بسم الله الرحمن الرحيم
حول تفسير قوله تعالى:( وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)الحج65.(سيأتي ذكر سبب كتابتي حول هذه الآية الكريمة .)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، فقد قرر الله تعالى قبل هذه الآية الكريمة دلائل ربوبيته ليثبت بها خصائص إلهيته - كما هو شأنه تعالى في معظم آيات هذا الكتاب العظيم!- ليدحض بذلك أوهام أعداء جميع الرسل:دعاة غيره عز وجل!!قائلا سبحانه : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لرءوف رَّحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ ) (66)الحج.لأنه يدعو من دونه الإله الباطل- كود وسواع وإخوانهما, وغيرهم من البشر- ويترك دعاء الإله الحق الذي يقدر على هذه الأمور العظيمة سبحانه وتعالى، ومعلوم أن من دونه عبد مملوك لا يقدر على شيء! لا شفاعة ولا غيرها إلا بإذنه, والذي في البرزخ لا إذن له في شفاعة ولا غيرها أصلا !! وإنما تلك هي أوهام أعداء جميع الرسل عليهم لعائن الله تعالى !! الذين قال الله عنهم :( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِفرد عليهم سبحانه بقوله الكريم : ( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يونس: 18،وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيرا!! ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً )الإسراء: 89 ( فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً )الإسراء: 99( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً )الفرقان:50.
وقد ورد ضمن هذه الأمور العظيمة قوله تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، والمراد بالسماء هنا: المطر. كما قد أوضحه سبحانه في قوله الكريم : ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ )هود:52، وفي قوله الكريم : ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11) نوح، فالسماء أطلقت في هذه الآيات وأريد بها المطر قطعا! والسبب الذي دعاني إلى الكتابة في هذه الآية محاضرة ألقاها شيخنا الفاضل الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني حفظه الله! على طلاب جامعة الإيمان، حينما خرجوا في رحلة إلى شلال بني مطر في يوم 13/ 11/ 1416هـ ، وكان موضوعها التفكرَ في آيات الله الكونية، ومن ذلك تكون السحاب ونزول المطر، وكان مما ذكره الشيخ حفظه الله! أن بعض السحاب يكون محملا بالماء، ولكنه لا ينزل، فمن يمسكه؟ وعند هذا السؤال خطرت ببالي الآية المذكورة، ولما قابلت الشيخ على الغداء ذكرت له الآية وأنه يمكن أن يكون من معانيها إمساك المطر عن النزول إلا بإذن الله. فقال لي: من قال هذا؟ قلت: نسأل المفسرين, فابتسم وهز رأسه! فقلت: أتعجب من جرأتي ؟ قال: المراد بالآية يوم القيامة. قلت: لكني أفهمها على هذا الوجه أيضا. فازداد عجبه! ولما رجعت إلى البيت شرعت في البحث عن معنى الآية عند المفسرين فلم أجد أحدا ممن قرأت له وافقني على ما ذهبت إليه, فعلمت أن الشيخ كان على علم بما يقول !
إلا أن العلامة الآلوسي رحمه الله تعالى قال في تفسيره روح المعاني 17/ 194 بعد كلام له : ثم إنه لا دلالة في الآية على وقوع الإذن بالوقوع, وقيل فيها إشارة إلى الوقوع, وذلك يوم القيامة, فإن السماء فيه تتشقق وتقع على الأرض, وأنا ليس في ذهني من الآيات أو الأخبار ما هو صريح في وقوع السماء على الأرض في ذلك اليوم, وإنما هي صريحة في المور والانشقاق والطي والتبدل وكل ذلك لا يدل على الوقوع على الأرض فضلا عن أن يكون صريحا فيه.. والظاهر !!! أن المراد بالسماء جنسها الشامل للسماوات السبع!!! ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال : إذا أتيت سلطانا مهيبا تخاف أن يسطو بك فقل : الله أكبر الله أكبر من خلقه جميعا الله أكبر مما أخاف وأحذر أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السماوات السبع!! أن يقعن على الأرض إلا بإذنه!!! من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس.. إلهي كن لي جارا من شرهم جل ثناؤك وعز جارك وتبارك اسمك لا إله غيرك ثلاث مرات.
والظاهر أيضا أن مساق الآية للامتنان لا للوعيد كما جوزه بعضهم ويؤيد ذلك قوله تعالى : (إن الله بالناس لرؤف رحيم) حيث سخر لهم ما سخر ومنَّ عليهم بالأمن مما يحول بينهم وبين الانتفاع به من وقوع السماء على الأرض وقيل حيث هيأ لهم أسباب معايشهم وفتح عليهم أبواب المنافع وأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية..
وجعلُ الجملةِ تعليليةً في ضمن ألم تر أن الله سخر.. الخ أظهر فيما قلنا, والرأفة قيل ما تقتضي درء المضار والرحمة قيل ما تقتضي جلب المصالح ولكون درء المضرة أهم من جلب المصلحة قدم (رءوف) على (رحيم) وفي كل مما امتن به سبحانه درء وجلبُ نعمٍ! قيل إمساك السماء عن الوقوع أظهر في الدرء ولتأخيره وجه لا يخفى وقال بعضهم : الرأفة أبلغ من الرحمة وتقديم رءوف للفاصلة وذهب جمع إلى أن الرحمة أعم ولعله الظاهر وتقديم (بالناس) للإهتمام وقيل للفاصلة والفصل بين الموضعين مما لا يستحسن) اهـ
قلت: وإذ قد انتفت القرينة المساعدة ـ فضلا عن الدليل القاطع ـ على أن المراد بالآية وقوع السماء على الأرض يوم القيامة، وقامت ـ من جهة أخرى ـ القرائن القوية بل الأدلة الصريحة من القرآن والسنة ولغة العرب على أن لفظ السماء المفرد يطلق ويراد به السحاب تارة، والمطر تارة أخرى، في غير ما آية أو حديث فقد تأيد كون المراد بإمساك السماء في هذه الآية إمساك المطر عن أن يقع على الأرض إلا بإذنه تبارك وتعالى؟ لا سيما وقد سبق الآية المذكورة قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)) فهي مسوقة للامتنان لا للتهديد والوعيد بل للاحتجاج على بطلان عبادة أشباه ود وسواع وإخوانهما كما تقدم.
ثم إن أمرا عظيما ـ كوقوع جرم السماء العظيم على الأرض التي هي أصغر منه بما لا يقاس بمقياس ـ لا ينبغي القول على الله به بعد تضافر الأدلة الصريحة التي لا يتطرق إليها الاحتمال. وهو أن هذه الآية يراد بها إمساك وقوع المطر على الأرض إلا بإذنه تعالى! وقد أيدت هذا المعنى آيات صريحة بل هناك أدلة تؤيده وتقويه من اللغة العربية.
وعندما هدد الله أعداءه قال: (إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (سبأ:9)فهددهم بكسف من السماء لا بالسماء، وذلك في أكثر من آية ! وكما أن هذه الآية تحدثت عن إمساك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه تبارك وتعالى تحدثت آيات أخر عن إرسالها مدرارا، والإرسال يسبقه الإمساك أو يقابله كما في قوله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )(فاطر:2).
وإطلاق السماء وإرادة السحاب أو المطر معروف في القرآن والسنة ولغة العرب,
ففي الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: ( صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل....الحديث).
وفي صحيح مسلم حديث صاحب الطعام الذي أدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده فيه فوجد بللا فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله.....وغير ذلك من الأحاديث كثير ، ومنه قول الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
فلا افتئات على الله تعالى، ولا على لغة العرب ممن فهم الآية على هذا الوجه، واحتج بها فيه، لكثرة نظائرها في القرآن والسنة ولغة العرب، وإن قيل: إن فهم الآية على هذا الوجه فيه مخالفة لما عليه المفسرون قلنا: إن فهم القرآن ليس حكرا على أحد من الناس بعينه ومعاني القرآن الكريم ما زالت متجددة وستظل كذلك وقد كشف العلماء المتأخرون من معاني القرآن الكريم ما لم يدر بخلد المفسرين القدامى، ولم يعب ذلك عليهم أحد ما دام موافقا للنصوص الشرعية واللغة العربية وله شواهد منهما كما هو الحال في هذه المسألة، والمجال ما زال مفتوحا، وكنوز القرآن لن تنفد ولله الحمد والمنة.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.

كتبه/ يعقوب بن حسين بن عبد الله المعولي.