كيف تسبق العلماء؟([1])

{ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُو نَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ }





لفضيلة الشيخ العالم

خالد بن عبدالرحمن الحسينان
- حفظه الله









الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



قال أبو جعفر الطبري شيخ المفسرين في قول الله { لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُو نَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } : يعني جل ثناؤه بقوله:"لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون"، لا يعتدل المتخلِّفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله وبرسوله، المؤثرون الدعةَ والخَفْض وَالقُعودَ في منازلهم على مُقاساة حُزُونة الأسفار والسير في الأرض، ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله، وقتالهم في طاعة الله، إلا أهل العذر منهم بذَهَاب أبصارهم، وغير ذلك من العِلل التي لا سبيل لأهلها - للضَّرَر الذي بهم - إلى قتالهم وجهادهم في سبيل الله"والمجاهدون في سبيل الله"، ومنهاج دينه، لتكون كلمة الله هي العليا، المستفرغون طاقَتهم في قتال أعداءِ الله وأعداءِ دينهم بأموالهم، إنفاقًا لها فيما أوهَن كيد أعداء أهل الإيمان بالله وبأنفسهم، مباشرة بها قتالهم، بما تكون به كلمة الله العالية، وكلمة الذين كفروا السافلة.
أنا أعلم علم اليقين أن هذا الموضوع سوف يزعج الكثيرين من أهل العلم والفضل، لأنه قد يُظهر النقص في بعض الجوانب من حياة هذا العالم، -ونحن كلنا فينا النقص والعيب والخلل- لأن الله تعالى وصف الإنسان في كتابه الكريم فقال تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا }.
ومما هو متقرر في العقول أنه لا يوجد من هو كامل في كل شيء من جميع الجوانب التعبدية، فقد يكون ناجحا في طلب العلم وحفظه ونشره، ولكنه في جوانب أخرى ضعيف وراسب، في قيام الليل، وصيام النهار، وصلة الأرحام، والجهاد في سبيل الله....وغير ذلك من العبادات.
وقد يكون الشخص قويا في عبادة التهجد والصيام والدعوة إلى الله، وضعيفا في عبادة طلب العلم وحفظه، وقد يكون شخص آخر قويا في عبادة الجهاد ومقاومة الأعداء، ولكنه ضعيف في طلب العلم وحفظه، والله يقسم الأرزاق بحسب حكمته وعدله ورحمته وفضله.



لماذا نغضب من الحقيقة؟!

فلماذا نغضب عندما يصارحنا شخص بجوانب النقص والخلل والضعف في حياتنا ونسيء به الظن فنقول أنه "يتنقَّص العلماء" مع أن الاعتراف بالحق فضيلة ينبغي أن نقبلها بصدر رحب وبكل شفافية وأريحيَّة، قال تعالى: (بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)، فكل إنسان يعرف في قرارة نفسه حقيقة ما هو عليه.

من العجائب !

بعض الناس يتقبل عندما تقول له: إن العالم الفلاني لا يقوم الليل ولا يصوم النهار لأنه مشغول بطلب العلم وتأليف الكتب وتدريس الطلاب، فهو مشغول بما هو أهم من هذا لأن نفع العلم متعدِّي، ونفع هذه العبادات قاصر على الشخص نفسه، فهو يتقبل هذا الأمر بكل بساطة ومن غير انزعاج ولا توتر.
ولكنه في المقابل عندما تقول له: إن هذا العالم ترك الجهاد والرباط والإعداد...، فهو يتذمر ويتسخط!، كيف تقول له هذا الكلام عن هذا العالم؟ ومن أنت حتى تحكم بهذا الحكم، ويجعلها قضية من أخطر القضايا!.

كلمة ثقيلة على النفوس

( إن كثير من العلماء والمشايخ في هذا العصر حُرموا من نعمة الجهاد والرباط والإعداد والهجرة مع أن نفعها متعدي غير قاصر وفضلها لايعدله شيء ولا تتعارض مع نشر العلم والجمع بين الميزتين والفضيلتين)، وفي الحقيقة أننا لم نحرمهم بل هم الذين حرموا أنفسهم من هذا الخير العظيم والفضل الكبير، عن أبي حصين عثمان بن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال دلني على عمل يعدل الجهاد قال لا أجده قال هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر قال ومن يستطيع ذلك قال أبو هريرة إن فرس المجاهد ليستن في طوله فتكتب له حسناتٍ كذا أخرجه البخاري من حديث أبي حصين وأخرجه مسلم من حديث أبي معاوية.
قال الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله- ( الجهاد والرباط لا يعدله شيء )ا.هـ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: (وكذلك اتفق العلماء - فيما أعلم - على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد . فهو أفضل من الحج وأفضل من صوم التطوع وأفضل من صلاة التطوع . والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود) ا.هـ.
فنرى كثيرا من أهل العلم يذهب كل سنة إلى الحج وإلى العمرة مرات كثيرة في السنة، ولا يفوِّت صيام يوم عاشوراء ولا عرفة ولا غيرها من الأيام التي يُستحب فيها الصيام، ولكنه في عبادة الجهاد وهي أفضل من هذا كله لا يحرص عليها، فتمر عليه السنون تلو السنون ولا يغزو ولا يجاهد في عمره ولو مرة واحدة!.

ما هي أصعب عبادة في هذا العصر؟

أصعب عبادة في هذا العصر هي الجهاد في سبيل الله، لماذا؟ لأن العالم كله سواء كان مؤمنا أو كافرا، قريبا أو بعيدا، صالحا أو طالحا، حتى من العلماء إلا من رحم الله- فهو يحاربك ويوجه سهام غضبه عليك لأنك أشعلت نور الجهاد في قلبك لتُشعل به نارا تسلطها على رقاب الصليبيين والكافرين.
ولو قمت بأي عبادة في هذا العصر ( قيام الليل، صيام النهار، حفظ القرآن، طلب العلم، الدعوة إلى الله.... كل العبادات على جميع أشكالها وألوانها ) فلا أحد يغضب منك ولا يعاديك وكلهم راضون عنك ولا تجد منهم أي مضايقات أو مخالفات تجاهك، ولربما ساعدوك في بعضها.
ولكنك ما أن تفَّكر في الذهاب إلى ساحات العزة والكرامة والمجد والتضحية إلا وتجد الجميع يستنفر ضدك ويثبط من همتك ويوهن من عزيمتك ويحاول أن يصرفك عن هذا الطريق بأي وسيلة كانت، حتى أننا سمعنا من أهل العلم أنه لما علم أن ابنه سوف يذهب إلى الجهاد قام ضده وناصبه العداء ، ولو أن ابن هذا العالم ذهب إلى دول الكفر والفساد والرذيلة ليكمل دراسته الدنيوية لوجدت سيلا من كلمات التشجيع ورفع الهمة، ولوجد الدعم المادي والمعنوي لهذا الابن لأنه سوف يرفع رأسه ويبيِّض وجهه عند الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر حيث قال: ( إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال : تسلم و تذر دينك و دين آبائك و آباء آبائك ؟ فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : تهاجر و تدع أرضك و سماءك و إنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول (بمعنى الفرس المربوط في حبله وواقع المهاجر أنه مقيد بالسمع والطاعة وعدم الحركة وتمنع عليه أشياء )! فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : تجاهد فهو جهد النفس و المال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة و يقسم المال ؟ فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة و إن وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة ) . رواه النسائي وغيره.
وقال الفضل بن زياد : سمعت أبا عبد الله الإمام أحمد- وذُكر له أمر الغزو ؟ فجعل يبكي ، ويقول : ما من أعمال البر أفضل منه .
وقال عنه غيره : ليس يعدل لقاء العدو شيء، ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال ، والذين يقاتلون العدو ، هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم ، فأي عمل أفضل منه ، الناس آمنون وهم خائفون ، قد بذلوا مهج أنفسهم. ا.هـ.
- وسواء قلنا أن الجهاد فرض عين أو فرض كفاية فالنتيجة واحدة هي "الحرمان من عبادة الجهاد في سبيل الله وتوابعها" ولا شك أنه إذا كان الجهاد فرض عين "كما في زمننا هذا" فالأمر يكون أعظم وأكبر.
- الجهاد هو المفرق بين المحب والمدعي:
قال ابن القيم رحمه الله: وأما الجهاد فناهيك به من عبادة هي سنام العبادات وذروتها وهو المحك والدليل المفرق بين المحب والمدعى فالمحب قد بذل مهجته وماله لربه وإلهه متقربا إليه ببذل أعز ما بحضرته يود لو أن له بكل شعرة نفسا يبذلها في حبه ومرضاته ويود أن لو قتل فيه ثم أحي ثم قتل ثم أحي فهو يفدي ثم قتل بنفسه حبيبه وعبده ورسوله ولسان حاله يقول .
يفديك بالنفس صب لو يكون له ... أعز من نفسه شيء فذاك به
فهو قد سلم نفسه وماله لمشتريها وعلم أنه لا سبيل إلى أخذ السلعة إلا ببذل ثمنها إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وإذا كان من المعلوم المستقر عند الخلق أن علامة المحبة لله وكل محبة صحيحة بذل الروح والمال في مرضات المحبوب فالمحبوب الحق الذي لا تنبغي المحبة إلا له وكل محبة سوى محبته فالمحبة له باطلة أولى بأن يشرع لعباده الجهاد الذي هو غاية ما يتقربون به إلى إلههم وربهم وكانت قرابين من قبلهم من الأمم في ذبائحهم وقرابينهم تقديم أنفسهم للذبح في الله مولاهم الحق فأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة ولهذا ادخرها الله لأكمل الأنبياء وأكمل الأمم عقلا وتوحيدا ومحبة لله.

هل تريد أن تكون شبيها بالسابقين الأولين ؟

قال شيخ الإسلام: واعلموا - أصلحكم الله - أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيرا أن أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين ويحيي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين والمجاهدين حتى يكون شبيها بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار .
فمن قام في هذا الوقت بذلك كان من التابعين لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم.ا.هـ

نظرة في واقع الصحابة

من تأمل في واقع الصحابة رضي الله عنهم على اختلاف مراتبهم ودرجاتهم، فمنهم العالم ومنهم الفقيه ومنهم العابد ومنهم المحدِّث ومنهم الشاعر ومنهم التاجر وجدهم أنهم كلهم يشتركون في صفة واحدة ( حب الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ) وهذا ما اقتبسوه من قدوتهم وسيدهم وإمامهم ومعلمهم ومربيهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل ) رواه مسلم.
وإليك أخي الكريم بعض العبادات التي حُرم منها كثير من العلماء في هذا العصر:
1- العبادة الأولى: الجهاد في سبيل الله:
وقد جاء في فضلها أحاديث كثيرة معروفة في الصحيحين وغيرهما.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ( ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل. قال: لا تستطيعونه، قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى) رواه مسلم .
فانتبه: إلى قوله :( يعدل الجهاد ) - بمعني يساوي ومنه عدل الشيء أي مماثله - ولم يقل أفضل من الجهاد لأنه لايفضله شيء .
قال شيخ الإسلام معلقا على هذا الحديث: ( وهذا باب واسع لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه) .

هل نفع الجهاد قاصر على فاعله؟

قال شيخ الإسلام: (فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له والتوكل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر والزهد وذكر الله وسائر أنواع الأعمال : على ما لا يشتمل عليه عمل آخر . والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائما . إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة، فإن الخلق لا بد لهم من محيا وممات، ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما ).
بل هو من تحقيق معنى قوله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }

بعد أن عرفت أن الجهاد أفضل الأعمال فاعلم أن أهله أفضل الناس

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله. قالوا: ثم من؟، قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره ) متفق عليه.
فأنت رعاك الله إذا كنت في أرض الجهاد والرباط فسوف تجمع بين فضيلتين عظيمتين، الأولى نفعها متعدي، والأخرى قاصرة عليك:
· أنك جاهدت بنفسك ومالك، وهذا من أفضل الأعمال و أهله أفضل الناس عند الله.
· أنك في جبل من الجبال أو وادي من الأودية تعبد الله وتجاهد في سبيل الله، وتدع الناس من شرك .
2- العبادة الثانية: الرباط في سبيل الله:
قال ابن قدامة المقدسي: معنى الرباط الإقامة بالثغر ، مقويا للمسلمين على الكفار ، والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم. ا.هـ
ومن العبادات التي حُرم منها كثير من العلماء في هذا العصر الرباط في سبيل الله، وفضله عظيم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان ) رواه مسلم.
فتصور -يا عبد الله- أن يوما واحدا تقضيه في الرباط في سبيل الله خير لك من أن تصوم شهرا كاملا مع قيام لياليه كاملة وأنت في بلدك، ولو حسبناها فسيكتب للمرابط في سبيل الله في الشهر الواحد ( صيام وقيام سنتين ونصف ) ويكون المجموع في السنة الواحدة ( ثلاثون سنة صيام وقيام )! فكيف وهو أفضل من ذلك بكثير ؟ فكيف تُضيع هذه الأجور العظيمة بحجج واهية أدخلها عليك الشيطان وحزبه.
وقال الإمام الشهيد ابن النحاس عن الرباط في سبيل الله: ( وقد ورد في فضله أشياء عظيمة لا توجد في غيره من القربات ) .
و عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وعلق الإمام الشهيد ابن النحاس على هذا الحديث قائلا: (وهذا يدل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت).
إزالة شبهة: يعتذر بعض الناس عن عدم الذهاب إلى الجهاد بحجة قوله صلى الله عليه وسلم: ( خيركم من طال عمره وحسن عمله )، فنقول: الحمد لله هذه الشبهة زالت بهذا الحديث ( كل ميت يختم على عمله.... ) الحديث، فمن يموت أو يُقتل شهيدا في هذا العصر سواء كان في أفغانستان أو في الشيشان أو في العراق أو في الصومال أو في الجزائر أو في اليمن ... أو غيرها من ثغور الإسلام، فمن ثبت فيها وهو يجاهد ويقاتل ولم يتراجع عن هذا حتى قتل فهو يُعتبر شهيدا ومرابطا يجري له أجر الرباط وغيره إلى يوم القيامة، وتصور متى يكون يوم القيامة؟ 200 سنة أو 300 سنة ؟؟ الله أعلم.
المهم أن طوال هذه السنين يجري لك أجر الرباط وأعمالك اليومية كلها، وأنت في أعلى عليين برحمة الله وفضله .
وأيضا هل اطلع الغيب حتى علم أن عمره طويل وأن عمله حسن مع أن علامات الخذلان تلوح من مقالته التي أبطل بها أحسن الأعمال متكلا على مالا يملكه ولا يعلمه واعلم أن الجهاد لايقدم أجلا ولا يؤخره ، قال تعالى :{ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }
قال ابن كثير رحمه الله : قال الله تعالى: { قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } أي: هذا قدر مقدر من الله عز وجل، وحكم حَتْم لا يحاد عنه، ولا مناص منه.
وقوله: { وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } أي: يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيثَ من الطيب، ويظهر أمْرَ المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال،{ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر.
وقال تعالى : { الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } قال ابن كثير رحمه الله : وقوله: { الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل. قال الله تعالى: { قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أي: إن كان القُعود يَسْلَم به الشخص من القتل والموت، فينبغي، أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مُشَيّدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول.
3- العبادة الثالثة: الإعداد في سبيل الله:
ومن العبادات التي حُرم منها كثير من العلماء في هذا العصر "الإعداد في سبيل الله"، قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ).
قال ابن النحاس: وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب تعلم الرمي استدلالا بهذه الآية.
وقال الشيخ السعدي: { وَأَعِدُّوا } أي: لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم. { مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: { ألا إن القوة الرَّمْيُ } ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال،ولهذا قال تعالى: { وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته.
فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كنت مأمورا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها،حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب وقوله: ] تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [ ممن تعلمون أنهم أعداؤكم. ]وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ [ ممن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به ] اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم،ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك النفقات المالية في جهاد الكفار. ا.هـ
وفي الحديث عند مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه ولفظه ( سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: وهو على المنبر وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا أن القوة الرمي ثلاثا ).
4- العبادة الرابعة: الهجرة في سبيل الله:
قال تعالى:{ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .
قال الشيخ السعدي: هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغما في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا.
وذلك أن كثيرًا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتًا بعد الألفة، وفقرًا بعد الغنى، وذلا بعد العز، وشدة بعد الرخاء.
والأمر ليس كذلك، فإن المؤمن ما دام بين أظهر المشركين فدينه في غاية النقص، لا في العبادات القاصرة عليه كالصلاة ونحوها، ولا في العبادات المتعدية كالجهاد بالقول والفعل، وتوابع ذلك، لعدم تمكنه من ذلك، وهو بصدد أن يفتن عن دينه، خصوصا إن كان مستضعفًا.
فإذا هاجر في سبيل الله تمكن من إقامة دين الله وجهاد أعداء الله ومرا غمتهم، فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله من قول وفعل، وكذلك ما يحصل له سعة في رزقه، وقد وقع كما أخبر الله تعالى.
واعتبر ذلك بالصحابة رضي الله عنهم فإنهم لما هاجروا في سبيل الله وتركوا ديارهم وأولادهم وأموالهم لله، كمل بذلك إيمانهم وحصل لهم من الإيمان التام والجهاد العظيم والنصر لدين الله، ما كانوا به أئمة لمن بعدهم، وكذلك حصل لهم مما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم، ما كانوا به أغنى الناس، وهكذا كل من فعل فعلهم، حصل له ما حصل لهم إلى يوم القيامة. ا.هـ
5- العبادة الخامسة: الحراسة في سبيل الله:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله ). رواه الترمذي.
قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: لأن أبيت حارسا خائفا في سبيل الله أحب إلي من أن أتصدق بمائة راحلة.
وقال ابن النحاس: واعلم أن الحراسة في سبيل الله من أعظم القربات، وأعلى الطاعات، وهي أفضل أنواع الرباط، وكل من حرس المسلمين في موضع يخشى عليهم فيه من العدو فهو مرابط.

أفضل من ليلة القدر

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئكم ليلة أفضل من ليلة القدر؟ حارس حرس في أرض خوف لعله أن لا يرجع إلى أهله. رواه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري.

6- العبادة السادسة: الغدوة والروحة في سبيل الله:
ومن العبادات التي حُرم منها كثير من العلماء في هذا العصر "الغدوة والروحة في سبيل الله"، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) رواه مسلم.
قال النووي رحمه الله: الغدوة بفتح الغين: السير أول النهار إلى الزوال، والروحة: السير من الزوال إلى آخر النهار، وأو هنا للتقسيم لا للشك، ومعناه: أن الروحة يحصل بها هذا الثواب وكذا الغدوة والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو والرواح من بلدته بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة أو روحة فى طريقه إلى الغزو وكذا غدوه وروحة فى موضع القتال لأن الجميع يسمى غدوة وروحة فى سبيل الله.
ومعنى هذا الحديث أن فضل الغدوة والروحة فى سبيل الله وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها إنسان وتصور تنعمه بها كلها لأنه زائل ونعيم الآخرة باق. ا.هـ.

الجهاد مثل السوق

واعلم أن الجهاد مثل السوق وأبواب الثواب فيه كثيرة كأنها أسواق أخرى في داخله فمن حرم نفسه من الجهاد فقد حرم نفسه من أبواب للخير عظمية وأجور من الصالحات كثيرة
· وأما الفضائل التي يُحرم منها القاعدون عن الجهاد فهي كثيرة جدا، ومنها:
1- الفضيلة الأولى: مائة درجة في الجنة للمجاهدين في سبيل الله:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس، قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة. رواه البخاري.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- معلقا على هذا الحديث : فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد.
2- الفضيلة الثانية: كرامة الشهيد عند الله:
وعن أنس - رضي الله عنه - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد ، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ، فيقتل عشر مرات ؛ لما يرى من الكرامة )) .
وفي رواية : (( لما يرى من فضل الشهادة )) متفق عليه .
تصور أخي الحبيب: أن العلماء والفقهاء والمحدثين والخطباء والدعاة والعبَّاد والصالحين على اختلاف طبقاتهم لا أحد منهم يتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد لما يرى من فضل وكرامة الشهادة عند الله سبحانه.

"فكرامة الشهيد لا يستطيع أن يتصورها عقل أو أن يصفها قلم"

يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليس مرة واحدة أو مرتين وإنما هي عشر مرات (وهذا فيه إرغام لمن قال أن الجهاد محرقة مع أن الله يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } قال ابن كثير رحمه الله : ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، والتي هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور فقال: { تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: من تجارة الدنيا، والكد لها والتصدي لها وحدها.
ثم قال: { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه، غفرت لكم الزلات، وأدخلتكم الجنات، والمساكن الطيبات، والدرجات العاليات؛ ولهذا
قال: { وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } أهـ.
والنبي صل الله عليه وسلم يقول (( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد ، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ، فيقتل عشر مرات ؛ لما يرى من الكرامة )) وهذا ليس شأن المحترق فا لمحترق لايتمنى أن يحرق مرة أخرى بل يتمنى العافية وما هذه المقولة إلا تحريف للكلم عن مواضعه وقول على الله بغير علم وكيد للدين وأهله وحرمانهم من الفضائل العظيمة وهو من باب قطع الطريق وسرقة الزاد وإعانة للصوص الجن والإنس على المسلم فلا زاد إلا زاد الآخرة ولا نجاة إلا نجاتها وهو من الصد عن سبيل الله وهذه وظيفة ابن أبي وحزبه من تثبيط المؤمنين عن القتال في سبيل الله وتخذيلهم والإرجاف بينهم ونعوذ بالله من الخذلان والبعد عن الرحمن ).
3- الفضيلة الثالثة: خصائص الشهيد:
وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للشهيد عند الله سبع خصال : يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، و يزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، و يجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا و ما فيها، ويشفع في سبعين إنسانا من أهل بيته) رواه أحمد والترمذي وغيرهما.
سؤال بكل صراحة:
لو مات رجلان أحدهما في حلقة علم بسكتة قلبية، والآخر قُتل في المعركة في سبيل الله، فهل نستطيع أن نقول إن الذي مات في حلقة علم يأخذ خصال الشهيد التي ذُكرت في هذا الحديث؟ كما يأخذها الذي قُتل في أرض المعركة؟ هذه مسألة غيبية وليس فيها مجال للاجتهاد أو الرأي إنما المرجع فيها إلى كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يأت دليل على أن الذي يموت في حلقة علم يأخذ خصال الشهيد!.
وبعض الناس يريد حرمانك من كل هذا ليبقى هو شيخا وفي القيامة سيتبرأ منك إن عملت بمقولته وأخذت بمشورته مع انك تركت النص الواضح واليقين من حديث سيد المرسلين فأين الرابح يامسكين تمسك بهديه صلى الله عليه وسلم وبكل ما صدر عنه فهو العصمة والنجاة وما عداه سراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء .
4- الفضيلة الرابعة: لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة:
عن عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (القتلى ثلاثة رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو وقاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد الممتحن في جنة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة....) رواه أحمد بإسناد جيد والطبراني وابن حبان في صحيحة واللفظ له.
وكثير منا يمر على مثل هذا الحديث مرورا عابراً دون أن يتأمل في ألفاظه ولا يتعمق في معانيه فانظر إلى قوله (لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة) وهذا يعني أنهم من الصديقين لأن الله قال : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء/69]، فطب نفسا إن كنت صديقا شهيداً.
وبعض الناس يريد أن يجعلك مع الخوالف والقاعدين وتترك درجة تكون بها قريبا من النبيين هناك تطيب نفسه ويرتاح ضميره ولاحول ولا قوة إلا بالله
5- الفضيلة الخامسة: أفضل من عبادة سبعين سنة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : مر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة من ماء عذبة ، فأعجبته ، فقال : لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (لا تفعل؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، ويدخلكم الجنة ؟ أغزوا في سبيل الله ، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن .
وشتان شتان بين نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل وبين نصائح بعض الناس في عصرنا فهجراه وديدنه ورأس ماله ولب أعماله ثنيك وإعاقتك عن الجهاد وطريق السداد والرشاد فمن تتبع ياأخي المسلم ومن أسوتك وقد قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } .



6- الفضيلة السادسة: أفضل الشهداء:
قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة يضحك إليهم ربك فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه ) رواه أحمد.
7- الفضيلة السابعة: أفضل دار في الجنة للشهداء:
عن سمرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم :رأيت الليلة رجلين أتياني فصعد أبي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل لم أر قط أحسن منها قالا أما هذه الدار فدار الشهداء. رواه البخاري.
نـور على نـور:
وبعد كل هذه الفضائل والثمرات الجليلة والعظيمة، ألا تشتاق بعد ذلك إلى أن تأتي لأرض الجهاد والرباط؟ أرض العزة والكرامة، أرض الفداء والتضحية، فتكون قريبا من نيل الشهادة التي كانت أمنية النبي صلى الله عليه وسلم.
فما أجمل وأحلى وأروع أن تجمع بين الجهاد في سبيل الله وحفظ القرآن وطلب العلم وقيام الليل وصيام النهار والدعوة إلى الله والأخلاق الحسنة وإتباع السنة.
فتأمل هذه الآيات جيدا:
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ، قال تعالى: { مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }

والحمد لله رب العالمين.


(1 ) تنبيه: المقصود بالسبق الذي نريده هو السبق النسبي وليس الكلي، فهم قد سبقوا بعض المجاهدين في طلب العلم وحفظه ونشره، ولكن أحببنا أن نبيِّن بعض العبادات العظيمة الجليلة التي تركها العلماء في هذا العصر ولم يعملوا بها مع أنهم يعرفون فضلها وأهميتها، ولكنهم حُرموا من العمل بها.