شعارات الإصلاح الكاذبة!

في هذا العصر تُتداول الكثير من الشعارات والمصطلحات البراقة لإصلاح الواقع المُخزي لدول المسلمين، فتُعدُّ الخُطط، وتُصرفُ الأموال لتنفيذ المشاريع الإصلاحية؛ والنتيجةُ وهنًا على وهنٍ! ومن هُنا تجيء فلسفة مبدأ الإصلاح أهو من رأس الهرم أم قاعدته؟ هل طريق الإصلاح ينطلق من القادة أم الشعوب؟ وللإجابة على هذا التساؤل؛ فلنُفسح للتاريخ قليلاً!


في حين يَعمدُ ثلة من الناس إلى التقليل من أهمية أحداث ووقائع التاريخ للقياس عليها في واقع اليوم، إلا أنَّ التطرق لتلك العبر أمرٌ هامٌ للغاية، وليبقى الزمام مُطلقًا للقارئ في تحديد القرار. هيا للنظر إلى صورٍ من السياسة الإصلاحية للخليفة الراشد والمصلح الكبير عُمر بن عبدالعزيز الذي لم يحكم سوى سنتين ونصف!


صور من سياسة الإصلاحي عمر بن عبدالعزيز[1]
تولى عُمر بن عبدالعزيز الخلافة سنة 99 بعد ما ملأها خُلفاء بني أمية وولاتهم ظلمًا وجورًا، ونطاق حُكمه يُعادل ما يقرب من ثمانية عشرة دولة بالحدود السياسية المعروفة الآن، فبدأ حكم دولته وتأسيسها وتحصينها بالعدل:
فكل رعيته بما فيهم أولاده الذين من صلبه في ميزانٍ واحد.
وأول ما بدأ بنفسه وأهله وأولاد الخلفاء والولاة من قبله، فألغى جميع الامتيازات المخصصة لهم، ورد كُل ماصُرف لهم بغير وجه حق إلى بيت مال المسلمين، حتى عِقد زوجته -الذي أهداها إياه والدها الخليفة عبدالملك بن مروان- أعاده لبيت مال المسلمين لأنه من الامتيازات التي صُرفت بغير وجه حق.
وعزل جميع الولاة والحكام الظالمين، ورد المظالم لأصحابها، ورفع الجور والظلم عن الناس.
وحث الناس على الإبلاغ عن المظالم والتنبيه على المخالفات، ورَصَدَ المكافآت لمن يفعل ذلك، فكتب كتابًا ليُقرأ على الحجيج وفي المجامع والمحافل، جاء فيه: "أما بعد، فأيما رجل قدم علينا في رد مظلمة، أو أمر يُصلح به خاصًا أو عامًا من أمر الدين، فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار".
فرحم الله عمر بن عبدالعزيز، إنَّما وُلي ثلاثين شهرًا، فما مات حتى صار الناس لا يجدون فقيرًا ليأخذ مال الزكاة!



السياسة الإصلاحية لعمر بن عبدالعزيز منهجًا للإصلاح في الإسلام
وهكذا غدت سياسة عمر بن عبدالعزيز الإصلاحية التجديدية "منارًا للعاملين على مجد الإسلام، فقد ترسم نور الدين زنكي خطوات عمر بن عبدالعزيز في عهده، فحقق نجاحًا كبيرًا للأمة في صراعها مع الصليبيين، وكان الفضل لله، ثم للشيخ أبي حفص عمر محمد الخضر –المتوفى عام 570هـ- والذي كان أحد شيوخ نور الدين زنكي، حيث كتب لنور الدين كتابه الجامع لسيرة عمر بن عبدالعزيز لكي يسير عليها نور الدين زنكي في خطواته وجهاده"[1].



كيف يستوي الإصلاح بدون تطبيق النظام العادل على الجميع؟!
لا يصح أن يدعو الأب أولاده إلى الصدق وهو يكذب، كما لا تستوي دعوة المدير موظفيه إلى الالتزام بمواعيد الدوام وهو لا يلتزم، ولا يتفق أن يحث مدير الخزانة العاملين على الأمانة وهو يسرق! كيف لنا إذًا بدعوة الناس إلى الانتظام والصلاح والمثالية ونحن خلاف ذلك؟! بل أضحى المثالي المنتظم في دولنا مهضوم الحقوق لا سبيل له إليها غير الضرب بقواعد الصلاح والمثالية عرض الحائط! وغدا أُناسٌ يتمنون العيش بعيدًا عن أوطان الظلم والجور، طلبًا لمواطن العدل! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام"[2].

والحمد لله رب العالمين
رائد بن عبدالله الغامدي
1430.11.06هـ

_____________________________
[1] الخليفة الراشد والمصلح الكبير عمر بن عبدالعزيز ومعالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوة، د.علي الصلابي، المكتبة العصرية، صيدا- بيروت، الطبعة الأولى، 1427هـ.
[2] العدل والمساواة من أسباب بقاء الأمم، د.سفر الحوالي.