وقفة مع الهادي الحسني دفاعا عن الرافعي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: وقفة مع الهادي الحسني دفاعا عن الرافعي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    7

    افتراضي وقفة مع الهادي الحسني دفاعا عن الرافعي

    وقفة مع الهادي الحسني دفاعا عن الرافعي
    بسم الله والصلاة والسلام على خير خلقه وبعد:
    قرأت مقالا لأحد فضلاء الجزائر وهو الشيخ الهادي الحسني ـ مد الله في عمره ـ ويشهد الله أني أحبه وأتتبع مقالاته التي يكتبها كل خميس في جريدة الشروق الجزائرية، وكنت أجد في يراعه نفسا من أنفاس شيخنا محمد البشير الإبراهيمي ـ قدس الله سره ـ والمقال بعنوان (ثرثرة فوق النيل)([1]) ولقد أجاد وأتحف كعادته .
    إلا أن الشيخ حين كتب هذا المقال كان غاضبا ـ والشأن كما يقول محمد الغزالي رحمه الله: ((والجزائري إذا غضب تحول إلى شخص آخر)) ([2]) ـ وكيف لا يغضب الهادي الحسني وقد تطاول حثالة من الإعلاميين وسفلة الممثلين والراقصين والمتباهين بأنهم أحفاد فرعون وهمان على تاريخنا وشهدائنا وأهلنا، وزادوا فنسبوا لمصرهم كل خير منه الله علي بلدنا.
    ولكن الشيخ الحسني وهو في ثورة غضبه صدرت عنه عبارة قاسية في الرافعي ليته لم يخطها حيث قال: ((هذا الغرور لم يسلم منه حتى بعض المصريين الذين هم على شيء فهاهو مصطفى صادق الرافعي رحمه الله يستعمل كلمة "سهلا مهلا" ثم يعلق قائلا: "هذا الاستعمال مما وضعناه نحن وليس في اللغة ([3])، ووالله الذي خلق الرافعي أن هذا الاستعمال يستعمله الأميون في الجزائر فضلا عن المثقفين فيقولون عن أي شيء في المتناول "سهله مهله". فلماذا يتعاظم هؤلاء المصريون، ولا يقرون أنهم كسائر البشر يعلمون شيئا ويجهلون أشياء.. وصدق الشاعر القائل:
    شر الجهالة ما كانت على كِبَر)).
    وهو كلام يأسف له المنصف، ودفاعا عن مصطفى صادق الرافعي وعن محبيه من أبناء الجزائر وغيرهم؛ كتبت هذا المقال؛ فالرافعي لم يبق حكرا على مصر بل صار ميراثاًنتوارثه، وأدباً نتدارسه، وحناناً نأوي إليه.
    عجيب كيف لم يجد الحسني من يمثل به لغرور المصريين مع كثرة أهل الغرور فيهم إلا الرافعي الذي قضى حياته في بيان زغل وكبر هؤلاء الذين أوجفت بهم مطايا الغرور، حتى اتهمه كثير منهم في وطنيته ومصريته وقد قال سلامة موسي عنه ((إنه إنما يهاجم مصر لأنه غريب ))([4])؛ شيخنا الحسني إن الرافعي سوري الأصل ومع كونه ولد في مصر إلا أنه لم تكن له علاقات اجتماعية مع المصريين، وإنما كان يحصر زيارته الاجتماعية غالبا علي بيوت الشوام، وأن أصدقاءه كانوا معظمهم من الشوام، بل ظلت لهجته الشامية في الحديث تنم عن أصله.
    إن نسبة الغرور للرافعي يأباه تاريخه المشرق وتراثه النير الذي هو دروس في الأدب والحكمة والأخلاق، وفي كتاب "وحي القلم" الذي نقلت منه عبارة الرافعي كلام نفيس عن الغرور يقول الرافعي: ((والغرور الذي تثبت به أن رأيك صحيح دون الآراء، لعله هو الذي يثبت أن غير رأيك في الآراء هو الصحيح. ولو كان الأمر على ما يتخيل كل ذي خيال، لصدق كل إنسان فيما يزعم)) ([5]).
    وكأني بمحمود شاكر ـ رحمه الله ـ سمع ما قاله الحسني فانبرى له، نافيا عن الرافعي وصمة الغرور فقال: ((ولو أنه استنام ـ أي الرافعي ـ إلى بعض الصيت الذي أدركه وحازه واحتمله في أمره الغرور لخف من بعدُ في ميزان الأدب حتى يرجح به مِن بعدُ مَن عسى أن يكون أخف منه؛ ولكن الرافعي خرج من هذه الفتن ... وقد وجد نفسه واهتدى إليها، وعرف حقيقة أدبه وما ينبغي له وما يجب عليه )) ([6]).
    إن وصف الرافعي بأنه (من المصريين الذين هم على شيء) ليس من الإنصاف في شيء؛ ذلك أن في قاموس الحسني من كلمات التقييم ما يناسب مقام الرافعي، و لأن العبارة التي خطها عادة ما يوصف بها المبتدئ في الطلب الذي لم يرتض في العلم رياضة تبلغه مبالغ الشيوخ الراسخين، ولا تقال في وصف الكملة من أهل العلم، وسر ذلك أن كلمة شيء موغلة في التنكير صادقة بالكثير والقليل. وإن أقل ما يمكن أن نصف به الرافعي أن نقول إنه إمام من أئمة الأدب وشيخ من شيوخ العربية وأمير من أمراء البيان.
    لو تأمل الحسني في عبارة الرافعي لما وجد فيها ما توهمه وبنى على أساسه نقده، فقول الرافعي (هذا الاستعمال مما وضعناه نحن، وليس في اللغة) المقصود منه أنه استعمال مولد غير مسموع عن العرب، وليس فيها إضافة الاستعمال إلى مصر أو طنطا. ولو كان الوقت غير الوقت والظرف غير الظرف لكان لكلمة (نحن) في مخيلة الهادي الحسني شأن آخر؛ إذ تتسع لتشمل كل أمصار جامعة الدول العربية، وتشيع لتعم كل من تكلم بالعربية بعد عصر الاحتجاج. وعلى ذكر عبارة الرافعي (ليس في اللغة) فإن لابن خالويه كتابا كاملا موسوم بـ "ليس في كلم العرب" وهو مطبوع متداول.
    ولو قدر للرافعي أن يتعالى ويغتر فينسب إلى نفسه إبداعا لنسب لنفسه كل كتاباته وحق له ذلك؛ فإنها نمط في الكتابة معجز ونهج من النثر الفني الراقي مستحدث، ولو أراد أحد أن يتتبع ما أجدَّ الرافعي على العربية من أساليب القول لأخرج قاموسا من التعبير الجميل يعجز عن أن يجد مثله لكاتب من كتاب العربية الأولين، وفي ذلك يقول العقاد: ((إنه ليتفتق لهذا الكاتب من أساليب البيان ما يتفتقمثله لكاتب من كتاب العربية في صدر أيامها))، ويقول المازني: (( وأحسبني لا أبالغ حين أقول إن له من آثاره ما لا يرقى إليه قلم في القديم أو الحديث ))
    شيخنا الحسني إن عبارة الرافعي (هذا الاستعمال مما وضعناه نحن وليس في اللغة) ليس فيها ما يقتضي الغرور ذلك أن غاية ما فيها نوع استجازة وإعتاب. وليس فيها دلالة على الفخر والتباهي والتمييز . ولهذا لم تكن هذه العبارة في متن كتاب الرافعي "وحي القلم" وإنما هي تعليق في حاشية.
    شيخنا الحسني لو سلمنا أن الرافعي ادعى السبق في عبارة (سهلا مهلا) فإن عذره أنه لم يسمع (سهلة مهلة) من الجزائريين لأن الرافعي كان في عزلة تامة عن عالم الأصوات فقد كان أصم فقد حاسة السمع وهو لم يجاوز الثلاثين بعد. وكان أكثر ما يدور بينه وبين الناس من الحديث كتابة في ورق.
    شيخنا الحسني إنه لو سلمنا أن عالما ادعى أنه سبق إلى شيء وتبين أن الأمر ليس كذلك فإنه لا ينسب للغرور ولا يرمى بالتعاظم والكبر، بل الإنصاف أن نقول أن ذلك مبلغ علمه وإحاطته وأنه لم يطلع على من سبقه إلى ما نسبه لنفسه، وهذا تجده في صنيع جملة من أهل العلم. وهاأنت تدعي (أن البربر هم الذين وضعوا أول رواية في تاريخ الإنسانية، وهي "الحمار الذهبي" لأيوليوس) ، وعند التحقيق نجد أن الأمر ليس كذلك؛ فهذا الدكتور أبو العيد دودو مترجم الرواية يقول في مقدمته: ((ليس هناك ما يمنعنا من اعتبار رواية "الحمار الذهبي" ثاني رواية ظهرت في العالم)). ويذكر الروائي السوري خيري الذهبي: ((إن لوقا السوري من القرن الثاني الميلادي، هو الروائي الأول في العالم، وقد ترك قصصاً عديدة منها قصة بعنوان "قصة حقيقية" وهي مستوفية لشروط الفن القصصي بمقاييس عصرنا، وهي مكتملة فنياً إلى حد الروعة)) ([7]).فهل يسوغ لمن اقتنع بما ذكرت أن يصف الحسني بما وسم به الرافعي.
    شيخنا الحسني لو سلمنا أن الرافعي ادعى أن سهلا مهلا من اختراع المصريين في زمانه وعصره وهو المولود سنة 1880م، فما الذي يمنع القول بأن عبارة (سهلة مهلة) انتقلت من مصر إلى الجزائر وسمعها الحسني في زمانه من الأميين سهلة مهلة، إلا أن ندعي أن الحسني وقف على هذه العبارة في الأرشيف العثماني أوفي رسائل بن تاشفين زمن المرابطين.
    شيخنا الحسني لو قلنا أن للجزائريين حق السبق في استعمال (سهلا مهلا) فإن لكنة الجزائري وطريقة نطقه لها تخفى معها أجراس الحروف فلا يتبينها السامع، وقد وصف الرافعي عامية الجزائر فقال: ((تحسبها مخلّفة عن بعض اللغات الأعجمية،فضلا عما فيها من جَسْأة المنطق ونُبُوِّه إلا عن مسامع أهلها، بحيث يكاد لا يدورفي مسمع الغريب عنهم إلا مقاطع صوتية يحسبها لأول وهلة ميتة في ذهنه)).
    وبناء على هذا فإن للرافعي الحق له أن يدعي أن (سهلا مهلا) من عنديتهم؛ لأنه لم يسمعها عن الجزائريين كذلك بل سمعها (سهله مهله) أي مبدلة محرفة مع جَسْأة المنطق ولكنة البربر ونبرة الفرنسيس.
    شيخنا الحسني إن الرافعي لم يتعاظم ولم يدعي أنه ليس من زمرة البشر ولم يقل أن الله تعالى ميزه بجوهر غير الجوهر ولا زاد في دمه نقطة زهو.
    وقبل أن أختم استوقفتني عبارة في مداخلة الشيخ الهادي الحسني على قناة المستقلة وهي نقله عن الأستاذ مبارك آل معزوز قوله: ((إن زمن الرافعي انتهى)). وهنا أقول شيخنا الحسني إن الزمن يتناهى عندما يذكر الرافعي، فهو أبدا قائم في مكانه، وكلما تقدم الزمن زاد في إثباته، وقد أصبح في الدنيا كأنه جهة من الجهات لا إنسان من الناس ، فلن يتغير أو يمحى إلا إذا تغير أو محي المشرق والمغرب.
    إن الرافعي سيبقى على الأيام ما بقي للأدب ذكر ومقام.وما بقي في الأدباء من يرفعون رايته وينهلون من وحيه.
    والعجيب أنك ذكرت بعد مقالة انتهاء زمن الرافعي (عندنا رواية اللاز لطاهر وطار) ووالذي خلق الرافعي إن طاهر وطارما ريش وما طار، و أنا أتحدى طاهر وطار أن يأتي بفصل من مقال في قوة وجمال جمل الرافعي ولو جاء بوسيني الأعرج ظهيرا .
    لو كان غير الحسني من يشيد برواية اللاز لقلنا أن الأمر نجش علمي في سوق الأدب الجزائرية الكاسد، الذي نفشت فيه كل جرباء، ولكن الإشكال أن يصدر الكلام من الحسني الذي قبض قبضة من البيان الابراهيمي وتنسم من عبق أوراق الورد في مدينته ، ولكن الشأن كما قيل:
    يقضى على الحسني أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليسبالحسن
    واستسمح الحسني وأختم بكلمة لشيخنا البشير الإبراهيمي: ((إن كلمة الحق في العلم ككلمة الحق في الدين كلاهما سابغة الأثواب مرجوة الثواب )).

    ([1])جريدة الشروق الجزائرية،2009.11.25.


    ([2]) مجلة "الثقافة" الجزائرية عدد 87 سنة 1985.


    ([3])"وحي القلم" مصطفى صادق الرافعي. ج2. ص 231.


    ([4])المعارك الأدبية في مصر ، أنور الجندي ، معركة الأسلوب.


    ([5])"وحي القلم" للرافعي 2/331


    ([6])مقدمة "حياة الرافعي" للعريان


    ([7])الفرات يومية سياسية تصدرعن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - دير الزور سوريا الثلاثاء 4-12-2007.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    956

    افتراضي رد: وقفة مع الهادي الحسني دفاعا عن الرافعي

    أحسنت أخي الفاضل وقد أخطأ الأستاذ الهادي الحسني وفقه الله في مقاله ذاك كما بيّنته في كلامك ولعلّ عذره في ذلك هو تلك الصفاقة التي تكلّم بها البعض عن تاريخ وأمجاد الجزائر وفي حمأة الصراع تفقد موازين الحق أثرها على النفوس ويصبح للكلام شأن آخر وحتى لا أطيل أرجوا أن يقبل أخي هذه الهدية المتواضعة فمقالك هو الذي دفعني لنسخها وقد خفت أن يسبقني أحونا الغامدي لذلك خصوصا وقد تثاقلت عن النسخ حتى رأيته يلوّح باسم الكتاب وليتفضّلها رواد الألوكة أجمعين

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وإيّاه أستعين

    فاتحة الكتاب


    محمود محمد شاكر


    إن كنت لست معي فالذكر منك معي


    .............................. ...... يراك قلبي وإن غيّبت عن بصري


    العين تبصر من تهوى وتفقده


    .............................. ...... وناظر القلب لا يخلوا من النظر




    رحمك الله يا (أبا سامي) ورضي عنك وغفر لك ما تقدم من ذنبك وجزاك خيرا عن جهادك ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12)) [ 57 سورة الحديد : الآية : 12 ] .


    كتب (سعيد) – لا أخلى الله مكانه وخطّيء عنه السوء – هذا الكتاب الذي يسعى بين يديه يردّ به إلى الحياة حياة استدبرت الدنيا وأقبلت على الآخرة بما قدّمت من عمل وثم الميزان الذي لا يخطئ والناقد الذي لا يجوز عليه الزيف والحاكم الذي لا يقدح في عدله ظلم ولا جور والبصير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور قد استوت عنده دجنّة السّرّ ونهار العلانيّة وقد فرغ الرافعي –رحمه الله- من أمر الناس إلى خاصّة نفسه ولكنّ الناّس لا يفرغون من أمر موتاهم ولو فرغوا لكان التّاريخ أكفانا تطوى على الرّمم لا أثوابا تلقى على الميت لتنشره مرّة أخرى حديثا يؤثر وخبرا يروى وعملا يتمثّل وكأن قد كان بعد إذ لم يكن.


    وهذا كتاب يقدّمه (سعيد) إلى العربية وقرّائها يجعله كالمقدّمة الّتي لابدّ منها لمن أراد أن يعرف أمر الرافعي من قريب.


    لقد عاش الرّافعي دهرا يتصرّف فيما يتصرّف فيه الناس على عاداتهم وتصرّفه أعمال الحياة على نهجها الذي اقتسرته عليه أو مهّدته له أو وطّأت به لتكوين المزاج الأدبي الّذي لا يعدمه حيّ ولا يخلوا من مسّه بشر .


    وأنا – ممّا عرفت الرّافعي رحمه الله ودنوت إليه ووصلت سببا منّي بأسباب منه – أشهد لهذا الكتاب بأنّه قد استقصى من أخبار الرافعي كثيرا إلى قليل ممّا عرف عن غيره ممّن فرط من شيوخنا وكتابنا وأدبائنا وشعرائنا وتلك يد لسعيد على الأدب العربي وهي أخرى على التاريخ ولو قد يسر الله لكلّ شاعر أو كاتب أو عالم صديقا وفيّا ينقله إلى الناس أحاديث وأخبارا وأعمالا كما يسر الله للرافعي لما أضلّت العربية مجد أدبائها وعلمائها ولمّا تفلّت من أدبها علم أسرار الأساليب وعلم وجود المعاني التي تعتلج في النفوس وترتكض في القلوب حتّى يؤذن لها أن تكون أدبا يصطفى وعلما يتوارث وفنّا يتبلّج على سواد الحياة فتسفر عن مكنونها متكشّفة بارزة تتأنّق للنفس حتى تستوي بمعانيها وأسرارها على أسباب الفرج ودواعي السرور وما قبل وما بعد .


    والتّاريخ ضربان يترادفان على معناه ولكلّ فضل : فأوّله رواية الخبر والقصة والعمل وما كان كيف كان وإلى أين انتهى وهذا هو اّلذي انتهى إلينا من علم التاريخ العربيّ في جملته وعمود هذا الباب صدق الحديث وطول التّحرّي والاستقصاء والتّتبع وتسقط الأخبار من مواقعها وتوخّي الحقيقة في الطلب حتّى لا يختلط باطل بحقّ . وأمّا التاريخ الثاني فإيجاد حياة قد خرجت من الحياة وردّ ميت من قبر مغلق إلى كتاب مفتوح وضمّ متفرّق يتبعثر في الألسنة حتى يتمثّل صورة تلوح للمتأمل وهذا الثاني هو الذي عليه العمل في الإدراك البياني لحقائق الشعراء والكتّاب ومن إليهم ومع ذلك فهو لا يكاد يكون شيئا إلاّ بالأوّل وإلاّ بقي اجتهادا محضا تموت الحقائق فيه أو تحيا على قدر حظّ المؤرّخ والناقد من حسن النّظر ونفاذ البصيرة ومساغه في أسرار البيان متوجّها فع الدّلالة مقبلا ومدبرا متوقّيا عثرة تكبّه على وجهه متابعا مدرجة الطّبائع الإنسانية – على تباينها واختلافها - حتّى يشرف على حيث يملك البصر والتمييز ورؤية الخافي وتوهّم البعيد ويكون عمل المؤرّخ يومئذ نكسة يعود بها إلى توهّم أخبار كانت وأحداث يخالها وقعت ويجهد في ذلك جهدا لقد غني عنه لو قد تساوقت إليه أخبار حياة الشّاعر أو الكاتب واجتمعت لديه وألقيت كما كانت أو كما شاهدها من صحبه واتّصل إلى بعض ما ينفذ إليه الإنسان من حال أخيه الإنسان.


    وبعد فإنّ أكثر ما نعرفه من أدب وشعر في عصور الاندحار التي منيت بها العربية يكاد يكون تلفيقا ظاهرا على البيان والتّاريخ معا حتّى ليضلّ النّاقد ضلال السّالك في نفق ممتد قد ذهب شعابا متعانقة متنافرة في جوف الأرض ثمّ جاء العصر الذي نحن فيه فأبطلت عاميّته البيان في الأدب والشعر من ناحية ودلّسهما ما أغري به الكثرة من استعارة العاطفة واقتراض الإحساس من ناحية أخرى فإنّي لأقرأ للكاتب أو الشاعر وأتدبّر وأترفّق وأترقّى .... وإذا هو عيبة ممتلئة قد أشرجت على المعاني والعواطف فلو قطع الخيط الذي يشدّها لانقطعت كلّ شاردة نافرة إلى وطنها هاربة تشتدّ وبمثل هذا يخوض المؤرّخ في ردغة مستوحلة يتزلّق فيها ههنا وثمّ ويتقطّع في الرأي وتتهالك الحقائق بين يديه حتى يصير الشاعر وشعره والأديب وأدبه أسمالا متخرّقة بالية يمسح بها المؤرّح عن نفسه آثار ما وحل فيه


    وقد ابتلي الأدب العربيّ في هذا العصر بهؤلاء الذين أوجفت بهم مطايا الغرور في طلب الشهرة والصّيت والسّماع فخبطوا وتورّطوا ظلماء سالكها مغتّر وقد كان احتباسهم وإمساكهم عمّا نصبوا وجوههم له واصطبارهم على ذلّ الطّلب وممارستهم معضل ما أرادوه وتأنّيهم في النيّة والبصر والعزم عسى أن يحملهم على استثارة ما ركبه الإهمال من العواطف التي تعمل وحدها إذا تنسّمت روح الحياة واستنباط النّبع القديم الّذي ورثته الإنسانية من حياتها الطبيعية الأولى ثمّ طمت عليه المدنيّات المتعاقبة.


    والشّعر والأدب كلاهما عاطفة وإحساس ينبعان من أصل القلب الإنسانيّ هذا القلب الذي أثبت من داخل بين الحنايا والضّلوع ليكون أصفى شيء وأطهر شيء وأخفى شيء وليمسّ كلّ عمل من قريب ليصفّيه ويطهّره ويسدل عليه من روحه شفّا رقيقا لا يستر بل يصف ما وراءه صفة باقية بقاء الرّوح ويبرّئها من دنس الوحشيّة التي تطويها في كفن من بضائع الموتى فأيّما شاعر أو أديب قال فإنّما بقلبه وجب ن أ أن يقول ومن داخله كتب عليه أن يتكلّم وإنّما اللسان آلة تنقل ما في داخل إلى خارج حسب فإنّ كلّفها أحد أن تنقل على غير طبيعتها في الأداء – وهي الصلة التي انعقدت بينها وبين القلب على هذا القانون – فقد أوقع الخلل فيها ووقع الفساد والتخالف والإحالة والبطلان فيما تؤدّيه أو تنقله.


    وقد نشأ الرافعي من أوّليته أديبا يريد أن يشعر ويكتب ويتأدّب وسلخ شبابه يعمل حتى أمكنته اللغة من قيادها وألقت إليه بأسرارها فكان عالما في العربية يقول الشّعر ولو وقف الرافعي عند ذلك لدرج فيمن درج من الشعراء والكتّاب والعلماء الذين عاصروه ولو أنّه استنام إلى بعض الصيت الذي أدركه وحازه واحتمله في أمره الغرور لخفّ من بعد في ميزان الأدب حتى يرجح به من عسى أن يكون أخفّ منه ولكنّ الرّافعي خرج من هذه الفتن – التي لفّت كثرة الشعراء والأدباء وألتقمتهم فمضغتهم فطحنتهم ثم لفظتهم – وقد وجد نفسه و اهتدى إليها وعرف حقيقة أدبه وما ينبغي له وما يجب عليه فأمرّ ما أفاد من علم وأدب على قلبه ليؤدّي عنه وبرئ أن يكون كبعض مشاهير الكتاب والشعراء ممن يطيح بالقول من أعلى رأسه إلى أسفل القرطاس وللقارئ من قنابله بعد ذلك ما يتشظّى في وجهه وما يتطاير لهذا كان الرّافعي من الكتّاب والأدباء الّذين تتخذ حياتهم ميزانا لأعمالهم وآثارهم ولذلك كان كتاب (سعيد) عن حياته من الجلالة بالموضع اّلذي يسموا إليه كلّ مبصر ومن الضّرورة بالمكان الذي يلجأ إليه كلّ طالب.


    عرفت الرافعي معرفة الرأي أوّل ما عرفته ثمّ عرفته معرفة الصّحبة فيما بعد وعرضت هذا على ذاك فيما بيني وبين نفسي فلم أجد إلاّ خيرا مما كنت أرى وتبدّت لي إنسانية هذا الرجل كأنّها نغمة تجاوب أختها في ذلك الأديب الكاتب الشاعر وظفرت بحبيب يحّبني وأحبّه لأنّ القلب هو اّلذي كان يعمل بيني وبينه وكان في أدبه مسّ هذا القلب فمن هنا كنت أتلقّى كلامه فأفهم عنه ما يكاد يخفى على من هو أمثل منّي بالأدب وأقوم على العلم وأبصر بمواضع الرّأي.


    وامتياز الرافعي بقلبه هو سرّ البيان فيما تداوله من معاني الشعر والأدب وهو سرّ حفاوته بالخواطر ومذاهب الآراء وسرّ إحسانه في مهنتها وتدبيرها وسياستها كما يحسن أحدهم مهنة المال وربّه والقيام عليه وهو سرّ علوّه على من ينخشّ في الأدب كالعظمة الجاسية تنشب في حلق متعاطيه لا يبقي عليه من هوادة ولا رفق وبخاصة حين يكون هذا الناشب ممّن تسامى على حين غفلة يوم مرج أمر الناس واختلط أو كان مرهّقا في إيمانه متّهما في دينه إذ كان الإيمان في قلب الرافعي دما يجري في دمه ونورا يضيء له في مجاهل الفكر والعاطفة ويسنّى له ما أعسر إذا تعاندت الآراء واختلفت وتعارضت وأكذب بعضها بعضا.


    هذا وقد أرخيت للقول حتّى بلغ وكنت حقيقا أن أغور إلى سرّ البيان واعتلاقه من العاطفة والهوى في قول الشّاعر والكاتب والأديب لأسدد الرأي إلى مرماه وقد يطول ذلك حتى لا تكفي له فاتحة كتاب أو كتاب مفرد فإنّ البيان هو سرّ النفس الشاعرة مكفوفا وراء لفظ وما كان ذلك سبيله لا يتأتّى إلاّ بالتفصيل والتّمييز والشرح ولا تغني فيه جملة القول شيئا من غناء . وحقيق بمن يقرأ هذا الكتاب أن يعود إلى كتب الرّافعي بالمراجعة فيستنبئها التفصيل والشّرح وبذلك يقع على مادة تمدّه في دراسة فنون الأسلوب وكيف يتوجّه بفن الكاتب وكيف يتصرّف فيه الكاتب بحسّ من قلبه لا يخطيء أن يجعل المعنى واللفظ سابقين إلى غرض متواطئين على معنى لا يجوران فيجاوزانه أو يقعان دونه.


    رحمة الله عليه لقد شارك الأوائل عقولهم بفكره ونزع إليهم بحنينه وفلج أهل عصره بالبيان حين استعجمت قلوبهم وارتضخت عربيّتهم لكنة غير عربيّة ثمّ صار إلى أن أصبح ميراثا نتوارثه وأدبا نتدارسه وحنانا نأوي إليه.


    رحمة الله عليه ..





    محمود محمد شاكر

    (1) – هذه هي فاتحة كتاب (حياة الرافعي) لمحمد سعيد العريان رحمه الله


    (2) – كذلك كانت كنيته واسم ابنه البكر : محمود سامي الرافعي وإنّما سمّاه كذلك تشبيها له باسم الشاعر محمود سامي البارودي وإليه كان ينظر في صدر أيامه .


    كلمة وكليمة تأليف محمد صادق الرافعي بعناية بسّام عبد الوهاب الجابي طبعة دار ابن حزم عن الجفان والجابي للطباعة والنشر ص 173 وما بعدها نسخه على الجهاز أخوكم العاصمي من الجزائر يوم الجمعة بين صلاة العصر والمغرب
    قال الشيخ العلامة حمود بن عبدالله التويجرى - رحمه الله - :" الألبانى علم على السنة والطعن فيه طعن فى السنة "

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    956

    افتراضي رد: وقفة مع الهادي الحسني دفاعا عن الرافعي

    الرافعي


    وهذه إضافة من نفس الكتاب ..




    للأستاذ محمود محمد شاكر



    رحمة الله عليك رحمة الله عليك

    رحمة الله لقلب حزين وكبد مصدوعة





    لم أفقدك أيّها الحبيب ، ولكنّي فقدت قلبي .


    كنت لي أملا أستمسك به كلّما تقطّعت آمالي في الحياة .


    كنت راحة قلبي كلّما اضطرب القلب في العناء .


    كنت الينبوع الرّويّ كلّما ظميء القلب وأحرقه الصدى .


    كنت فجرا يتبلّج نوره في قلبي وتتنفّس نسماته فوجدت قلبي .. إذ وجدت علاقتي بك .


    لم أفقدك أيّها الحبيب ولكنّي فقدت قلبي .





    جزعي عليك يمسك لساني أن يقول ، ويرسل دمعي


    ليتكلّم . والأحزان تجد الدّمع الذي تذوب فيه لتهون وتضّاءل،


    ولكنّ أحزاني عليك تجد الدّمع تروى منه لتنمو وتنتشر.


    ليس في قلبي مكان لم يرف عليه حبّي لك وهواي


    فيك فليس في القلب مكان لم يحرقه حزني فيك وجزعي


    عليك.


    هذه دموعي تترجم عن أحزان قلبي ،


    ولكنّها دموع لا تحسن تتكلّم .


    عشت بنفس مجدبة قد انصرف عنها الخصب ، ثم رحم الله نفسي بزهرتين ترفّان نضرة ورواء .


    كنت أجد في أنفاسهما ثروة الروضة الممرغة فلا أحسّ فقر الجدب .


    أمّا إحداهما فقد قطفتها حقيقة الحياة ،


    وأمّا الأخرى فانتزعتها حقيقة الموت ،


    وبقيت نفسي مجدبة تستشعر ذلّ الفقر .


    تحت الثرى .. عليك رحمة الله التي وسعت كلّ شيء ،


    وفوق الثرى .. عليّ أحزان قلبي قلبي التي ضاقت بكلّ شيء ؛


    تحت الثرى تتجدّد عليك أفراح الجنّة ؛


    وفوق الثّرى تتقادم عليّ أحزان الأرض ..


    تحت الثّرى تتراءى لروحك كلّ حقائق الخلود .


    وفوق الثّرى تتحقق في قلبي كلّ معاني الموت .


    لم أفقدك أيّها الحبيب ولكنّي فقدت قلبي .





    حضر أجلك . فحضرتني همومي وآلامي .


    فبين ضلوعي مأتم قد اجتمعت فيه أحزاني للبكاء ؛


    وفي روحي جنازة قد تهيّأت لتسير ؛


    وعواطفي تشيّع الميت الحبيب مطرقة صامتة ؛


    والجنازة كلّها في دمي – في طريقها إلى القبر .


    وفي القلب .... في القلب تحفر القبور العزيزة التي لا تنسى .





    وفي القلب يجد الحبيب روح الحياة وقد فرغ من الحياة .


    وت جد الروح أحبابها وقد نأى جثمانها .


    في قلبي تجد الملائكة مكانا طهّرته الأحزان من رجس اللّذات .


    وتجد أجنحتها الرّوح اّلذي تهفهف عليه وتتحفّى به .


    هنا .. في القلب ، تتنزّل رحمة الله على أحبابي وأحزاني .


    ففي القلب تعيش الأرواح الحبيبة الخالدة التي لا تفنى .


    وفي القلب تحفر القبور العزيزة التي لا تنسى .





    لم تبق لي بعدك أيّها الحبيب إلاّ الشّوق إلى لقائك .


    فقدتك وحدي إذ فقدك النّاس جميعا .


    سما بك فرحك بالله ، وقعدت بي أحزاني عليك .


    لقدت وجدت الأنس في جوار ربّك ، فوجدت الوحشة في جوار النّاس .


    لم أفقدك أيّها الحبيب ولكنّي فقدت قلبي .


    لم تبق لي بعدك إلاّ الشّوق إلى لقائك .


    رحمة الله عليك ، رحمة الله عليك .





    محمود محمد شاكر
    .............................. .............................. ........................


    نشرت هذه الكلمة في (الرسالة) العدد:202 ، 7 شهر ربيع الأول سنة 1357 ه = 17 مايو/أيار سنة 1937 م ، السنة الخامسة ، الصفحة 721 (ص : 169 وما بعدها من كتاب كلمة وكليمة السابق الإشارة إليه )
    قال الشيخ العلامة حمود بن عبدالله التويجرى - رحمه الله - :" الألبانى علم على السنة والطعن فيه طعن فى السنة "

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    94

    افتراضي رد: وقفة مع الهادي الحسني دفاعا عن الرافعي

    (سهلا مهلا) تفعل كل هذا؟!
    وأقول: إن الرافعي قد تحدث في عبارة (شيطان ليطان) بكلام لعل فيه تفسيرا لعبارته هذه، وأظن أن كلامه هذا موجود في وحي القلم.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    687

    افتراضي رد: وقفة مع الهادي الحسني دفاعا عن الرافعي

    جزاك الله خيرا أخي
    بانتظار مقالاتك الأدبية

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •