القول الصريح الصحيح في تعيين من هو الذبيح.
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: القول الصريح الصحيح في تعيين من هو الذبيح.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي القول الصريح الصحيح في تعيين من هو الذبيح.

    بسم الله الرحمن الرحيم
    عونك يا رب

    الحمد لله وحده.. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. ثم أما بعد..
    فإن مسألة من هو الذبيح؛ قد اختلف أهل العلم سلفاً وخلفاً اختلافاً كبيراً في تعيينه على قولين.
    وقبل التعرض لهذه المسألة تجدر الإشارة إلى وقفات مهمة بين يدي بحث وتقرير المسألة؛ فأقول:
    أولاً: لم يثبت حديث صحيح واحد عنه صلى الله عليه وسلم نصاً في تحديد من هو الذبيح، وما هو منتشر في ذلك في الكتب فأحاديث ضعيفة معلّة لا تثبت قد فنّدها العلماء وفضحوا أمرها وحالها مما لا تتسع هذه العجالة في تبيينه ووضعه هنا، وأكثر ما في هذا الباب هو إما روايات منقولة عن أهل الكتاب، وإما كلامٌ موقوف على قائله لا يصح رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم,

    ثانياً: بالنسبة لمن قال أن الذبيح هو (إسحاق) فحقيقة قد استدلوا بأدلة واهية جداً لا تقارن ولا تقارع أدلة من قال أنه (إسماعيل)، بل جل متمسكهم نقولات من روايات أهل الكتاب المحرفة والتي يشهد الكتاب المقدس كما يقال بزيفها؛ فضلاً عن ضعفها، وبعض الأدلة الضعيفة الواهية التي لا تثبت. وسيأتي طرفاً من ذلك إن شاء الله.

    ثالثاً: نسبة القول بأن الذبيح هو (إسحاق) أنه قول الجمهور؛ هي نسبة مغلوطة غير صحيحة، بل العكس صحيح في ذلك، وسيأتي معك إن شاء الله بيان ذلك.

    رابعاً: أقوال أهل العلم في تعيين من هو الذبيح:
    · قال الإمام ابن الجوزي في (زاد المسير 7/72):
    (واختلفوا في الذبيح على قولين:
    أحدهما: أنه (إسحاق) قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب _ في رواية _، والعباس بن عبد المطلب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري _ في رواية _، وأبو هريرة _ في رواية _، وأنس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، ومسروق، وعبيد بن عمير، والقاسم ابن أبي بزة، ومقاتل بن سليمان، واختاره ابن جرير _ والقرطبي وانتصر له بدون تحرير _.
    وهؤلاء يقولون: كانت هذه القصة بالشام، وقيل: طويت له الأرض حتى حمله إلى المنحر بمنى في ساعة.
    والثاني: أنه (إسماعيل) قاله ابن عمر، وعبد الله بن سلام، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ومجاهد، ويوسف بن مهران، وأبو صالح، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن سابط.
    واختلفت الرواية عن ابن عباس؛ فروى عنه عكرمة أنه (إسحاق)، وروى عنه عطاء، ومجاهد، والشعبي، وأبو الجوزاء، ويوسف بن مهران؛ أنه (إسماعيل)، وروى عنه سعيد بن جبير كالقولين.
    وعن سعيد بن جبير، وعكرمة، والزهري، وقتادة، والسدي؛ روايتان، وكذلك عن أحمد رضي الله عنه روايتان، ولكل قوم حجة ليس هذا موضعها، وأصحابنا ينصرون القول الأول).

    · وقال ابن أبي حاتم في (تفسيره 10/3223):
    (وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه السلام. قال: وروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح؛ أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل).

    · وقال الإمام النووي في (تهذيب الأسماء 1/127):
    (واختلف العلماء في الذبيح هل هو (إسماعيل) أم (إسحاق)؛ والأكثرون على أنه (إسماعيل)، وكان إسماعيل أكبر من إسحاق كما سبق في ترجمة إبراهيم).

    · قال ابن أبي عاصم في (الزهد ص391):
    (سئل أبو عبد الرحمن عن الذبيح؛ فقال: أكثر الحديث إسماعيل عليه السلام، كان أبي رحمه الله يميل إلى هذا).
    · قال المرداوي في (الإنصاف 10/410):
    (الذَّبِيحُ إسْمَاعِيلُ عليه السَّلَامُ على أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْن ِ).
    · وقال في (الفروع وتصحيحه6/288):
    (وَهَلْ الذَّبِيحُ إسْمَاعِيلُ؟ اخْتَارَهُ ابن حَامِدٍ، وابن أبي مُوسَى، وهو أَظْهَرُ؛ قال شَيْخُنَا: وهو قَطْعِيٌّ. أو إِسْحَاقُ؟ اخْتَارَهُ أبو بَكْرٍ ،وَالْقَاضِي؛ قال ابن الْجَوْزِيِّ: نَصْرَهُ أَصْحَابُنَا، فيه رِوَايَتَانِ. انْتَهَى
    وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وابن الْقَيِّمِ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ إسْمَاعِيلُ من أَكْثَرَ من عِشْرِينَ وَجْهًا من الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ).
    · وقال البهوتي في (كشاف القناع 6/212):
    (وإسماعيل بن إبراهيم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام هو الذبيح على الصحيح؛ لا إسحاق، كما يدل عليه ظاهر الآية وتشهد به الأخبار).

    · وقال الفاكهي في (أخبار مكة 5/126):
    (ذكر أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام: نقل ذلك من طريق مجاهد عن ابن عباس، ومن طريق عكرمة عن ابن عباس، ونقل عن مجاهد نفسه، وعن سعيد بن المسيب، وعن سعيد بن جبير، وعن أبي الخلد، وعن عبد الله بن سلام، ولفظه: كنا نقرأ في كتب اليهود أنه إسماعيل، ونقله أيضا عن محمد بن كعب القرظي، وعن سعيد بن جبير، وعن الحسن).

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (مجموع الفتاوى 4/331) لما سئل عن الذبيح من ولد خليل الله إبراهيم عليه السلام هل هو (إسماعيل) أو (إسحاق)، فأجاب:
    (الحمد لله رب العالمين؛ هذه المسألة فيها مذهبان مشهوران للعلماء، وكل منهما مذكور عن طائفة من السلف، وذكر أبو يعلى في ذلك روايتين عن أحمد، ونصر _ أي القاضي _ أنه إسحاق إتباعا لأبى بكر عبد العزيز، وأبو بكر اتبع محمد بن جرير، ولهذا يذكر أبو الفرج ابن الجوزي أن أصحاب أحمد ينصرون أنه إسحاق، وإنما ينصره هذان ومن اتبعهما، ويحكى ذلك عن مالك نفسه لكن خالفه طائفة من أصحابه.
    وذكر الشريف أبو على بن أبى يوسف أن الصحيح في مذهب أحمد أنه إسماعيل، وهذا هو الذي رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه؛ قال: مذهب أبى أنه إسماعيل.
    وفى الجملة فالنزاع فيها مشهور، لكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل، وهذا الذي عليه الكتاب والسنة والدلائل المشهورة، وهو الذي تدل عليه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب.
    وأيضا فإن فيها أنه قال لإبراهيم: اذبح ابنك وحيدك. وفى ترجمة أخرى: بكرك.
    وإسماعيل هو الذي كان وحيده وبكره باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، لكن أهل الكتاب حرفوا فزادوا إسحاق؛ فتلقى ذلك عنهم من تلقاه، وشاع عند بعض المسلمين أنه إسحاق، وأصله من تحريف أهل الكتاب.
    ومما يدل على أنه إسماعيل قصة الذبيح المذكورة في سورة الصافات؛ قال تعالى: {وبشرناه بغلام حليم}، وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ الحلم، وأنه يكون حليما، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين}.
    وقيل لم ينعت الله الأنبياء بأقل من الحلم وذلك لعزة وجوده، ولقد نعت إبراهيم به في قوله تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم} {إن إبراهيم لحليم أواه منيب}؛ لأن الحادثة شهدت بحلمهما، {فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إني أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} إلى قوله: {وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم إنا كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين}.
    فهذه القصة تدل على أنه إسماعيل من وجوه:
    أحدها: أنه بشره بالذبيح وذكر قصته أولاً، فلما استوفى ذلك قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق} فبين أنهما بشارتان؛ بشارة بالذبيح، وبشارة ثانية بإسحاق، وهذا بيّن.
    الثاني: أنه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن إلا في هذا الموضع، وفى سائر المواضع يذكر البشارة بإسحاق خاصة، كما في سورة هود من قوله تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب}، فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفاً للوعد في يعقوب، وقال تعالى: {فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشرناه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم}، وقال تعالى في سورة الحجر:{قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين}، ولم يذكر أنه الذبيح.
    ثم لما ذكر البشارتين جميعا؛ البشارة بالذبيح والبشارة بإسحاق بعده كان هذا من الأدلة على أن إسحاق ليس هو الذبيح.
    ويؤيد ذلك أنه ذكر هِبَته وهبة يعقوب لإبراهيم في قوله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين} وقوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ولم يذكر الله الذبيح.
    الوجه الثالث: أنه ذكر في الذبيح أنه غلام حليم، ولما ذكر البشارة بإسحاق ذكر البشارة بغلام عليم في غير هذا الموضع، والتخصيص لا بد له من حكمة، وهذا مما يقوى اقتران الوصفين؛ الحلم هو مناسب للصبر الذي هو خُلُق الذبيح.
    وإسماعيل وصف بالصبر في قوله تعالى: {واذكر إسماعيل وليسع وذا الكفل كل من الصابرين}، وهذا أيضا وجه ثالث؛ فإنه قال في الذبيح: {يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}، وقد وصف الله إسماعيل أنه من الصابرين، ووصف الله تعالى إسماعيل أيضا بصدق الوعد في قوله تعالى: {إنه كان صادق الوعد} لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به.
    الوجه الرابع: أن البشارة بإسحاق كانت معجزة؛ لأن العجوز عقيم، ولهذا قال الخليل عليه السلام: {أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} وقالت امرأته: {أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا}، وقد سبق أن البشارة بإسحاق في حال الكبر، وكانت البشارة مشتركة بين إبراهيم وامرأته.
    وأما البشارة بالذبيح فكانت لإبراهيم عليه السلام، وامتحن بذبحه دون الأم المبشرة به، وهذا مما يوافق ما نقل عن النبي وأصحابه في الصحيح وغيره من أن إسماعيل لما ولدته هاجر غارت سارة فذهب إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة، وهناك أمر بالذبح، وهذا مما يؤيد أن هذا الذبيح دون ذلك.
    ومما يدل على أن الذبيح ليس هو إسحاق؛ أن الله تعالى قال: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب}؛ فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب؟! ولا خلاف بين الناس أن قصة الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام، وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم بلا ريب.
    ومما يدل على ذلك؛ أن قصة الذبيح كانت بمكة، والنبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة كان قرنا الكبش في الكعبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسادن: "إني آمرك أن تخمر قرني الكبش فإنه لا ينبغي أن يكون في القبلة ما يلهي المصلي"، ولهذا جعلت منى محلا للنسك من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهما اللذان بنيا البيت بنص القرآن ولم ينقل أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة لا من أهل الكتاب ولا غيرهم، لكن بعض المؤمنين من أهل الكتاب يزعمون أن قصة الذبح كانت بالشام فهذا افتراء؛ فإن هذا لو كان ببعض جبال الشام لعُرِفَ ذلك الجبل، وربما جعل منسكا كما جعل المسجد الذي بناه إبراهيم وما حوله من المشاعر.
    وفى المسألة دلائل أخرى على ما ذكرناه، وأسئلة أوردها طائفة كابن جرير والقاضي أبي يعلى والسهيلي ولكن لا يتسع هذا الموضع لذكرها والجواب عنها والله عز وجل أعلم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما).

    · وقال في (مختصر الفتاوى المصرية ص523):
    (هل الذبيح (إسماعيل) أو (إسحاق) فيه قولان مشهوران هما روايتان، كل منهما قول عن السلف، ونص القاضي أبو يعلى أنه إسحاق تبعا لأبي بكر عبد العزيز، وقال ابن أبي موسى: الصحيح أنه إسماعيل.
    والذي يجب القطع به أنه إسماعيل.
    يدل على ذلك الكتاب والسنة والتوراة؛ فإن فيها أنه قال لإبراهيم: اذبح ابنك وحيدك، وفي ترجمة أخرى: بكرك، وإسماعيل هو بكره ووحيده باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، لكن أهل الكتاب حرفوا فزادوا إسحاق، فتلقى ذلك منهم من تلقاه وشاع بين المسلمين.
    ومما يدل على أنه إسماعيل عليه السلام؛ قصة الذبيح التي في الصافات حيث قال: {فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} إلى قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} إلى قوله: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} فهذه القصة تدل من وجوه على أنه إسماعيل:
    أحدها: أن البشارة بالذبيح ذكر فيها قصة ذبحه، فلما استوفى ذلك قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق} فهما بشارتان: بشارة بالذبيح، وبشارة بابنه إسحاق، وهذا بيّن.
    الوجه الثاني: أنه لم يذكر قصة الذبيح إلا في هذه السورة، وفي سائر المواضع يذكر البشارة بإسحاق خاصة، كما قال في سورة هود: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} وقال تعالى في سورة الذاريات: {فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم} وقال في سورة الحجر: {قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون}، ولم يذكر مع البشارة بإسحاق أنه ذبيح مع تعدد المواضع، فإذا كان قد ذكر البشارة بإسحاق وحده غير مرة ولم يذكر الذبيح ثم ذكر البشارتين جميعا؛ البشارة بالذبيح والبشارة بإسحاق بعده؛ كان هذا من أبين الأدلة على أن إسحاق ليس هو الذبيح.
    ويؤيد ذلك أنه ذكر هِبَته وهبة يعقوب لإبراهيم بقوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين} وقوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } ولم يذكر ذلك في الذبيح.
    الوجه الثالث: أنه تعالى ذكر في الذبيح أنه غلام حليم، ولما ذكر البشارة بإسحاق قال: {بغلام عليم} في غير موضع، ولا بد لهذا التخصيص من حكمة، وهذا يقوي اقتران الوصفين، والحليم الذي هو ثابت للصبر، الذي هو خلق الذبيح، وإسماعيل وصف بالصبر في قوله: {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} وهذا وجه، فإنه قال: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين}.
    الوجه الرابع: أن البشارة بإسحاق كانت معجزة، لأن أمه عجوز عقيم وأبوه قد مسه الكبر، والبشارة مشتركة لإبراهيم وامرأته، وأما البشارة بالذبيح فكانت لإبراهيم، وامتحن بذبحه دون الأم المبشرة، ولم تكن ولادته خرق عادة، وهذا يوافق ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الصحيح من أن إسماعيل لما ولد لهاجر غارت سارة فذهب إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة وهناك كان أمر الذبح؛ فإنه يؤيد أن إسماعيل هو الذبيح ليس هو إسحاق، لأنه قال: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب، فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه؟! وكانت البشارة وقصة الذبيح في حياة إبراهيم بلا ريب.
    ويدل على ذلك أن قصة الذبيح كانت بمكة، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة كان قرنا الكبش في الكعبة، فقال للسادن: "أردت أن آمرك أن تخمر قرني الكبش فنسيت، فخمرها فإنه لا ينبغي أن يكون في القبلة شيء يلهي المصلي" فلهذا جعلت منى محلاً للنسك من عهد إبراهيم.
    وإبراهيم وإسماعيل هما اللذان بنيا البيت بنص القرآن، ولم يقل أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة، وبعض المفسرين من أهل الكتاب يزعم أن قصة الذبيح كانت في الشام، وهذا افتراء بيّن؛ فإنه لو كان ببعض جبال الشام لعرف ذلك الجبل وربما جعل منسكا كما جعل المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وما خوله من المشاعر.
    وهناك دلائل أخر وعلى ما ذكرناه أسئلة أوردها طائفة كابن جرير والقاضي أبي يعلى والسهيلي ولكن لا يتسع هذا الموضع لذكرها وجوابها).

    · وقال في (منهاج السنة النبوية 5/353):
    (ولهذا امتحن الله إبراهيم بذبح ابنه؛ والذبيح على القول الصحيح ابنه الكبير (إسماعيل) كما دلت على ذلك سورة الصافات وغير ذلك، فإنه قد كان سأل ربه أن يهب له من الصالحين فبشره بالغلام الحليم إسماعيل، فلما بلغ معه السعي أمره أن يذبحه لئلا يبقى في قلبه محبة مخلوق تزاحم محبة الخالق، إذ كان قد طلبه وهو بكره، وكذلك في التوراة يقول: اذبح ابنك وحيدك، وفي ترجمة أخرى: بكرك، ولكن ألحق المبدلون لفظ إسحاق وهو باطل، فإن إسحاق هو الثاني من أولاده باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، فليس هو وحيده ولا بكره، وإنما وحيده وبكره إسماعيل، ولهذا لما ذكر الله قصة الذبيح في القرآن قال بعد هذا: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، وقال في الآية الأخرى: {فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب}، فكيف يبشره بولد ثم يأمره بذبحه؟!
    والبشارة بإسحاق وقعت لسارة وكانت قد غارت من هاجر لما ولدت إسماعيل، وأمر الله إبراهيم أن يذهب بإسماعيل وأمه إلى مكة، ثم لما جاء الضيف وهم الملائكة لإبراهيم بشروها بإسحاق، فكيف يأمره بذبح إسحاق مع بقاء إسماعيل وهي لم تصبر على وجود إسماعيل وحده؟! بل غارت أن يكون له ابن من غيرهما، فكيف تصبر على ذبح ابنها وبقاء ابن ضرتها؟! وكيف يأمر الله إبراهيم بذبح ابنه وأمه مبشرة به وبابن ابنه يعقوب؟!
    وأيضا فالذبح إنما كان بمكة وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قرني الكبش في البيت فقال للحاجب: "إني رأيت قرني الكبش في الكعبة فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في الكعبة شيء يلهي المصلي"، وإبراهيم وإسماعيل هما اللذان بنيا الكعبة بنص القرآن، وإسحاق كان في الشام.
    والمقصود بالأمر بالذبح أن لا يبقى في قلبه محبة لغير الله تعالى، وهذا إذا كان له ابن واحد؛ فإذا صار له ابنان فالمقصود لا يحصل إلا بذبحهما جميعا، وكل من قال إنه إسحاق فإنما أخذه عن اليهود أهل التحريف والتبديل كما أخبر الله تعالى عنهم، وقد بسطنا هذه المسألة في مصنف مفرد).

    · وقال في (الرد على المنطقيين ص517):
    (ولهذا أمر إبراهيم الخليل بذبح ابنه؛ فإنه كان قد سأل الله أن يهبه إياه ولم يكن له ابن غيره، فإن الذبيح هو إسماعيل على أصح القولين للعلماء، وقول أكثرهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فقال الخليل: {رب هب لي من الصالحين} قال الله: {فبشرناه بغلام حليم} والغلام الحليم إسماعيل، وأما إسحاق فقال فيه: {فبشرناه بغلام عليم}.
    وإسحاق بشرت به سارة أيضا لما غارت من هاجر، والله ذكر قصته بعد قصة الذبيح، فإنه لما ذكر قصة الذبيح قال بعدها: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصلحين}.
    والمقصود هنا أن الله أمر الخليل بذبح ابنه بكره امتحانا له وابتلاء ليخرج من قلبه محبة ما سوى الله ليتم كونه خليلا بذلك فهذا هو الكمال).

    · قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد 1/71):
    (وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم اذبح ابنك إسحاق. قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم، لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله.
    وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب؛ فقال تعالى عن الملائكة إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: {لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه! ولا ريب أن يعقوب عليه السلام داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، وهذا ظاهر الكلام وسياقه.
    فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان يعقوب مجرورا عطفا على إسحاق، فكانت القراءة (ومن وراء إسحاق يعقوب) أي: ويعقوب من وراء إسحاق.
    قيل: لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرا به، لأن البشارة قول مخصوص وهي أول خبر سار صادق، وقوله تعالى: {ومن وراء إسحاق يعقوب} جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارة، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية، ولما كانت البشارة قولاً؛ كان موضع هذه الجملة نصباً على الحكاية بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها من وراء إسحاق يعقوب، والقائل إذا قال: بشرت فلانا بقدوم أخيه وثقله في أثره؛ لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعاً. هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه البتة.
    ثم يضعف الجر أمر آخر؛ وهو ضعف قولك: مررت بزيد ومن بعده عمرو، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجر، فلا يفصل بينه وبين المجرور كما لا يفصل بين حرف الجار والمجرور.
    ويدل عليه أيضا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات قال: {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين}، ثم قال تعالى: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، فهذه بشارة من الله تعالى له شكرا على صبره على ما أمر به، وهذا ظاهر جدا في أن المبشر به غير الأول، بل هو كالنص فيه.
    فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته؛ أي: لما صبر الأب على ما أمر به وأسلم الولد لأمر الله جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة.
    قيل: البشارة وقعت على المجموع على ذاته ووجوده وأن يكون نبيا، ولهذا نصب نبيا على الحال المقدر؛ أي: مقدرا نبوته، فلا يمكن إخراج البشارة أن تقع على الأصل ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفضلة؛ هذا محال من الكلام، بل إذا وقعت البشارة على نبوته فوقوعها على وجوده أولى وأحرى.
    وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه وإقامة لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة.
    وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليماً؛ لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه عليما؛ فقال تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون} إلى أن قال: {قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم} وهذا إسحاق بلا ريب لأنه من امرأته، وهي المبشرة به، وأما إسماعيل فمن السرية.
    وأيضا فإنهما بشرا به على الكبر واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك.
    وأيضا فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل، فأمره بذبح المحبوب، فلما أقدم على ذبحه وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة فلم يبق في الذبح مصلحة إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه، فقد حصل المقصود فنسخ الأمر وفدي الذبيح وصدق الخليل الرؤيا وحصل مراد الرب.
    ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول، بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي الأمر بذبحه، وهذا في غاية الظهور.
    وأيضا فإن سارة امرأة الخليل غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة، فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها هاجر وابنها ويسكنها في أرض مكة لتبرد عن سارة حرارة الغيرة، وهذا من رحمته تعالى ورأفته، فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها ويدع ابن الجارية بحاله؟! هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية؟! بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها وتتبدل قسوة الغيرة رحمة ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها وأن الله لا يضيع بيتا هذه وابنها منهم، وليري عباده جبره بعد الكسر ولطفه بعد الشدة وأن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه أن يمن عليه بعد استضعافه وذله وانكساره، قال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).

    · وقال في (إغاثة اللهفان 2/354):
    (وتوسطت طائفة ثالثة وقالوا: قد زيد فيها وغير ألفاظ يسيرة، ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه، والتبديل في يسير منها جدا، وممن اختار هذا القول شيخنا في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) قال: وهذا كما في التوراة عندهم أن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام: اذبح ولدك بكرك ووحيدك إسحاق، فإسحاق زيادة منهم في لفظ التوراة.
    قلت: وهي باطلة قطعا من عشرة أوجه:
    أحدها: أن بكره ووحيده هو إسماعيل باتفاق الملل الثلاث، فالجمع بين كونه مأمورا بذبح بكره وتعيينه بإسحاق جمع بين النقيضين.
    الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إسماعيل عن سارة ويسكنها في برية مكة لئلا تغير سارة، فأمر بإبعاد السرية وولدها عنها حفظا لقلبها ودفعا لأذى الغيرة عنها، فكيف يأمر الله سبحانه وتعالى بعد هذا بذبح ابن سارة وإبقاء ابن السرية؟! فهذا مما لا تقتضيه الحكمة.
    الثالث: أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا، ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيرا للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده.
    الرابع: أن الله سبحانه بشر سارة أم إسحاق بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فبشرها بهما جميعا، فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحاق وقد بشر أبويه بولد ولده؟!
    الخامس: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قصة الذبيح وتسليمه نفسه لله تعالى وإقدام إبراهيم على ذبحه وفرغ من قصته قال بعدها: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، فشكر الله تعالى له استسلامه لأمره وبذل ولده له، وجعل من إثابته على ذلك أن آتاه إسحاق، فنجى إسماعيل من الذبح وزاده عليه إسحاق.
    السادس: أن إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه سأل ربه الولد فأجاب الله دعاءه وبشره، فلما بلغ معه السعي أمره بذبحه قال تعالى: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم} فهذا دليل على أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولدا، وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعا بنص القرآن، وأما إسحاق فإنما بشر به من غير دعوة منه، بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له، وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة، ولهذا تعجبت من حصول الولد منها ومنه؛ قال تعالى: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله} فتأمل سياق هذه البشارة وتلك تجدهما بشارتين متفاوتتين؛ مخرج إحداهما غير مخرج الأخرى، والبشارة الأولى كانت له والثانية كانت لها، والبشارة الأولى هي التي أمر بذبح من بشر فيها دون الثانية.
    السابع: أن إبراهيم عليه السلام لم يقدم بإسحاق إلى مكة البتة، ولم يفرق بينه وبين أمه، وكيف يأمره الله تعالى أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ضرتها في بلدها ويدع ابن ضرتها؟!
    الثامن: أن الله تعالى لما اتخذ إبراهيم خليلا؛ والخلة تتضمن أن يكون قلبه كله متعلقا بربه ليس في شعبة لغيره، فلما سأله الولد وهبه إسماعيل فتعلق به شعبة من قلبه، فأراد خليله سبحانه أن تكون تلك الشعبة له ليست لغيره من الخلق، فامتحنه بذبح ولده، فلما أقدم على الامتثال خلصت له تلك الخلة وتمحضت لله وحده، فنسخ الأمر بالذبح لحصول المقصود وهو العزم وتوطين النفس على الامتثال.
    ومن المعلوم أن هذا إنما يكون في أول الأولاد لا في آخرها، فلما حصل هذا المقصود من الولد الأول لم يحتج في الولد الآخر إلى مثله، فإنه لو زاحمت محبة الولد الآخر الخلة لأمر بذبحه كما أمر بذبح الأول، فلو كان المأمور بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقره في الأول على مزاحمة الخلة به مدة طويلة ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك، وهذا خلاف مقتضى الحكمة فتأمله.
    التاسع: أن إبراهيم عليه السلام إنما رزق إسحاق عليه السلام على الكبر، وإسماعيل عليه السلام رزقه في عنفوانه وقوته، والعادة أن القلب أعلق بأول الأولاد وهو إليه أميل وله أحب بخلاف من يرزقه على الكبر، ومحل الولد بعد الكبر كمحل الشهوة للمرأة.
    العاشر: أن النبي كان يفتخر بقوله: "أنا ابن الذبيحين" يعني: أباه عبد الله وجده إسماعيل.
    والمقصود أن هذه اللفظة مما زادوها في التوراة).

    · وقال السبكي في (الفتاوى ص102):
    (تكلم الناس في أن الذبيح إسماعيل أو إسحاق عليهما السلام، ورجح جماعة أنه (إسماعيل)، واحتجوا له بأدلة؛ منها: وصفه بالحلم، وذكر البشارة بإسحاق بعده والبشارة بيعقوب من وراء إسحاق، وغير ذلك.
    وهي أمور ظاهرة لا قطعية؛ وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضي القطع أو يقرب منه ولم أر من سبقني إلى استنباطه؛ وهو:
    أن البشارة مرتين؛ مرة في قوله: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} فهذه الآية قاطعة في أن هذا المبشر به هو الذبيح.
    وقوله تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب} صرح في هذه الآية أن المبشر به فيها إسحاق ولم تكن بسؤال من إبراهيم عليه السلام؛ بل قالت امرأته: إنها عجوز وإنه شيخ، وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط عليه السلام وهو في أواخر أمره، وأما البشارة الأولى فكانت لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد؛ ولذلك سأله، فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين؛ إحداهما: بغير سؤال وهي بإسحاق صريحاً، والثانية: كانت بسؤال وهي بغيره، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح. والله أعلم
    ولا يرد هذا قوله: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} ووجه الإيراد ذكر هبة إسحاق بعد الإنجاء، لأنا نقول: لما ذكر لوطا وإسحاق عليهما السلام هو المبشر به في قصة لوط ناسب ذكره ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب، والبشارة الأولى لم يكن للوط فيها ذكر. والله أعلم).

    · وقال السبكي الابن في (الإبهاج 2/237):
    (الصحيح عن جمهور العلماء أن الذبيح هو (إسماعيل) عليه السلام؛ واحتجوا له بأمور كلها ظاهرة غير قطعية، واستنبط والدي رضي الله عنه من القرآن دليلا على ذلك يقارب القطع أو يقتضي القطع بذلك لم يسبقه إليه أحد؛ وهو:
    أن البشارة التي وقعت لإبراهيم عليه السلام بالولد من الله تعالى كانت مرتين: مرة في قوله: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} فهذه الآية قاطعة في أن هذا المبشر به هو الذبيح.
    وقوله تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب} فقد صرح في هذه الآية أن المبشر به فيها إسحاق، ولم يكن سؤال من إبراهيم عليه السلام، بل قالت امرأته أنها عجوز وأنه شيخ، وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط وهو في أواخر أمره، وأما البشارة الأولى لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد، ولذلك سأله؛ فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين: أحدهما: بغير سؤال وهو إسحاق صريحاً، والثانية: قبل ذلك بسؤال؛ وهو غيره، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح.
    ولا يرد على هذا قوله: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} ووجه الإيراد ذكر هبة إسحاق بعد الإنجاء، لأنا نقول: لما ذكر لوطا وإسحاق هو المباشر به في قضية لوط ناسب ذكره ولم يذكره، ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب، والبشارة الأولى لم يكن للوط فيها ذكر. والله أعلم).

    · قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري 12/378):
    (وهذه الآثار _ أي بقايا قرنا الكبش _ من أقوى الحجج لمن قال إن الذبيح إسماعيل.
    وقد نقل ابن أبي حاتم وغيره عن العباس، وابن مسعود، وعن علي، وابن عباس في إحدى الروايتين عنهما، وعن الأحنف، وعن ابن ميسرة، وزيد بن أسلم، ومسروق، وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه، وعطاء، والشعبي، وكعب الأحبار، أن الذبيح (إسحاق).
    وعن ابن عباس في أشهر الروايتين عنه، وعن علي في احدي الروايتين، وعن أبي هريرة، ومعاوية، وابن عمر، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والشعبي في إحدى الروايتين عنهما، ومجاهد، والحسن، ومحمد بن كعب، وأبي جعفر الباقر، وأبي صالح، والربيع بن أنس، وأبي عمرو بن العلاء، وعمر بن عبد العزيز، وابن إسحاق؛ أن الذبيح (إسماعيل).
    ويؤيده ما تقدم، وحديث: "أنا بن الذبيحين" رويناه في الخلعيات من حديث معاوية، ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه، وابن أبي حاتم عن أبيه، وأطنب ابن القيم في (الهدي) في الاستدلال لتقويته، وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه استنبط من القرآن دليلا وهو قوله في الصافات: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} إلى قوله: {إني أرى في المنام أني أذبحك}، وقوله في هود: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق} إلى قوله: {وهذا بعلي شيخا}؛ قال: ووجه الأخذ منهما أن سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان في وقتين، الأولى عن طلب من إبراهيم، وهو لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره فسأل من ربه الولد فبشره بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، والقصة الثانية بعد ذلك بدهر طويل لما شاخ واستبعد من مثله أن يجيء له الولد، وجاءته الملائكة عندما أمروا بإهلاك قوم لوط فبشروه بإسحاق، فتعين أن يكون الأول إسماعيل. ويؤيده أن في التوراة أن إسماعيل بكره، وأنه ولد قبل إسحاق.
    قلت: وهو استدلال جيد، وقد كنت أستحسنه واحتج به إلى أن مر بي قوله في سورة إبراهيم: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} فإنه يعكر على قوله: إنه رزق إسماعيل في ابتداء أمره وقوته، لأن هاجر والدة إسماعيل صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد فولدت هاجر إسماعيل فغارت سارة منها كما تقدمت الإشارة إليه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء وولدت بعد ذلك إسحاق واستمرت غيرة سارة إلى أن كان من إخراجها وولدها إلى مكة ما كان وقد ذكره بن إسحاق في المبتدأ مفصلا، وأخرجه الطبري في (تاريخه) من طريقه، وأخرج الطبري من طريق السدي قال: انطلق إبراهيم من بلاد قومه قبل الشام فلقي سارة وهي بنت ملك حران فآمنت به فتزوجها، فلما قدم مصر وهبها الجبار هاجر ووهبتها له سارة، وكانت سارة منعت الولد وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له ولدا من الصالحين فأخرت الدعوة حتى كبر، فلما علمت سارة أن إبراهيم وقع على هاجر حزنت على ما فاتها من الولد.
    ثم ذكر قصة مجيء الملائكة بسبب إهلاك قوم لوط وتبشيرهم إبراهيم بإسحاق فلذلك قال إبراهيم: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق}، ويقال: لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين، وقيل: كان بينهما أربع عشرة سنة، وما تقدم من كون قصة الذبيح كانت بمكة حجة قوية في أن الذبيح إسماعيل لأن سارة وإسحاق لم يكونا بمكة. والله أعلم).

    · قال القرافي في (الذخيرة 4/160):
    (قال مالك: الذبيح (إسحاق)، وقال ابن حبيب وأهل العراق وأكثر العلماء: (إسماعيل) لقوله عليه السلام: "أنا ابن الذبيحين" يعني عليه السلام أباه إسماعيل وأباه عبد الله، لأن جده عبد المطلب نذر إذا بلغ ولده عشرة أن ينحر منهم واحدا فلما أكملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح ليذبح من خرج قدحه وكتب اسم كل واحد على قدح فخرج قدح عبد الله ففداه بعشرة من الإبل ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرين إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزور فنحرها وسن الدية مائة.
    ولأن الذبح كان بمنى، وإسحاق كان بالشام.
    ولقوله تعالى بعد قصة الذبيح: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} فدل على أن صاحب القصة غير المبشر به.
    ولقوله: {ومن وراء إسحاق يعقوب} قال أئمة اللغة: والوراء ولد الولد؛ ومن المحال أن يبشره بأنه يعقب ثم يأمره بذبحه فيعتقد الخليل عليه السلام الذبح).

    · وقال الفاكهي في (أخبار مكة 5/126):
    (وقد قال الناس في الذبيح ما قالوا، فقالت العرب: هو (إسماعيل)، وقالت طائفة من المسلمين وأهل الكتاب جميعاً: أنه (إسحاق)، فإن أقوال العرب في ذلك أثبت.
    فإن الله تعالى عبر عن قصة إسماعيل بقوله: {فبشرناه بغلام حليم} إلى قوله: {إنه من عبادنا المؤمنين}، وأخبر عن قصة إسحاق بقوله: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، وإن ذكر قصة إسحاق بعد القصة التي قبلها دليل على أن إسحاق غير الذبيح، وأن ذلك يتأيد بكون سارة بشرت بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، ويعقوب هو ابن إسحاق والبشارة بيعقوب تقتضي حياة أبيه لتصح البشرى فكيف يؤمر بذبح ابنه؟!).

    · وقال ابن عابدين في (حاشيته 2/178):
    (المختار أن الذبيح إسماعيل. قوله: والمختار أن الذبيح إسماعيل؛ وفي أول الحلية أنه ظهر القولين أهـ .
    قلت: وبه قال أحمد؛ ورجحه غالب المحدثين. وقال أبو حاتم: إنه الصحيح. والبيضاوي: إنه الأظهر.
    وفي (الهدي): أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم، والقول بأنه إسحاق مردود بأكثر من عشرين وجهاً، نعم ذهب إليه جماعة من الصحابة والتابعين ونسبه القرطبي إلى الأكثرين، واختاره الطبري، وجزم به في (الشفاءة وتمامه في شرح الجامع الصغير) للعلقمي عند حديث الذبيح إسحاق.
    قال في (البحر): والحنفية مائلون إلى الأول، ورجحه الإمام أبو الليث السمرقندي في (البستان) بأنه أشبه بالكتاب والسنة.
    فأما الكتاب؛ فقوله: {وفديناه بذبح عظيم} ثم قال بعد قصة الذبح: {وبشرناه بإسحاق}.
    وأما الخبر؛ فما روي عنه عليه الصلاة والسلام: "أنا ابن الذبيحين" يعني أباه عبد الله وإسماعيل، واتفقت الأمة أنه كان من ولد إسماعيل.
    وقال أهل التوراة: مكتوب في التوراة أنه كان إسحاق، فإن صح ذلك فيها آمنا به. أهـ
    ونقل (ح) عن الخفاجي في (شرح الشفاء): أن الأحسن الاستدلال بقوله تعالى: {ومن وراء إسحاق يعقوب} فإنه مع إخبار الله تعالى أباه بإتيان يعقوب من صلب إسحاق لا يتم ابتلاؤه بذبحه؛ لعدم فائدته حينئذ. أهـ
    أي: لأنه أمر بذبحه صغيراً؛ فلا يمكن أن يكون الأمر بعد خروج يعقوب من صلبه فافهم).
    · وقال في (الحاشية 6/754):
    (وينبغي أن لا يسأل الإنسان عما لا حاجة إليه؛ كأن يقول: كيف هبط جبريل؟ وعلى أي صورة رآه النبي حين رآه على صورة البشر؟ هل بقي ملكا أم لا؟ وأين الجنة والنار؟ ومتى الساعة ونزول عيسى؟ وإسماعيل أفضل أم إسحاق؟ وأيهما الذبيح؟ وفاطمة أفضل من عائشة أم لا؟ وأبوا النبي كانا على أي دين؟ وما دين أبي طالب؟ ومن المهدي؟ إلى غير ذلك مما لا تجب معرفته ولم يرد التكليف به).

    · وقال الطحطاوي في (حاشيته على مراقي الفلاح ص354):
    (والمختار أن الذبيح إسماعيل عليه السلام، وفي القاموس أنه الأصح).

    · وقال ابن أمير الحاج في (التقرير والتحبير 3/69):
    (اختلف في الذبيح؛ قال أبو الربيع الطوفي: فالمسلمون على أنه إسماعيل، وأهل الكتاب على أنه إسحاق، وعن أحمد فيه القولان. انتهى
    ويعكره ما في (الكشاف)؛ فعن ابن عباس، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي، وجماعة من التابعين؛ أنه إسماعيل، وعن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والعباس، وعطاء، وعكرمة، وجماعة من التابعين؛ أنه إسحاق.
    وعزى الفقيه أبو الليث الأول إلى مجاهد، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي. والثاني إلى ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وأبي هريرة، وعبد الله بن سلام. قال: وهكذا قال أهل الكتابين.
    وذكر كونه (إسحاق) عن الأكثرين المحب الطبري، وكونه (إسماعيل) عنهم النووي، وصحح القرافي أنه إسحاق، وابن كثير أنه إسماعيل؛ وزاد: ومن قال إنه إسحاق فإنه تلقاه مما حرفه النقلة من بني إسرائيل. انتهى
    وذكر الفاكهي: أنه أثبت. والبيضاوي: أنه الأظهر، وهو كذلك إن شاء الله تعالى، وعليه مشى المصنف في مسألة: يجوز بأثقل، والحجج من الطرفين لها موضع غير هذا).

    · وقال ابن كثير في (تفسيره 2/453):
    ({فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق كما قال في آية البقرة: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذا قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون}، ومن ها هنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق، لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد بعد يعقوب الموعود بوجوده؛ ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ولله الحمد).
    · وقال في (تفسيره 4/15):
    (قال الله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون، وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة بكره، فأقحموا هاهنا كذباً وبهتاناً إسحاق، ولا يجوز هذا؛ لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة، وهو تأويل وتحريف باطل، لا يقال وحيدك لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له يعزه ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار.
    وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكى ذلك على طائف من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنه أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن طريق أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلماً من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح؛ ثم قال بعد ذلك: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، ولما بشر الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: {إنا بشرناك بغلام عليم}، وقال تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أن لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا؟! وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام.
    قال: فعن ابن عباس رضي الله عنهما في تسمية الذبيح روايتان؛ والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
    قال: وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم}، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: {وبشروه بغلام عليم} وأجاب البشارة بيعقوب: بأنه قد كان بلغ معه السعي؛ أي العمل، ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا. قال: وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد كنعان. قال: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك.
    هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب، ولا لازم، بل هو البعيد جداً، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي أنه إسماعيل؛ أثبت وأصح وأقوى والله أعلم).

    هذا ما أردنا جمعه في عجالة واقتضاب لكي يتضح لك أيها القارئ الكريم الصحيح الصواب في تعيين من هو الذبيح.
    نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى آمين. وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا محمد.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الدولة
    الاسكندرية - مصر
    المشاركات
    1,050

    افتراضي رد: القول الصريح الصحيح في تعيين من هو الذبيح.

    جزاك الله خيرا يا شيخى أبا محمد ، و رفع درجتك و أجزل مثوبتك و نفع بعلمك .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    11

    افتراضي رد: القول الصريح الصحيح في تعيين من هو الذبيح.

    جزاكم الله خيرا
    ولو أضفتم إلى ذلك كلام الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله فهو كلام رائع في المسألة ..

    وحتى دلالة كتاب النصارى الذي بين أيديهم تدل على أنه الولد البكر وهو إسماعيل عليه السلام

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,962

    افتراضي رد: القول الصريح الصحيح في تعيين من هو الذبيح.

    جزاكم الله خيرًا
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •