ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..
عيد فطر مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    404

    افتراضي ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

    بسم الله الرحمن الرحيم
    أيها الإخوة ,
    دائماً ما تتردد في ذهني هذه المسألة , خاصة عند نظمي القريض , أو نقده لشخص يطلب مني ذلك ..
    وهي مسألة سبّ الدهر , وقد ناقشت فيها كثيراً من الإخوة , ولم أصل لنتيجة مرضية مريحة , بل كلّ نتيجة أصل لها يكون في النفس منها شيء ..
    في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ((قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر ، أقلب الليل والنهار)).
    وقد عرفت -من قديم- أن هناك تفصيلاً يمكن إيراده وقد ذكره الشيخ ابن عثمين, وهو:
    - سب الدهر , وهو محرم بنص الحديث .
    - اعتقاد أن الدهر هو مسبب المكروه وهذا شرك أصغر .
    - ذكر الخبر المحض دون اللوم , فهو جائز بنص الآية "هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ " وقوله تعالى : " فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ " وقوله تعالى : " فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ", وقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : " سنوات خداعات ".

    فإذا خلصنا من ذلك يبقى الإشكال الذي هو : أني وقفت على كثيرين أنكروا على الشعراء وصف للدهر بالخيانة أو النقيصة , ومن ذلك ما ورد في عند القرطبي :
    ((يا عاتب الدهر إذا نابه :: لا تلم الدهر على غدره
    الدهر مأمور , له آمر :: وينتهي الدهر إلى أمره
    كم كافر أمواله جمة :: تزداد أضعافا على كفره
    ومؤمن ليس له درهم :: و يزداد إيمانا على فقره
    وروي أن سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيرا ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال : إياك يا بني وذكر الدهر ! وأنشد :
    فما الدهر بالجاني لشيء لحينه :: ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا
    ولكن متى ما يبعث الله باعثا :: على معشر يجعل مياسيرهم عسرا
    وقال أبو عبيد : ناظرت بعض الملاحدة فقال : ألا تراه يقول : " فإن الله هو الدهر " ؟ فقلت : وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر , بل كانوا يقولون كما قال الأعشى :
    إن محلا وإن مرتحلا :: وإن في السفر إذ مضوا مهلا
    استأثر الله بالوفاء وبالعد :: ل وولى الملامة الرجلا
    قال أبو عبيد : ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب ; حتى ذكروه في أشعارهم , ونسبوا الأحداث إليه .
    قال عمرو بن قميئة :
    رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى :: فكيف بمن يرمى وليس برام
    فلو أنها نبل إذا لاتقيتها :: ولكنني أرمى بغير سهام
    على الراحتين مرة وعلى العصا :: أنوء ثلاثا بعدهن قيامي
    ومثله كثير في الشعر . ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه , والله سبحانه الفاعل لا رب سواه )) ا.هـ
    مع أن الدهر كما فسره بذلك مجاهد رحمه الله , فقال في تفسير الآية "وما يهلكنا إلا الدهر" (قال : يعني السنين والأيام ) , وقال قتادة : (العمر) , وذهب القرطبي إلا أن المعنى واحد . (تفسير القرطبي).
    كما ذهب إلى ذلك أهل اللغة .
    فإن كان الدهر هو اليوم فكيف التوفيق بين ذلك وما ورد في ذم اليوم في الآية "يوم عصيب" والذم كما هو معروف إلحاق النقيصة بهذا المراد ؟!.
    ويدلّ على أن الدهر هو اليوم , ما جاء في الحديث المرفوع الذي رواه جرير بن عبد الله البجلي : ((صوم ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر ، الأيام البيض : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة)).
    فظهر أن الدهر هو الزمن الطويل [على أحد التفاسير] واليوم جزء من الزمن !.
    وقد ورد في شعر الشافعي -رحمه الله- :
    دَعِ الأَيَّامَ تَغْدِرُ كُلَّ حِينٍ :: فما يغني عن الموت الدواءُ
    وإن كان الأمر على فرض ما ذكره البعض من أن "النهي عن سب الدهر ليس على إطلاقه بل على اعتبار الاعتراض على ما يحدث فيه من أحداث فتضاف للدهر فيسب ويشتم" (شبكة أنا المسلم).
    فأقول : لم أقف على أحد قال بهذا القول , ثم إن تفصيل الشيخ ابن عثيمين موضح للمسألة .
    وأما توجيه الأخ لكلام النووي رحمه الله -وهو:((قال العلماء: وهو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون يا خيبة الدهر ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" أي لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها. وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى، ومعنى فإن الله هو الدهر أي فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات والله أعلم))- فغير مستقيم ؛ لأن النووي فرق بين السبب والمسبب, وأخونا لم يفرّق , وظاهر كلامه دالّ أنه أمرٌ آخر لا علاقة له بالأمر .

    وفي المعنى السابق أن الدهر هو الزمن والأبد , وقد ورد ما يحتج به أن من معاني الدهر : الدنيا , قال الفرزدق :
    فإِني أَنا الموتُ الذي هو نازلٌ :: بنفسك، فانْظُرْ كيف أَنْتَ تُحاوِلُهْ
    فأَجابه جرير:
    أَنا الدهر يُفْني الموتَ, والدهر خالدٌ ::، فَجِئْني بمثلِ الدهر شيئاً تُطَاوِلُهْ
    قال الأَزهري: جعل الدهر الدنيا والآخرة لأَن الموت يفنى بعد انقضاء الدنيا. (لسان العرب).
    فإذا تقرر هذا , فكيف نوفّق بينه وبين حديث : ((الدنيا ملعونة , ملعون ما فيها ...)) وقد حسنه الألباني رحمه الله , وسبقه جمع من العلماء .
    فيما يظهر تعارض بين هذا الحديث وحديث "يؤذيني ابن آدم" , لأنه كما قلنا أن الدنيا من معاني الدهر !
    كما أن من مشتقات الدهر : الدهارير , ومن معانيه الشدة والصعوبة , قال الشاعر :
    إياهم الأرض في دهر الدهارير..
    وهي بمثل معنى الآية "هذا يوم عصيب"..
    * * *
    فهل من أحد يحلّ لي هذا الإشكال الذي طالماً تهت فيه , وبحثت كثيراً فلم أجد ما يريحني حتى الآن , وكنت قد كتبت قبل سنة قصيدة رثاء , وكان فيها البيتان التاليان :
    لا تأمن الدهر الخؤون مسالماً :: فالعيش لا يبقى عليه دوام
    الموت حقّ والبرية رُحَّلٌ :: تفنيهم اللحظات والأيام
    فاعترض أحدهم على البيت الأول , وذكر أنه يدخل ضمن سبّ الدهر , ولما سألت أهل الألوكة هنا في موضوع ما عنه , أجابني السكران التميمي -على ما أذكر- بأن ذلك لا يدخل ضمن سب الدهر .
    فحذفت البيت الأول -احتياطاً- , غير أني لما تدبّرت فيما قلته , وجدت أن الشطر الثاني في البيت الثاني فيه شيء صريح يوافق قول القائلين "وما يهلكنا إلا الدهر" -والله المستعان-.
    فحذفته , ولكنّي كلما بحثت في الموضوع صعب عليّ الأمر وتعقّد , ولم أعد أفهمه ..

    آمل أن يسعى الإخوة في تبيين الرد على شبهي نقطة نقطة , حتى أفيد منهم , والحقّ -والله أريد- , فليدل كل صاحب علم وفقه بدلوه ..

    والله الموفق .
    رجمت بشهب الحرف شيطانة الهوى..فخرت مواتا تشتـهـيها المقابـر
    ويممــت مجـدافاً تحـرك غيـلة..فحطمتـه هجـوا وإنـي لشـاعر
    أبوالليث

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    404

    افتراضي رد: ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

    للرفع !
    رجمت بشهب الحرف شيطانة الهوى..فخرت مواتا تشتـهـيها المقابـر
    ويممــت مجـدافاً تحـرك غيـلة..فحطمتـه هجـوا وإنـي لشـاعر
    أبوالليث

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

    أبشر بما يسرك يا أبا الليث..

    فقط أمهلني يوماً بإذن الله.. فأنا الآن في سفرة عارضة خارج البلدة، وستجد بإذن الله تعالى ما يشفي غليلك ويسر خاطرك ويجلي فؤادك.. تقريرٌ علميٌ وافٍ مستوعبٌ مدعمٌ يوضح لكل الأمر ويبين.

    وليست المشاركة حكراً عليّ رحمكم الله.. فمن أراد من الأحبة ممن يعلم المسألة فليوضح لأخيه.. بارك الله في الجميع.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    404

    افتراضي رد: ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

    بورك فيك .

    أنتظرك . وغيرك .
    رجمت بشهب الحرف شيطانة الهوى..فخرت مواتا تشتـهـيها المقابـر
    ويممــت مجـدافاً تحـرك غيـلة..فحطمتـه هجـوا وإنـي لشـاعر
    أبوالليث

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

    بسم الله الرحمن الرحيم
    عونك يا رب وبك نستعين

    السب والسباب في اللغة: الشتم بالكلام القبيح والذم والتنقص وما لا يليق.
    والدهر: الزمان والوقت، مدة بقاء العالم، أي: الليل والنهار، والأيام والليالي، والأسابيع، والأشهر، والسنوات التي جعلها الله زماناً يقطع الناس فيه أعمارهم، قال الشاعر:
    هل الدهر إلا ليلة أو نهارها ..... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها

    ولا شك أن الدهر مخلوق، فالأيام والليالي والأشهر والسنوات مخلوقة، وأن الله هو المتصرف فيها، فما يحدث في الأيام والليالي من الأمراض، ومن المصائب، ومن النكبات والعاهات ونحوها، كل ذلك بتصريف الله وتدبيره.
    فلا يجوز سب الأيام والليالي، ولا أن يسند إليها المصائب، فلا يجوز أن يقال: "واخيبة الدهر"، أو "أفناكم الدهر"، أو "أضر بنا الدهر"، أو "أفنتهم الأيام"، أو نحو ذلك، فإن نسبة التصرف إلى الأيام أو الليالي أو السنوات = نسبة إلى غير المتصرف، والمتصرف هو الله تعالى.
    فتارة يكون الزمان سعيداً، وتارة يكون نحساً، وذلك بتقدير الله، وتارة يكون فيه النعم والخيرات والعيش الرغيد، وتارة يكون فيه الضيق والضنك والمصائب ونحو ذلك، والله هو المتصرف.

    وبناءً على هذه المقدمة: فسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
    الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم؛ فهذا جائز.
    كما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته حيث قال: (أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحروب، قد تصعصع بهم الدهر فكانوا كلا شيء).
    والمعنى في "صعصعهم الدهر": بددهم وشتت شملهم، قال جرير:
    كأن حاديها لما أضر بها ..... باز يصعصع بالدهناء قطا جونا
    فإنما نسب التفرق والتبدد إلى الدهر على معنى: أن وقوعهما كان أيام الدهر، تقول العرب في الرجل إذا طال عمره: قد أكل عليه الدهر وشرب، تريد أنه أكل وشرب دهراً طويلاً، ومنه قوله تعالى: {بل مكر الليل والنهار} أي: مكركم في الليل والنهار، ومثله قولهم: ليل نائم؛ أي: منوم فيه، قال جرير:
    لقد لُمتنا يا أم غيلان في السرى ..... ونِمْتِ وما ليل المطي بنائم

    ومثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، ومثل هذه الألفاظ صالحة لمجرد الخبر، ومنه قول لوط عليه السلام: {هذا يوم عصيب}.
    فهذا وأمثاله مما يروى عن السلف ليس مما نحن فيه حتى تعلم ذلك؛ لأنه ورد على تأويل ما ذكرنا.

    الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل.
    كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر؛ فهذا شرك أكبر. لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً؛ لأنه نسب الحوادث إلى غير الله، وكل من اعتقد أن مع الله خالقاً؛ فهو كافر.
    وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المستشهد به جعل سبحانه صرفهم تدبيره في مخلوقاته إلى ما هو مكوّن مدبر وسبهم الدهر أذىً له سبحانه.
    وفي الحديث الصحيح: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله".
    - وقال ابن الجوزي رحمه الله: (ما رأت عيني مصيبة نزلت بالخلق أعظم من سبهم للزمان وعيبهم للدهر.
    ومعنى الحديث: أنتم أيها السابون للدهر تسبون من فرق شملكم، وأمات أهاليكم، وتنسبونه إلى الدهر؛ والله سبحانه هو الفاعل لذلك).
    - قال الخطابي في شرح الحديث: (تأويل هذا الكلام أن العرب إنما كانوا يسبون الدهر على أنه الملمّ بهم في المصائب والمكاره، ويضيفون الفعل فيما ينالهم منها إليه، ثم يسبون فاعلها، فيكون مرجع السب إلى الله تعالى إذ هو الفاعل لها، فقيل على ذلك: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" أي: أن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي يضيفونها إلى الدهر).
    - وقال: (معناه: أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور؛ عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمانٌ جُعل ظرفاً لمواقع الأمور).
    - قال أبو عبيد: (إن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم، من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون: "أصابتهم قوارع الدهر"، و"أبادهم الدهر"، و"أتى عليهم الدهر"، فيجعلونه الذي يفعل ذلك، فيذمونه عليه، وقد ذكروه في أشعارهم، قال الأعشى يذكر قومًا هلكوا:
    فاستأثر الدهر الغداةَ بهم ..... والدهر يرميني ولا أرمي
    يا دهر قد أكثرت فجعتنا ..... بسراتنا ووقرت في العظمِ
    وسلبتَنا ما لستَ تُعقبنا ..... يا دهر ما أنصفت في الحكمِ

    وقال عمرو بْن قميئة:
    رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ..... فكيف بمن يُرمي وليس برامِ
    فلو أنها نبل إذًا لاتقيتها ..... ولكنَّما أُرمي بغير سهامِ
    على الراحتين مرة وعلى العصا ..... أنوء ثلاثا بعدهن قيامي

    فأخبر أن الدهر فعل به ذلك، يصف الهرم، وقد أخبر اللَّه تبارك وتعالى بذلك عنهم في كتابه الكريم، ثم كذّبهم في قولهم، فقال: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْر}، قال اللَّه تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ}.
    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبّوا الدهر"، على تأويل لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على اللَّه تعالى، لأنه هو الفاعل لها لا الدهر، فهذا وجه الحديث إن شاء اللَّه ولا أعرف له وجهًا غيره).

    فبهذا يعلم أن جميع الحادثات كلها حاصلة من الله تعالى، وأنه لا يقدر على الإعدام والإيجاد أحدٌ إلا هو، وهذا الأصل فرض على كل أحدٍ علمه، وهو شرط الإيمان، ومن لم يعتقده كافر، وهو معنى قوله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}.

    الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاده أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده؛ فهذا محرم.
    ولا يصل إلى درجة الشرك الأكبر، بل هو من باب الشرك الأصغر خاصة من باب الشرك في الألفاظ، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين، لأن حقيقة سبه تعود إلى الله سبحانه، لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر ويكون فيه ما أراده من خير أو شر، فليس الدهر فاعلاً، وليس هذا السب كفر؛ لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة.

    والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقاً، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيراً ممن يعتقد الإسلام.
    قال ابن المعتز:
    يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحداً ..... وأنت والد سوء تأكل الولدا

    وقول أبي الطيب:
    قبحاً لوجهك يا زمان فإنه ..... وجهٌ له في كل قبح برقع

    وقول الطوفي:
    إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم ..... عليك دهر لهل الفضل قد خانا

    وقول الحريري:
    ولا تأمن الدهر الخؤون ومكره ..... فكم خاملٌ أخنى عليه ونابه

    ونحو ذلك كثير، وكل هذا داخل في الحديث.

    - قال ابن القيم رحمه الله: (وفي سب الدهر ثلاث مفاسد عظيمة:
    أحدها: سب من ليس أهلا للسب، فإن الدهر خلقٌ مسخرٌ من خلق الله، منقاد لأمره، متذللٌ لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.
    الثانية: أن سبه متضمن للشرك؛ فإن الساب له إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان. وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة،وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جداً. وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.
    الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر رب الدهر هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم الدهر مسبة لله عز وجل، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما مسبة الله أو الشرك به، فإنه إن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك؛ وهو يسب من فعله فهو يسب الله تعالى).

    فإذا عرف المسلم أن ما في الكون كله من تصرف الله وحده، وليس للمخلوقين فيه تصرف = أضاف الأمر إليه؛فإذا أصابته سراء شكر، واعترف بأن فضلها لله، وإذا أصابته ضراء صبر، وعرف أنه من الله،ورضي بذلك واستسلم.
    قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}؛ فجعل مصائبنا التي تصيبنا من الله، ولكنها تأتي عقوبة على بعض السيئات، أو تكفيراً ومحواً لبعضها. والله أعلم

    فائدة:
    قوله: "وأنا الدهر" أي: مدبر الدهر ومصرفه، لا أن الله هو الدهر نفسه، ومن قال ذلك فقد جعل الخالق مخلوقاً.
    وليس هو اسم من أسماء الله، ومن قال ذلك فقد غلط وأخطأ. فتنبه
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    53

    افتراضي رد: ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

    سب الدهر اعتراض علي القدر ومن أركان العقيدة (الإيمان بالقضاء والقدر)
    قال تعالي (لايسأل عما يفعل وهم يسألون)
    وقوله تعالي (وربك يخلق مايشاء ويختار ماكان لهم الخيرة سبحان الله وتعالي عما يشركون)
    والآيات والأحاديث كثيرة ولكني علي عجلة من أمري

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1

    افتراضي رد: ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

    أخوي السكران التميمي ..
    ما رأيك في هذه الأبيات كلِ على حدا هل هن من قبيل سب الدهر المنهي عنه ؟

    لا تأسفن على غدر الزمان لطالما رقصت على جثث الأسود كلاب
    لاتحسبن برقصها تعلو على أسيادها تبقى الأسود أسوداً والكلاب كلاب
    تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب
    وذو جهل قد ينام على حرير وذو علم مفارشه التراب
    =====
    لَم أَكُنْ أعَلم أنَي سَأشتَاقُ إليَهم كثيَراً،,
    و بَأني مَهما حَاولتُ أنْ أحَتالَ عَلى الوَقتِ كَي يَمرَ..

    سَيقفُ سَاخراً دَونَ أنْ يَتحرك !!
    ====
    إنِّي صَحِبْتُ أناساً مَا لَهُمْ عَدَدُ *** وَكُنْت أَحْسبُ أنِّي قَدْ مَلأَتُ يدِي

    لَمَّا بَلَوْتُ أخِلائي وَجَدْتُهُمُ *** كالدَّهرِ في الغدرِ لم يبقوا على أحدِ

    إن غبتُ قشرُّ الناس يشتمني *** وَإنْ مَرضْتُ فَخَيْرُ النَّاسِ لَمْ يَعُدِ

    وإن رأوني بخيرٍ ساءهم فرحي *** وإن رأوني بشرَّ سرَّهم نكدي
    وهذه الأبيات للإمام الشافعي رحمه الله
    ======
    و نهجو ذا الزمان بغير ذنب

    و لو نطق الزمان لنا هجانا
    =====

    هل بإمكانك أن تخبرنا أي هذه المقتبسات داخله تحت النهي ...والعكس ..
    لنعتبرها كأمثله توضح ما قلت
    الله يجزاك الخير ويبارك فيك
    السلام عليكم

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    261

    افتراضي رد: ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

    بارك الله فيكم
    اللهم اجعلنا ممن اتبع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان





  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,559

    افتراضي رد: ما التأصيل الشرعي لمسألة سبّ الدهر ؟!..

    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •