياسي لكارل ماركس. بيد أن اسم تادلة الذي جرى على لسانه بعثر كل أوراقه، وكان له وقع خاص في نفسه. وفي لهفة انتفضت لها جوارحه، كمن تفاجئه بكسرة خبز وهو في ذروة السغب والظمأ، ردد متسائلا في همس وهو يتفرس في محاوره بعينين منزعجتين:
    ـ تادلة؟ ألست من أقرباء السيد كوستي بائع قطع الغيار في الكانتنات؟
    رد فيليب مزهوا:
    ـ إنه أبي! فهل تعرفه يا هذا؟ (وأومأ ببنانه صوب الشيخ الناقم) وذاك الرجل غريمك يقيم هو الآخر في تادلة، ألم تسمع به هناك؟ إنه يدعى السيد باطيش صاحب ماكينة الدوم في "زمكيل"!
    اشمأز بدر من ذكر الغريم فلم يعره اهتماما ثم أجاب برزانة مشوبة بالحذر:
    ـ ومن في تادلة جميعها لا يعرف السيد كوستي التاجر والمقاول وصاحب الضيعة الحمراء..؟!
    وقاطعه فيليب معددا بعض ممتلكات أبيه: ولنا كذلك ضيعات في آيت علي ومجاط ، أما الضيعة الحمراء فهي مقر سكنانا..
    لازم الفتى بعض الصمت ساخرا من لسان محاوره المتعالي، وأشاح بوجهه صوب النافذة عن يمينه كأنما يروم تعليق الحديث والتلميح إلى الرغبة عنه، أدرك ذلك فيليب وتنبه إليه بحكم فراسته فآثر تكسير الصمت ليعيد إلى نفسه الاطمئنان ويجنبها مذلة الصد، فقال:
    ـ آن لك أن تأخذ قسطا من الراحة، فالرحلة متعبة والحديث لا ينتهي..
    جعل بدر يسبح ببصره في هذا الفضاء المترامي ونسائم الأصيل المحملة بأريج الحقول تنساب غبر زجاج النافذة فتداعب أنفه وسائر حواسه. ابتهج من ظلال الأدواح السامقة، والتلال الشامخة تانحرفت جهة السمراء هنا وهناك حتى لامست الصخور الصلدة الناتئة وأطفأت وهجها. ولاحت صوادح الطير سابحة في الأجواء كأنما تعبر عن فرحة أسير فك عقاله.. ما تزال الراحلة تجد في سيرها وقد اجتازت عوائق المنعرجات، وبدا الطريق مستويا تحاصره ضيعات المعمرين من كل اتجاه؛ فهذه ضيعة المعمر لوفراني التي لا يحدها النظر وقد انتصب منزلها ذو السقف القرميدي الأحمر وسط مزارع القمح والحنطة، وتلك جهة اليمين ضيعة "شارل" وقد بدت في شساعتها كبحر تسبح في أعاليه آلة حصاد تلتهم السنابل التهاما ولا يظهر منها سوى مقصورتها المربعة ، وهذا القطيع من البقر الهولندي الحلوب منبثا في الأرجاء يلس التبن والقش وبقايا الجذوع هادئا مطمئنا.. ما فتئ بدر يتملى عبر الزجاج في فردوسه شبه المفقود، فيعوج بنظراته على حقل يانع محاذ للطريق الرئيسي وقد اشتغلت في مركزه وجنباته رشاشات المياه، والمعمرة سالينا تتجول في أنحاء روضها العطر على صهوة حصانها. تفاجأ الركاب بالسائق يكبح جماح الحافلة على حين غرة فاسحا المجال لفلاحة مسنة تجوز الطريق، ما تزال تهرول وراء أتانها المحملة يقلل ماء مجلوب من بئر نائية.. ظل بدر مشدودا إليها عبر النافذة المشرعة، حتى إذا انحرفت جهة كوخ منتصب هناك في الأحراش عند قدم الجبل رجع إلى وضعه العادي، وضحك

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    20

    افتراضي رد: وهج القناديل..

    من ثقل الهمِ حتى اغرورقت عيناه!! في هذه اللحظة استفاق فيليب على سعلة كثغاء شاة مبحوحة ندت عن الشيخ باطيش، رفع عينيه إلى ما وراء النوافذ وهتف بغير إرادة مخاطبا بدرا السكران بغير سكر: ها هي ذي ضيعتنا! وذاك منزلنا، أنظر.. حول بدر بصره إلى حيث أشار الآخر وكانت نظراته تعكس كل معاني الخزي والنقمة، فماذا يرى؟ إقامة الضيعة الحمراء رابضة هناك ولا يكاد يرى منها إلا بعض نوافذها المشرعة وسقفها المزدان بالأجور الأحمر وسط لفيف من أشجار الليمون والزيتون والتفاح والتوت والإجاص، والكل تحصن بسياج من سوامق الصفصاف والسنديان المنتصبة في شموخ كأنها المردة..

    وجه بصره نحو محدثه ونطق في صمت مرير: تلك مزرعة لوفراني تحاذيها ضيعة شارل وحقل المعمرة سالينا، وهذه مزرعتكم وهذا مغناكم، فقد رأيت! وبآيت علي ومجاط ضيعات لكم وقد سمعت، ولكن مالي ألفاك كالحمار يحمل أسفارا؟ وإلا فما رأي ماركس وكتابه ذاك؟ وما قول نقابتكم في هذا الجشع السافر؟ (لنا هذا وهذه وتلك وهذا..) ومن أين لكم هذا؟ عجيب والله أمركم، وأغرب ما فيه لغزكم المحير! ثم تحرر من بحر خواطره وخرق حجاب وجومه مستفسرا:
    ـ ولم لا تختزل الطريق وتستأذن السائق بالنزول؟
    قال فيليب:
    ـ بل أفضل أن أزور والدي أولا فنطمئن على بعضنا كما اعتدنا، وفي المساء نروح إلى الضيعة على متن سيارتنا الخاصة..
    قال ذلك ولاح في عينيه اهتمام كأنما تعبران عن رغبة ملحة، ثم ما لبث أن تحرر لسانه من أسر التردد فاستطرد مفتعلا ابتسامة: وددت لو أتشرف بمقابلتك يوما فنواصل الحديث ونتبادل الرأي والمشورة.. أسعدني الجلوس إلى جانبك والاستئناس برجاحة عقلك وصريح قولك، أنا الذي لم أتخذ من بني جلدتي خلا ولا ندا، ولكن الصدفة خير من ألف ميعاد، فهل تمانع في أن نضرب موعدا للقاء؟
    لم يكن بدر يتوقع هذا الطلب وإن آنس من الشاب قربا لاعتبارات استخلصها وهو يجس النبض ، فانتهى بألا خطر منه يحدق، وأغلب الظن أن انتماءه النقابي وكتاب "نقد الاقتصاد السياسي لكارل ماركس الذي لا يفتأ يقلب صفحاته من حين لآخر، وأباه الشهير بالسيد كوستي في قلب حي الكانتنات، كل ذلك قمين بجعل فيليب في منأى عن الشبهات.. كان بدر يستعيد هذه الهواجس حين جذبته المساكن والبنايات متناثرات، الأمر الذي ملك عليه نفسه وجوارحه فعجل في الرد من دون حسم:
    ـ سوف نبث في الأمر ونقرر حين نصل..
    أحس بدر بلذة عارمة انفعلت لها نفسه وخفق فؤاده حين لاح أمام ناظريه وجه الحياة النائمة وراء نهر أم الربيع المنساب، شعر بشوق جرفه نحو دنياه الفسيحة الأرجاء، نحو منشأ الصبا بأفراحه وأتراحه وملتقى آله وأخدانه. كانت سطوح الدور ـ كما يعاينها جميع الركاب ـ متلاصقة والدروب ضيقة تستقيم وتنحرف ثم تعلو وتنخفض وهي تعزف نغمتها الرتيبة وتجتر طقوسها المعهودة وتكتوي بلظى عزلتها. وفيما وراء ذلك السور العتيق ـ سور القصبة الإسماعيلية ـ بدا حي الكانتنات في كامل أبهته وأوج نخوته، شوارعه الرحبة تمتد في نظام متناسق وقد اصطفت على جنباتها سامقات النخيل فأضفت باخضرار جريدها حلة زاهية على المكان. وتلك المغاني كما تلوح من وراء الزجاج تكللها تيجان من قرميد أحمر وأخضر وتحفها أسوار من إسمنت تدلى منها اللبلاب والياسمين، وبين هذا وذاك لاحت مئذنة شاهقة في قلب المدينة، وغير بعيد عنها مئذنتان أثريتان قامتا بين أسوار القصبة الإسماعيلية.
    غير بعيد عن متجر السيد كوستي بائع قطع الغيار وقف بدر وفيليب ـ وكانت الحافلة قد وصلت نقطة النهاية بعد لأي ـ واندمجا في حديث ثنائي. كان فيليب يتكلم والبشاشة تعلو محياه، وقد بدا بقامته المائلة إلى قصر ممتلئ الجسم بض اليدين، ازدان وجهه الأبيض بعينين عسليتين وأنف قرمزي، ولحيته السوداء المشذبة بعناية تغطي سائر الوجه ولم يبد أثر لشفتيه اللتين غرقتا في شعر اللحية الكثيفة والشارب الكث، وآية ذلك كله شعر أسود ناعم انسدل حتى وارى قذاله. وأما بدر فقد أسند ظهره إلى عمود كهربائي وشبك ذراعيه إلى صدره وحقيبته الجلدية بين ساقيه. كان زيه حقا مواتيا بشرته المائلة إلى سمرة، إذ أخذ يرفل في قميص صيفي أبيض شفاف أبانت فرجته عن شعيرات تناثرت في صدره، وسروال أزرق داكن وحداء أسود لامع. كان شعره الفاحم متموجا لصلابة شعيراته وقد مشطه إلى خلف فلاح من الوجه الحالم عينان سوداوان اتسعت حدقتاهما. كان الجو في هذه اللحظة لطيفا تتخلله من حين لآخر نسائم ساخنة تندر بليلة ليلاء، وجعل الظل يزحف رويدا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    20

    افتراضي رد: وهج القناديل..

    رويدا حتى كاد يغطي واجهات المتاجر والمخابز والحانات وصالونات الحلاقة والخياطة وأبراج الكنيسة منذرا بالغروب. قال فيليب وقد ارتسمت على وجهه سمات الاطمئنان:
    ـ اتفقنا إذن، سوف نلتقي يوم الأحد في بار مدام جورج!
    اضطرب بدر فعلا لهذا الموعد أول الأمر اضطرابا شديدا حتى كاد يلغيه، فهو لم يعتد أصلا الدخول إلى البارات، لذلك اضطرب خاطره لا رغبة عن الموعد وصاحبه بل أراد أن يبقى كل تواصل لمحض الصدف، ولكن لأمر ما رد وهو يمد يده مودعا:
    ـ فليكن بعد غد السبت..
    **تحرك بدر في بطء يقطع الشارع الطويل حتى انتهى عند مقر قيادة الحاكم "لاكومب". جد في مشيه وهو يعبر الطريق الإسفلتي الترب إلى حي سيدي بوكيل.. صادف في طريقه وجوها كثيرة من معارفه وجيرانه في الحي، وأبرزهم الحسين الدباغ يقود دراجته العتيقة ويحمل على مؤخرتها ما أعد من جلود غنم مدبوغة، وعرضها على بعض زبائنه النصارى في حي الكانتنات. وصل الفتى إلى زنيقة اليهود وانعطف عن يسار أفضى به إلى ساحة السوق، وكانت فسيحة ترباء شبه فارغة إلا من حلقة شعبية أمها سكان الحي والأحياء المجاورة لتزجية الوقت. كانت الحركة والنشاط يحتدان في الساحة طيلة يوم الإثنين فيكتظ السوق عن آخره بما يعرض في كل أنحائه من ضروب السلع، تغزوه جحافل البدو الرحل من القرى والدواوير المجاورة لبيع سمن أو زرع أو شاة، ومن ثم ابتياع ما يكفي لمدة أسبوع من سكر وشاي وشموع، ولا يهدأ فيه تيار السابلة إلا قبيل الغروب. اصطفت في جنبات الساحة المستطيلة خربات من قصدير وحوانيت أعدت أصلا كمتاجر للتبضع، وفي الجانب الآخر أقيم المسجد الأعظم تعلوه صومعته السامقة المشرفة على سطوح دور حي سيدي بوكيل والزرايب وأكواخ حي المرس ومغاني الكانتنات الأنيقة. حول بدر بصره إلى ما وراء ساحة السوق غربا مجيلا إياه في الأزقة الضيقة ودروبها الملتوية التربى، وهذه البيوت المتلاصقة في غير نظام وقد تناسلت كالجراد وتفطرت بعض حيطانها المشرفة على الوادي، وبين الحي والوادي جثا ضريح سيدي بوكيل أبيض كالحمامة، تعلوه قبة مستديرة تطل على النهر وقد ازدان قطرها بثلاث كويرات نحاسية شدت إلى بعضها في هيئة عمودية. لم تلبث عينا الفتى أن استقرتا في ساحة العنطيز، تلك الضفة التي فوق رمالها عبث وتسلى ولها، وفي أغوار النهر المنساب سبح وغطس ومن على قمة تلك الحصيدة أو الربوة الشاهقة قفز فأثارت حركاته البهلوانية، قبل أن ينغمس في أعماق النهر، إعجاب خلانه ورفاق طفولته.. ومن كمثل "دينا" اليهودية الوديعة والجارة بالجنب، حاز السبق في الإعجاب؟ تذكر وهو يتملى في هذه المعالم الخالدة ما تجرعه من مرارة في سبيل دينا!
    وهذا الغاب الملتف بأشجار الصفصاف يجذب بصره جذبا فيثير فيه إحساسا كادت نفسه تنفطر من جراء إيلامه.."يا إلهي، هل أنت محاسب مخلوقك الضعيف على كبوات صباه وأفراسه؟" ومهما يكن فقد أثار منظر الغاب في نفسه ذكريات ما فتئت تربض في وعيه الباطن كالبركان لا يلبث يثور مهما طال به الرقاد.. حلقت حوله أطياف الأيام الخوالي ... والحق إن هذه الزلة كلفته أبهظ الأثمان؛ إذ ما نزل عليه من العقاب في بيت أبويه كان أفدح وأفظع، على جسده الذي زخرفه السوط حينا وبطنه الذي بات على الطوى آونة إلا من كسرة خبز وجرعة ماء لا تبل غلة، وقد ألقي به في المربط فكان رابع البغلين والحمار وراء حائط ربضت خلفه النعاج. وإن ينس فلن ينسى غداة ألقى به أبوه في جوف"الطارمة" مخزن الحبوب فقضى يومه في ظلمة كجوف كهف حتى كادت رائحة الشعير الحائل تخنق أنفاسه، وأما الحشرات السارحة في كثبان القمح فلم تشفع له هي الأخرى زلته، إذ أذاقته فنونا من اللسع قضت مضجعه.. ولم يمض غير شهر على حادث دينا حتى عاود عبثه الطفولي، وكان الضحية هذه المرة حيزون ولد رحمة اليهودية الشقيق الأصغر لدينا، فقد اختلى وصحبه به في ساحة العنطيز وأصروا على ختانه كما زين لهم خيالهم القاصر، فنزعوا تبانه وباشر بدر مهمته مجسدا دور خالي إسماعيل الحلاق، بيد أن هذا الأخير كان يستعمل مقصا كبيرا من القصدير السميك كلما استدعي لختان صبية الحي، بينما استعمل بدر قطعة من حديد صدئة أحدثت جرحا غائرا في قلفة اليهودي فولى إلى بيت دويه ينزف دما...واستعاد من الذكريات ما كانت في إبانها مضحكة مسلية وأمست مع مر الزمان مخجلة مبكية، ذكر وهو سيد الفرقة وزعيمها بلا منازع يوم كان يشرف على طابور العصر كما كان يسميه، يحافظ على نظام جنوده، من صفوة رفاقه وخلانه، ويحرص على كبح جماح كل متنطع خرق الحدود فيه.. فهذا عمر ينتظر دوره على أحر من

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •