أخطر آليات تحقيق الأماني الراندية (رؤية استشرافية)
د. سعد بن مطر العتيبي



أخطر آليات تحقيق الأماني الراندية
( محاولة استشرافية حاذرة نشرت في3 رجب1428 ، الموافق 17-6-2007 ويبدو أن كثيرا مما جاء فيها قد تحقق أو يتحقق الآن على نحو واضح )





(1/2)


مما لا ينبغي الاختلاف فيه أن من واجبنا الإسلامي الوطني أن نعرف ما يُراد لنا ، وما يقال عنَّا ، وما يُفترى علينا ، لنشكر المنصِف ونُفنِّد افتراء المفتري ، بيانا للحق وزيادة توضيح له ، ونأخذ الحذر قبل وقوع الخطر امتثالا لقول الباري جل وعلا ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) .

وقبل الدخول في هذه المحاولة الاستشرافية الحاذرة أُنبِّه إلى مقولة لتشالز يوست ( Charles yost) جاء فيه : " الدرس الذي تعلمناه من حرب فيتنام : أن مقدرة الدول الكبرى على التدخل في الدول الأخرى بشكل فعّال قد تناقص وتضاءل في الزمان والمكان والتاريخ .ويمكن أن يتم تدخل دولة كبرى في حرب مع دولة أخرى عن طريق دولة حليفها لها ، وحتى إن فعلت ذلك ستكتشف لاحقاً أن ثمن التدخل يزيد كثيراً عن الفائدة المتوخاة ..." .

ولكن يبدو أن اليمينيين الذين يحكمون أمريكا حاليا يحتاجون إلى فيتنام أخرى ليتعلموا الدرس مرّة أخرى ، وهذا ما ظهرت بوادره في حروبهم التي أعلنوها بنشوة ، وسخّروا مؤسساتهم البحثية في مجاراتها مهما كانت النتائج ، وقد صرخ الأمريكان أنفسهم : لقد تحول العراق إلى فيتنام جديدة !!

1) ودخولاً في المراد : يُعدّ استبعاد البعد الديني - في الدراسة المستقبلية لعالمنا العربي والإسلامي ، مظهراً من مظاهر الدراسات الاستشراقية الحديثة أو ما يُعبّر عنه بمدرسة المستشرقين الجدد ، وقد أنصتُّ ليلةً لمحاضرةٍ كاملة من أحد هؤلاء المستشرقين ، صرّح في بدايتها بأنَّه استبعد ( البعد الديني ) من دراسته لما يعرف بالإسلام السياسي ؟! وهو موضوع محاضرته ؛ فأي موضوعية يمكن أن يقنعنا بها هذا المستشرق ! وقد بيّنت له في مداخلتي عليه ، بأن تصريحه إفصاح عن خطأ منهجي ، كشف لنا فيما بعد سرّ امتلاء محاضرته بالخلط والخبط ! الذي كان محلّ تندّر الحضور بعد ذلك ، وتتالت عليه المداخلات من عددٍ من الإخوة والأخوات تنتقد هذا الاستبعاد المستهجن للبعد الديني في دراسة الموضوعات والظواهر الإسلامية .

ويبدو أن (الرانديين) ، لا يوافقون المستشرقين الجدد في نظرتهم هذه ، ولاسيما أنهم يخدمون ما يُعرف بالمحافظين الجدد .. ولكنَّهم فكّروا وقدّروا ، مستبطنين رؤية صمويل هنتجتون في صدام الحضارات ! وأظنّ تقارير راند الأخيرة تشهد لما أقول ، فإنَّها حملت على عاتقها محاولة إبعاد الدين لا استبعاد البعد الديني .. ويكفينا لتبيّن خطورة تقاريرها التي تتبنى هذه السياسة ما نعلمه من أنها إحدى المؤسسات المعنية بالدراسات المستقبلية والخطط الاستراتيجية الأمريكية ، ومع أنَّ مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية ، إلا أنَّ لها مكتبا فاعلاً في دولة عربية مجاورة.

ويتجلى خطرها أكثر وأكثر في استهداف تقريرها السابق تغيير الإسلام ذاته ، إذ كان عنوان ذلك التقرير : (الإسلام الديمقراطي المدني : الشركاء والمصادر والاستراتيجياّت )، وقالت المشرفة على التقرير شاريل بينارد ( Cheryl Benard زوجة خليل زلماي) ! مُلمِحَة إلى صعوبة المهمّة : "إنَّ تحويل ديانة عَالَم بكامله ليس بالأمر السهل . إذا كانت عملية بناء أمّة مهمّة خطيرة ، فإنَّ بناء الدِّين مسألة أكثر خطورة وتعقيداً منها "

2) وعوداً على بدء ، فإنَّ من المهم في علم الدراسات المستقبلية : الاهتمام بالمعلومة المؤثِّرة ، حتى كان من قواعد هذا العلم قول بعض المختصين : (اصدقني في المعلومة أصدقك في التنبؤ) .

ولمَّا كانت معلومات راند حديث نفس عدائي في حرف مكتوب ، صادر ممن يعلن عداوتنا ، ويكشف سوء رؤيته لنا ، فينبغي أن نقرأ التقرير قراءة استشرافية جادة، لا تَغفل عن المنطلق الأيديلوجي والبعد الثقافي والإسقاط التاريخي الذي ينتهجه الرانديون في وضع استراتيجيتهم ضدنا . وبالعودة لتقرير راند السابق (الإسلام الديمقراطي المدني) نجد الآلية الأخطر لتحقيق مرامي التقرير مُعلنة في العنوان كما نجد تفاصيلها في صفحاته ؛ وفي مقابلة أجراها معها موقع Muslim Wakeup أكَّدت شاريل بينارد ذاتها : ضرورة دعم الحداثيين والمفكرين الذين يخدمون أهداف التقرير ومشاركتهم مشاركة فعالة، وذكرت أن هذا الدعم لا يلزم أن يكون علنياً وعلى الملأ! وحتى لو أدى هذا الدعم إلى اتهامهم بالعمالة للغرب فلا بأس؛ لأنهم مصنفين من قبل الأصوليين كأدوات للغرب على أية حال؛ لذلك فإنَّ دعمهم - على الأقل - يجعل ميدان الصراع بين الفريقين متوازنا نوعاً ما!

وإذا كان هذا قول شيريل فليصدقوها أو ليكذبوها!

3) وفي التقرير الأخير (بناء شبكات إسلامية معتدلة) جاء التصريح بإسقاط مرحلة تاريخية قريبة على فكرته التصادمية مع الإسلام وأمة الإسلام كدرس من دروس الحرب الباردة ، بغية إقناع أصحاب القرار برؤيته عبر التذكير بنشوة آثار تلك الحرب ضد السوفييت ، منضما بذلك إلى من يعتبرون الإسلام العدو الجديد ، وهو ما لم يكتف التقرير بالإشارة إليه بوصفه دينا يحول دون الرضوخ للأمركة ، والقبول بالدمقرطة المغرية بزخرف القول ، دون وضعها في ميزان عدله - فحسب ، وإنَّما صرّح به في ثناياه .

وهذا ما صار أمراً مكشوفا يُعلنه المفكّرون الغربيون الأحرار من التبعية للمحافظين الجدد ، وللسياسة الخارجية الأمريكية ، وهذا ما أكَّده Michel Bugnon -Mordont في كتابه (أمريكا المستبدة) إذ يقول : "أدركت الولايات المتحدة أن التنوع السياسي والجغرافي والتاريخي في العادات والتقاليد والمعتقدات والقوانين والثقافات يشكل حواجز و روادع إنسانية وأخلاقية أمام انتشارها فكان لابد من وضع خطط تفرض الرأي الواحد وتمحو هوية الآخرين" ، وأكتفي بإيراد هذا النص ، الذي يكشف لنا بعض خلفيات وضع الخطط الاستراتيجية للسياسة الأمريكية ، التي تُعد مؤسسة (راند) من أهم جهات تنظيرها إن لم تكن الأهم .

4) ما أحب التركيز عليه في قراءة التقرير قراءة استشرافية ، هو : لب الفكرة الراندية المتمثلة في وضع استرتيجية لتبديل الدين وتغيير أحكام شريعة رب العالمين .

ولمَّا كان القوم لهم تجربة ناجحة في تبديل دينهم المحرّف ، فإنَّ من عبر التاريخ أنّ نضع خلفيتهم تلك أمام أعيننا ونحن نقرأ أفكارهم . ذلك أن علم الاستشراف يقوم على منهجيات تعتمد أمورا منها : وضع المشاهد المستقبلية (السيناريوهات) في ضوء أنماط المشاهد الماضية ، وبتعبير آخر : الإفادة من التجارب الناجحة في الماضي في وضع الاستراتيجيات للمستقبل .

والتجربة الخطيرة التي لا أظنها تغيب عن المنظرين الغربيين من الليبراليين على وجه الخصوص ، هي تلك الوثيقة الكنسية أو (المدونة البابوية) التي وضعتها الكنيسة الغربية لها ولأتباعها متخلية بها عن ثوابتها ، وما كانت تقضي به لنفسها من حقوق وما تضعه من واجبات ، لتحظر عليهم ما كان واجبا في ديانتها ، وتحجِّر عليهم ما كان واسعا في نظرها ، وتمنح فيه خصومها من اللادينيين مكاسب هائلة تتمثل في تخليها لهم عن الشؤون السياسية والعلمية وحتى الدينية تحت مسمى ( المدنية ) .

وبغض النظر عن كيفية وقوع هذه التنازلات ، إلا أنها وقعت ! سواء كان ذلك نتيجة اختراق المجالس الكنسية من غير المتدينين بدينها ، أو كان نتيجة ضغوط هائلة تمثلت في أكوام من الاتهامات الخطيرة حول ظلمها وجورها وفسادها وضعتها في موقف الدفاع الذي أدى إلى تخريب بيتها بيدها فانهارت مبادؤها التي كانت ترتسمها على مرّ حقبها التاريخية بجرة أقلام القساوسة والكهنة .

وأمَّا رؤى المشهد المستقبلي لهذا النموذج التاريخي في تحقيق الأماني الراندية ، فهو ما سيكون مدار الحلقة الثانية من هذا الموضوع إن شاء الله تعالى .



--------------------------------------------------------------------------------

(2/2)


في الحلقة الماضية أشرت إلى أنّ علم ( استشراف المستقبل ) يقوم على منهجيات تعتمد أموراً كثيرة ، منها : وضع المشاهد المستقبلية ( السيناريوهات ) في ضوء أنماط المشاهد الماضية ، وبتعبير آخر : الإفادة من التجارب التاريخية الناجحة في وضع استراتيجيات مستقبلية مشابهة .

كما أشرتُ إلى التجربة التاريخية الخطيرة التي لا أظنها تغيب عن المنظرين الغربيين من الليبراليين على وجه الخصوص ، ألا وهي تلك الوثيقة الكنسية أو ( المدونة البابوية ) التي وضعتها الكنيسة الغربية لها ولأتباعها متخلية بها عن ثوابتها ، وما كانت تقضي به لنفسها من حقوق وما تضعه عن نفسها وأتباعها من واجبات ، لتحظر عليهم ما كان واجبا في ديانتها ، وتحجِّر عليهم ما كان واسعا في نظرها ، وتمنح فيه خصومها من اللادينيين مكاسب هائلة تتمثل في تخليها لهم عن الشؤون السياسية والعلمية وحتى الدينية تحت مسمى ( المدنية ) .

ومن أهم فوائد علم الاستشراف ( الدراسات المستقبلية ) : أنه يُعنى بكشف المشكلات المتوقعة قبل حدوثها ، ليتم التهيؤ لمواجهة تلك المشاكل ، ببذل الجهود البحثية ووضع التراتيب والخطط والسياسات المضادة ، لمنع وقوع تلك المشكلات في بداياتها أو الحد من آثارها بعد تقدّم خطواتها ؛ وهذا ما يطلق عليه بعض الباحثين : ( وظيفة الإنذار المبكر ) .

وإذا حاولنا استشراف المشهد المستقبلي للنموذج التاريخي المشار إليه في تحقيق الأماني الراندية ، وهو ما لم يصرح به التقرير المعلن لمؤسسة راند ، فإننا سنصل إلى نتائج تستوجب الحذر ، بل الحذر الشديد ، خشية أن نقع ضحايا لخطط معلنة !

وفي بيان المشهد التاريخي ، سأبدأ بعرض بعض مواد تلك الوثيقة البابوية والتنازلات الكنسية ، التي وضعها المتدينون النصارى لغير المتدينين ، وإن شئت فقل : قدَّمها الكنسيون للملحدين دون مقابل ! وعنونها خبيرُ الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية أستاذُنا د. محمد بريش بـ ( الاستبداد الديني ! أو كشف اللثام عن المدونة البابوية للمحظور من الفكر والكلام – حفريات معرفية في جذور صراع الكنيسة مع العلمانية.
(لم يجانب أستاذنا الحقيقة في عنوان دراسته ، فقد جاءت المادة (19 ) من تلك الوثيقة بتنازل كبير يمنح السلطة غير الدينية تحديد حقوق الكنيسة ، وهذا نص ما جاء في المدونة البابوية ! : " الكنيسة ليست مجتمعا صحيحا ومثالياً كامل الحريّة ، وليست لها حقوق خاصّة ودائمة ومخوّلة لها من طرف مؤسسها المقدس، بل من حق السلطة المدنية أن تحدد ما هي حقوق الكنيسة، وفي أي حدود يمكنها ممارسة تلك الحقوق " .
وجاءت المادة (31 ) بتنازل عن سلطتها في جانب الأحكام المدنية والجنائية ، ونصه : " إن المنتدى أو المحكمة الكنسية للأحكام الدنيوية لرجال الدين ، سواء على الصعيد المدني أو الجنائي ، يلزم أن تلغى كليّة ، وحتى بدون استشارة الكرسي البابوي ، ودون أي اعتبار لاحتجاجاته " . بل منحت السلطة المدنية حق التدخل في القضايا التي تتعلق بالدين والتوجه الروحي ! كما في المادة (43) ونصها : " يحق للسلطة المدنية التدخل في القضايا التي تتعلق بالدين والأخلاق والتوجه الروحي، ومن ثم فإنه يمكنها الحكم على الأوامر والتوجيهات الصادرة عن قساوسة الكنيسة " .
وفي المادة (53) ألغت المدونة الكنسية القوانين التي تحمي ميثاق المجموعات الدينية ، وتعطي الحكومة الحق في مساندة من يتخلون عن دينهم ! : " يلزم إلغاء القوانين التي تحمي ميثاق المجموعات الدينية وحقوقها ووظائفها. يمكن للحكومة المدنية أن تساند كل أولئك الذين يرغبون في التخلي عن الحالة الدينية التي اعتنقوها ومخالفة عهودهم الرسمية، وفي نفس الوقت يمكنها -أي الحكومة المدنية- أن تحل كل هذه المجموعات الدينية، وكذلك الكنائس الجامعية، ومكاسبها البسيطة في حق الإشراف، وإخضاع ممتلكاتها ومداخلها لإدارة وقوة السلطة المدنية " . وفي المادة (55) حققت المدونة البابوية أمنية العلمانيين ، بقولها : " يجب فصل الدين عن الدولة ، وفصل الدولة عن الكنيسة " !

ومن هنا يمكننا أن نبدأ قراءة استشرافية لتقرير راند المعنون بـ " بناء شبكات مسلمة معتدلة " Building Moderate Muslim Networks . وذلك في نقاط تقتصر على الإشارات :

أولاً : لنفترض كيفية وقوع تلك التنازلات : - ربما كانت نتيجة اختراق للمجالس الكنسية ممن يتظاهرون بالدين ! - أو نتيجة تغييرات تربوية وسلوكية طرأت على بعض القيادات الدينية نتيجة تأثرها بنظريات فلسفية مُخترِقة عالقة ، أو تصرفات كنسية متناقضة ، أو اضطهاد داخلي ، ونحو ذلك من المؤثِّرات .. - أو نتيجة ضغوط هائلة تمثلت في أكوام من الاتهامات الخطيرة حول ظلم الكنيسة واستبدادها وفسادها وتشويه سمعتها ، لوضعها في موقف الدفاع ، حتى أخذت تدافع بتنازل تلو تنازل ، ويضغطون علميا ( والتصرفات الكنسية الاستبدادية وغيرها قابلة للنقد العلمي ولا شك وهو ما لا يصح إسقاطه على الإسلام ) ، ويضغطون إعلاميا ، حتى أدى ذلك في نهاية المطاف إلى انهيار أهم مبادئ الكنيسة ( المحرّفة ) التي كانت ترتسمها على مرّ حقبها التاريخية ، بأقلام القساوسة والكهنة نتيجة هذه الضغوط وإشغالها بالدفاع الذي يضطرها للتنازل ، ثم إقناعها بفشل مبادئها السائدة آنذاك وتنازلها عنها بإصدار المدونة آنفة الذكر .. - وربما كانت هذه المدونة صنيع فئة أكثر حضوراً ، وأقوى أثراً وتأثيراً من الفئة المحافظة داخل الكنيسة ، في حين كان المحافظون صوتا خافتا عاجزا ، تمّ تجاوزه بقوة الخروج إلى الواقع بعد صنع قيادات بديلة .

ثانياً : لنقرأ لبّ تلك التنازلات في المشهد التاريخي : مما يمكن ملاحظته عند محاولة قراءة ذلك المشهد التاريخي : أنَّ الدين لم يُستبعد تماما ، كأثر من آثار التنازلات الكنسية ، وإنّما جُسِّد في شعارات وطقوس ووظائف تابعة فارغة من معاني السيادة والتمكين ، ليحقق أغراض السياسيين اللادينيين في هدوء واطمئنان ! وهذا الأمر ذاته تحقق في الحالة الأوربية المعاصرة ، فلا زلنا نجد النص على الدِّين في دساتير عدد من الدول [1] ! وهو أمر يطول الحديث فيه وفي دلالاته .

ومع ذلك فقد كان للمدونة البابوية أثر ظاهر في تغيير مناهج التعليم ، فكان من أُولى الخطوات التي نتجت عن التنازل الكنسي في المجال التعليمي : استبعاد ما يتعلق بذم اليهود في مناهج التعليم الأوربية ! - كما كان لتلك المدونة أثر أكبر في الجانب ( التقنيني ) والقضائي ، فقد تم إلغاء كل ما كان للكنيسة من ذلك ، بنص الماد ( 31 ) السابق ذكره ، بل أعطت المدونة الكنسية للعلمانيين حقا بالتدخل في القضايا الدينية والخلقية والروحية ! وهو ما نصت عليه المادة (43) .

وأمَّا حرية الخروج على الدين والتجديف الإلحادي فهذا لب المادة (53) من تلك المدونة التي صنعها رجال الدين ! - وأمَّا لبّ العلمانية في الناحية السياسية فهو ما نصت عليه المادة (55) التي أوجب فيها ( رجال الدين ) فصل الدين عن الدولة والدولة عن الدين ! وإذا عدنا إلى واقع أمتنا ، واستكملنا نظرتنا إليها بوضعها في مشهد ( راندي ) مستقبلي متواضع التحليل ، فإنَّنا سنجد من خطوات الواقع ما يعطي مشهدا للمستقبل - ما لم نُغير ما بأنفسنا - وذلك في جهتين :

الأولى : من جهة ظهور الدعوات التي يطمح الرانديون في تحقيقها ، وسأقتصر على أوضح أصولها :

1) ظهور الدعوات المناقضة للإسلام ، كالفكر العلماني والليبرالي وإن بلبوس إسلامي ، مستغلة الانحراف الفكري ، لفئة من المحسوبين على أهل العلم والدعوة ، منذ قرن ، كما في كتاب ( الإسلام وأصول الحكم ، المنسوب لعلي عبد الرازق ) .

2) ظهور الدعوات التي تطالب بتغيير مناهج التعليم في البلاد الإسلامية ظهورا خطِرا ، كما نشهد المناداة الإعلامية بتغيير المناهج في جميع بلاد الإسلام دون استثناء ، ولم تخل تلك الدعوات من الإشارة إلى مراعاة الآخر ، وإن كان الآخر ذلك الصهيوني المحتل لفلسطين .

3) ظهور التحريفات في الدين وتأويل النصوص من عدد من الكتّاب ممن يحسبون على أمة الإسلام ، ممن بلغت بهم الجرأة أو الجهل أو الانهزامية حدّ المجاهرة بإحياء الدعوى القاديانية المنادية بإباحة الردة عن الإسلام ، وعدم تجريم فاعلها ، بلْه معاقبته ، وذلك ضمن مقولات باطلة منها : نفيهم لمشروعية عقوبة المرتد ، مع أنها دعوى قاديانية المنشأ ، باطلة بطلان الديانة القاديانية .

ومن يقرأ تاريخ القاديانية في الهند يجدها مشهدا تاريخيا من مشاهد تمرير المشروع الغربي ، إذ هي صنيعة الحاقدين من المستشرقين وعملاء الجيش الإنجليزي ، وما أشبه الليلة بالبارحة ، فتلك الهجمة الفكرية تسببت في ظهور فتاوى من بعض علماء الهند تضمنت تنازلات من أخطرها جعل جهاد المحتل أمراً غير مشروع !

وللفائدة أُحيل إلى كلام مؤصّل في الردّ على فكرة تطبيع الردّة تلك الفكرة الخطِرة ، وتفنيد قوي لشبهات المنقادين لها ، وهو للشيخ الدكتور / يوسف القرضاوي سلمه الله ، أُلخِّصُه في قوله : " أجمع فقهاء الإسلام على عقوبة المرتد ، وإن اختلفوا في تحديدها، وجمهورهم على أنها القتل وهو رأي المذاهب الأربعة بل الثمانية ".

الثانية : من جهة الآليات التي يُتوقع لجوء منفذي المؤامرة الراندية ، في ضوء المشهد التاريخي للمدونة البابوية :

1) جمع شمل شتات ذوي الأفكار المنحرفة والسعي في التنسيق بينهم في صور متعدِّدة ، من مثل : المنتديات والمؤسسات الفكرية العامة في ظاهرها ، واللقاءات الشخصية والاستقطابية ، والإبراز الإعلامي لأشخاص مغمورين أو منحرفين معروفين ، وكذا التنظيمات التي تتخذ من ( مؤسسات المجتمع المدني ) شعارا ، ومن ( الليبرالية ) مسارا ، ومن ( المنح الأجنبية ) زادا للخيانة .

2) التنقّص من الشخصيات العلمية والدعوية ، الحقيقية كأفراد العلماء الربانيين ، والاعتبارية كهيئات الإفتاء ولجانه المعتبرة ؛ وذلك ابتغاء كسر جلال العلم وتحطيم محدِّدات المنهج ، وفتح الطريق للمشروع الأجنبي !

3) السعي في اختراق المجامع الفقهية والمجالس والروابط العلمية الإسلامية القائمة ، وتكوين أكثرية مطلقة ، ولو كانوا من الإداريين ، ليظهر أثرها في القرارات التي تتطلب تصويتا .

4) الضغط على المسلمين دولاً أو جمعيات أو مجامع فقهية أو مجالس إفتاء أو تجمعات إسلامية ، أو كلِّ ذلك ؛ لاستصدار بيانات ومواثيق متخاذلة تضع من المصلحة الملغية أو المتوهمة مستندا لتنازلاتها ، ثم تمرير مضامينها بشكل ما .

5) إيجاد مجامع أو مجالس أو روابط من المنحرفين فكريا ممن ينسبون للعلم الشرعي أو الدعوة الإسلامية ، وتلقيبهم بألقاب العلم والفتوى والفكر الإسلامي والخبرة إلخ .. ! ولا سيما في حال فشل محاولات الاختراق للمجامع الفقهية والمجالس الإفتائية القائمة .

6) استهداف إصدار بيان من علماء مسلمين ينتمون إلى مجمع فقهي يتبع منظومة الدول الإسلامية ، تُقدّم فيه تنازلات، على نمط المدونة البابوية : تنازلات عن المناهج التعليمية المحافظة وعن القضاء الشرعي حتى في الأسرة والأحوال الشخصية ، وعن الوقوف في وجه المرتدين بل وفتح المجال للردة الجماعية أمام إرساليات المنصرين ، ويُبقى فيه على مسمى الدِّين على النحو الوارد في تقرير راند 23 م ، وربما يسمح بذكر الإسلام في بعض الدساتير الإسلامية ، وما تمثيلية ( الدستور العراقي ) عنا ببعيد .

7) استصدار قرارات من المجامع أو المجالس أو الروابط أو الجمعيات العلمية تخدم الأهداف الراندية .

8) فرض مقتضيات البيان والقرارات المجمعية على الدول الإسلامية التي تمتنع عن تطبيقه ، وذلك من خلال آليات ما يُعرف بـ ( الشرعية الدولية ) كميثاق الأمم المتحدة ، سلماً بالفصل الخامس وحربا بالفصل السابع ، بحجة حماية حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية ونحو ذلك من شعارات القوم . ولقد رأينا بوادر ذلك ، وهو ما حمل على كتابة هذه الرؤية الاستشرفية الحاذرة ، مع علمي بأنها دون التحقيق المطلوب ..

هذه بعض الآليات الراندية المتوقعة لتحقيق تلك الأماني الخطيرة الخائبة بإذن الله تعالى ، وهي آليات غير إقليمية ؛ ولا شك أن ثمة آليات تخص كل بلد على حدة ، ربما تمتطي الطابور الخامس ، وتتستر بالنفاق السياسي والدبلوماسية الغدّارة ، فلا عجب أن ترى علماني فكرٍ يسعى لفتح كلية شرعية ! أو ليبرالي أدلجةٍ يطمح إلى الخطابة من منبر جامع عريق ! وإننا لنناشد علماء الإسلام في المجامع الفقهية والتجمعات العلمية أن تقف وقفة الحامي لحمى الإسلام الذائد عن حياض الشريعة .

كما نناشد قادة الأمة الإسلامية أن يأخذوا كل الاحتمالات في الاعتبار ، ويقفوا بكل ما أوتوا من قوة في وجه كل محاولة لتغيير الدين أو التنقّص من ثوابته ، أو تشويه نقائه ، فإنهم مسؤولون أمام الله تعالى أولاً ثم أمام شعوبهم ، وتاريخ أمتهم ثانياً . وليس ذلك عسيرا ، فقد وقفت الدول الإسلامية الجادة ، في إبطال بعض المؤتمرات الدولية المُغرضة ، وقفة تشكر عليها . وختاما أود التنبيه إلى أمر مهم .

ولا يسعني تجاوز التنبيه عليه في طرح موضوعٍ بخطورة هذا الموضوع ، ألا وهو : أهمية البعد عن تصنيف الأشخاص والأعيان ، والمؤسسات الدعوية ، والعلماء والدعاة وغيرهم ، ضمن آليات المخططات الأجنبية دون برهان ودليل ، فكم اتهم أشخاص بما لم يخطر لهم على بال ، وبين يدي بعض المقالات والرسائل التي يسعى في نشرها بعض أهل الغيرة ، تجاوزت الحد في التخمين ، حتى نالت من بعض خيار المسلمين .

وإن مما يريب اللبيب ، وجود أسماء وطنية عرفت بشرفها ، في طيات تقارير أجنبية مُعلنة ، كما لا يُستبعد انطلاق تلك الرسائل والمقالات من جهات مغرضة أو أشخاص مغرضين ، وصدق الله العظيم : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ، وإني لشاكر للإخوة الذين يتثبتون فيما يردهم من رسائل وما يقفون عليه من مقالات ؛ حذرا من أن يصيبوا قوما بجهالة .

كفى الله المسلمين كيد الكائدين وجعل مكائد الأعداء وبالا عليهم ، وسببا من أسباب نضج الصحوة الإسلامية العارمة ، ووفق ولاة أمور المسلمين لتحمّل مسؤولياتهم الكبيرة ، وسياسة دنياهم بالإسلام عقيدة وشريعة ؛ إنه على كل شيء قدير.


نشر بتاريخ 21-10-2009